الجنرال الحذر: السيرة الذاتية لقائد "فيلق القدس" قاسم سليماني

ورقة بحثية

"لماذا لا نقتلهم؟ نحن نقتل الآخرين الذين يديرون منظمات إرهابية معادية للولايات المتحدة". كان هذا نص قول الجنرال المتقاعد جون (جاك) كين، النائب السابق لرئيس هيئة أركان الجيش الأمريكي، للكونجرس أثناء إدلاءه بشهادته أمام اللجنة الفرعية للأمن القومي في 26 أكتوبر. فعن من كان يتحدث؟

وفي نفس اليوم وأمام نفس اللجنة، أدلى مارك رويل جرشت، المنتمي للمحافظين الجدد، وهو عميل متقاعد للمخابرات المركزية الأمريكية وعمل لسنوات في الشرق الأوسط، بشهادته ليوضح من كان كين يقصد، حيث علق: "لا أظن أنكم سوف ترهبون هؤلاء الأشخاص حقاً وتشدون انتباههم مالم تقتلوا أحداً. يجب أن تُحملوا قاسم سليمان المسؤولية، هو يسافر كثيراً ودائم التواجد، اقتلوه أو اقبضوا عليه".

الجنرال قاسم سليماني هو المقصود بحديث جرشت، وهو القائد طويل العهد لفيلق القدس، وهي فرقة قوات النخبة التابعة لقوات الحرس الثوري الإسلامي والمسؤولة عن عمليات إيران الخارجية، ويعتبرها البعض واحدة من أفضل قوات النخبة في العالم. وعرفت الولايات المتحدة عن سليماني منذ التسعينيات على أقل تقدير،  وعندما كانت القوات الامريكية في العراق اضطرت لمواجهة الميليشيات التي سلحها ودربها فيلق القدس.

في الواقع درّب فيلق القدس الشيعة الذين وصلوا إلى الحكم في العراق في أعقاب الاجتياح الأمريكي للعراق في مارس 2003 وسلحهم لسنوات. وكذلك فيلق بدر (والذي يُطلق عليه أيضاً فيلق بدر التاسع،) وهو الجناح العسكري للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، والذي لعب دوراً حاسماً بعد الاجتياح، حيث أسسه إسماعيل دجايجي عام 1984، وهو ضابط بالحرس الثوري، بعد عام من تأسيس فيلق القدس. وقتل دجايجي أثناء الحرب الإيرانية العراقية في 18 يناير 1987، أثناء عملية "كربلاء 5" وحصل على رتبة جنرال بعد وفاته. خلال الحرب تمركزت مراكز القيادة لكلا الفيلقين في "حامية رمضان" ببلدة ماريفان في كردستان قرب الحدود العراقية. وتدرّب فيلق بدر بعد الحرب وخلال التسعينات علي يد فيلق القدس.

كانت ردود الفعل الإيرانية تجاه تصريحات كين وجرشت سريعة وغاضبة. حيث احتفت وسائل الإعلام المتشددة بسليماني (هنا كمثال، وهنا، وهنا، وهنا). ووفقاً للموقع ذي الاتجاه المتشدد "العصر الإيراني"، والمقرب لحاكم طهران والقائد السابق للحرس الثوري، محمد باقر قاليباف، "من يعرفون سليماني في إيران الإسلامية يتحدثون عن حيائه، وسلوكه النبيل، وهدوءه. وعلى عكس ما يقوله الأمريكيون هو ليس غامضاً". كما نشر موقع "مشرق نيوز"، ذي الصلة بالحرس الثوري، صوراً لسليماني أثناء الحرب مع العراق ويظهر فيها مودعاً الجنود المتجهين للجبهة. وأورد موقع "جهان نيوز"، والقائم  عليه نائب مجلس الشورى والقائد السابق بالحرس الثوري علي رضا زماني، "كلنا قاسم سليماني". كما صرّح سليماني نفسه قائلاً: "ذلك ليس تهديداً، بل هو مساعدة لي لتحقيق رغبة قديمة وقوية. ورداً على من يظنون أنهم سيفرضون أنفسهم علينا عبر إطلاق التهديدات، أدعو الله أن يجعل مصيري الشهادة في سبيله علي يد أعدائنا".

إذن فمن هو قاسم سليماني الذي يثير مشاعر المتشددين الإيرانيين إلى هذه الدرجة؟ فمع تصاعد التوترات بين الغرب وإيران، يبدو أن الحرب السرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى تحتد أيضاً. اعتبر البعض سليماني الشخصية الأقوى في العراق، حتى قبل أن تغادر القوات الأمريكية العراق. ومع رحيل القوات الأمريكية عن العراق، أصبح سليماني أكثر بروزاً في أي مواجهة ممكنة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وتحديداً في أي حرب غير متكافئة يشنها فيلق القدس.

نشأته

ولد قاسم سليماني – عادة ما يُشير إليه الإعلام الإيراني بلقب "حج قاسم سليماني" – في 11 مارس 1957 (تُشير تقارير أخرى إلي ولادته عام 1958) لعائلة من فقراء الفلاحين في قرية رابورد الجبلية قليلة السكان قرب بلدة بافت في مقاطعة كرمان الجنوبية الشرقية. ترك عائلته، بعد إتمام التعليم الابتدائي، مع ابن عمه أحمد سليماني وانتقل إلى كرمان، عاصمة المقاطعة. وقعت عائلته تحت دين شديد وحاول سليماني أن يساعدهم عبر العمل باليومية في البناء. وانضم بعدها بسنوات إلى شركة المياة في كرمان كفني بسيط.

وبعد ثورة الخامس من يونيو 1963، حظر محمد رضا شاه بهلوي جميع المجموعات السياسية المعارضة في إيران. وحظر الشاه في مارس 1975 جميع الأحزاب السياسية التي كانت موالية له وأمر بتأسيس حزب واحد، وهو حزب "رستاخيز" أي حزب البعث. ولكن اشتد النضال ضد نظامه، ويرد أنه بحلول ذلك الوقت بدأ سليماني أنشطته المعادية للشاه، وكان في سنوات مراهقته حينها.

ومع حظر الشاه لجميع المجموعات السياسية القابلة للنمو، نمي نفوذ رجال الدين الذين عارضوا نظامه. وأحد هؤلاء الشيوخ كان سيد رضا كامياب (1950-19981) من مدينة مشهد، والذي كان معروفاً في كرمان بخطاباته النارية ضد الشاه. وانتخب كامياب في أول مجلس للشورى بعد ثورة 1979 عن مدينة مشهد. وتم اغتياله على يد "منظمة مجاهدي خلق" في يوليو 1981. وكان سليماني تابعاً دينياً لكامياب. لكن ليس هناك ما يشير إلى مشاركة سليماني في الثورة التي أطاحت بنظام الشاه في فبراير 1979، رغم أنه يعرف عن أحمد سليماني أنه أحد منظمي التظاهرات الأولي المعادية للشاه في كرمان في الربيع الماضي.

الانضمام للحرس الثوري

أمر آية الله روح الله الخميني في 5 مايو 1979 بتأسيس قوات الحرس الثوري الإسلامي لمنع قيام انقلاب عسكري على يد فلول جيش الشاه، والذي دعم بعض عناصره انقلاب عام 1953 برعاية المخابرات المركزية الأمريكية. وأسس الحرس الثوري سريعاً مراكز قيادة قطاعية في أنحاء البلاد، ومنها واحدة في كرمان، حيث انضم إليها سليماني كمتطوع. وحصل على تدريب لمدة ستة أسابيع (كانت أقصى فترة تدريب في حينها شهرين)، وأثبت سرعة تعلمه وهو ما فتح أمامه طريق تصعيده في رتب الحرس.

أحد أول الأزمات التي واجهها الحرس كانت الانتفاضة في المنطقة الكردية في غرب إيران بعد أشهر قليلة من الثورة. ولإخماد تلك الانتفاضة أرسلت حكومة رئيس الوزراء مهدي بازركان الجيش والحرس الثوري. وبشكل مشابه لنظام الشاه أرسلت حكومة بازركان قوات من مناطق أخرى إلى إيران، حتى لا ينضم الجنود إلى السكان المحليين. قاد القوات الحكومية وزير الدفاع مصطفي جمران والعقيد علي سيد شيرازي، والذي تم ترقيته لاحقاً إلى رتبة فريق، وهو الفريق الوحيد في الجيش الإيراني بعد الثورة. (قُتل جمران عام 1981 خلال الحرب مع العراق، واغتيل شيرازي على يد منظمة مجاهدي خلق عام 1999). وكان سليماني ضمن القوات الموفدة من كرمان إلى مهاباد في مقاطعة أذربيجان الغربية، والتي كانت تاريخياً حصناً للمنشقين الأكراد. ويعرف القليل عن دور سليماني في قمع الجيش الوحشي للانتفاضة. وبعد عودته إلى كرمان أصبح سليماني مسؤولاً عن قاعدة الحرس هناك.

الحرب الإيرانية العراقية

تدخلت القوات العراقية في 22 سبتمبر 1980 في إيران متطلعة نحو الإطاحة بالنظام في طهران. ولعب الحرس الثوري دوراً رئيساً في حرب الثمان سنوات التي تلت الاجتياح، والتي وجد فيها شباب مثل سليماني مهمة حيواتهم، ألا وهي هزيمة العراق. وعيّن في النهاية قائداً للفرقة "ثأر الله 41" المتمركزة في كرمان، والتي أرسلت إلى الجبهة ولعبت دوراً رئيساً في صد القوات العراقية عن اجتياح بلدة سوسنجرد في مقاطعة خوزستان. ووفقاً لعدة روايات، شارك سليماني في جميع العمليات المهمة التي شنها الجيش الإيراني في الحرب، كل العمليات الناجحة وغير الناجحة. وقتل ابن عمه أحمد سليماني في معركة في أكتوبر 1984.

هناك عدة روايات تثبت شجاعة سليماني ومهاراته التكتيكية. أخبرني أخي الأصغر، الذي حارب على الجبهة لمدة 28 شهراً – سنتين كخدمة عسكرية وتطوع لأربعة أشهر – أن سليماني اشتهر بكونه أحد "أشجع وأمهر المحاربين على الجبهة". وأخبرني أن سليماني قاد بنفسه عمليات خاطر فيها بالوقوع في أسر القوات العراقية. ويصف علي الفنيح، الذي يعمل في مركز "أمريكان إنتربريز"، سليماني بأنه "بطل حرب ووطني صادق انضم للحرس الثوري بعد الثورة، مع تصدي إيران لاحتمالية حدوث حرب أهلية وتحديات الغزو العراقي". تصف عدة مصادر العمليات التي قادها سليماني، أو التي لعب فيها هو أو الفيلق "ثأر الله 41" دوراً مهماً (على سبيل المثال هنا، وهنا، وهنا).

تشكيل فيلق القدس

أدت الاضطرابات الحدودية في النصف الأول من السبعينات إلى توترات ملحوظة بين إيران والعراق. فدرب نظام الشاه وسلح قوات الأكراد العراقيين بقيادة الملا مصطفي بارزاني والتي كانت تقاتل ضد الحكومة المركزية في بغداد. (قطعت إيران مساعداتها لقوات بارزاني بعد السادس من مارس 1975 عندما وقع الشاه وصدام حسين اتفاقية الجزائر). وعلى نهج الشاه، قررت الجمهورية الإسلامية أن تفعل شيئاً مشابها. وبالتالي تشكل فيلق القدس عام 1983 لتسليح وتدريب قوات الأكراد العراقيين لقتال جيش صدام ولتنفيذ عمليات استخباراتية في العراق. حيث كانت حامية رمضان مقر قيادة فيلق القدس في تلك الفترة مركز قيادة للحرب غير النظامية، والعمليات وراء خطوط العدو، وجمع المعلومات الاستخبارية. صدرت بعض التكهنات عن أن محمود أحمدي نجاد، والذي كان في كردستان في ذلك الوقت، لعب دوراً في تأسيس الفيلق، ولكنني لم أستطع تأكيد تلك المعلومة بشكل مستقل.

نسب فيلق القدس في الأصل إلى مكتب حركات التحرير، والذي تشكل بعد ثورة 1979 لمساعدة حركات الثورة الإسلامية في الدول الأخر، لكنه سريعاً ما أصبح فرعاً من أفرع الحرس الثوري، وأطلق عليه داخل الحرس فيلق القدس الثاني. وكانت أحد مهام الفيلق الرئيسية مع احتدام الحرب مع العراق التعاون مع المقاتلين الأكراد ضد جيش صدام. ويُعتقد أن فيلق القدس لعب دوراً هاماً في تسليح وتدريب من أرادوا مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وشروعها في احتلال ممتد وصريح للجزء الجنوبي من لبنان لفترة طويلة. ويُعتقد أيضاً أن فيلق القدس درب وأعد مقاتلي تنظيم حزب الله اللبناني بعد تأسيسه الرسمي في فبراير عام 1985. إلا أنه يجب التأكيد على أن طبيعة العلاقة بين حزب الله اللبناني وفيلق القدس تظل محاطة بالسرية، حيث تتوافر فقط بعض الحقائق القليلة المؤكدة..

أيضاً بالتزامن مع الحرب الإيرانية العراقية، كانت القوات السوفيتية تقاتل المجاهدين الأفغان الذين دعمتهم الولايات المتحدة، وباكستان، والسعودية. وكان أحمد شاه مسعود شخصية هامة في أوساط المجاهدين، وهو حليف لإيران وساعده فيلق القدس في عملياته.

حقبة ما بعد الحرب

انتهت الحرب العراقية أخيراً في أغسطس عام 1988. وأصبح جميع قادة الحرس ضباطًا في الجيش الإيراني. وترقى معظم كبار القادة إلي رتبة عميد، مثل سليماني، أو إلي رتبة لواء.  تركت الحرب تأثيرًا دائمًا لدي رجال مثل سليماني وقائد الحرس الحالي الجنرال محمد علي جعفري فيما يختص برؤيتهم للعالم. فهم لم ينسوا أن الغرب، وتحديداً الولايات المتحدة، وأيضا الاتحاد السوفيتي مالوا إلى صف العراق أثناء الحرب. فتلك الشبكة من القادة الذين يمثلون أكثر ضباط الحرس الثوري تشدداً، هم الذين يحكمون إيران بفاعلية الآن. وسأعود إلى تلك النقطة.

وعاد الفرقة "ثأر الله 41" بعد نهاية الحرب إلي كرمان. وأصبحت أحد المسؤوليات الرئيسية لفيلق القدس في السنوات التالية حرب مهربي المخدرات الذين يستخدمون إيران كمعبر لتهريب المخدرات من أفغانستان إلى بقية العالم. حيث يبدأ الطريق من أفغانستان (وكذلك باكستان) إلي مقاطعة خرسان الجنوبية وسستان وبلوشستان ومن هناك إلى مقاطعة كرمان في الطريق إلي أوروبا والخليج العربي، حيث قتل ما لا يقل عن ثلاثة آلاف من أفراد الجيش والشرطة في الحرب ضد المهربين خلال العقدين الماضيين. ولعب سليماني، كقائد للفيلق "ثأر الله 41" دوراً رئيسياً في تلك الحرب في أوائل وأواسط التسعينيات وأشاد عدة ضباط به، ومنهم قائد الحرس في حينها الجنرال محسن رضائي.

بعد هزيمة الاتحاد السوفيتي وانسحابه من أفغانستان عام 1989، صمد النظام الأفغاني اليساري لفترة. إلا أن حكومة محمد نجيب الله سقطت عندما انهار الاتحاد السوفيتي في نهاية عام 1991. وتصارعت كل من إيران، وباكستان، والسعودية على النفوذ داخل أفغانستان. فدعمت إيران في البداية حزب الوحدة التابع لشيعة الهزارة بقيادة عبد العلي مزاري. وهزمت قوات أحمد شاه مسعود جميع الميليشيات الأخرى عندما اندلع الاقتتال الداخلي، فيما عدا طالبان التي تكره إيران والشيعة. ومن حينها دعم فيلق القدس شاه مسعود. وسأعود لتلك النقطة أيضاً.

اتُهم فيلق القدس في التسعينات بالتورط في عمليات هامة خارج الحدود الإيرانية. فقد قيل الكثير، على سبيل المثال، عن الدور المحتمل للفيلق في تفجير أبراج الخبر بالسعودية في 25 يونيو 1996، والتي قتل فيها 19 جندي أمريكي وسعودي واحد، وأدّت لإصابة 372 شخص. رغم أن السعودية برّأت إيران في النهاية من أي مشاركة في العلمية، إلا أن المحافظين الجدد بالولايات المتحدة مازالوا يصرون على أن فيلق القدس كان له يد في التفجير (اطلع علي مقالة جارث بورتر).

إلا أن فيلق القدس شارك بالتأكيد في حرب البلقان في النصف الأول من العقد. فقد زود الفيلق، مع موافقة أمريكية ضمنية، المقاتلين المسلمين بالأسلحة للدفاع عن أنفسهم ضد القوات الصربية. وتشير عدة تقارير إلى أن سليماني كان مسؤولاً عن عملية فيلق القدس في البوسنة.

أطاحت طالبان، مع دعم عسكري باكستاني ودعم مالي سعودي، بالحكومة الأفغانية وسيطرت على الحكم في كابول في 27 سبتمبر، 1996. واعتبرت الولايات المتحدة ذلك التطور إيجابياً في صالح الشعب الأفغاني.

وعبّر جلين دافيس، المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، عن التطلع نحو "تحرك طالبان سريعاً لاستعادة النظام والأمن وتكوين حكومة تمثيل مؤقتة يمكنها بدأ عملية مصالحة وطنية"، مضيفا أن الولايات المتحدة سوف ترسل دبلوماسيين إلى أفغانستان للقاء طالبان لإعادة تأسيس علاقات دبلوماسية كاملة. ونتيجة لذلك أصبحت أحد المهام الرئيسية لفيلق القدس إمداد . ودعم قوات أحمد شاه مسعود الذي، بالاشتراك مع عبد الرشيد دوستم، وهو مقاتل موالي للسوفيت سابقًا وقائد الأقلية الأوزباكية "جونبيشي ملي" أي "الحركة الوطنية"، أسس الجبهة الإسلامية المتحدة لإنقاذ أفغانستان، والتي تعرف عالمياً بالتحالف الشمالي. ومرّ طريق الإمدادات عبر دولة طاجيكستان المتحدثة بالفارسية.

السياسات المحلية

وخلال تلك الفترة وبينما كان سليماني صامتاً بل بالكاد يظهر علناً، كان مشاركاً بشدة في جميع عمليات فيلق القدس الكبيرة خارج الحدود الإيرانية. وهاجمت قوات طالبان في مطلع أغسطس 1998 مدينة مزاري شريف في شمالي أفغانستان وقتلت آلاف المدنيين. حيث استهدفوا القنصلية الإيرانية في المدينة على وجه التحديد، فقتلوا 11 إيرانياً، بينهم ثمانية دبلوماسيين والصحفي محمود صارمي الذي كان يعمل بوكالة "إيرنا"، وهي وكالة الأنباء الحكومية الإيرانية. ويرجّح أن القتيلين الإيرانيين الآخرين كانا ضابطين بالمخابرات. ما أدى لاندلاع ما قد يصل إلى الحرب بين البلدين، حيث نشرت إيران 200,000 جندي على حدودها مع أفغانستان. ولكن بدلاً من مهاجمة أفغانستان استمر فيلق القدس في إمداد الحلف الشمالي. وفي خريف العام 2001، وبعد أن اجتاحت الولايات المتحدة أفغانسان، دعم فيلق القدس ودرّب مقاتلي الحلف الشمالي، رغم اغتيال أحمد شاه مسعود يوم 9 سبتمبر، قبل يومين فقط من هجمات القاعدة الإرهابية.

انتخب محمد خاتمي رئيساً للجمهورية الإسلامية بأغلبية ساحقة في 23 مايو 1997، وبدأ برنامجاً حذراً من الإصلاحات. ففي 10 سبتمبر، وبشكل مفاجيء، عزل آية الله خامئني الجنرال رضائي من منصبه كقائد للحرس وعين الجنرال يحيي رحيم صفوي مكانه، وهو أحد المتشددين. انتاب الاستياء الشديد القادة البارزين للحرس الثوري جرّاء ذلك التغيير وقدموا الفرصة لشبكة قادة الحرس  أيام الحرب للإعلان عن وجودهم. فوقع ثلاثة وثلاثون من ضباط الحرس الثوري ذوي الرتب العليا، ومنهم سليماني، رسالة عبرت عن اعتراضهم على عزل رضائي ولامت خاتمي بشكل مطلق عليها.

وفي أعقاب ذلك عين رحيم صفوي سليماني قائداً لفيلق القدس واللواء إسماعيل قاءاني نائباً له. وخلف سليماني اللواء أحمد وحيدي، وزير الدفاع الحالي. ومن المثير للاهتمام أنه رغم توقيع سليماني على رسالة الاعتراض، إلا أنه من المعروف أنه عارض بعض قرارات رضائي خلال الحرب ضد العراق. وهو ما يشير إلى أن الرسالة كانت تعبيراً عن عدم رضا قادة الحرس الثوري لانتخاب خاتمي أكثر منه دعم لرضائي. وما يعد مثيراً بشكل أكبر أنه رغم أن سليماني وأكبر هاشمي رفسنجاني، رئيس هيئة أركان الجيش أثناء معظم فترة الحرب، كانا من كرمان، إلا أنهما لم يكونا أي نوع من التقارب الوثيق.


هزت انتفاضة يوليو 1999 في المباني السكنية لجامعة طهران أسس الجمهورية الاسلامية. بدأت الانتفاضة عندما تم منع جريدة دايلي سلام الاسلامية اليسارية بعد أن نشرت سلسلة من التقارين عن محاولات المحافظين لتقييد الصحافة. هوجم الطلاب الذين تظاهروا ضد المنع بواسطة ميليشيا الباسيچ وعملاء بملابس مدنية مما أذى الى اشتعال المظاهرات لعدة أيام في انحاء البلاد. ردت شبكة الحرس الثوري، فقامت القيادات العليا الأربعة وعشرون، من ضمنهم سليماني واللواء محمد علي الجعفري "رئيس اركان القوات البرية للحرس"، بكتابة خطاب الى خاتمي مهددين بانه اذا لم يوقف سياساته الاصلاحية سوف يكونون مضطرين لاتخاذ موقف حاسم.

"انظر فخامتك، سيد خاتمي، الى الاعلام العالمي وشبكات بث الراديو. هل يصل صوت سعادتهم الى أذنيك؟ السيد الرئيس العزيز، اذا لم تتخذ قرار ثوريا اليوم، وفشلت في في أداء واجب الاسلامي والوطني، فغدا سوف يكون متأخرا جدا وستكون الخسائر غير قابلة للإصلاح .. مع شديد الاحترام، نحن نخبرك ان صبرنا قد قارب على النفاذ واننا لا نظن انه سوف يكون من الممكن السكوت أكثر من ذلك اذا لم تتم الاستجابة"  
وبالرغم من ان عددا كبيرا من ضباط الجيش وقادة الحرس السابقين عبروا عن دعمهم الشديد لخاتمي في خطاب آخر له، فان خطاب التهديد من شبكة كبار قادة الحرس الثوري اخذت موقفا  عاما من مسألة قومية. ولكن يبقى هذا استثناءا، حيث ان سليماني تصرف دائما كجندي محترف لا يتدخل في السياسة او يأخذ مواقف عامة بخصوص امور الدولة.


في أعقاب الاجتياح الأمريكي للعراق

أقلق الغزو الأمريكي البريطاني للعراق، في مارس 2003، القيادة الإيرانية بشدة. وظهر كل ما يشير إلى نية الولايات المتحدة إنشاء قواعد عسكرية كبيرة ودائمة في العراق. وبالتالي قررت القيادة أن تتأكد من تمتعها بنفوذ قوي وسط مجموعات عراقية شيعية متعددة، والتي كانت بالفعل حليفة لإيران، بالإضافة إلى بعض المجموعات السنية القومية المعارضة للغزو والاحتلال. اخترق الآلاف من عملاء المخابرات الإيرانية وأعضاء فيلق القدس العراق ليؤسسوا علاقات مع مجموعات متعددة وتذكر التقارير ضخهم لكميات ضخمة من الأموال.

مع احتدام المقاومة ضد الاحتلال، بدأ الجيش الأمريكي في اتهام إيران وفيلق القدس تحديداً بالتدخل في العراق وتحميلهم مسؤولية بعض الخسائر الأمريكية. وقال الجنرال جون أبي زيد في مقابلة مع شبكة "سي بي إس" في فبراير 2006، والذي كان في حينها قائداً لجميع القوات الأمريكية في الشرق الأوسط، إنه "في ذات الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة الإيرانية عن تحقيق الاستقرار في العراق، تدعم قوات فيلق القدس التابعة للحرس الثوري فرق الموت الشيعية التابعة لبعض المجموعات المنشقة". ثم سُئل: "إذن ألسنا في حرب مع إيران بالفعل ضد وكلائها في العراق؟" فكان رده: "لا، لسنا في حرب مع إيران ضد وكلائها. نحن في فترة إيضاح حاجة الإيرانيين للتحرك نحو تحقيق الاستقرار في العراق وليس زعزعته".

اعتقلت القوات الأمريكية خمسة دبلوماسيين إيرانيين في 11 يناير 2007، وتذكر تقارير أنهم أعضاء فيلق القدس، عند مداهتمهم لمكتب الاتصال الإيراني في أربيل، في كردستان العراق (أفادت تقارير أن المكتب كان في خضم تحويله إلى قنصلية إيرانية). احتجز الرجال الخمسة – وهم ناصر باقري، وموسي ججيني، وعباس حاتمي كاكاوند، وحامد عسكري شوكوه، وماجد قائمي – لأكثر من سنتين. ويعتقد بشكل واسع أن الأمريكيين ظنوا بشكل خاطئ أن جعفري، قائد الحرس الثوري، كان في المكتب وأن المداهمة هدفت إلى القبض عليه.

اتبعت مزاعم أبي زيد اتهامات إدارة بوش في مطلع 2007 لإيران بمساعدة الميليشيات الشيعية على قتل الجنود الأمريكيين في العراق. وقدم المسؤولون العسكريون الأمريكيون في 11 فبراير ببغداد قذائف صاروخية وقذائف هاون، ومكونات صناعة متفجرات قالوا عنها إنها مشابهة للمسؤولة عن مقتل 170 جندي أمريكي خلال السنوات الثلاث الماضية؛ حيث زعموا أن تلك الأسلحة أتيحت للمتمردين بموافقة أعلى السلطات الإيرانية. قوبلت الاتهامات بتشكك شديد، ليس لأنها كانت غير قابلة للتصديق، لكن لعدم توافر أي دليل يربط تلك الأسلحة بإيران أو بفيلق القدس.

أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في مارس 2007 القرار رقم 1747، والذي حظر مبيعات السلاح من وإلي إيران بسبب مخاوف حول برنامجها النووي. كما فرض القرار عقوبات ضد عدة قادة للحرس الثوري، ومنهم سليماني. وفي أكتوبر من نفس العام، فرضت الولايات المتحدة عقوبات إضافية عليه، متهمة إياه بدعم الإرهاب ونشاطات انتشار الأسلحة النووية. إلا أنه وحتى تاريخ كتابة هذه السطور لا يوجد أي أدلة تم اعلانها تربط فيلق القدس ببرنامج إيران النووي.

بدأ جيش المهدي الشيعي العراقي، بقيادة مقتدى الصدر، في قتال القوات الحكومية المدعومة من الولايات المتحدة في بدايات 2008. وعندما بدأ الموقف في الخروج عن السيطرة التقى ممثلون عن الطرفين بسليماني في مدينة قُم بعد مفاوضات مكثفة، واتفقوا على وقف إطلاق النار. وهو ما مثّل مظهراً آخر لنفوذه وقوته.

وخلال نفس الفترة، حدث موقف شهير آخر. ففي وسط معركة بين الجيش العراقي والأمريكي من ناحية، وجيش المهدي من الناحية الأخري، تسلم الجنرال دايفد بتريوس، والذي كان حينها قائد الوحدات الأمريكية في العراق، هاتفاً خلوياً يعرض رسالة نصية من سليماني، والتي كان نصها:

"الجنرال بتريوس، يجب أن تعرف أنني، قاسم سليماني، أتحكم في سياسة إيران بخصوص العراق، لبنان، غزة، وأفغانستان. وبالفعل السفير الإيراني في بغداد (حسن كاظمي قمي) عضو بفيلق القدس. والشخص الذي سيحل محله (حسن دنفر) عضو بفيلق القدس".

قصد سليماني أنه عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط فهو الشخص الذي يجب أن يتعامل بتريوس معه، وبالتأكيد لم يحتاج الجنرال الأمريكي لمن يذكره بتلك الحقيقة. اقتبست صحيفة "جارديان" في يوليو الماضي عن وزير الأمن القومي العراقي السابق، موفق الربيعي، قوله عن سليماني: "هو الرجل الأقوى في العراق دون شك. لا شيء يتم دون الرجوع إليه". وصرّح مسؤول أمريكي بارز للصحيفة واصفاً سليماني بقوله: "هو يُملي الشروط ثم يجعل الأمور تحدث، والعراقيون متروكون ليواجهوا وضعًا لم يساهموا فيه".

في يونيو، وبعد التحول الدموي للتظاهرات المعادية للحكومة في سوريا، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على سليماني. وزعمت المعارضة السورية أن الجمهورية الإسلامية، وتحديداً فيلق القدس، ساعد الحكومة السورية في قمع المحتجين.

زعمت الولايات المتحدة في أكتوبر أن فيلق القدس دبر مؤامرة لاغتيال السفير السعودي في واشنطن ولتنفيذ عمليات إرهابية أخرى. بغض النظر عن دقة المزاعم إلا أنها أعادت للصدارة الدور الرئيسي الذي يلعبه سليماني في العمليات الإيرانية خارج حدود إيران.

ترقيته

رقاه خامئني في 24 يناير 2011 سليماني إلى رتبة لواء. ويوجد حالياً فقط 12 لواء آخر في الجيش الإيراني وهم: رئيس الحرس جعفري؛ رحيم صفوي وهو الآن مستشار عسكري كبير للمرشد الأعلى لإيران؛ رضائي وهو الآن الأمين العام لمجلس تشخيص مصلحة النظام؛ وحسن فيروز آبادي رئيس أركان الجيش ووثيق العلاقة بخامئني؛ ونائبه الأول غلام علي رشيد ذي الشعبية الشديدة داخل الجيش لإنجازاته خلال الحرب مع إيران، خصوصاً تحرير ميناء الخليج الفارسي خرمشهر؛ ومصطفي عزتي نائب رئيس أركان الجيش، ويحظى باحترام شديد وهو الرجل العسكري الوحيد الذي دعم آية الله العظمي حسين علي منتظري الأخير؛ وحسني سعدي، نائب رئيس أركان الجيش للتنسيق العسكري، والذي يعتبر جندي محايد سياسيا؛ ومحمد باقري، وهو نائب فيروز آبادي للعمليات والاستخبارات؛ وآية الله صالحي، قائد الجيش الإيراني التقليدي (غير شامل الحرس الثوري)، وهو الجنرال الحالي الوحيد الذي تلقى تدريبه العسكري قبل الثورة؛ وعلي شهبازي، وهو أول رئيس أركان للجيش الإيراني التقليدي بعد تعيين خامئني عام 1989 كمرشد أعلى، ويعمل هو وخليفته محمد سليمي الآن مستشارين عسكريين لخامنئي؛ والقائد البحري السابق علي شمخاني.

بعد تنحية رضائي وشمخاني جانباً، فلم يعد لهما أدوار عسكرية (ولم يعودوا قريبين من خامئني) وكذلك الثلاثة الذين يعملون كمستشارين للمرشد الأعلى، يعد سليماني واحداً من ثمانية رجال فقط يمثلون أعلى مرتبة في الهيكل العسكري لإيراني.

توقعات رئاسية

تتداول التوقعات في طهران بالنسبة لشخصية المرشح العسكري في الانتخابات الرئاسية القادمة، والتي يفترض أن تجري في يونيو 2013. يعتقد العديدون أنه سيكون حاكم طهران قليباف، القائد السابق لسلاح الحرس الجوي والذي خاض انتخابات 2005، أو سعيد جليلي، الأمين العام للمجلس الأعلي للأمن القومي وأكبر مفاوضي إيران بالنسبة للبرنامج النووي، وهو مقرب لمتشددي الجيش. لكن وفقاً لمصدر مطلع له صلات داخل الأوساط العليا الإيرانية، قد يكون سليماني هو ترشيح خامئني. فقد أشاد به المرشد الأعلى بشكل علني، وهو ما يعتبر نادر الحدوث. إلا أنه هناك القليل من المعلومات عن مدى تقارب الرجلين.
قال سليماني الربيع الماضي في خطاب نادر الحدوث أمام نواب مجلس الشورى: "ما حدث في مصر، ويحدث الآن في ليبيا، اليمن، والبحرين، وبالتأكيد سيحدث في دول عربية أخري، هي حركات إسلامية متأثرة بثورة إيران الإسلامية. النموذج الحاسم والحقيقي للثورة الإسلامية الذي ساهم فيما يحدث الآن هو حرب "الدفاع المقدس" (الحرب الإيرانية العراقية)". ورغم خطأ هذا الزعم، إلا أنه يقدم نافذة على التفكير الحالي لسليماني، والذي لا يظهر أبداً علانية خارج مراسم إحياء ذكري أبطال الحرب الذين سقطوا.

ما نوع الدور الذي سيلعبه الجنرال قاسم سليماني في مستقبل إيران؟ الانتظار فقط سيجيب عن هذا التساؤل. لكن ليس هناك شك، رغم تفضيله لعدم الظهور، أنه أحد اقوى الشخصيات في إيران منذ مدة طويلة.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب