الجيش المصري مثبت بإحكام إلى شريان الحياة الأمريكي

أخبار

  المبلغ يبدو زهيدا بالنسبة لمصر، والتي تدير اقتصادا بقيمة 256 مليار دولار. ولكن الـ1.3 مليار دولار من المعونة العسكرية التي تقدمها الولايات المتحدة لهذا البلد كل عام هي منفذها الرئيسي لهذا النوع المكلف والمتطور من الأسلحة الذي يحبه الجيش المصري.

في الواقع، مصر مفتونة بطائرات الهليكوبتر الهجومية من طراز أباتشي والدبابات الحربية M1A1 ومقاتلات F-16 لدرجة أن المسؤولين العسكريين الأميركيين الغاضبين لم يتوقفوا لسنوات عن نصيحة الجنرالات بأنهم بحاجة إلى التوسع خارج إطار آلات الحروب العتيقة وأنه ينبغي عليهم إنفاق المزيد من المال الأمريكي على أمن الحدود، بالإضافة لمعدات مكافحة الإرهاب والمراقبة والتدريب التي يحتاجها الجيش الحديث حقا.

في كلتا الحالتين، تبين لنا النظرة الفاحصة إلى تفاصيل المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر كيف تعطي الـ1.3 مليار دولار المتواضعة نسبيا للولايات المتحدة نفوذا على الجيش المصري أكبر مما قد يبدو، رغم أن النفوذ لا يزال أقل مما تريده الولايات المتحدة.

حتى لو عوضت السعودية ودول الخليج الأخرى عن أي مساعدات قد تعلقها الولايات المتحدة، تستطيع واشنطن أن تمنع مصر من شراء أسلحة أمريكية باستخدام هذه المعونة - وهي مشكلة خطيرة على المدى الطويل بالنسبة للجيش الذي يبدو بالفعل كأنه يعاني من التصلب والذي يهمل تدريب الطيارين بشكل سيئ جدا لدرجة أن سلاح الجو المصري يسجل واحدا من أسوأ معدلات تحطم أي أسطول F-16 في العالم.

فيديو | يهيمن الجيش على موجات البث في مصر. ومع وجود العنف في الشارع، يطلع كثير من المصريين على جانب واحد من جوانب الصراع، بينما يشاهدون تطور الأحداث على شاشات التلفزيون التي تأخذ جانب الجيش.

أكثر ما يخشاه الجنرالات هو قطع مئات الملايين من الدولارات التي تأتي في شكل عقود صيانة بسيطة ولكنها أساسية للحفاظ على الدبابات والطائرات المقاتلة وطائرات الهليكوبتر في وضع التشغيل، يقول مسئولون ومشرعون أمريكيون. في الماضي، مثلت تكاليف الصيانة ما يقرب من 15% من إجمالي المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر، وفقا لمكتب المحاسبة الحكومي.

"صيانة هذه المعدات العسسكرية التي قمنا بها وقطع غيارها التي أعطيناها للمصريين هي مهمة لقدراتهم"، قال السيناتور جون ماكين، الجمهوري من ولاية اريزونا لسي إن إن يوم الأحد.

وكما قال روبرت سبرنجبورج، أستاذ كلية الدراسات العليا البحرية في مدينة مونتيري بولاية كاليفورنيا والخبير في الجيش المصري، هذا الأسبوع: "من دون هذه المعونة المساعِدة، لن تطير الطائرات ولن تتحرك الدبابات."

بالطبع، إذا عُلقت المساعدات الأمريكية من قطع الغيار والصيانة، يمكن لمصر أن تفكك أجزاء أساطيلها الحالية من الدبابات والطائرات والمروحيات - ما سيستغرق بضعة أشهر أو حتى سنوات قليلة، يقول خبراء المشتريات.ومع عدم وجود تهديد خارجي على حدود مصر، لن تخاطر حكومة القاهرة بأمن البلاد.

وبالمثل، سيمثل إلغاء طائرات الهليكوبتر ومجموعات الدبابات ضربة رمزية - حيث تغطي المساعدات العسكرية الأمريكية ما يصل إلى 80% من مشتريات السلاح المصرية، وفقا لتقرير أصدره خدمة أبحاث الكونغرس مؤخرا - ولكن هذه الضربة لن تقلل من قدرة القوات المسلحة المصرية بشكل فوري.

في نفس الوقت، يطرح قطع المساعدات العسكرية الأمريكية تعقيداته الخاصة بالنسبة للولايات المتحدة، ويمكن أن يورط إدارة أوباما في معركة تعاقدية معقدة مع المقاولين العسكريين الأمريكيين، يقول متخصصون في المشتريات العسكرية ومساعدون في الكونجرس.

في إطار القواعد الحالية، يمكن لمصر أن تطلب مقدما طلبات كبيرة من الأسلحة والمعدات التي يستغرق إنتاجها وتسليمها سنوات، وذلك بناء على افتراض أن الكونجرس سوف يستمر في تخصيص نفس الـ1.3 مليار دولار سنويا من المساعدات العسكرية عاما بعد عام. تمتد بعض الطلبات المصرية الآن حتى عام 2018 بموجب هذا الترتيب، والذي يُدعى تمويل التدفق النقدي. في الواقع، قال مسؤولون، تعطي الولايات المتحدة لمصر بطاقة ائتمان حدها الأقصى مليارات من الدولارات - وهو شرط لا يُقدم إلا لمصر وإسرائيل.

مؤخرا، قالت إدارة أوباما للكونجرس أن إلغاء الأسلحة وعقود الصيانة قد يجبر الحكومة على تحمل ما يصل إلى 2 مليار دولار من العقوبات. على سبيل المثال، تقتضي شروط برنامج الدبابات أن يتم إنتاج معظم المكونات في الولايات المتحدة - ولايات أوهايو وميتشيجان وألاباما وفلوريدا وبنسلفانيا - ثم يتم شحنها إلى مرفق خارج القاهرة لتجميعها.

أصر مسؤولون في إدارة أوباما يوم الثلاثاء على أن جميع جوانب العلاقة مع مصر كانت قيد المراجعة، بما في ذلك المساعدات العسكرية، في الوقت الذي تهرب فيه متحدث باسم البيت الابيض عن الإجابة على أسئلة حول ما إذا كانت المساعدات قد عُلّقت في انتظار نتيجة المراجعة.

"تقديم المساعدة الخارجية لا يعمل كالحنفية"، قال جوش إيرنست، متحدث البيت الأبيض للصحفيين. "لا يمكنك فتحه وإغلاقه وزيادته وإنقاصه كالصنبور. والمساعدة تقدم في شكل متسلسِل."

خدمت المساعدات العسكرية كأساس للعلاقة الأمريكية مع مصر لأكثر من ثلاثة عقود. في شكلها الأساسي، تعتبر المساعدات حافزا سنويا يُدفع للقاهرة مقابل الالتزام بمعاهدة سلام 1979 مع إسرائيل. وفي البداية، سعى هذا الترتيب أيضا إلى فَطم مصر من الاتحاد السوفيتي، والذي كان المورد لأسلحتها لفترة طويلة.

"كان الهدف الأساسي للمساعدات هو منح المسؤولين الأمريكيين وصولا لنظرائهم المصريين، وهذا ما نجحَت فيه"، قال السيد سبرنجبورج. "لكننا نشتري الوصول؛ وليس النفوذ. في كثير من الأحيان نصيحتنا هي ما يحتاجون إليه، لكن ليس بالضرورة ما يأخذون به."

تراجُع فعالية الجيش المصري لم يكن مفاجئا للدبلوماسيين والضباط الأميركيين، الذين لم يتوقفوا لسنوات عن تحذير رؤسائهم في واشنطن.

حذرت برقية السفارة السرية، التي حصل عليها موقع ويكيليكس في عام 2010، الجنرال ديفيد بترايوس، رئيس القيادة المركزية الأمريكية وقتها، في ديسمبر 2008، أنه في ظل قيادة المشير محمد طنطاوي، وزير الدفاع في البلاد في ذلك الوقت، "اضمحل الاستعداد التكتيكي والعملياتي للقوات المسلحة المصرية."

وفي الآونة الأخيرة، أصبح شمال شبه جزيرة سيناء، المنطقة التي انعدم فيها القانون نسبيا لسنوات، تذكرة مُعتِمة بفشل الأجهزة العسكرية والأمنية في مصر في مواجهة جيل جديد من التهديدات، والذي يختلف عن أي من تهديدات القوات الإسرائيلية قبل اتفاقات السلام عام 1979.

في الأسابيع السبعة اللاحقة على إطاحة الجيش المصري بالرئيس الإسلامي محمد مرسي، نما العنف المستشرِي في سيناء إلى ما يشبه التمرد، حيث يهاجم مسلحون غامضون المنشآت العسكرية والشرطية كل ليلة.

سعى بعض أعضاء الكونجرس بالولايات المتحدة لإعادة هيكلة طريقة استخدام مصر لمساعداتها العسكرية. رغم أن وزارة الدفاع الأمريكية حاولت لسنوات دون جدوى إقناع الجيش المصري بتحويل سياسته الشرائية في اتجاه المعدات والتدريب على مكافحة الإرهاب ومكافحة التمرد، إلا أن انهيار الأمن في مصر أثار اهتماما جديدا بهذه القضية.

"ينبغي على الولايات المتحدة إعادة تقييم وإعادة تقويم طبيعة علاقة المساعدة مع مصر، مع الأخذ بعين الاعتبار التهديدات الأمنية الحقيقية التي يواجهها البلد، بما في ذلك الإرهاب في المنطقة والاضطرابات في سيناء وحماية قناة السويس"، قال السناتور بوب كيسي، وهو الديمقراطي من ولاية بنسلفانيا وعضو لجنة العلاقات الخارجية الذي زار مصر وإسرائيل في شهر أبريل والذي يدعم تعليق المساعدات الأمريكية لمصر.

وشاهد المسؤولون العسكريون الأمريكيون الغاضبون بفزع فشل مصر في الاستثمار في شبكاتها الميكانيكية واللوجستية بالشكل الذي تصوروه في البداية، كما شاهدوا فشلها في تدريب الطيارين على الـF-16.

لا يحصل طيار الـF-16 المصري إلا على ربع ساعات التدريب التي يحصل عليها الطيار الأمريكي، قال السيد سبرنجبورج. وقد تُركت برامج الصيانة للمقاولين الأمريكيين.

"كانت النية في البداية أن تطور مصر قدرات الاكتفاء الخاصة بها"، قال السيد سبرنجبورج. "لكن أحد القصص الحزينة في هذا البرنامج هي أن ذلك لم يحدث."

 

 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب