التفاوض الدولي كأداة لخدمة المصالح الأمريكية

مقال رأي

صرح الزعيم البريطاني الشهير ونستون تشرشل ذات مرة أن "تبادل الحديث أفضل أحيانًا من تبادل الحروب"، مما يؤكد أنه حتى أعتى زعماء الحروب من ذوي العقول المتصلبة لا يفضلون الحرب من حيث المبدأ على الدبلوماسية، ولكن يظل من الصعوبة بمكان تحديد توقيت التفاوض مع الأعداء وماذا سنقول لهم ومتى نلجأ إلى أساليب أخرى خلاف الحوار. ودائمًا ما كان هناك المؤيديون والمعارضون فيما يتعلق بتحديد طرق حل المشكلات الدولية، سواء كان القرار باتخاذ مسار المفاوضات المباشرة أو الدبلوماسية غير الملزمة أو قرار الحرب.

وقد دارت العديد من المناقشات في أثناء الحملة الانتخابية على الرئاسة الأمريكية مؤخرًا، وحظيت تلك المناقشات بتغطيات إعلامية كبيرة والتي تمركزت حول كيفية التفاوض مع الأنظمة الدكتاتورية الأجنبية، وكشفت تلك المناظرات أن كلاً من باراك أوباما ومنتقديه (بما فيهم هيلاري كلينتون) كانوا يعتمدون على فرضيات خاطئة؛ فقد خلص أوباما إلى أن الولايات المتحدة يجب أن يكون لديها دائمًا الرغبة في التفاوض مع الأنظمة التي تسبب لها مشكلات، وقال أن التفاوض المباشر وبدون شروط مسبقة مع الحكومات الأجنبية المعادية يعد مسألة مبدأ لديه. أما خصماؤه من السياسيين فقد أكدوا على مبادئ أكثر تضاربًا، وهو أنه من الخطأ أن يجلس الرئيس الأمريكي مع قادة الأنظمة الخطيرة والمعادية للولايات المتحدة والمتورطة في نشاطات إرهابية.

ومن تلك المناقشات بدا من الواضح أن المشكلة لم تكن حول إجراء المفاوضات من عدمه، حتى مع أعتى خصماء الولايات المتحدة، ولكن المشكلة هي مسألة الحكم العملي على الأشياء، فحتى مع أنظمة محور الشر فإن المفاوضات لا يمكن وصفها بأنها جيدة أو سيئة في حد ذاتها، ولكنها في النهاية عبارة عن أداة، فإذا ثبت أن المفاوضات تعد طريقة حكيمة للوصول إلى أهداف الولايات المتحدة فيجب استخدامها، وإذا لم تكن كذلك فيجب الاستغناء عنها؛ فلا يوجد شيء جيد أو سيئ بذاته فيما يتعلق بالمفاوضات مع الخصم اللدود، ولكن المشكلة هي إذا كانت المفاوضات هي الطريقة المثلى لتحقيق أهدافنا الاستراتيجية أم لا، وذلك في وقت بعينه وتحت ظروف بعينها، تكون فيه المفاوضات حينئذ هي الطريقة المثلى لتحقيق الأهداف الاستراتيجية العليا للولايات المتحدة.

فهناك العديد من المزايا الواضحة لإجراء المحادثات الدبلوماسية، وسوف نمر عليها سريعًا في هذا التقرير، ولكن هناك سلبيات أيضًا في ظروف بعينها، ويمكن في بعض الأحيان أن تتفوق على الإيجابيات، وهنا يكون صناع السياسات هم المسئولون عن تعريف الخسائر والمكاسب في تلك العملية، وهم المسئولون عن تقرير إذا ما كانت المفاوضات من المحتمل أن تفرز إيجابيات أكثر من السلبيات أو العكس.

1. الاتصال وإظهار حسن النوايا:

يمكن لعملية التفاوض أن تخدم الأغراض المباشرة لعملية الاتصال بين كافة الأطراف، كما يمكن حينئذ أن تحل المشكلات التي تنبع من مجرد سوء الفهم، وذلك بعد أن تفهم الأطراف المزيد من الحقائق وبعد أن يفهم الجميع رؤى الآخر بصورة صحيحة وحينئذ يتم تقدير عدد كبير من الحلول الممكنة. وفي بعض الأحيان يمكن أن تسفر المفاوضات عن سيناريو يكون الكل فيه كسبان، ولكن هذا لا يحدث دائمًا؛ فليست كل المشكلات في العالم تتعلق بسوء الفهم، فأحيانًا يتقاتل الطرفان من الأساس لأن كلاهما يعرف مصالح وأهداف الآخر بوضوح.

ويمكن أن تكون المفاوضات مفيدة أيضًا كوسيلة لتوضيح المشكلة لطرف ثالث، سواء تم التوصل إلى اتفاق من عدمه أو حتى يتوقع أن يحدث ذلك، فالمحادثات يمكن أن تظهر للجمهور في بلدك أو في أي مكان آخر أنك مهتم بالتوصل إلى حلول سلمية حتى لو كان الجانب الآخر لا يظهر ذلك، فالمفاوضات حينئذ تظهر أنك "قطعت ميلاً إضافيًا" قبل أن تلجأ إلى إجراءات أخرى.

2. التلاعب:

ظلت عملية المفاوضات عبر التاريخ كأداة ليس فقط من أجل الاتصالات أو إبداء حسن النوايا، ولكن أيضًا كوسيلة للتلاعب والخداع؛ مثل جهود الحد من التسلح أو التوصل إلى السلام والتي غالبًا ما تستخدم التفاوض كأداة، ولنضرب مثالاً على المساعي الصينية والروسية في السنوات الأخيرة للترويج لمعاهدة للحد من "سباق التسلح في الفضاء الخارجي"، فهما بذلك يهدفون إلى منع الولايات المتحدة من إنشاء قواعد لها في الفضاء الخارجي، في الوقت الذي لا يحدان فيه من برامجهما الأرضية المضادة للأقمار الصناعية والتي تهدف إلى تهديد المنشآت الفضائية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة بصورة أساسية. والمثال الآخر هو ترويج الاتحاد السوفيتي لـ "تجميد الأسلحة النووية" في ثمانينيات القرن الماضي، والهدف من تلك المبادرة الحميدة في ظاهرها هو الحفاظ على المصالح السوفيتية وعلى تقدمهم العسكري في ذلك الوقت ومنع الغرب من اتخاذ خطوات لإجراء توازن مضاد.

أ. عدم الاحترام المتبادل للاتفاقات:

هناك مشكلة أساسية فيما يتعلق بعملية التفاوض بين الكيانات الديموقراطية وغير الديموقراطية، فحتى لو أفرزت المفاوضات اتفاقات تبدو ملزمة في ظاهرها، إلا أن احترام تلك الاتفاقات تختلف من بين دولة لأخرى؛ وهذا الاختلال عادة لا يصب في صالح الدول الديموقراطية، وذلك لأن تلك الكيانات الديموقراطية لديها آليات سياسية وقانونية داخلية تساعد على ضمان احترامها لتلك الاتفاقات الخاصة بالسلام والحد من التسلح.

فالنظام الداخلي لمحاسبة الحكومة الأمريكية يساعد على ضمان التزام إدارتها بالمعاهدات الدولية أكثر من أي نظام رقابي دولي خارجي آخر، فالولايات المتحدة لديها صحافة حرة تعمل بنشاط داخل البلاد، وهناك دائمًا احتمال بأن يتم تسريب الأسرار القذرة إلى الصحافة عن طريق الوشاة من داخل الحكومة، لذا لا يستطيع أي مسئول حكومي أن يضمن أن يظل انتهاكه للاتفاقات سرًا لفترة طويلة، كما من المؤكد أن الرئيس الأمريكي سوف يجد صعوبات إذا ما أراد أن ينتهك اتفاقات الحد من التسلح أو أية اتفاقات دولية أخرى، لأنه يحتاج إلى الدعم المالي من الكونجرس لممارسة تلك النشاطات التي تعد ممنوعة طبقًا للاتفاقات التي وقعت عليها الإدارة دوليًا.

