إلقاء اللوم على اللوبي

مقال رأي

 

ارتاع العديد من الفلسطينيين والعرب خلال الأعوام الخمسة والعشرين الأخيرة، سواء أداخل الولايات المتحدة أم في العالم العربي، من قوة اللوبي المؤيّد لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، إلى الحد الذي غدت معه أية دراسة أو كتاب أو مقال صحفي يكشف خفايا الكيفية التي يدار بها هذا اللوبي والنفوذ المؤثّر والقوة المالية والسياسية التي يتمتع بها، تستقبل بتنهدات الانتشاء بأن الأمريكيين استطاعوا أخيرًا أن يدركوا "الحقيقة" ويكتشفوا "خطأ" مسارهم.

ولطالما كانت الحُجَّة الكامنة خلف هذا الافتراض بسيطة، رددها حلفاء نظام واشنطن في العالم العربي مرارا وتكرارا، كما رددها المثقفون العرب الليبراليون والمحافظون المؤيدون للولايات المتحدة، والمثقفون والساسة الأمريكيون السابقون، سواء من المحافظين أم الليبراليين، كما رددها الناشطون اليساريون العرب والأمريكيون المؤيدون للحقوق الفلسطينية تحديدًا؛ وتقوم هذه الحجة على فرضية أنه لولا وجود اللوبي المؤيّد لإسرائيل لما دعمت أمريكا، في أسوأ الأحوال، قمع العرب والفلسطينيين، وفي أحسن الأحوال، لكانت أفضل حليف وصديق للعرب والفلسطينيين.

ما الذي يجعل هذه الحُجَّة مقنعة ومؤثرة في السياق العربي؟ وما الذي يجعل أصدقاء واشنطن العرب يلوحون بمزاعمها باستمرار أمام الجماهير العربية والأمريكية كحُجَّة مقنعة؟ سأحاجج أن ما يضفي جاذبية على هذه الحُجَّة هوأنها تقوم بتبرئة حكومة الولايات المتحدة من كل المسؤوليات والاتهامات التي تستحقها نتيجة سياساتها في العالم العربي، وتمنح أملًا كاذبًا للعديد من العرب والفلسطينيين الذين يتوقون لأن تقف أمريكا إلى جانبهم بدلًا من وقوفها إلى جانب أعدائهم.

ولنبدأ بالفرضية الأساس التي تقوم عليها هذه الحُجَّة، والمتمثلة في أثرها في تحويل المسؤولية عن السياسات الأمريكية من الولايات المتحدة من الحكومات الأمريكية إلى إسرائيل واللوبي الداعم لها في أمريكا. ووفقًا لهذا المنطق، لا يلقى اللوم على الولايات المتحدة التي يجب أن تتحمل المسؤولية المباشرة عن جميع سياساتها الإمبريالية في العالم العربي والشرق الأوسط منذ الحرب العالمية الثانية، بل على إسرائيل واللوبي الداعم لها حيث تزعم الحجة بأنهما من دفعاها لاتخاذ سياسات ضارة بمصلحتها الوطنية، تعود بالنفع فقط على إسرائيل. وحسب منطق هذه الدراسات أيضا، فإن من يستحق اللوم عن تأسيس ودعم الدكتاتوريات العربية ودكتاتوريات الشرق الأوسط الأخرى، وتسليح وتدريب جيوشها، وتأسيس أجهزة الشرطة السرية الخاصة بها، وتدريبها على طرق التعذيب الفعالة، ومكافحة الثورات، هما إسرائيل واللوبي الداعم لها في أمريكا. كما تصر هذه الدراسات على أن المسؤول عن عرقلة الولايات المتحدة للدعم الدولي ودعم الأمم المتحدة لحقوق الفلسطينيين، وعن تسليحها لإسرائيل ودعمها ماليًا في حربها ضد المدنيين، وحماية إسرائيل من غضب المجتمع الدولي، ليست هي الولايات المتحدة وإنما إسرائيل واللوبي الداعم لها أيضا. بالإضافة إلى ذلك، واستنادا إلى هذا المنطق، فإن إسرائيل لا الولايات المتحدة هي من يجب أن تساءل عن تحكم الولايات المتحدة بالاقتصادات والموارد المالية العربية، وعن هيمنتها على الاستثمارات الرئيسة في الشرق الأوسط، وعن فرض سياسات إعادة الهيكلة الاقتصادية التي يقودها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والتي تفقر الشعوب العربية. وأخيرًا، يجب توجيه اللوم أيضًا إلى لوبي إسرائيل لا إلى حكومة الولايات المتحدة عن تجويع الأخيرة للعراقيين، ومن ثم القيام بغزو بلادهم، والتهديد بغزو سوريا، وشن غارات وفرض عقوبات على ليبيا وإيران، وحصار الفلسطينيين وقادتهم. في واقع الأمر، قام العديد من الطغاة العرب المؤيدين للولايات المتحدة، على نحو رسمي وغير رسمي، وعلى مدار سنوات، بتسريب أخبار مفادها أن أصدقاءهم من الدبلوماسيين الأميريكيين قد أخبروهم مراراً وتكراراً إلى أي مدى كانوا، ومعهم "أمريكا"، سيدعمون العالم العربي والفلسطينيين لولا نفوذ اللوبي المؤيّد لإسرائيل (والذي يتم وصفه أحيانا من قِبل الدبلوماسيين الأمريكيين بصفات "عرقية" أكثر صراحة).

وبينما تمتاز العديد من الدراسات التي تتناول اللوبي المؤيّد لإسرائيل بالتوازن، وبحشد التفاصيل الموثّقة والمثيرة للهلع عن السلطة الهائلة التي تمتلكها مجموعات مثل اللجنة الأمريكية لشؤون إسرائيل العامة (أيباك) وحلفاؤها، إلا أن مشكلة معظم هذه الدراسات تكمن في المسكوت عنه. فعلى سبيل المثال، متى وفي أي سياق و في أي وقت من الأوقات قامت الولايات المتحدة بدعم التحرر الوطني في العالم الثالث؟ يكشف السجل التاريخي للولايات المتحدة بأنها كانت دائما العدو العنيد لجميع حركات التحرر الوطني في العالم الثالث، بما فيها الأوروبية، من اليونان إلى أمريكا الجنوبية وصولا إلى إفريقيا وآسيا، فيما عدا الحالات التي تم الاحتفاء بها كدعم الأصوليين الأفغان في حربهم ضد الاتحاد السوفييتي ودعم الحلفاء الإرهابيين لنظام الفصل العنصري الجنوب إفريقي في أنغولا وموزمبيق (يونيتا ورينامو) ضد حكوماتهم الوطنية المعادية للاستعمار. لكن هذه الدراسات لا تقدم أي تفسير أو شرح البتة للأسباب التي قد تؤدي بالولايات المتحدة لدعم التحرر الوطني في العالم العربي في حال عدم وجود اللوبي المؤيد لإسرائيل.

لقد اتبعت الولايات المتحدة سياسة ثابتة منذ الحرب العالمية الثانية، تتمثل بمحاربة جميع الأنظمة في دول العالم الثالث التي تصرّ على التحكم في ثرواتها القومية، سواء أكانت أرضًا، أم بترولا، أم أية معادن ثمينة أخرى. ويمتد هذا من إيران في عام ١٩٥٣ إلى غواتيمالا في عام ١٩٥٤، ومنهما إلى باقي أنحاء أمريكا اللاتينية وصولاً إلى فنزويلا الحالية. وقد كان مصير إفريقيا أسوأ بكثير خلال العقود الأربعة الأخيرة، كما هو حال العديد من البلدان في آسيا. فلِمَ إذاً كانت الولايات المتحدة ستدعم أنظمة قومية في العالم العربي تعمل على تأميم الموارد الطبيعية وتوقف عملية سلبها عن طريق رأس المال الأمريكي في حال عدم وجود اللوبي المؤيّد لإسرائيل؟ يظل هذا لغزًا لا تقوم تلك الدراسات بتفسيره. وأخيرًا، عارضت الولايات المتحدة وأطاحت أو حاولت الإطاحة بأي نظام يسعى إلى تحقيق استقلال واقعي وملموس في العالم الثالث وتزعجها بصورة خاصة تلك الأنظمة التي تحاول تحقيق هذه السياسات من خلال الانتخابات الديموقراطية. وتبرز في هذا السياق عمليات الإطاحة بأنظمة مثل نظام أربينز وغولارت ومصدّق وأييندي والمحاولات المستمرة للإطاحة بتشافيز كأمثلة على هذه السياسة، فضلا عن الإطاحة بالأنظمة القومية من قبيل نظامي سوكارنو ونكروما. أما الإرهاب الذي تم إطلاقه على الشعوب التي تحدّت الأنظمة الموالية والمنصّبة من قِبل الولايات المتحدة من السلفادور ونيكاراغوا إلى زائير وتشيلي وإندونيسيا، فقد تسبب في مقتل مئات الآلاف، إن لم يكن الملايين، على أيدي قوات الشرطة والقوات العسكرية التي تم تدريبها لهذه المهمات المهمة من قِبل الولايات المتحدة. ناهيك عن الغزو الأمريكي المباشر لبلدان جنوب شرق آسيا وأمريكا الوسطى الذي أودى بحياة ملايين لا تحصى على مدى عقود. لا توضح لنا هذه الدراسات ولا حتى تقترب من شرح الأسباب التي قد تؤدي بالولايات المتحدة ومؤسساتها القمعية، في حال عدم وجود اللوبي المؤيّد لإسرائيل، للتوقف عن غزو الدول العربية أو عن دعم قوات الشرطة القمعية للأنظمة العربية الديكتاتورية، أو الامتناع عن تشكيل حكومات ظل داخل سفاراتها في العواصم العربية لإدارة شؤون تلك البلاد (تدير، في بعض الحالات، حكومة الظل التابعة للولايات المتحدة بعض الدول العربية في أصغر التفاصيل مع حصر سلطة الحكومة في تلك الدول بتنفيذ الأوامر لا أكثر).

كانت الحجج التي تقدمها هذه الدراسات ستكون أكثر إقناعًا لو كان اللوبي الإسرائيلي يجبر حكومة الولايات المتحدة على اتباع سياسات في الشرق الأوسط لا تتوافق مع سياساتها في باقي أنحاء العالم. لكن ذلك أبعد ما يكون عن الواقع؛ فبينما قد تكون سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط أشد صلافة من سياساتها القمعية والمعادية للديموقراطية في باقي أنحاء العالم، إلا أنها لا تتناقض معها.  ويستطيع المرء أن يحاجج بسهولة بأن قوة اللوبي المؤيّد لإسرائيل هي المسؤولة عن هذه الصلافة، بيد أن هذا الإدعاء أيضاً ليس مقنعًا تمامًا. بل يمكننا أن نجادل (وقد ناقشت الموضوع في مناسبة أخرى) بأن حقيقة الأمر هي أن مركزية إسرائيل بحد ذاتها في استراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط هي ما يفسر، ولو جزئيًا، مدى قوة اللوبي المؤيّد لإسرائيل وليس العكس. في واقع الأمر، قامت  الكثير من الدراسات الأخيرة بإلقاء الضوء على دور الأعضاء المؤيدين لليكود في إدارة بوش (أو حتى في إدارة كلينتون) كدليل على قوة اللوبي الساحقة، بينما يمكن بسهولة المجادلة بأن هؤلاء الساسة الأمريكيين هم الذين دفعوا حزبي الليكود والعمل إلى التصلب أكثر في مواقفهم في  التسعينيات، ويدفعونهما الآن لمزيد من الغزوات كونهم تبوؤا سدة الحكم في الولايات المتحدة. لكن هذا لا يعني أن قادة اللوبي المؤيّد لإسرائيل في الولايات المتحدة لا يفاخرون عادة بتأثيرهم الحاسم في الكونغرس وفي البيت الأبيض على سياسة الولايات المتحدة، فقد فعلوا ذلك مرارًا منذ نهاية السبعينيات. بيد أن قوة اللوبي في الولايات المتحدة تنبع من أن مطالبه الرئيسة هي تعزيز مصالح الولايات المتحدة، وبأن دعمه لإسرائيل إنما يجيء في سياق دعمه لمجمل استراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. ولا يختلف بذلك دور اللوبي المؤيّد لإسرائيل عن الدور الذي لعبه اللوبي المؤيّد للصين (تايوان) في الخمسينيات، والذي ما يزال يلعبه اللوبي المؤيّد لكوبا اليوم. وتثبت حقيقة أن اللوبي المؤيد لإسرائيل أكثر قوة من أي لوبي أجنبي آخر في الكونغرس أهمية إسرائيل في استراتيجية الولايات المتحدة وليس قوة خيالية يمتلكها هذا اللوبي بعيدا عن "المصلحة القومية" للولايات المتحدة. فما كان اللوبي المؤيّد لإسرائيل ليقدر على ترويج رسالته هذه أو ليمتلك أي نفوذ لو كانت إسرائيل بلدًا شيوعيًا أو معاديًا للإمبريالية مثلا، أو معادية لسياسة الولايات المتحدة في أنحاء أخرى من العالم.

سيجادل البعض بأنه رغم محاولات إسرائيل ربط مصالحها بمصالح الولايات المتحدة، إلا أن اللوبي الداعم لها يضلل صناع السياسة الأمريكية ويحول مواقفهم التي هي في حقيقة الأمر في صالح الولايات المتحدة إلى ما هو في صالح إسرائيل. وتقدم الحُجَّة على النحو الآتي: يتسبب دعم الولايات المتحدة لإسرائيل في جعل الحركات المعادية لإسرائيل كارهة للولايات المتحدة مما يؤدي إلى استهداف الأخيرة بالهجمات. وهو ما يؤثّر أيضًا سلبًا في الصورة الإعلامية للولايات المتحدة في العالم العربي، كما يؤثّر على استثماراتها المحتملة في البلدان العربية، ويفقدها حلفاءها المهمين في المنطقة أو على الأقل يضعفهم. والواقع، أن أيًا من ذلك ليس صحيحا؛ فبينما مثلت الولايات المتحدة وتمثل الداعم والممول الأكبر لإسرائيل، ومُوَرّد الأسلحة والمدافع المخلص عنها، إلا أنها حافظت على تحالفاتها الاستراتيجية مع معظم، إن لم نقل،  جميع الديكتاتوريات العربية، بما فيها السلطة الفلسطينية تحت قيادة ياسر عرفات ومحمود عباس. وما هو أنكى من ذلك، هو حفاظها على الوجود الأكبر للشركات والاستثمارات الأمريكية عبر العالم العربي، وأبرزها،-على سبيل المثال لا الحصر، في قطاع النفط. إضافة إلى ما سبق، فحتى دون الجهود غير الفعالة والمثيرة للشفقة للدعاية الأمريكية التي تبثها في العالم العربي عبر هيئة محطة تلفاز "الحرّة" أو راديو "سوا" أو مجلة "هاي" التي أوقف نشرها نتيجة عدم فعاليتها، إضافة إلى الصحفيين المأجورين للولايات المتحدة في العراق وأماكن أخرى، فثمة جيش كامل من الصحف الحكومية ومحطات التلفاز المملوكة للدول العربية، فضلا عن الكم الوافر من  القنوات الفضائية، التي تحتفي بالولايات المتحدة وثقافتها، من خلال بثها لبرامج أمريكية تروج لوجهة النظر الأمريكية وتحقق قدرا كبيرا من النجاح لا تضعفه إلا السياسات الفعلية للولايات المتحدة في المنطقة التي لا يمكن أن يقبلها عقل. ولا تختلف بذلك محطة "الجزيرة" المزعجة التي أخذت مؤخرا بتمرير وجهة النظر الأمريكية التي أيضا تضعفها باستمرار سياسات الولايات المتحدة في المنطقة. فقد قامت "الجزيرة"، على سبيل المثال، تحت ضغوط رهيبة وتهديدات بالقصف من قِبل الولايات المتحدة، بالتوقف عن الإشارة إلى قوات الاحتلال الأمريكي في العراق بـ "قوات الاحتلال"، حيث تشير إليهم الآن بــ"قوات التحالف". وعلاوة على ذلك، متى كانت الولايات المتحدة تولي اهتماما لاكتساب الشعبية بين شعوب العالم؟ فالعرب لا يكرهون أو يحبون الولايات المتحدة أكثر أو أقل من شعوب أمريكا اللاتينية، أو الأفارقة، أو الآسيويين، أو حتى الأوروبيين على وجه الخصوص.

نأتي، أخيرًا، إلى الحُجَّة المالية، وهي أن الولايات المتحدة تزود إسرائيل بمبالغ طائلة من الأموال التي تُعتبر ثمنًا باهظًا جداً لما تحصل عليه في المقابل. لكن الولايات المتحدة، في واقع الأمر، تنفق أكثر بكثير على قواعدها العسكرية في العالم العربي، ناهيك عن تلك الموجودة في أوروبا وآسيا، مما تنفقه على إسرائيل. فقد كانت إسرائيل في الواقع فعالة جدًا في أداء خدمات للسيّد الأمريكي مقابل ثمن جيد، سواء أكان ذلك عن طريق تهريب أسلحة غير مشروعة إلى طغاة أمريكا الجنوبية في السبعينيات والثمانينيات، أم عن طريق مساعدة الأنظمة المنبوذة مثل تايوان ونظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا في نفس الفترة، أم من خلال دعم المجموعات المؤيدة للولايات المتحدة، بما في ذلك الفاشية منها،- في العالم العربي لتقويض الأنظمة القومية العربية من لبنان إلى العراق إلى السودان، أو مساعدة الأنظمة المحافظة المؤيدة للولايات المتحدة عندما تواجه التهديد كما فعلت مع الأردن في عام١٩٧٠، أو مهاجمة الأنظمة القومية العربية مباشرة كما فعلت في عام  ١٩٦٧ مع مصر وسوريا وفي عام ١٩٨١ مع العراق عندما دمرت مفاعله النووي. وبينما كانت الولايات المتحدة قادرة على الإطاحة بأنظمة سوكارنو ونكروما بانقلابات دموية، بقي عبد الناصر صامدًا حتى قامت إسرائيل بفعالية بتحييده في حرب ١٩٦٧، وبفضل تلك الخدمة الكبيرة قامت الولايات المتحدة بزيادة دعمها لإسرائيل باطراد. كما قامت إسرائيل أيضًا بتحييد منظمة التحرير الفلسطينية في عام ١٩٨٢، وهي خدمة ليست بالبسيطة لأنظمة عربية عديدة ولداعمتها الولايات المتحدة التي لم تستطع أن تسيطر كليًا على المنظمة حتى ذلك الوقت. لا تستطيع أيًا من القواعد الأمريكية التي تنفق عليها المليارات التباهي بمثل هذا السجل الحافل. يجادل النقاد بأنه عندما اضطرت الولايات المتحدة إلى التدخل في الخليج لم تستطع الاعتماد على إسرائيل لأداء هذه المهمة بسبب حساسية ضمها إلى مثل ذلك التحالف، الذي كان سيحرج الحلفاء العرب، لذا كانت الحاجة للتدخل المباشر للولايات المتحدة وعدم فائدة إسرائيل كحليف استراتيجي. وفي حين أن هذا قد يكون صحيحًا، فالولايات المتحدة أيضًا لم تستطع الاعتماد على أي من قواعدها لبدء الهجوم بمفردها واضطرت إلى إرسال جيشها للمنطقة. لقد وفرت القواعد الأمريكية في الخليج دعما مهما وضروريا للجيش الأمريكي وهو ما قامت به إسرائيل أيضا.

إن منظمة إيباك قوية بالفعل في دفعها بسياسات تتوافق مع المصالح الأمريكية وتتناغم مع الأيديولوجيا الإمبريالية الأمريكية المهيمنة. ولا تعتمد قوة اللوبي المؤيّد لإسرائيل، سواء في الكونغرس أو بين المسؤوليين الإداريين في الجامعات أو صانعي السياسات، فقط على مهاراته التنظيمية أو تماثله الأيديولوجي معهم. فإن المواقف المعادية للسامية في الكونغرس (وبين المسؤوليين الإداريين في الجامعات) تلعب، إلى حد كبير،  دورًا في تصديق الادعاءات المبالغ فيها للوبي (وأعدائه) عن قوته الفعلية، مما ينتج عنه استجابتهم لإملاءاته. لكن حتى إن كان ذلك صحيحًا، يمكن للمرء أن يجادل بأنه لا يهم إن كانت  قوة اللوبي هذه حقيقية أو متخيّلة؛ لأنه طالما ظل الكونغرس وصناع السياسات (ومديري الجامعات) مقتنعين بأن اللوبي يمتلك تلك القوة، سوف يظل اللوبي فعالًا وقويًا. وأنا بالطبع أقر بتلك الحجة.

إذاً، ما وجه الاختلاف الممكن في سياسة الولايات المتحدة لو لم تكن إسرائيل واللوبي القوي المؤيد لها موجودين؟ الإجابة باختصار هي الحدة والتفاصيل، لكن ليس اتجاه، أو مضمون، أو حتى تأثير هذه السياسات. هل اللوبي المؤيّد لإسرائيل شديد القوة في الولايات المتحدة؟ أستطيع، كشخص ظل يواجه أشد وطأة ممكنة لهذا اللوبي خلال السنوات الثلاث الأخيرة ونفوذه الهائل على جامعتي ومحاولاته لطردي من الجامعة، أن أجيب دون تردد بنعم مدوية. ولكن هل هو مسؤول بشكل أساسي عن سياسات الولايات المتحدة تجاه الفلسطينيين والعالم العربي؟ بالقطع لا. إن سبب المعارضة التي تواجهها الولايات المتحدة في العالم العربي، كما في أي مكان آخر، هو أنها اتبعت وما تزال تتبع سياسات معادية لمعظم الشعوب في هذه الدول، تخدم فقط مصالحها الخاصة ومصالح نظم الأقليات الحاكمة في المنطقة التي تخدم بدورها مصالح الولايات المتحدة، بما في ذلك إسرائيل. وفي حال غابت هذه السياسات، وليس اللوبي المؤيّد لإسرائيل الذي يدعمها، فيمكن للولايات المتحدة أن تتوقع تغيرًا في موقف العرب منها. ولكن إن لم يحدث ذلك، فعلى الولايات المتحدة أن تستمر في سياساتها في المنطقة التي سببت، وما تزال تسبب، الدمار لمعظم العرب دون أن تتوقع الحب من العرب في المقابل.

 

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب