هذه ليست ثورة


أكاذيب كلها ونكات
ولا يزال المرء يسمع
ما يريد أن يسمع
ويعترض على ما عداه
بول سيمون


الظلام يخيم على أرض العرب. الضياع والموت والدمار تلازم القتال من أجل حياة أفضل. الغرباء يتنافسون على النفوذ وتصفية الحسابات. والمظاهرات السلمية التي بدأ منها كل هذا، والقيم السامية التي استلهمتها تلك المظاهرات، لم يبق منها اليوم إلا ذكريات باهتة. الانتخابات ما هي إلا احتفالات تغيب عنها الرؤى السياسية إما غيابا إلى حين أو هي مرجأة إلى حين. والبرنامج الوحيد المتسق مع نفسه هو برنامج ديني مستلهم من الماضي. لقد انفك الزحف إلى السلطة من إساره، بغير قواعد واضحة، ولا قيم، ولا منتهى. ولن يتوقف الزحف بتغيير النظام أو ببقائه. والتاريخ لا يسير إلى الأمام. إنما هو يزل إلى الطرفين.
ألعاب داخل ألعاب: معارك ضد أنظمة حكم أوتوقراطية، اشتباكات طائفية بين السنة والشيعة، صراع إقليمي على السلطة، حرب باردة جديدة وهادئة. دول تنقسم، وأقليات تفيق وقد استشعرت الفرصة سانحة للخروج عن محاذير الدولة الخانقة. الصورة ضبابية. وما هذه غير شذرات سريعة من أفق لا يزال يتكون، ولمحات قليلة عما يمكن أن يكون عليه المصير النهائي. والتغييرات التي تعد جوهرية الآن، هي نفسها المعرضة لأن تعد مجرد بعض من نوادر الرحلة الطويلة.
يسارع اللاعبون الجدد، أو متجددو النشاط، بالتوجه إلى الصدارة: "الشارع" غير المحدد، سريع الاحتشاد، سريع الانفضاض، المتظاهرون الشباب، الناشطون المركزيون أثناء الانتفاضة، الساقطون في أعقابها. الإخوان المسلمون الذين كان الغرب يعتبرهم بالأمس متطرفين خطرين، هم الذين يحتضنهم الغرب اليوم محتفيا بها، باعتبار أنهم معتدلون برجماتيون عمليون. والسلفيون الأشد تقليدية ـ ممن كانوا في يوم من الأيام حساسين تجاه جميع أشكال الإصلاح ـ ملهوفون اليوم على المنافسة في الانتخابات. وثمة جماعات مسلحة غامضة، وميلشيات مشكوك في ولائها، ومتبرعون مجهولون، وعصابات أيضا ومجرمون وقطاع طرق ومختطفون.
التحالفات مضطربة، عصية على المنطق، خارجة عن المعتاد والمألوف، لا علاقة لها بالثبات. أنظمة ثيوقراطية تناصر علمانيين، وطغاة يدعمون الديموقراطية، والولايات المتحدة تقيم شراكات مع إسلاميين، وإسلاميون يناصرون التدخل العسكري الغربي. قوميون عرب يقفون في صف أنظمة طالما قاتلوها، وليبراليون يقفون في صف إسلاميين كانوا يصلون معهم إلى حد الشجار. العربية السعودية تناصر العلمانيين ضد الإخوان المسلمين والسلفيين ضد العلمانيين. الولايات المتحدة متحالفة مع العراق، المتحالف مع إيران، المناصرة للنظام السوري، الذي ترجو الولايات المتحدة أن تساعد في الإطاحة به. الولايات المتحدة أيضا متحالفة مع قطر، التي تدعم حماس ماليا، ومع العربية السعودية  التي تمول السلفيين الذين يستلهمون الجهاديين الذين يقتلون الأمريكيين كلما استطاعوا إلى قتلهم سبيلا.
وفي زمن قياسي، تطورت تركيا من بلد ليست لديه أية مشكلات مع جيرانه إلى بلد عنده مشكلات مع جميع الجيران. فتركيا نفرت من إيران، وأغضبت العراق، وصارت على خلاف مع إسرائيل. وهي فعليا في حرب مع سوريا. أكراد العراق اليوم حلفاء لتركيا، حتى وإن كانت تركيا تشن حربا ضد من فيها من أكراد، وحتى وإن كانت سياسات العراق وسوريا تشجع النزعات الانفصالية في تركيا نفسها.
على مدار سنوات، عارضت إيران أنظمة الحكم العربية، ووثقت علاقاتها بالإسلاميين الذين شعرت أن مظهرهم الديني يمكن أن يخلق بينها وبينهم قضية مشتركة. وما كاد الإسلاميون يصلون إلى السلطة حتى سارعوا إلى النأي بأنفسهم عن  طهران ـ على الرغم مما تبديه لهم من غزل ـ وذلك لكي يطمئنوا خصومهم السابقين في السعودية والغرب. ولسوف يشعر النظام الإيراني الحاكم أنه مرغم على تنويع تحالفاته، والوصول إلى غير الإسلاميين الذين يشعرون أن النظام الناشئ يقصيهم، ويشعرون أيضا بالفزع من الشراكة بين الإسلاميين والولايات المتحدة. وإن لإيران لخبرة في هذه الأمور: فهي منذ ثلاثة عقود في تحالف مع دمشق برغم قهرها للإسلاميين.
عندما تتلاقى الأهداف، تتغير الدوافع. وبالأمس القريب تعاونت الولايات المتحدة مع ملكيات الخليج العربي ومشيخاته في خلع القذافي، وفي معارضة الأسد اليوم. وهي تقول إنها لا بد أن تكون دائما في الجانب الصحيح من التاريخ. غير أن هذه الأنظمة لا تحترم في أوطانها الحقوق التي تنشدها في الخارج نشدان المخلصين. فهدف هذه الأنظمة لا هو الديمقراطية ولا هو المجتمع المفتوح. إنما هي مشتبكة في صراع على السيطرة الإقليمية. فما الذي يمكن أن يجده دعاة الانتفاضة الديمقراطية المبتكرة ـ ناهيكم عن الكنز ـ في دول أنظمة الحكم فيها هي النقيض الواضح للمشروع الديمقراطي الذي يزعمون مناصرته؟


يقوم نظام التحالفات الجديد على الكثير من الفرضيات الزائفة والأقنعة والمتناقضات عميقة التنافر. وهو نظام غير صحي؛ لأنه لا يمكن أن يكون واقعيا. فيه خطأ ما. فيه شيء غير طبيعي. ولا يمكن أن ينتهي إلى خير.
تبدأ حرب إعلامية في مصر وتبلغ ذراها في سوريا. كل طرف لا يطرح إلا نفسه، يضاعف الأرقام، ويصرف النظر عن البقية. والعكس في البحرين هو الصحيح. مهما تكن كثرة خصوم النظام، لا يلاحظهم إلا القليلون. لا يظهرون في مجال الانتباه. هذا ولم يمض وقت طويل على لحظة كانت اللقطات المصورة في ليبيا تمجد خليط المقاتلين بالشارات الملونة ومدائح النصر. كانت المعارك الحقيقية، الدموية الدائرة رحاها من السماء في الغالب، تستعر في مكان آخر. وكانت الخسائر تبقى خفية.
تتجمع الحشود في ميدان التحرير. تلتقط الكاميرا صورا قريبة للمتظاهرين. ماذا عن الملايين الذين لا تصورهم الكاميرا ممن لزموا بيوتهم؟ أكانوا مبتهجين بالإطاحة بمبارك أم آسفين على رحيله؟ وما شعور المصريين حيال الحاضر، بما فيه من فوضى، وقلاقل وانهيار اقتصادي وغموض سياسي؟ لقد امتنع خمسون في المائة من المصريين عن التصويت في الانتخابات. ونصف الذين أدلوا بأصواتهم منحوا هذه الأصوات لممثل النظام القديم. فمنذا الذي سوف يتولى أمر أولئك الباقين في الجانب الآخر من الجانب الصحيح من التاريخ؟
يقاتل أغلب السوريين اليوم لا لإلحاق الهزيمة بالنظام ولا لدعم المعارضة. إنما هم ضحايا هذه المواجهة اللعينة، لا أحد ينتبه إلى أمنياتهم، أو يصغي إلى أصواتهم، ولا تخطر مصائرهم على بال أحد. وتصبح الكاميرا جزءا لا يتجزأ من القلاقل، وسيلة للحشد والبروباجندا والتحريض. وعدم التوازن العسكري يصب في مصلحة الأنظمة القديمة، ويعادله في الغالب عدم توازن إعلامي يصب في مصلحة القوى الجديدة. لقد كانت لدى النظام الليبي السابق بلاغة القذافي الغرائبية، وسوريا الأسد تعتمد على إعلامها المشين الذي تديره الدولة. ولا يكاد يكون ثمة مجال للمنافسة. ففي مجال التعاطف الجماهيري، في عصر غسيل الأخبار، ليس ثمة من فرصة بالمرة للأنظمة القديمة.


في تونس، ومصر، واليمن، وليبيا، وسوريا، والبحرين، لم تظهر شخصية قادرة على التوحيد، قادرة على تحديد ملامح مسار جديد. ليس ثمة إلا الحد الأدنى من القيادة. وعندما تكون ثمة قيادة فهي في الغالب لجنة.  وحيثما توجد اللجان، تجدون أنها صعدت بغموض إلى السلطة غير مفوضة من أحد. ومصدر الشرعية في أغلب الحالات يكون من الخارج: فالغرب يوفر الاحترام ويمنح فرصة الظهور، ودول الخليج توفر الموارد والدعم، والمنظمات الدولية توفر الوضع القانوني والعون.
وغالبا ما يفتقر من يتولون الحكم إلى القوة التي تنبع من وجود قاعدة انتخابية محلية موالية واضحة، ولذلك يكونون بحاجة إلى شرعية الخارج فيتحتم عليهم التحلي بالحذر، وتعديل المواقف إلى ما يقبل به الغرب. ولم يكن ذلك دأب الزعماء الثوريين في الماضي، فأولئك ما كانوا يتحركون بقوة من تلك الدوافع، بل كانوا ـ لحسن الحظ أو لسوئه ـ يتسمون بالعناد والاستقلالية ويتباهون برفض التدخلات الأجنبية.
أما الإسلاميون فلا يختلفون عن الزعماء الذين ساعدوا في الإطاحة بهم في مهادنتهم للغرب. ودونما اختلاف عمن حلوا محلهم ـ ممن كانوا يتخذون من الإسلاميين فزاعة يبقون بها الغرب في صفهم ـ يلوح الإخوان المسلمون بالشبح الذي قد يليهم إن هم وقعوا الآن: وما ذلك الشبح إلا السلفيون الذين لا يختلفون عن الإخوان في تمزقهم بين الولاء لتقاليدهم وبين تذوق طعم السلطة.
هي لعبة كراس موسيقية. في مصر، يلعب السلفيون اليوم الدور الذي لعبه الإخوان المسلمون من قبل، والإخوان المسلمون يلعبون الدور الذي لعبه من قبل نظام مبارك. وفي فلسطين، الجهاد الإسلامي هو حماس الجديدة التي تطلق الصواريخ إحراجا لحكام غزة، وحماس هي فتح الجديدة التي تزعم أنها حركة مقاومة في حين تحكم الخناق على من يجرءون على المقاومة، وفتح محض نسخة من الأوتوقراطيات العربية القديمة التي كانت تنتقدها فيما مضى. ترى، كم نبتعد بالضبط عن اليوم الذي سوف يقدم فيه السلفيون أنفسهم للعالم بوصفهم البديل الأفضل من الجهاديين؟
السياسة في مصر مقسمة بين تيار أساسي من الإخوان المسلمين المنتصرين، والسلفيين الأكثر تشددا، وغير الإسلاميين القلقين، وبقايا النظام القديم. وفي حين يحاول الإخوان المنتصرون التوصل إلى اتفاقية مع البقية، يبقى المستقبل ضبابيا. فالسرعة والبراعة التي نحى بهما الرئيس الجديد محمد مرسي القيادات العسكرية القديمة أو التي أحالهم بهما إلى التقاعد، والهدوء الذي قوبلت به هذه الخطوة الجريئة تشي بأن ثقة الإسلاميين قد ازدادت، وأنهم عازمون على الإسراع من إيقاع حركتهم.


تونس حدوتة معقدة. لقد تم التحول سلميا إلى حد كبير، وحزب النهضة الذي فاز بانتخابات أكتوبر الماضي يمثل وجها سمحا برجماتيا للإسلامية . ولكن جهوده من أجل توطيد السلطة تثير التوتر. فغياب الثقة بين العلمانيين والإسلاميين يتنامى، والاحتجاجات ذات الأسباب الاقتصادية والاجتماعية تنحو في بعض الأحيان إلى العنف. والسلفيون كامنون في الأطراف، يغيرون على رموز المجتمع الحديث، وعلى حرية التعبير، والمساواة الجندرية.


في اليمن، خرج الرئيس السابق صالح من السلطة لكنه لم يخرج بعد من المشهد. ثمة حرب تختمر في الشمال، وأخرى في الجنوب، والجهاديون يدربون عضلاتهم، وليس للثوريين الشباب ممن حلموا بالتغيير الكامل إلا الفرجة على الفصائل المختلفة المنتمية جميعا إلى النخبة القديمة نفسها وهي تعيد ترتيب الأوراق. السعوديون والإيرانيون والقطريون يرعون كلٌّ فصيله. الصدامات البسيطة قد تتفاقم إلى مواجهات كبرى. وفي ثنايا ذلك تقوم الطائرات الأمريكية الآلية بتصفية عناصر القاعدة ومن يسوقه الحظ فيكون بالقرب منهم.


يوما بعد يوم، يزداد وجه الحرب الأهلية في سوريا قبحا على قبح، وتستعر طائفيتها. وتتحول البلد إلى ساحة للحروب بالوكالة. تتكون المعارضة هناك من خليط من الإخوان المسلمين والسلفيين والمتظاهرين السلميين والميلشيات المسلحة والأكراد والجنود المنشقين والعناصر القبلية والمقاتلين الأجانب. ولا يكاد يوجد شيء واحد يمكن أن  يتردد النظام أو المعارضة عن القيام به تحقيقا للنصر. إنها دولة تنهار، بل مجتمع، بل حضارة عريقة بأكملها. والصراع يطوق المنقطة.
المعركة في سوريا هي أيضا معركة من أجل العراق. فالدول العربية السنية لم تقبل خسارة بغداد التي وقعت في أيدي الشيعة، بل في أيدي الإيرانيين الصفويين ـ من وجهة نظرهم. واستيلاء السنة على سوريا سوف يزيد من فرص زملائهم في العراق. سنة العراق المسلحون يجترئون والقاعدة تتجدد. والحرب الرامية إلى إعادة غزو العراق ستكون حربا يشترك فيها جيرانه. وإذا كانت المنطقة معنية بسوريا، فإن ما يستولي على العقول فيها بحق هو العراق.
ينتظر الإسلاميون في المنطقة ما سينتهي إليه الأمر في سوريا. وهم لا يشتهون لقمة لا يقدرون على مضغها. فلو أن الصبر هو مبدأ الإسلاميين الأول، فترسيخ المكتسبات مبدأهم الثاني. ففي حال سقوط سوريا، تكون الأردن التالية. ولقد كانت تركيبة الأردن الديمغرافية الخاصة ـ المؤلفة من أغلبية فلسطينية تخضع لأقلية منتمية إلى إمارة شرق الأردن ـ ركيزة للنظام الملكي: وكلا المجتمعين لهما مظالم عميقة من الحكام الهاشميين، ولكن عدم ثقتهما في بعضهما البعض أكبر. ولكن ذلك قد يتغير في مواجهة قوة الإسلام التوحيدية التي ليس للعرقية فيها أهمية تذكر ـ نظريا على الأقل.
وربما تأتي الكيانات الأضعف في أعقاب ذلك. ففي شمالي لبنان تناصر الجماعات السلفية والإسلامية المعارضة السورية مناصرة نشطة، ولعل ما بين هذه الجماعات والمعارضة السورية من مشتركات أكثر مما بينها والشيعة والمسيحيين في لبنان. لبنان منذ البداية تمثل جهازا بالغ التعقيد والهشاشة ينجذب في اتجاهات متنافسة: ففيه من سينظر إلى سوريا إن حكمها السنة نظرة الحسد، بل وربما نظرة الرغبة في اللحاق بها. وفيها من سينظر إلى سوريا هذه نظرة الفزع واليأس.


وفي البحرين، تعتزم الملكية السنية الحفاظ على السلطة بقهر الأغلبية الشيعية. والعربية السعودية ودول أخرى في الخليج تصطف مع حليفتها. والغرب ـ ذو الصوت المدوي في قضايا أخرى ـ صامت إزاء هذه القضية. عندما تجري ليبيا انتخابات، ولا يحقق الإسلاميون فيها نتائج طيبة، يعتقد خصومهم أنهم حققوا أخيرا انتصارهم الوحيد في بلد ليس لديه تراث مع الانفتاح السياسي، ويفتقر إلى الدولة، ومشبع بالميلشيات المسلحة التي لا تكف عن الدخول في مصادمات دموية. وفي العربية السعودية  ثمة قيادة ثمانينية [العمر] تصارع انتقالا تلوح نذره في الأفق، وتعيش في حالة خوف من إيران، وتهدر النقود لتهدئة السخط. فإلى متى يمكن أن يطول هذا كله؟

في بعض البلاد، سوف يطاح بأنظمة حاكمة، وفي بلاد أخرى ستبقى الأنظمة. والقوى التي منيت بالهزيمة لم تنسحق تمام الانسحاق فيما يبدو. ومن ثم فسوف تتجمع لمعاودة القتال. ميزان القوى ليس قاطع الوضوح، والنصر لا يعني بالضرورة قوة للمنتصر.
الموجودون في السلطة يحتلون الدولة، لكن الدولة أصل قد لا يثبت أنه ذو قيمة كبيرة وسط الأصول. فالدول العربية الضعيفة واهية الشرعية على المستوى الداخلي غالبا ما ينظر إليها مواطنوها في ارتياب، نظرتهم إلى كيانات غريبة فرضت من أعلى على هياكل اجتماعية مألوفة عميقة الجذور ذات تواريخ ممتدة وطويلة. كما أن هذه الدول لا تحظى بمثل بما تحظى به نظائر لها في أماكن أخرى من قبول وسلطة. وحيثما تقوم الانتفاضات، تزداد مقدرة هذه الدول ضعفا حيث تتآكل قواها القسرية.
الوجود إذن في مقعد السلطة لا ينبغي له أن يعني ممارسة السلطة. ففي لبنان، ازداد تحالف 14 آذار الموالي للغرب قوة وتضخما وانتفاخا وهو في المعارضة، ثم تراخى وضعف بعدما قام بتشكيل المجلس الوزاري في 2005. وحزب الله لم يكن يوما في خانة الدفاع ولم تتدن سلطته بمثل ما حدث له منذ أن أصبح قوة رئيسية من وراء الحكومة. ذلك أن من يكونون خارج السلطة يواجهون قدرا أقل من القيود. وتكون لديهم رفاهية انتقاد إخفاقات حكامهم، وهي الحرية التي تتأتى لهم من غياب المسئولية. كما أنهم ـ في منطقة الشرق الأوسط المسامّية الجاذبة ـ يتمتعون بالدعم الخارجي المتاح بوفرة.
أما تولي المسئولية، والعمل بصورة رسمية، تقليدية، ومن خلال قنوات الدولة فقد يكون معيقا بقدر ما قد يكون معينا. فانسحاب سوريا عسكريا من لبنان في 2005 لم يكبح نفوذها، كل ما هنالك أن دمشق فرضت ذلك النفوذ سرا، بعيدا عن وهج العلنية وما يستتبعه من محاسبة. وغدا، قد يتشكل النمط نفسه في سوريا نفسها. فانهيار النظام سوف يمثل ضربة خطيرة لإيران وحزب الله، ولكن لا أحد يعرف إلى أي مدى ستكون الضربة قاصمة. فالأرجح أن يشهد اليوم التالي لهذا الصراع الطويل العنيف حالة من الفوضى لا من اللاستقرار، وزحفا على السلطة لا حكومة مركزية قوية. سوف تسعى القومى المهزومة المستبعدة إلى البحث عن أي مصدر للمساعدة وسوف تستجدي ذلك من قوى أجنبية مهما تكن هوياتها. واستغلال الفوضى أمر تجيده إيران وحزب الله ويتفوقان فيه كثيرا على خصومهما. وفي ظل عدم وجود النظام السوري الذي يأخذان مصالحه بعين الاعتبار ويضطران إلى الالتزام بما يضعه من حدود، قد تتاح لكليهما المقدرة على الحركة بمزيد من الحرية.