أما في الدول غير الديموقراطية فلا يوجد مثل تلك الآليات الخاصة بتنفيذ الاتفاقات، بل لا توجد وسائل دولية قيمة وقوية تستطيع أن تجبر تلك الدول على الإذعان بتتنفيذ تعهداتها الدولية القانونية. وبالرغم من أنه يفترض أن تلتزم معظم الدول في تنفيذ اتفاقاتها الدولية لأنها عادة ما تخشى من الثمن الذي يمكن دفعه عالميًا إذا ما افتضح أمرهم بنقضهم لتلك العهود، إلا أن هناك مخاوف ضئيلة من افتضاح أمرهم أو اتخاذ إجراءات سريعة، وتلك الدول تعلم ذلك.

فعادة ما يكون من الصعب على أطراف الاتفاقات إثبات أن الطرف الآخر انتهك تعهداته، فتلك التعهدات عادة ما تكون مكتوبة بصورة فضفاضة وغامضة، ثم إن اكتشاف أية نشاطات تمثل انتهاكًا للاتفاقات ربما تمثل تحديًا جسيمًا للدول الشاكية، وبخاصة في دول شمولية ومغلقة مثل الاتحاد السوفيتي السابق أو عراق صدام حسين أو كوريا الشمالية أو إيران، فمثل تلك الدول تحتوي على مجتمعات مغلقة تحكمها أنظمة قمعية ولا تسمح بحرية الصحافة ولا تتمتع بقضاء مستقل وتروع مواطنيها حتى يخضعوا لها.

وحتى إذا تم رصد تلك الانتهاكات فإن الطرف المضار ربما لا يتمكن من إثبات ذلك أمام العالم بدون أن يكشف مصادره وطرقه الاستخباراتية الحساسة، وبالرغم من ذلك يمكن أن يتهم بالكذب، وحتى لو كان الانتهاك واضحًا للجميع فإن قادة العالم عادة ما يترددون في اتخاذ قرارات حيال ذلك، فالبعض يقوم بالتقليل من شأن تلك الانتهاكات، والبعض الآخر يقول أن تلك الانتهاكات ليست مشكلتهم، فيما تقوم أطراف ثالثة بمعارضة أية ردود فعل حاسمة إذا ما تطلب الأمر نفقات أو صعوبات، وأطراف رابعة ستقول أن الوقت الأمثل للرد لم يحن بعد، وستقوم أطراف خامسة بمقاومة كافة العقوبات المقترحة حتى يعلنوا في النهاية أن الوقت قد فات ولن نستطيع أن نفعل شيئًا حيال تلك المشكلة.

ولدينا أمثلة كثيرة على ذلك من تاريخ القرن العشرين، والذي يؤكد أن الساسة عادة ما يظهرون الاهتمام الأكبر في عقد مفاوضات السلام والتحكم في الأسلحة، مقارنة بنشاطهم في تنفيذ تلك الاتفاقات التي وقعوا عليها بالفعل، والأمثلة كثيرة على ذلك ومن بينها انتهاكات هتلر لبنود اتفاقية مراقبة التسلح التي نصت عليها معاهدة فرساي؛ والانتهاكات السوفيتية لمعاهدة الحد من الصواريخ الباليستية، واتفاقية الأسلحة البيولوجية والعديد من الاتفاقات الأخرى، وانتهاكات صدام حسين لتعهداته ضمن العديد من قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة التي تم فرضها في عام 1991 في أعقاب حرب الخليج.

وقد كتب فريد سي. إيكل تحليلاً بارعًا عام 1961 لدورية فورين أفيرز وحذر فيه مما سيحدث بعد توقيع الاتفاقية والتحليل كان بعنوان: "ماذا بعد أن نكتشف الانتهاك؟"، ويسلط فيه الضوء على التحديات أمام الولايات المتحدة في حالة عدم التزام الاتحاد السوفيتي ببنود المعاهدة وما هي الإجراءات الفعالة التي يجب اتخاذها في حالة الغش السوفيتي وانتهاكه للاتفاقية بعد رصده، وقد استطاع إيكل في تلك المقالة أن يستشرف المستقبل ووجد المسئولون الأمريكيون بعد ذلك بعدة سنوات أنهم كانوا أكثر  التزامًا من السوفيت بالاتفاقية.

فقد كان هناك تباين واضح بين توجهات كل من أمريكا والاتحاد السوفيتي فيما يتعلق بالتزام بنود اتفاقية الحد من الصواريخ الباليستية، فقد قام السوفيت ببناء أنظمة دفاعية شاملة منذ منتصف الثمانينات بما في ذلك بناء رادار ضخم لرصد الصواريخ الباليستية في مواقع ممنوعة مثل كراسنويارسك، في الوقت الذي التزمت فيه الولايات المتحدة باتفاقية الحد من انتشار الصواريخ الباليستية وامتنعت عن نشر صواريخها حتى بعد اكتشاف المسئولين الأمريكيين الانتهاكات المادية من الاتحاد السوفيتي لبنود الاتفاقية ونشروا تلك الانتهاكات في حينها، ورفض الاتحاد السوفيتي أن يزيل تلك الانتهاكات.

فبالرغم من الانتهاكات السوفيتية خاض المسئولون الأمريكيون في مشكلات هائلة من أجل تنفيذ الاتفاقية وأذعنوا للعديد من القيود التقنية على أنظمتهم الدفاعية الصاروخية من أجل ضمان أن الولايات المتحدة تظل ملتزمة ببنود الاتفاقية في الثمانينات والتسعينات، ولم تنسحب الولايات المتحدة من  الاتفاقية إلا في عام 2002 بعد أكثر من عقد ونصف من رصد الانتهاكات السوفيتية، ولم يكن ذلك كرد فعل على الانتهاكات السوفيتية ولكن من أجل أن تقوم أمريكا بنشر أنظمتها الصاروخية الدفاعية في حقبة ما بعد الحرب الباردة، لذا فإن الخداع لم يكن مطلقًا خيارًا أمام الولايات المتحدة.

ومن الأمثلة الأخرى الواضحة على فشل الأطراف الدولية في تنفيذ المعاهدات متعددة الأطراف هو عجز دول العالم عن التحرك كرد فعل لاستخدام العراق لأسلحة كيماوية في حربها مع إيران في منتصف الثمانينيات، فقد انتهك العراق بروتوكول جينيف لعام 1925 والخاص باستخدام الأسلحة الكيماوية، وذلك بعد أن أثبت فريق تقني متعدد الجنسيات من الأمم المتحدة وقوع تلك الانتهاكات، والتي كانت واضحة للغاية وفظيعة لدرجة أنه تم عقد مؤتمر دولي خاص في باريس لمواجهة ذلك السلوك العراقي غير القانوني.

ولكن بالرغم من وضوح تلك الانتهاكات إلا أن ممثلي الدول في هذا المؤتمر أثبتوا عجزهم عن الوصول إلى قرار يذكر حتى فيه اسم العراق، فضلاً عن الدعوة فعليًا إلى اتخاذ إجراءات فعالة ضد تلك الانتهاكات أو حتى الدعوة إلى معاقبة العراق. (لذا ليس من المستغرب أن نجد أن إيران تسعى بذلك ذلك للحصول على السلاح النووي في انتهاك للاتفاقات الدولية وتوقعها أن تمر بدون عقوبات دولية خطيرة عليها).

ب. المماطلة الاستراتيجية:

إن فكرة عدم وجود شيء يخسره المفاوضون مع خصمائهم تفسر لماذا يمكن أن تستخدم تلك المحادثات بنوايا سيئلة، كأداة للمماطلة الاستراتيجية على سبيل المثال، فقد قدم المؤرخ اليوناني القديم ثوكيديديس مثالاً مبهرًا على ذلك. فقبل اندلاع الحرب البلوبونيزية بين الأثينيين والأسبرطيين، أرسل الأسبرطيون مبعوثًا إلى الأثينيين بأن يقوم كلاهما بنزع أسلحتهما بصورة جزئية، عن طريق سحب تحصيناتهما من حول شبه الجزيرة، فقد كان لديهم أسبابهم الخاصة لتقديم ذلك المقترح بنزع السلاح المتبادل من تلك المناطق الاستراتيجية، فما كان من زعيم الأثينيين إلا أن أخبر مسئولي التفاوض لديه بأن يظهروا قبول الفكرة جديًا وأن يقوموا بالتفاوض مع الأسبرطيين حول تلك القضية في مباحثات مطولة لوقت يكفي للأثينيين بإعادة بناء جدرانهم الواقية بصورة أعلى وأقوى من ذي قبل.

وحاليًا تلعب إيران اللعبة ذاتها حيث تستخدم المفاوضات كأداة لإبقاء مجلس الأمن بعيدًا عنها في الوقت الذي تطور فيها برامجها لصنع الأسلحة النووية، فأثناء مفاوضاتها مع الحكومات الأوروبية الثلاثة أواخر عام 2003 تمكنت إيران من تأجيل تنفيذ العقوبات الاقتصادية ضدها حتى عام 2006، وفي تلك الفترة تمكنت من إنشاء معمل تحويل اليورانيوم في أصفهان وبدأ في التشغيل، وأنهت منشأة تخصيب اليورانيوم في ناتانز ونجحت في تنصيب أول أجهزة الطرد المركزية، ويبدو أن طهران على دراية كاملة بأساليب المفاوضات واستخدامها كوسيلة لإضرار بمصالح مفاوضيها. وقد وصف الكاتب الساخر ويل روجرز ذلك الأسلوب قائلاً: "إن الدبلوماسية هي فن مداعبة الكلب العقور قائلاً: ‘كلب ظريف كلب ظريف’ حتى تجد حجرًا لتضربه به"؛ فأولئك الذين يعتقدون أنه لا يوجد ضرر مطلقًا في التفاوض يجب أن يحترسوا وإلا سيجدوا أنفسهم مرجومين بالحجارة مثل ذلك الكلب.

جـ : المحادثات كوسيلة للحصول على امتيازات

الأنظمة الديكتاتورية مثل تلك الموجودة في إيران وكوريا الشمالية تستطيع أن تدعم أوضاعها الداخلية وتروج لسمعتها على المسرح العالمي عن طريق الجلوس على مائدة المفاوضات مع كبرى القوى العالمية، وبخاصة الولايات المتحدة. لذا لا يجب على المسئولين الأمريكيين أن يمنحوا مثل ذلك الشرف لأنظمة مارقة لأسباب واهية أو مجانًا. فالمزايا السياسية المحلية والدولية التي تستطيع أنظمة مثل إيران أو كوريا الشمالية أن تجنيها من عملية التفاوض يمكن أن تكون ثرية للغاية، لذا يجب على المسئولين الأمريكيين أن يعتبروا أن مجرد الحديث مع تلك الأنظمة بمثابة الخسارة أو الجانب السلبي المبدئي لأمريكا حتى قبل بدء التفاوض، لذا مهما كانت الإيجابيات من التفاوض مع تلك الأنظمة فيجب أن تكون متوازنة مع قدرة تلك الأنظمة على استغلال المفاوضات لتدعيم قبضتها الدكتاتورية على أبناء شعبها وللتأثير على الدول الأخرى.

فقد وافقت الولايات المتحدة تحت إدارة بوش على المشاركة في المحادثات السداسية مع كوريا الشمالية ودعمت المفاوضات التي قادها الأوروبيون مع إيران، وحاولت إدارة بوش في ذلك أن تصل إلى منزلة متوسطة ما بين رفض عملية التفاوض برمتها وما بين الموافقة على إعطاء تلك الأنظمة في بيونجيانج وطهران صورة المفاوض الرسمي على قدم المساواة مع الولايات المتحدة، وقد نصح العديد من المعلقين الرئيس أوباما بأن يتفاوض مباشرة مع أولئك الخصماء وبخاصة مع القادة الإيرانيين.

ولكن تلك النصيحة تعد سيئة إذا ما فشلت في تحديد التداعيات السياسية داخل إيران لمثل هذه المفاوضات وإذا ما فشلت في إعطاء إيجابيات للولايات المتحدة تتمثل في تشجيع العمال والطلبة والنساء في إيران في الحصول على حقوقهم ضد نظامهم الديني الفاشل وغير الشعبي والقمعي.

د. مخاطر أخلاقية وإعلامية:

يمكن أن تؤدي المفاوضات إلى حدوث أضرار كبيرة إذا ما أوصلت رسالة مضللة إلى الجمهور بأن المشكلات غير القابلة للحل يمكن حلها أو أن تهديدًا بعينه يمكن أن يتم قمعه مستقبلاً بينما يستحيل ذلك واقعيًا، وفي مثل تلك الظروف فإن المفاوضات يمكن أن تخلق شعورًا زائفًا بالأمان ويمكن أن تقوض جهود اتخاذ إجراءات ضرورية من قبل الدولة للتغلب على تلك المشكلات.

3. الخاتمة:

يجب على المسئولين في إدارة أوباما الجديدة أن يقوموا بمراجعة سياسات الأمن القومي الأمريكية وطرحها على الطاولة، ويجب أن يسألوا أنفسهم إذا كان يتحتم عليهم من الأساس خوض المفاوضات من عدمه، وما هي كيفية إجراء ذلك مع أخطر الأنظمة التي تسبب مشكلات في العالم، وسوف يجدون أن الحل المقتضب لتلك المشكلات سيكون بلا جدوى، وهناك تاريخ ثري يظهر لنا كيف استخدم القادة السياسيون في العالم التفاوض الدولي من أجل الصالح العام، وكيف أيضًا استغلوه لتسهيل شن أشنع الجرائم.

لذا يجب أن تعطي إدارة أوباما أهمية كبيرة لمعالجة موضوع المفاوضات بالقدر الذي يتناسب مع هذا التاريخ الحافل للتفاوض الدولي، ولا ينبغي على صناع السياسة أن يكتفوا بسرد الأفكار المجردة أو النقاط العامة بشأن الفضائل أو المثالب الأصيلة لعملية التفاوض مع الأعداء التاريخيين، مثل ذلك النظام الديني في إيران. وفي أثناء حملته الانتخابية تحدث أوباما عن مزايا المحادثات المباشرة مع الإيرانيين، أماكرئيس فيتحتم عليه أن يحسب عيوب ذلك أيضًا، والتوصل إلى محصلة نهائية من كل تلك الاعتبارات ليس بالشيء السهل عندما يتعلق الأمر بالحكم البراجماتي على الأشياء، كما أنه لن يكون اختيارًا أخلاقيًا سهلاً أيضًا. ويجب أن يعلم الرئيس الجديد أنه يتحمل مسئولية تحليلاته وحكمه النهائي، فالإجابة الخاطئة يمكن أن تفرز تداعيات كارثية على الولايات المتحدة.

مصدر الترجمة: 
The Arab center for the humanities studies