السعودية تسعى للسيطرة على نهر النيل

مقال رأي

هذا المقال جزء من "سارقو المياه: الاندفاع العالمي على المياه العذبة"، ملف خاص عن المياه العذبة بواسطة ناشيونال جيوجرافيكس لمناقشة كيف يمثل الاستيلاء على الأراضي – والمياه – من الفقراء والحكومات اليائسة والأجيال القادمة، خطرًا على الأمن الغذائي والموارد البيئية والثقافات المحلية

تظهر الأبقار في الأفق كسراب. إذا قدت سيارتك حوالي مائة ميل (١٦٠ كم) خلال الصحراء العربية جنوب شرق الرياض، فإنك سوف تمر بواحدةٍ من أكبر قطعان الأبقار الحلوب في العالم. فنحو أربعين ألفًا من الأبقار الفريزيان تعيش في أحد أكثر المناطق جفافًا على وجه الأرض، بدرجات حرارةٍ تصل عادةً إلى ١١٠ درجة فهرنهايت (٤٣ درجة مئوية).

تعيش الأبقار في ست حظائرٍ عملاقة مكيفة الهواء، يكتنفها الضباب الذي يبقيها باردة. وتضخ نحو ٥٣ مليون جالون (مائتي مليون لتر) من اللبن في العام الواحد، وهو ما يملأ الطريق السريع بدفق متصل من الشاحنات.

مرحبًا في "الصافي"، أحد أكبر وأغرب مزارع الألبان في العالم؛ أنشأها الأمير الراحل عبدالله الفيصل، الابن الأكبر للملك فيصل، الذي حكم السعودية في الفترة بين 1964 و1975. وهي ليست الوحيدة في واحدة من أكبر مناطق الرمال في العالم، أكثر من ثلاثة أضعاف مساحة تكساس. فعلى الطريق إلى الجنوب، هناك مزرعة ألبان "المراعي"، في نفس حجم "الصافي" تقريبًا، أسسها أمير سعودي كان مهتمًا بتربية الخيول الأصيلة مع صديقه الأيرلندي، قطب صناعة الألبان "ألاستير ماكجيكان.

أربعة أخماس موارد المملكة العربية السعودية من المياه الجوفية تم استنفاذها

إذا حلّق أي شخص فوق المملكة العربية السعودية اليوم، فإنه سيرى الصحراء المكتظة بمراعي الأبقار والدوائر الضخمة من اللون الأخضر، حيث تتزايد المحاصيل التي تطعم كلا من الأبقار والسعوديين. ولا تأتي المياه التي تسقي تلك الحقول، وتبرد الأبقار، من الأنهار، فلا توجد أنهار هناك. وإنما تأتي مما كان يوما أكبر مخزونات المياه الجوفية في العالم. فعلى عمق يتجاوز الميل تحت الرمال، قبعت المياه، منذ عشرات الآلاف من الأعوام، خلال العصر الجليدي الأخير، حين كانت الأمطار تهطل على الجزيرة العربية.  

اعتاد مشايخ المملكة العربية السعودية على زراعة الصحراء على هذا النحو منذ ثلاثين عامًا، وأنفقوا مئات المليارات من الدولارات من عائدات النفط لتحقيق حلمهم بالاكتفاء الذاتي من الغذاء. وكانت الحكومة السعودية تدفع للمزارعين خمسة أضعاف السعر العالمي للقمح، ولا تتقاضى شيئًا عن المياه، وتوفر الكهرباء اللازمة لضخ المياه إلى السطح مجانا تقريبا. لقد تم تحصيل ثروات مع انتشار المساحات الخضراء في الصحراء، ورعي الأبقار في الحظائر الممتلئة بالضباب. 

ولكن الآن، يتم تعطيل العديد من المضخات وتغلق الكثير من الصنابير. وتقول الحكومة السعودية أن إنتاج القمح يجب أن يتوقف بحلول عام ٢٠١٦، وربما يتم التخلي عن حظائر الأبقار المبردة بالمياه بعد فترة وجيزة. 

فالمياه تنفذ.

يتلاشى الآن سراب المياه في الصحراء، والاكتفاء الذاتي للدولة الصحراوية من الغذاء. (انظر "مملكةٌ على الحافة: المملكة العربية السعودية" في مجلة "ناشيونال جيوجرافيكس".) 

عندما بدأت الزراعة، قبل أربعين عاما، كانت هناك كميات هائلة من المياه تحت الصحراء السعودية، تقدر بحوالي مائة وعشرين ميلا مكعبا (خمسمائة كيلومتر مكعب)، وهو ما يكفي ليملأ بحيرة إيري. ولكن في السنوات الأخيرة، بلغت كمية المياه التي يتم ضخها سنويا لاستخدام المزارع خمسة ميلات مكعبة (عشرين كيلومتر مكعب). وعمليا لا يتم تعويض أيٍ من ذلك بمياه الأمطار، بسبب عدم هطول أمطار كافية.

 

 

 

 

 

اضغط لترى خريطة تفاعل للعطش الكبير في السعودية 

ووفقًا لمعدلات استخراج المياه الجوفية، التي تم تفصيلها في ورقة بحثية صدرت عام ٢٠٠٤ عن جامعة لندن، فإن السعوديين كانوا على وشك استنفاذ أربعمائة كيلومتر مكعب على الأقل من مياههم الجوفية بحلول عام ٢٠٠٨. ولذلك يقدر الخبراء أن أربعة أخماس مياه السعوديين "الجوفية" قد نفذت بالفعل. لقد تم استنفاذ إحدى أعظم وأقدم موارد كوكب الأرض من المياه العذبة، في إحدى أشد مناطقه حرارة وأكثرها جفافا، خلال ما يزيد قليلا عن جيل واحد.

وبالتزامن مع ضخ المياه الجوفية للأغراض الزراعية، فقد اعتادت السعودية لفترة طويلة على تحلية مياه البحار لتوفر مياه الشرب. إلا أنه حتى بالنسبة  للأغنياء من السعوديين، وبتكلفة تقدر بنحو دولار لكل 35 قدم مكعب (متر مكعب واحد)، فإن العملية كثيفة الاستهلاك للطاقة تعد باهظة الثمن لتستخدم في الحصول على مياه الري.

ولكن السعوديين لم يتخلوا عن حلمهم بزراعة ما يكفيهم من الغذاء. وإذا لم يعودوا يمتلكون مياههم الخاصة، فإنهم يتطلعون لمياه الغير، فهم الآن يجوبون العالم بحثا عن أراضٍ غنية بالمياه حيث يستطيع مزارعو الصحراء السعوديون الذهاب إليها لزراعة القمح والأرز وغيرها من المحاصيل التي من الممكن أن يتم شحنها للوطن. ولكن هل ستتسبب أفعالهم هذه في مأساة أخرى؟ مأساة إنسانية، هذه المرة، بقدر ما هي مائية أيضا؟

الاستيلاء على منابع النيل؟

كي أكتشف الأمر، سافرت في منتصف ٢٠١١ حوالي ١٥٠٠ ميل (٢٤٠٠ كم) جنوبي الرياض، لأعبر البحر الأحمر، وألتقي ببعض الأفارقة الفقراء الذين يقولون أنهم يدفعون ثمن الحلم السعودي. فهم يعيشون في غامبيلا، أفقر مناطق إثيوبيا، على منابع نهر النيل، أطول أنهار العالم. غامبيلا هي إحدى مناطق (كيليلوتش) إثيوبيا التسعة، التي تأخذ شكل قرن يخترق جنوب السودان. (انظر خريطة المنطقة.)

فهنا، وسط المراعي والغابات المطيرة، يبدو أن الاضطرابات قادمةٌ لا محالة. إذ يقول السكان المحليون أن السعوديين يريدون مياههم. 

لقد التقيت بأوموت أوتشان، أحد الأعضاء الطوال وداكني البشرة في قبيلة "أنواك". كان يرتدي سروال القتال ويجلس على جلد ظبي ماء قديم في غابة تتم إزالتها. لقد كان غاضبًا حين قال أن الغابات والمستنقعات الخصبة التي اعتاد هو وأجداده الصيد فيها، تم الاستيلاء عليها من قبل "سعودي ستار"، شركة مملوكة لأحد أغنياء المملكة العربية السعودية، الشيخ محمد حسين علي العمودي.   

على مسيرة خطوات من كوخه، كانت الشركة تحفر قناةً قال أوتشان أن من شأنها إفساد الأراضي الرطبة المجاورة، حيث كان يصطاد السمك. وبالقرب من هناك، استولت مزرعة العمودي التي تبلغ مساحتها ٢٤٧١١ فدان (عشر آلاف هكتار) على خزان بناه المهندسون السوفييت في ثمانينيات القرن الماضي.

وقد قال مسئولون حكوميون لأوتشان ومئات آخرين أن عليهم مغادرة الغابة والانتقال إلى القرى الحكومية. ظاهريًا، كان الغرض المعلن هو تقديم خدماتٍ أفضل، ولكن أوتشان يعتقد أن السبب الحقيقي هو إخلاء الأرض للعمودي، صديق رئيس الوزراء الإثيوبي في ذلك الوقت، مينيس زيناوي، وممول حملته في وقت ما.

بعد نصف ساعة، شربت الشاي في ظل شجرة مانجو ضخمة مع أحد العجائز القبليين الذي  تحدث إليّ بهدوء حول كيف تم ترحيله هو ورفاقه قسريا من حقولهم. ولكنه أخبرني قائلا: "لقد قرر كل منا أننا سنعود في موسم الأمطار ونزرع أرض أجدادنا. وإذا ما حاولوا منعنا، فليبدأ الصراع."

وقد كانوا عند كلمتهم. فبعد شهور من زيارتي، في أبريل من هذا العام، اقتحم مسلحون مجهولون من السكان المحليين معسكر شركة "سعودي ستار" بالقرب من مدينة أبوبو. وقتلوا على الأقل خمسة عمال. وفي محاولة لردع الجناة، قيل أن الجنود الحكوميون عاثوا فسادا في القرى المحلية، باعتقال وتعذيب الرجال واغتصاب النساء.

وقد أجرت منظمة "هيومان رايتس واتش" مقابلات مع بعض أولئك الذين فروا بعد ذلك إلى دولة جنوب السودان المجاورة. وقال السكان أن غارتهم الأصلية كانت انتقاما من استيلاء الشركة على أرضهم ومياههم. وقال لي قس محلي: "لقد ذهب ابني ولكنه يريد أن يعود ويقاتل."

انظر صور تخضير الصحراء >>

هل الحياة البرية في خطر؟

ربما تكون هناك مأساة أخرى تتعلق بالحياة البرية. فمياه غامبيلا ضرورية لملايين من الظباء بيضاء الأذنين، وهي الظباء التي تعبر الحدود من جنوب السودان في موسم الجفاف بحثًا عن المياه المفتوحة والأراضي الرطبة عند منابع النيل. لقد كانت هذه الحيوانات –إلى جانب الفيلة المتناثرة والظباء المهددة بالانقراض والتي تدعى "أبو عق" (ليتشوي النيل) واللقالق العملاقة المنتشرة حذاء النيل الأبيض – السبب الرئيسي في إنشاء "حديقة غامبيلا الوطنية" في نهاية سبعينيات القرن الماضي. ولكن الحديقة لم تكن مؤمنةً بالكامل وتم منح الكثير من أراضيها لشركة "سعودي ستار". وتواجه الحيوانات المهاجرة الآن الجرّافات والقنوات والمراعي المسيجة.

كل هذا من أجل المياه؟ السعوديون عاقدون العزم على الاستمرار في توفير الغذاء لشعبهم. إنهم يمتلكون مساحات شاسعة من الأراضي، ولكن لا توجد مياه. وهم يخشون أنه مع انعدام المياه، لن ينقذهم نفطهم من مستقبل محفوف بمخاطر انعدام الأمن الغذائي. ومثلما قال لي أحد كبار المسئولين السعوديين: "لا يمكننا أن نأكل النفط." لذلك، فإنهم مصممون على شراء أرض أجنبية تتمتع بوفرة في المياه.

وعندما سئل عن استيلاء "سعودي ستار" على المياه في غامبيلا في وقت سابق من هذا العام، قال وزير الزراعة السعودي، فهد بن عبدالرحمن بالغنيم: "إنني، بكل صراحة، لم أسمع مطلقا عن أي شكاوى من أفريقيا. كل ما قرأته كان بعض المقالات التي يكتبها مراسلون أجانب حول أشياءٍ تحدث في أفريقيا، ولكنني لا أراها حقيقية."

ومن جانبها، رفضت "سعودي ستار" التعليق على هذا المقال.

مغازلة الحكومات الأجنبية

تقدم مباردة الملك عبدالله لـ"الاستثمار السعودي الزراعي في الخارج"، والتي أطلقها عام 2008، ضمانا حكوميا ودعما دبلوماسيا للشركات السعودية التي تشتري أراض ومياها أجنبية لتوفر الطعام للسعوديين. وتجري المخططات على قدم وساق من ضفاف نهر السنغال في غرب أفريقيا وحتى الغابات المطيرة في غينيا الجديدة. وفي معظم الصفقات، يحظى المستثمرون السعوديون بميزة الوصول السهل إلى المياه والحق في تصدير ما لا يقل عن خمسين بالمائة من الحصاد إلى المملكة العربية السعودية.

وبعض الحكومات المستضيفة سعيدة بهذه الشروط. ففي إثيوبيا، قد كان لدى زيناوي، الذي توفي في أغسطس، ردا فوريا على أولئك الذين انتقدوا سخاءه مع صديقه السعودي. كان يقول: "إننا نريد أن ننمي أرضنا لنطعم أنفسنا، لا أن نظل مأخوذين بجمال الحقول الخاوية بينما نتضور جوعا."

قد يكون ما يقوله منصفًا، ولكن تقرير عام٢٠١٢ لأحد أكبر البنوك الأفريقية، ستاندارد بنك في جنوب أفريقيا، يشير إلى أنه كان مخطئا وأن الاستثمارات السعودية قد تكون ذات أثر سلبي على القارة. إذ يرد في التقرير أن "الدول الأفريقية، التي تغازلها شركات الأعمال الزراعية السعودية، ينبغي عليها أن تقدر بشكل واضح الأصول التي تمتلكها." ويرد أيضا أن "بيع الأصول الزراعية (كلٍ من الأراضي و، ربما الأكثر أهمية، المياه) يمثل تهديدا عميقا."

يقول أوتشان ورفاقه في الغابة أنهم متفقون مع ذلك.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب