العلاقة ما بين محللي الاستخبارات وصناع السياسة: دروس من العراق

مقال رأي

من المهم أن تعود العلاقة المتوازنة ما بين المحللين الاستخباراتيين وما بين صناع السياسات في الولايات المتحدة الذين يستفيدون من تلك المعلومات الاستخباراتية؛ فكلاهما يحتاج أن يفهم المحددات المعقدة لتلك العلاقة وأن يحصلا على النوع الصحيح من التوتر البناء بين الطرفين وأن يتلاقيا في النقاط المناسبة، في الوقت الذي يحترمان فيه بعضهما البعض والأدوار المؤسسية التي يقوم بها كل طرف على مائدة النقاش. وسوف يكون درس العراق مفيدًا للرئيس أوباما وفريقه للأمن القومي ويجب التعلم منه إذا ما أرادوا أن يحكموا البلاد بكفاءة وبجدارة.

فلا يوجد فرد بعينه يستطيع أن يسيطر على كافة المعلومات الضرورية وبمتابعتها بصفة دورية في إطار العملية الأساسية لصنع قرارات السياسة الخارجية والأمن القومي، وينطبق هذا الأمر بصورة أكبر على كبار المسئولين في الدولة، لذا فسوف يظل صناع السياسات يعتمدون بصورة حتمية على الذين يمدونهم بالمعلومات والذين يقومون بترشيحها وتصفيتها لهم وعلى الذين يقومون بعد ذلك بتوضيح أهمية ومعاني الاستنتاجات النهائية التي اختاروها لعرضها على المسئولين بسبب أهميتها، وهذا يعني أن المسئولين الأمريكيين لا يملكون سوى الاعتماد الكبير على المحللين المحترفين العاملين في مجتمع الاستخبارات الأمريكي، وذلك فيما يتعلق بالسياسات الخارجية وبالأمن القومي.

ولكن ما يجري الآن لا يعد الصورة المثلى التي يمكن للرئيس أوباما وفريقه أن يعتمدوا عليها فيما يتعلق بعملية "معالجة" المعلومات وتحليلها، فيجب على إدارة أوباما أن تقوم بإصلاح تلك العملية إذا ما أرادت أن تحكم البلاد بصورة فعالة وقادرة على التغيير، وهو الشيء الذي تم انتخاب الرئيس من أجله، فيبدو أن العلاقة ما بين محللي الاستخبارات وما بين صناع السياسة الذين يستفيدون من تلك المعلومات الاستخباراتية قد أضيرت بصورة كبيرة وخطيرة، وقد نبعت تلك المشكلة بسبب حرب العراق، وإذا كان هناك لوم يجب توجيهه لأحد فيجب أن يوجه لكبار مسئولي الاستخبارات الذين برأوا أنفسهم وللسياسيين الانتهازيين وللنقاد الإعلاميين خارج الجهاز التنفيذي للدولة والذين روجوا لفكرة أن فشل التحليل الاستخباراتي بشأن أسلحة الدمار الشامل العراقية لفترة ما قبل الحرب كان سببه صناع السياسات الذين شوهوا المعلومات والحقائق الاستخباراتية من أجل غايات سياسية خاصة بهم. ولكن في المجمل فإن هذا الفشل هو محصلة عمل كل تلك المجموعات التي عملت بجد ونشاط لترسيخ قناعة سائدة في فترة ما بعد الحرب تفيد بأن المشكلة تكمن في العلاقة ما بين المحللين والسياسين وأن السياسيين لم يسألوا الأسئلة الكافية للمحللين وأخذوا تحليلاتهم كأنها من الأمور المسلم بها. ولكن تحديد الطرف الذي يجب أن يلقى عليه اللوم تعد نقطة فرعية، فإصلاح العملية برمتها هو الأساس، والأهم من ذلك كله هو أن تلك القناعة الجديدة خاطئة وخطيرة بصورة كبيرة.

