التعامل مع التغيرات البنيوية في الشرق الأوسط

مقال رأي

أتيت أمامكم في هذا المؤتمر الهام صباح اليوم بالعديد من التساؤلات التي لا أجد لها إجابة.

يقع جزءًا كبيرًا من الشرق الأوسط الآن في حالة اضطراب. فطالما كان عبارة عن فسيفساء مشكّلة من القبائل والطوائف والشعوب، إلا أن لوحته الثابتة، إلى حدٍ كبير، قد تحولت إلى ما يشبه جهاز كليدوسكوب (منظار يعكس مجموعة لا نهاية لها من الاشكال الهندسية مختلفة الألوان). فالقطع – المكونة للفسيفساء – تتحرك الآن بفعل الصراعات بين الدول والأديان والطوائف والمجموعات العرقية. يذكرنا الوضع بظروفٍ أخرى ابتلع فيها التغيير الفوضوي النظام القائم. أسترجع العمل الكلاسيكي الصيني "قصة الممالك الثلاث"، الذي يصف مثل هذا الوقت. حيث نُشِرت أول ترجمة إنجليزية له في الوقت الذي أعطى فيه السيدان "سايكس وبيكو" الشام حدودها الحالية. تبدأ الرواية بهذه الكلمات: "تزداد الامبراطوريات وتضغف؛ تتفتت الدول وتتحد." تصوِّر بقية الكتاب المسار غير المتوقع الذي يمكن لذلك أن يحدث خلاله.

لا تفسر أفعالنا السابقة في الشرق الأوسط سوى النذر اليسير من عدم القدرة على التنبؤ بالأحداث هناك. لا تزال الحروب الأهلية - التي ساعد على نشوبها الاحتلال الأمريكي - مشتعلةً في العراق. يموت الآن ألف شخصٍ من المدنيين هناك كل شهرٍ من جراء العنف السياسي. سيخلّف انسحاب قوات النيتو ومعظم – إن لم يكن كل – القوات الأمريكية من أفغانستان وراءه نظامًا ضعيفًا وفاسدًا وغير كفءٍ ، وعصيانًا بلا حل، وتجارة أفيون أكبر بكثير مما كان قبل أن نتخذ قرارًا بالتدخل لتهدئة المكان. ولكن لماذا الإسهاب في الحديث عن إنجازاتنا الاستراتيجية [في الماضي]، بينما لدينا المستقبل لنتحدث عنه؟

تؤثر على كليدوسكوب الشرق الأوسط عواملٌ وقوى عديدةٌ، بما يجعل الأمر شديد الصعوبة بالنسبة لأي أحدٍ ليعرف النمط الذي سيؤول إليه عندما يستقر ويهدأ، حيث أنه – وإن استغرق الأمر وقتًا، وربما وقتًا طويلًا – سوف يستقر. لفترة طويلة، كان الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، المرير والعاجز عن الحسم، هو المصدر الرئيسي للتطرف والعنف السياسي في المنطقة. وبالرغم من أنه لم يخسر أيًا من قواه على إثارة الكراهية، فقد شاركه في هذا الدور منافسون آخرون متساوون معه أو أعلى منه في الدرجة. يشمل ذلك المواجهات بين السعودية وحلفائها وإيران، بين إيران وإسرائيل، بين المسلمين السلفيين من جانب والأقباط والمسيحيين الآخرين والشيعة والعلويين والدروز من جانب آخر، بين جهاديي السنة وكلًأ من الشيعة المناصرين للحكم الديني أوالحكم العلماني، بين تقاليد الشورى التي يقودها الأمير ونظم الانتخابات التعددية، بين العلمانية المعتدلة* والشعبوية الإسلامية، بين الجنرالات والدهماء، بين قوى الشارع والقوى الأمنية الرسمية، بين العرب والأكراد والفرس والأتراك.

تجد كل هذه الخلافات صيغةً للتعبير عن نفسها في الصراعات المتعددة، التي أصبحت كلها حروبًا صفريةً مأساوية لا تتحقق فيها مصالح طرفٍ إلا على حساب رفاهية واستقرار الطرف الآخر. وبالرغم من تورط الولايات المتحدة في العديد من هذه الصراعات، فإنها لا تستطيع أن تلعب دورًا حاسمًا في أيٍ منهم. كيف ستنتهي هذه النزاعات؟ هل ستعمل جغرافيا المنطقة على الاحتفاظ بالملامح العامة لتقسيم سايكس - بيكو؟ ماهي توازنات القوى والعلاقات الجديدة التي ستنشأ في المنطقة؟ لا شك أن معرفة الشكل الذي ستبدو عليه الفسيفساء الجديدة للمنطقة أمرٌ ذو أهمية قصوى بالنسبة للتحالفات المتغيرة بين الدول والطوائف والقبائل التي تشكلها، إلا أنها [المعرفة] شديدة الأهمية أيضًا بالنسبة للولايات المتحدة والقوى العظمى الأخرى.

ذلك لأن الشرق الأوسط يحتل موقعًا جيواستراتيجيًا محوريًا. حيث يقع على مفترق الطرق بين آسيا وأفريقيا وأوروبا. كما أنه المكان الذي تتركز به موارد الطاقة العالمية. وقد أصبح مركزًا للمال والتجارة في العالم. علاوةً على ذلك، هناك نشأت ثلاثةٌ من الديانات الكبرى في العالم، وهناك أيضًا تتصارع حاليًا. كذلك فإنه بؤرة الإرهاب ومركز انتشاره العالمي. لذلك تتأثر توازنات العالم الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية بما يحدث في الشرق الأوسط. إن الشرق الأوسط بالغ الأهمية بما لا يسمح لنا بتركه لشعوبه فقط.

لقد أظهرت الانتفاضات والثورات والانقلابات العربية في العامين ونصف العام السابقين مكررًا أن الأمريكيين – برغم قوتنا العسكرية التي لا تضاهى – لم تعد لديهم القدرة على تشكيل الاتجاهات في الشرق الأوسط. وعلى الأغلب، لا يتوقع منا أحدٌ فعل ذلك. بالطبع لا تموت أوهام الامبريالية كلية القدرة بسهولة، ولكن السؤال اليوم لم يعد حول الكيفية التي سنعمل بها نحن أو أية قوى خارجية أخرى للتأثير على المستقبل العربي. كلا الاستعمار (الكولونيالية) والاستعمار الجديد (النيوكولونيالية) لم يعد لهما وجود. وسواءًا كان ذلك لصالحهم أم لا، فقد بدأت شعوب المنطقة في التحكم بمصيرها (ما شاء الله) – حظًا سعيدًا لهم!

هل ستتغير العلاقات بين دول الشرق الأوسط والقوى الخارجية بتغير قطع فسيفسائه؟ من المستحيل تصوّر حدوث عكس ذلك. لقد أدت الأحداث الأخيرة إلى تهميش تركيا. ما الدور الذي ستلعبه الآن؟ لقد بدأنا نشهد بالفعل قدرًا من القطيعة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأمنيين التقليديين من العرب. يعكس ذلك رفض المملكة العربية السعودية اتخاذ مقعدها في مجلس الأمن الدولي. لم تكتف الرياض بالاحتجاج وحسب، ولكنها تعمدت تجنب التعاملات اليومية مع الولايات المتحدة، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم التوترات بين البلدين حول القضايا الإقليمية. لقد كشفت مجريات الأحداث في مصر والبحرين وسوريا عن اختلافات وجهات النظر (التي تم إخفاؤها طويلًا) بيننا وبين كلٍ من العرب وإسرائيل. تستغل إيران الآن كليهما لتصبح أكثر قدرةً على الوصول إلينا.

في الوقت الذي تتراجع فيه المكانة الأمريكية في المنطقة، يبدو أن روسيا تستعيد موقع نفوذها الدبلوماسي. هل تسعى أوروبا والصين وغيرهم لتأكيد وجودهم كجهاتٍ مستقلة في الشرق الأوسط بحجة العمل على إعادة استقراره؟ إذ تضاعف الأطراف الإقليمية جهودها الرامية إلى استغلال القوى الخارجية لتقديم الدعم لها. قد يسفر ذلك عن تغيرات جيوسياسية مذهلة.

قبل أن نتطرق إلى مناقشة بعض هذه الاحتمالات، اسمحوا لي أن استعرض بإيجازٍ الاتجاهات والأحداث الحالية، بدءًا بالعلاقات بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

على الرغم من أن الأضواء الآن مسلّطةٌ على أماكنٍ أخرى، إلا أن القضية الإسرائيلية – الفلسطينية لا تزال من أهم أسباب غضب وعدم ثقة العرب في أمريكا. لم تعالج جهود وزير الخارجية "كيري" المضنية، والرامية إلى سحب إسرائيل والفلسطينيين المعتادين إلى طاولة المفاوضات، هذا الأمر. حيث أن قليلين جدًا في المنطقة - إن وُجِدُوا بالأساس - يراهنون على أي قيمة للجولة الأخيرة من السلسلة سيئة السمعة وغير الفعالة "لعمليات السلام" المزيفة التي تتم تحت رعايةٍ أمريكية. قد تكون الآثار الوحيدة، التي يمكن ذكرها، لهذه الجولة الأخيرة هي تعطيل الجهود الفلسطينية الساعية إلى اقتياد إسرائيل لمحكمة العدل الدولية، وتعجيل حملة الدولة اليهودية التي تهدف إلى تهويد الضفة الغربية، وإعداد المسرح لارتكاب المزيد من جرائم التطهير العرقي عندما تؤدي حالة الفوضى الإقليمية إلى تقديم غطاء سياسي يسمح بالقيام بذلك.

حتى الآن، تبدو الاجتماعات المتقطعة بين تسيبى ليفني وصائب عريقات كوسيلة إلهاءٍ سياسي أكثر منها مسارًا للسلام. سيكون من الجيد أن تثبت الأيام عكس ذلك، ولكن من الصعب رؤية أي مكاسب يجنيها أي طرف من كل ما لا يحدث، غير شركات الإنشاءات الإسرائيلية المشتركة في بناء المستوطنات.

علاوةً على ذلك، فإن بنية المفاوضات نفسها تؤكد عقم ما ستفضي إليه. حيث أن معظم الفلسطينيين ليسوا ممثلين فيها. والسلطة الفلسطينية على قائمة الرواتب الإسرائيلية والأمريكية، فقد تم تعيينها لتمثل الفلسطينيين من قبل إسرائيل والولايات المتحدة، إلا أن سلطتها لا تجاوز سكان الضفة الغربية، وحتى ذلك به شك. فمن المؤكد أنها لا تمتلك صلاحية التحدث باسم سكان غزة أومخيمات اللاجئين أوالفلسطينيين بالخارج أو أولئك الذين يعيشون كمواطنين من الدرجة الثانية داخل إسرائيل. فعندما يأتي ذلك اليوم (غير المتوقع) الذي ستوافق فيه السلطة الفلسطينية على صيغة اتفاقيةٍ ما مع سادتها الإسرائيليين، سيعتبر قليلٌ من الفلسطينيين في مكانٍ ما أنفسهم ملزمين بذلك. أضف إلى ذلك أن كيفية التعامل مع قضية القدس سوف تؤثر بشكلٍ حاسم على موقف 1,6 مليار مسلم حول العالم من أي اتفاقية. ترى الغالبية عملية السلام أمرًا مقصورًا على جهةٍ لا تمتلك الشرعية، ويراها العديد عمليةً ظالمة ستثير ردة فعلٍ عنيفة أكثر مما يمكنها إحرازه من مكاسب. إن تكرار الجهود التي استمرت لعقودٍ طويلة بهدف التوصل إلى حلٍ تفاوضي يفضي لنتيجةٍ مخزية قد يعيد اشتعال الإرهاب مجددًا ضد إسرائيل وحلفائها الأمريكيين.