وان المسلمون سادوا. رئيس مصر حديث الانتخاب من صفوفهم. ويحكمون في تونس. ويسيطرون على غزة. وفازوا في المغرب. وفي سوريا والأردن أيضا، قد يكون وقتهم وشيكا.
الإخوان المسلمون سادوا: ثلاث كلمات ثقال، قبل زمن غير بعيد ما كانت تخطر على بال ولا تمر على لسان. احتمل الإخوان ثمانين عاما من العمل تحت الأرض وفي الخنادق، ومن الملاحقة، والتعذيب، والقتل، والإرغام على التنازلات. لقد كان الصراع بين الإسلامية والقومية العربية طويلا وملتويا ودمويا. فهل حانت له نهاية؟
لقد جاءت الحرب العالمية الأولى وما أعقبها من صعود للمد الإمبريالي الأوربي فأنهيا أربعة قرون من الحكم العثماني الإسلامي. وبصورة متقطعة وغير منتظمة، سيكون القرن التالي هو قرن القومية العربية. ولقد كان ذلك بالنسبة للكثيرين استيرادا غربيا غير أصيل ولا طبيعي ولا مألوف، كان باختصار انحرافا لا غنى عن تقويمه. وجد الإسلاميون أنفسهم مرغمين على تعديل رؤاهم والاعتراف بحدود الدولة الوطنية والحكم اللاديني. ولكنهم بقوا يستهدفون الزعماء القوميين وخلفاءهم المشوهين.
في العام الماضي، ساعد الإسلاميون في الإطاحة برئيسي تونس ومصر، وهما الخليفتان الباهتان للقوميين الأصليين. ولكن كان في أذهان الإسلاميين خصوم أجدر وأخطر. صحيح أنهم حملوا على بن علي ومبارك، ولكنهم كانوا يرون من ورائهم الأبوين المؤسسين: الحبيب بورقيبة وجمال عبد الناصر. وظنوا أنهم قوَّموا مسار التاريخ. وأحيوا حقبة مسلمون بلا حدود.
ما الذي سوف يعنيه ذلك كله؟ إن الإسلاميين نافرون من فكرة مشاركة السلطة التي دفعوا ثمنها غاليا، ومن فكرة التنازل عن مغانم نالوها بصبر طال. ولا بد لهم من تحقيق التوازن بين أعضائهم المنتظمين المتذمرين، والمجتمعات المتوترة المحيطة بهم، والمجتمع الدولي الذي لم يحسم بعد أمره فيهم. وهم بين إغراء يشدهم إلى توجيه ضربات سريعة، ورغبة في طمأنة الشعوب تشدهم في اتجاه معاكس. ولسوف يؤثرون ـ في العموم ـ تجنب الإكراه، وتنبيه الشعوب إلى طبيعتهم الإسلامية بدلا من أن يفرضوها عليهم فرضا من أعلى. سيحاولون تحقيق كل شيء: الحكم، إحداث تحولات اجتماعية هائلة، والصدق مع أنفسهم دون أن يمثلوا تهديدا للآخرين.
ويقترح الإسلاميون صفقة. في مقابل الحصول على العون الاقتصادي والدعم السياسي، لن يقوموا من جانبهم بتهديد ما يتصورون أنه يمثل المصالح الغربية الجوهرية: أي الاستقرار الإقليمي، وإسرائيل، والحرب ضد الإرهاب، وتدفق الطاقة. لا خطر على الأمن الغربي. لا حرب تجارية. موقعة الدولة اليهودية يمكن أن تنتظر. وينصب التغيير على الصياغة البطيئة الواثقة للمجتمعات الإسلامية. قد تعرب الولايات المتحدة وأوربا عن القلق بل وعن السخط بسبب ذلك التحول الداخلي. ولكنهما ستتجاوزان ذلك تجاوزهما للأصولية السافرة في العربية السعودية. يشعر الإسلاميون أن المقايضة (القائمة على أن نراعي احتياجاتكم على أن تتركونا نراعي احتياجاتنا) حيلة ناجحة. وبالنظر إلى التاريخ منذا الذي يمكن أن يلومهم؟
لقد كان من أسباب الإطاحة بمبارك أنه اعتبر تابعا أكثر مما ينبغي للغرب، ولكن الإسلاميين الذين خلفوه قد يكونون أشد منه لطفا مع الغرب، بسبب طول أمد الصفقة. وهم يحسبون أنهم يمكن أن ينجوا مما لم ينج هو منه. فمبارك وقد تعرى من العباءة القومية لم يجد ما يتكئ عليه، فكان محض أوتقراطي عار. في حين أن للإخوان المسلمين بالمقارنة معه برنامجا أوسع بكثير ـ برنامجهم أخلاقي اجتماعي ثقافي. والإسلاميون يشعرون أنهم لا يزالون قادرين على اتباع قناعاتهم حتى إذا لم يخلصوا في العداء للغرب. بوسعهم أن يعتدلوا، أن يتلطفوا، أن يتريثوا.
خلافا لحلفاء الغرب المقربين الذين حل الإسلاميون محلهم، سمعنا الإسلاميين بالأمس وهم يدعون الناتو إلى التدخل العسكري في ليبيا، واليوم في سوريا التي يتمنون أن يستولوا على الحكم فيها غدا. فبوسع المرء أن يستغل الكفار القادمين من بعيد والذين لن يبقوا هنا طويلا للتخلص من الكفار المحليين الذين طاردوا الإسلاميين على مدار عقود. أما رفض التدخل الأجنبي ـ الذين كان من العمد الراسخة في مرحلة ما بعد الاستقلال ـ فلم يعد هو الحاكم اليوم. بات منبوذا، منظورا إليه بوصفه من آليات الثورة المضادة.
 ما سعت الولايات المتحدة عقودا للحصول عليه بالتدخل وبالفرض، قد تحصل عليه الآن بالإذعان: وما الذي سعت إليه الولايات المتحدة إلا أنظمة عربية لا تتحدى مصالح الغرب؟ لا عجب إذن أن يكون كثيرون في المنطقة على قناعة بأن أمريكا كانت متورطة في نهضة الإسلاميين، بوصفها شريكا هادئا في كل ما كان يجري.


إسرائيل تواجه صحوة الإسلام أني تولي وجهها، صحوة النضال، صحوة الراديكالية. الحلفاء السابقون ذهبوا، وجاء عهد سيادة الخصوم السابقين. ولكن للإسلاميين أهدافا مختلفة وأكثر اتساعا. فهم يتمنون الدفع بمشروعهم الإسلامي، وذلك معناه توطيد حكمهم أينما يستطيعون، والامتناع عن إقصاء الغرب، واجتناب الصدامات المبكرة الخطرة مع إسرائيل. وفي ظل هذا المخطط يبقى وجود دولة يهودية أمرا مقبولا، ولكن هذه قد تكون القطعة الأخيرة في لعبة المكعبات، القطعة التي ربما لن تقترب منها مطلقا يد اللاعبين.
إن السعي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة لم يكن في يوم من الأيام في قلب المشروع الإسلامي. حماس ـ وهي الصفحة الفلسطينية من كتاب الإخوان المسلمين ـ لديها خطط أعظم وأقل تقيدا بالمناطق الفلسطينية وغير قابلة للتحقق فوريا. وعلى الرغم من التغيرات التي طرأت على حماس، وعلى الرغم من تطورها السياسي، إلا أنها لم تنحرف قيد أنملة عن رؤيتها الأصلية ـ وهي أن الدولة اليهودية تفتقر إلى الشرعية وأن جميع أراضي فلسطين التاريخية هي في جوهرها إسلامية. ولو لم يكن توازن القوى الراهن معك الآن، فلتنتظر، ولتفعل ما في وسعك لمعالجة الفارق [في القوى]. وما عدا ذلك مجرد تكتيكات.
إنما كانت القضية الفلسطينية محورا للحركة القومية الفلسطينية. واعتبارا من أواخر ثمانينيات القرن الماضي بات الهدف المعلن للحركة هو إقامة دولة ذات سيادة في الضفة الغربية وغزة وشرق القدس. وكل البدائل الأخرى ـ حتى المؤقتة منها ـ لقيت رفضا واضحا. قد تكون خطة الإسلاميين أشد طموحا بل وإسرافا في الطموح لكنها أشد مرونة وليونة. وبالنسبة لهم، فإن دولة ضئيلة مبتورة محاطة بإسرائيل معتمدة على عطفها متوقفة على اعتراف منها، وتضمن نهاية للصراع، هي دولة لا تستحق القتال من أجلها.
بوسع الإسلاميين أن يتعايشوا مع نطاق من الترتيبات العابرة: اتفاقية مؤقتة، هدنة طويلة الأجل، اتحاد كونفدرالي محتمل بين الضفة الغربية والأردن مع انتقال غزة إلى مصر. كل ذلك سوف يزيد من أسلمة المجتمع الفلسطيني. وكل ذلك سيسمح لحماس أن تلتفت إلى أجندتها الاجتماعية الثقافية الدينية، أي دعوتها الحقة. كل ذلك سوف يسمح لحماس أن تستبقي الصراع مع إسرائيل دون أن تخوضه. وليس في ذلك كله ما يمثل خرقا لقناعات حماس الجوهرية. هو فقط يرجئ هدفها النهائي ويعلقه. ويوما ما، سيأتي زمان فلسطين، والقدس. لكن ليس الآن.
في عهد الإسلامية العربية، قد تجد إسرائيل أن عناد حماس المزعوم أهون من اعتدال حماس الظاهري. وعلى الرغم من أن إسرائيل خائفة من الصحوة الإسلامية، إلا أن التهديد الأقرب والأكبر قد يأتي من الحركة الوطنية الفلسطينية. ذلك أنه لم تبق ثمة من طاقة في مشروع الاستقلال المرتبط بالسياسات القديمة والزعامات العتيقة البالية، ذلك المشروع الذي استهلك نفسه. وبذلك لن تكون لفتح ومنظمة التحرير الفلسطينية من مكان في العالم الجديد. وحل الدولتين لم يعد هما أساسيا لدى أحد، وقد تنتهي فترة صلاحيته لا بسبب العنف، والمستوطنات، ودور أمريكا غير المستند إلى الخبرة، بل بسبب اللامبالاة.


غير أننا لسنا قريبين بأية حال من حقبة إسلامية تلتقط ما خلفته الإمبراطورية العثمانية وتطوي صفحة القومية. فلقد ازدهرت حركة الإخوان المسلمين وهي في المعارضة، وسبب ازدهارها الأكبر هو السرية والصبر الشديد والطاعة الداخلية الأكيدة. ولقد حققت نفوذها وتأثيرها على مدار سنين من العمل والنضال. وبمجرد أن يتنافس الإسلاميون على السلطة، لا يعود ثمة نفع لكثير من أسباب قوتهم. فعليهم الآن أن ينفتحوا لأن السياسة تستوجب الشفافية، وأن يعدلوا من أنفسهم بسرعة لأن التغير بالغ السرعة، وأن يتماشوا مع التنوع القائم بين صفوفهم لأن النظام صار أكثر تعددية.
على الإسلاميين الحاكمين في تونس أن يتوصلوا إلى خيار فيما يتعلق بموضع الإسلام من الدستور، ولو أنهم اختاروا نتاجا أميل للاعتدال فسوف يصيبون السلفيين بالغيظ والحنق، ويعجزون في الوقت نفسه عن طمأنة غير الإسلاميين، ويتسببون في إرباك وحيرة ما لا حصر له من أتباعهم هم. وها هم الإخوان المسلمون في مصر يواجهون هجمات من العلمانيين لإقحامهم الدين في كثير من مجالات الحياة العامة، وهجمات من السلفيين لعدم احتواء الدين بالقدر الكافي. أما أعضاء الجماعة أنفسهم فينشقون لينضموا إما إلى تيارات من الإسلامية أكثر اعتدالا أو أكثر تشددا. وتأكيد الجماعة على اقتصاديات السوق الحرة وعلى الطبقة الوسطى لا يفلح مع المعوزين.
إن لغة الإسلاميين الجديدة، بتأكيدها حتى الآن على الحرية والديمقراطية والانتخابات وحقوق الإنسان تحظى بثناء من الغرب، وبتشكك من المنتقدين. وقد لا تكون هذه جميعا إلا كلمات، ولكن للكلمات شأنها وأهميتها، فبوسع الكلمات أت تعيش حياتها بمفردها، وأن تدفع إلى تغييرات سياسية، وأن تجعل التراجع صعبا. وفي هذه المرحلة بوسع الإخوان المسلمين أن يكونوا الحزب الذي يزعمون أنهم إياه، وفي هذه الحالة ما الذي سوف يبقى من إسلاميتهم؟ أم أن الجماعة تؤثر الاستمرار كحركة مثلما كانت، وفي هذه الحالة ماذا يبقى لها من برجماتيتها؟ إن جماعة الإخوان المسلمين تاريخيا هي تنظيم عابر للوطنية، وهذا التنظيم الآن لم يعد يتكلم بصوت واحد داخل الحدود وخارجها. فلكل فرع الآن أولوياته وهمومه السياسية المختلفة، بل والمتنافسة.
يواجه الإسلاميون كذلك ورطات السياسة الخارجية. فحزم مصر الجديد وسعيها إلى امتلاك دبلوماسية أكثر استقلالا، قد يضع عراقيل في طريقها مع الغرب. وقراراها الظاهري بتعليق مواقفها المعادية للغرب المعادية لإسرائيل فيه مخاطرة بالانفصال عن جمهورها. ذلك أن كثيرا من المصريين يحلمون بما هو أكثر من مبارك متجمل بآيات القرآن.
لقد ازدهر الإسلاميون في المعارضة لما كان بوسعهم أن يلوموا الآخرين، وقد يعانون في السلطة عندما يلومهم الآخرون. فإن هم خففوا من شدة أجندتهم الداخلية والخارجية فقدوا أعضاءهم، وإن انتهجوها انقطع ما بينهم وبين غير الإسلاميين والغرب. إن هم أرجأوا النضال ضد إسرائيل، سيبدو خطابهم في واد وسياستهم في واد، وإن هم بدأوا النضال، ستبدو سياستهم خطرا على حلفائهم في الغرب. إن هم أوضحوا أن اعتدالهم مجرد تكتيك كشفوا أنفسهم، وإن هم بقوا صامتين أربكوا قواعدهم. وثمة الكثير للغاية من المتناقضات التي عليهم أن يوازنوا بينها في هذا السباق الأولمبي للجري على الحبل. إن قوة الإسلام السياسي تأتي أساسا من عدم ممارسته. ونجاحه مؤخرا قد لا يكون إلا مؤشرا على قرب سقوطه. كم كانت الحياة أبسط على الجانب الآخر.


وسط هذه الفوضى وغياب اليقين، ليس ثمة من يقدم رؤية أصيلة ومألوفة للمستقبل إلا الإسلاميون. قد يفشلون أو يترنحون، ولكن من الذي سوف يرتدي من بعدهم عباءة الحكم؟ القوى اللبرالية ضعيفة، ليس لها غير تأييد شعبي بسيط، وليس لها تقريبا أي ثقل تنظيمي. بقايا النظام السابق يعرفون أساليب الحكم ولكنهم فيما يبدو منهكون ومستهلكون. ولو انتشرت القلاقل، وتعمقت الأزمة الاقتصادية، فقد تفيدهم موجة نوستالجيا [حنين إلى الماضي]. ولكنهم يواجهون عقبات أكيدة، ولا يملكون إلا حجة واهية هي أن الماضي كان سيئا ولكن الحاضر أسوأ.
لا يبقى إذن غير فريق من القوميين وأعداء الإمبريالية واليساريين القدامى والناصريين. وأيديولوجية هؤلاء هي الأيديولوجية التي لم يكن مسموحا بغيرها في العالم العربي والتي أنشأها المناضلون ضد الاستعمار ومن حلوا محل قوى الاستعمار. ولقد ظهرت أفكار مماثلة، بعفوية ولكن بوضوح، بين متظاهري الشهور الماضية أيضا ممن كانوا يتكلمون عن الكرامة والاستقلال والعدل الاجتماعي، وهكذا يكونون استعاروا من القاموس الأيديولوجي شأنهم شأن الذين تظاهروا ضدهم وأطاحوا بهم.
هذا المظهر "التقدمي" غير الإسلامي له جذور وجاذبية وله جنود مجندة، ولكنه يفتقر إلى التنظيم والموارد ويعاني من تشوهات عميقة ألحقتها به أجيال فاسدة مارست الحكم باسمه. فهل بوسعه أن يخلق نفسه خلقا جديدا؟ لو أن الإخوان المسلمين استهانوا بمشاعر الناس الوطنية، وتجاهلوا طموحهم إلى العدل الاجتماعي، لو أنهم فشلوا في ممارسة الحكم ممارسة فعالة، قد تظهر حينئذ طاقة ومنفرج، وتستطيع الرؤية التقدمية القومية أن ترجع من جديد إلى المسرح.
هناك فيديو منتشر لجمال عبد الناصر وهويسلي الجماهير بقصة لقاء بينه وبين مرشد الإخوان المسلمين. يطلب منه المرشد أن يجبر النساء على ارتداء الحجاب. فيسأله الزعيم المصري إن كانت ابنته محجبة؟ ويجيب المرشد بالنفي. وحينئذ يقول ناصر: إذا كنت غير قادر أن تسيطر على ابنتك، فكيف أسيطر أنا على عشرة ملايين من نساء مصر؟ ويضحك ناصر وتضحك الجماهير، ذلك ما كان في مطلع الخمسينيات، أي قبل أكثر من نصف قرن. واليوم يستشعر المرء توقا مريرا إلى مثل تلك الطرافة والشجاعة. والتاريخ لا يتحرك إلى الأمام.


هل كان القرن الفائت انحرافا شاذا عن طريق العالم العربي الأصيل، طريقهم الإسلامي؟ أم أن ولادة الإسلاميين الجديدة اليوم هي ردة شاذة وعابرة إلى ماض عفا عليه الزمن؟ أيهما الانحراف عن الطريق، وأيهما الطريق الطبيعي؟
 

مصدر الترجمة: 
قراءات أحمد شافعي