فمن المؤكد أن عملية التحليل الاستخباراتي للمعلومات المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل العراقية قبل الغزو كانت خاطئة بصورة شنيعة، لذا يجب أن تتعلم الولايات المتحدة الدروس الصحيحة من ذلك الإخفاق، ويبدو أن الولايات المتحدة تسير حاليًا في الطريق الصحيح للاستفادة من هذا الخطأ. وأولى مشكلات التحليل الاستخباراتي لأسلحة الدمار الشامل العراقية هو أن هذا التحليل أفرز أخطاء، وهذا ليس بالضرورة شيء لا يغتفر؛ فعادة ما تكون المعلومات الاستخباراتية غير مكتملة وغامضة، وعادة ما تتعلق بنشاطات يعمل الآخرون بجد على إخفائها، لذا نحن بحاجة إلى أن يكون المحلل "قادرًا" على ارتكاب الخطأ، وذلك لأنهم سيفشلون في أداء عملهم إذا ما أصيبوا بالشلل مخافة الخطأ، ولكن الذي لا يمكن السماح به هو الفشل الآخر المتعلق بالعراق، وهو انهيار العلاقة ما بين محللي الاستخبارات وصناع السياسيات والأسطورة التي بنيت على أنقاض ذلك الانهيار وهي أن هناك فشلاً وظيفيًا في تلك العلاقة.

لذا فإن المشكلة في تلك العملية الخاصة بمعلومات أسلحة الدمار الشامل العراقية في فترة ما قبل الحرب لم تكن لأن السياسيين تعمدوا وجود هذا الخطأ في التحليل الاستخباراتي من أجل تنفيذ أهدافهم السياسية التي كانوا يخططون لها مسبقًا، ولكن المشكلة في أن المحللين أنفسهم أعطوا استنتاجات خاطئة وأن السياسيين قبلوا تلك الاستنتاجات بدون مساءلتهم بشأنها، فما حدث أن المحللين "ظنوا" صحة تلك المعلومات وتحليلاتهم لها، والسياسيين قالوا لهم: هيا بنا ننفذ!. ومقارنة بتحليل أسلحة الدمار الشامل العراقية يبدو الآن أن التحليل الاستخباراتي الخاص بعلاقات الدولة العراقية بالنشاطات الإرهابية كان جيدًا للغاية، وهذا يعطينا دروسًا مهمة يجب أن نتعلم منها.

فقد رحب السياسيون بنتائج التحليلات الاستخباراتية بشأن صلات صدام حسين بالإرهاب ولكنه كان ترحيب حذر، فقد أبدى السياسيون استغرابهم من عدم توفر المزيد من الدلائل على وجود تلك الصلات، وشعروا بأن عملية التحليل من المؤكد أنها أغفلت أشياء، لذا طالبوا بتطوير عمليات البحث والتقصي ونفذ الطرفان، المحللون والسياسيون، عملية متكاملة وشاملة للتأكد من تلك المعلومات، والتي شككوا فيها في صحة تلك المعلومات المتوفرة عن علاقات حكومة صدام بالإرهاب ودلالاتها. بل إن السياسيين في بعض الحالات بذلوا وقتًا أكبر وقاموا بأنفسهم بمعرفة كل التقارير الاستخباراتية التي تحدثت عن هذا الموضوع، ولم يخجلوا من مساءلة الافتراضات وأجبروا المحللين على الدفاع عن صحة بياناتهم وعن منطقهم واستنتاجاتهم النهائية.

وكنتيجة لذلك تم تنقيح عمليات التحليل وقام المحللون بإعادة التأكد من استنتاجاتهم وقاموا بالمزيد من النشاطات الإضافية لربط الأحداث ببعضها البعض وحسنوا بذلك من رؤيتهم للموضوع برمته. وفي الوقت ذاته فهم السياسيون أنه لم يكن هناك في الحقيقة دلائل حقيقية على وجود صلات عميقة وشاملة بين الجماعات الإرهابية وبين النظام العراقي، وأصبح لديهم ثقة أعلى في نتيجة أعمالهم. وكانت المحصلة هي مجموعة من التحليلات التي أدت إلى نتيجة صحيحة في النهاية. إذن ماذا نتعلم من كل ذلك؟ إن الدرس الذي ينبغي تعلمه هو أنه من المهم للغاية أن نحافظ على العلاقة ما بين المحللين الاستخباراتيين وبين صناع السياسات ويجب أن تتسم تلك العلاقة بنوع من التشكك والفحص والفهم العميق للقضايا، وهذا يتطلب جهودًا وفهمًا متبادلاً بين الجانبين.

لذا يجب على المحللين أن يتوقعوا ذلك التشكك والفحص والفهم العميق من صناع السياسات بل ويرحبون به أيضًا، لأن ذلك يعد ضروريًا لأداء عملهم. فالأمر لا يجب أن يعتبر "تسييسًا" للقضايا الأمنية، ولكن الهدف منه هو إجبار المحلل على التوضيح الدقيق: لماذا توصل إلى تلك الاستنتاجات، ولكي يشعر بالقلق من تبعات ما تتضمنه تلك التقارير وللتأكد من افتراضات المحللين وأن يتم التأكد أنهم لم يقعوا ضحية عملية خداع أو لتقنيات الإخفاء أو ببساطة يكون الهدف منها هو أن يحصل السياسي على المزيد من المعلومات قبل أن يتخذ القرار. وفي النهاية يكون للسياسيين الحق الكامل في رفض التحليل الاستخباراتي برمته إذا بدت لهم خاطئة أو مضللة. 

ويتضح من مثال المعلومات المضللة عن أسلحة الدمار الشامل العراقية أن المحللين يمكن أن يرتكبوا أخطاء فادحة، فبعد تلك السلسلة الدرامية من الفشل في التحليل الاستخباراتي ألن يكون من الحماقة بعد ذلك أن نطالب بالقبول القسري لأعمال محللي الاستخبارات برمتها كما هي؟ فيجب أن يتذكر المحللون أنهم لا يمتلكون حقًا حصريًا بشأن تقييم الحقائق، وأن استنباط القرارات السياسية يعد حقًا أصيلاً لصناع السياسات، وذلك بناء على الحقائق التي يعتقدون أنها تتمتع بالمصداقية. فيجب أن يكون صناع السياسات على دراية كاملة بالتقارير الاستخباراتية المتاحة وبطرق جمع معلوماتها، بالإضافة إلى علمهم بالمعلومات التي يتم جمعها، ولا يتوقع أحد أن يطلع السياسيون على التفاصيل الكاملة بقدر معرفة المحللين لها، فصناع السياسات الذين يكلفون آخرين بأداء عملهم وبالتفكير في السياسات وفيما يتعلق بأهداف الدولة لا يعتبرون قد أدوا واجبهم، لذا فإن صناع السياسات يجب عليهم أن يقوموا بهذا العمل الشاق على أكمل وجه.

ولا يعتبر صانع السياسات قد أدى عمله إذا لم يبذل وقته بصفة دورية في قراءة التقارير الاستخباراتية، وليس فقط الاطلاع على الاستنتاجات النهائية كلما أتيح له فيما يتعلق بأهم القضايا، ويقرأ المكاتبات الخاصة بتلك التقارير. كما أن صناع السياسات الذين لا يتحدثون ويتناقشون مع المحللين الذين يقدمون لهم الملخصات الاستخباراتية بشأن نواحي القوة والضعف في مختلف أنواع عمليات جمع المعلومات، أو في الافتراضات التي تتضمنها الاستنتاجات التحليلية، هم صناع سياسات غير مجهزين لتقييم ما يسمعونه. ويبدو أن واشنطن لم تعي هذا الدرس جيدًا، فقد ظهرت أكذوبة جديدة بشأن إخفاق عمليات جمع المعلومات فيما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل العراقية والتي عاملت التحليلات الاستخباراتية كأنها نصوص إلاهية، وكأنها أشياء يجب على السياسيين قبولها واحترامها وتوقيرها بصورة مطلقة بدون مساءلة.

وما أدى إلى تفاقم تلك المشكلة هو ولع السياسيين والمشرعين ورجال الاستخبارات بعرض التقارير التي رفع عنها صفة السرية في المناظرات العامة والعشوائية والصاخبة، مما جعل استنتاجات الاستخبارات بمثابة ملعب كرة قدم سياسي وشوه عملية صنع السياسات وأضر بها أكثر بصورة كبيرة، وأصبح من المسلم به الآن أن صناع السياسات يجب عليهم أن يقبلوا استنتاجات رجال الاستخبارات على عوانها بدون مساءلة. فقد سمعنا البعض في وسائل الإعلام يقول أن رجال الاستخبارات الآن أصبحوا يتمتعون بموقع متميز لأنهم "المطلع الوحيد" على الحقائق في مجال الأمن القومي، وهو ما أعطاهم الآن مكانة مشابهة للمحلفين في القضايا الجنائية الذين يملكون إصدار الحكم النهائي. 

وهذه القناعة الجديدة تعد خطيرة إلى أبعد الحدود، فهي تجعل الولايات المتحدة عرضة لأي فشل مستقبلي من جانب عملية التحليل الاستخباراتي مما يزيد من مخاطر اتخاذ القرارات بناء على معلومات مضللة. فالمحللون يجب أن يعتبروا المرجع الأساسي فيما يتعلق بتقديم المعلومات الحقيقية بمقدار معرفتهم بالبيانات المتاحة وبخبرتهم في قضية معينة، وبالمنطق والحجة يستطيعون الإقناع. ولكن لا يجب احتكار أي من تلك الخصائص لتكون وقفًا على رجال الاستخبارات، فإعطائهم توقيرًا بلا مساءلة هو بمثابة أن نجعل السياسات هي أيضًا بلا مساءلة، وهذا معناه أننا نبحث عن المتاعب. والتاريخ المعقد لعمليات التحليل الاستخباراتي في فترة ما قبل غزو العراق يجعل من الواضح أنه يجب أن تكون هناك مساءلة وفحص دقيق وتلاحم ما بين الاستخبارات والسياسيين في عمليات التحليل وفي عمليات صنع القرار السياسي.

فمن غير المعقول ألا تكون هناك مثل تلك العلاقة بين الطرفين، فهذا من شأنه زيادة فرص حدوث الخطأ والسماح بتهيئة المناخ ذاته الذي ساعد على فشل التحليل الاستخباراتي بشأن أسلحة الدمار الشامل العراقية. كما أن غياب المساءلة والانتقاد لا يتماشى مع مؤسسات أمريكا الديموقراطية، فالمستفيد الأكبر من المعلومات الاستخباراتية على الإطلاق هو الرئيس والذي فوضه الشعب لاتخاذ أهم القرارات وقد اختاروه خصيصًا للقيام بهذا الدور، كما أن الرئيس يعين كبار المسئولين ولكن يجب أن يصادق عليهم الكونجرس للتأكد من أنهم سوف يساعدونه في جعل تلك القرارات متماشية مع الديموقراطية والشرعية وتعد جزءًا من مسئولياته. فلا توجد انتخابات على سبيل المثال فيما يتعلق باختيار محللي الاستخبارات، ولا يتم مساءلتهم إلا في حدود سلسلة القيادة الخاصة بهم والتي تعود في النهاية إلى السلطة السياسية المنتخبة في أعلى مستوياتها والمتمثلة في الرئيس.

لذا لا ينبغي أن تكون للمحللين كلمة الفصل فيما تفكر فيه حكومة الولايات المتحدة، فقطاع الاستخبارات لا يمكن أن يصبح سلطة رابعة خارج نطاق المساءلة وهو ما يناقض النظام الدستوري للولايات المتحدة، ولكل تلك الأسباب فيجب أن تعود العلاقة المتوازنة ما بين محللي الاستخبارات وصناع السياسة الذين يستفيدون من تلك المعلومات الاستخباراتية.

ويجب أن يفهم الطرفان محددات تلك العلاقة المعقدة وأنهما يجب أن يتقبلاً النوع الإيجابي من التوتر البناء في العلاقة في بعض النقاط التي يجب أن يحترم فيها الجميع بعضهم البعض ويحترمان فيه الدور المؤسسي الذي يلعبونه من أجل التوصل إلى القرار. وهذا ليس بالضرورة سهلاً ولكنه شيء أساسي، فدروس العراق يجب أن تعطي الرئيس وفريقه للأمن القومي دروسًا مهمة إذا ما أرادوا أن يديروا البلاد بصورة فعالة وبناءة، وسوف يكون الرئيس أوباما بحاجة إلى رفض المفاهيم الخاطئة والضارة التي نشأت في العلاقة ما بين الاستخبارات والساسة في أعقاب حرب العراق.

ويجب أن يبدأ أوباما في معارضة أية اقتراحات من شأنها أن تفاقم تلك المشكلة؛ مثل جعل مدير الاستخبارات القومية مستقلاً مثله مثل رئيس الاحتياطي الفيدرالي، كما يجب على أوباما أن يرفض رغبات الجهاز التنفيذي في نشر التقارير والتحليلات التي نزع عنها صفة السرية، فدائمًا ما يكون الاستشهاد بتلك التقارير مغريًا ويحاول المسئولون استغلالها في المناظرات العامة كأداة لإحراز النقاط السياسية ولإضاف صفة "الشفافية" على الأشخاص، ولكنها نادرًا ما تساوي حجم الأضرار الناتجة عن عملية نشر تلك التقارير وأثر ذلك على قطاع الاستخبارات في المدى الطويل.

والأهم أن يؤكد أوباما وفريقه على ضرورة التكامل في العلاقة ما بين الاستخبارات والسياسين وأمانة وإخلاص القائمين بمختلف الأدوار في تلك العلاقة على كافة مستويات أجهزة الأمن القومي. والعلاج الناجع الوحيد لتلك المشكلات هو قيادة صلبة وذات مبادئ، وهذا هو السبب الذي انتخبه الأمريكيون من أجله.

مصدر الترجمة: 
The Arab center for the humanities studies