إذا ما أفضت المباحثات - كما هو متوقع - عن لا شيء بنهاية يوليو القادم، من المرجح أن تأخذ الدولة الفلسطينية – المعترف بها من قبل الأمم المتحددة وإن كانت تخيلية إلى حد كبير – قضيتها ضد انتهاكات إسرائيل للقانون الدولي والإنساني إلى محاكم الرأي العام الدولي و ..... لقد بدأت بالفعل حركة (BDS) أو "حركة مقاطعة ومعاقبة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها" الانتشار في أوروبا، وستعمل وقتها على إحداث زخمٍ عالمي. إن "فلسطين" في حد ذاتها بلا قوةٍ تقريبًا، ولكن لا إسرائيل و لا الولايات المتحدة يمتلكان المقومات اللازمة للوقوف بوجه سعي الدولة الإسرائيلية قدمًا في انتزاع الشرعية عن نفسها من خلال سلوكها الذي يراه كل المتعصبين الصهاينة سلوكًا مقيتًا.

إن نيران الكراهية التي أججتها إسرائيل بمعاملتها للسكان العرب الأسرى لديها، وبإظهارها العداء لجيرانها، عاملٌ قديمٌ في الاستياء الدولي من الولايات المتحدة وفي تفسير الإرهاب المعادي لها. كذلك لا تُتخذ أي إجراءات عملية لتغيير ذلك. لقد حولت الأحداث الدرامية في مصر وسوريا وأماكنٍ أخرى الأنظار عن القضية الإسرائيلية – الفلسطينية. ولكنها لا تزال "صندوق باندورا" الذي قد ينفتح غطاؤه في أي لحظة.

بالرغم من ذلك، فإن حمام الدم المستمر في سوريا أكثر تعقيدًا وإثارة للقلق، على الأقل بالنظر إلى عواقبه المحتملة.

أعاد استخدام غاز الأعصاب في واحدةٍ من ضواحي دمشق إلى الأذهان ذكريات مروعة عن الموت الجماعي بين كلٍ من الإسرائيليين والإيرانيين. ولكن "السارين" ليس وثيق الصلة بما قد يكون عاقبةً للأمور في سوريا، إلا إذا وقع في أيدي المتطرفين وتم استخدامه في ارتكاب جرائم إبادةٍ عرقية كما يخشى البعض، وهم محقون في شكهم. وافقت حكومة الأسد أن تسلم هذه الأسلحة [الكيماوية] لجهة رقابة دولية تقوم بتدميرها، لسببين، الأول هو الخوف مما يمكن أن يقوم به المتمردون في سوريا وحلفاؤهم من الجهاديين بهذه الأسلحة، والثاني هو إعلان الولايات المتحدة غير المدروس بخصوص "الخط الأحمر". لن يمنع التخلص من الأسلحة الكيماوية في سوريا حدوث إبادة عرقية، كل ما في الأمر أن ذلك من شأنه جعل المذابح تتم على نطاق أضيق وبشكل شخصي.

منذ مارس 2011، لقي حوالي 130 ألف سوري مصرعهم على أيدي سوريين آخرين أو حلفائهم الأجانب. يشمل القتلى حوالي 17 ألفًا من المتمردين، و36 ألفًا من القوات الحكومية، و20 ألفًا من أعضاء الميليشيات العسكرية والمخبرين وداعمي النظام الآخرين. بينما لقي أكثر من 50 ألفًا من المدنيين مصرعهم، أكثر من ربعهم تقريبًا من أطفال ونساء.

فضلًا عن ذلك، فإن المذابح في سوريا أمر لا يهم أولئك الذين قد كرسّوا جهودهم  لانتزاعها من دائرة النفوذ الإيراني، وقطع خطوط إمداد حزب الله، وتطويق النظام العراقي الموالي لإيران. يصب استمرار الصراع غير الحاسم أيضًا في صالح كلٍ من الجهاديين وأولئك الذين يخشون انتصار هؤلاء الجهاديين في سوريا. إذ يضمن الخوف من الإبادة العرقية أو القمع غير المحتمل من قبل القوى الدينية الشمولية أن الأقليات الدينية المرتبطة بنظام الأسد ستقاتل حتى الموت. لذلك سيستمر القتال في سوريا طالما يضمن الممولون الخارجيون أن السوريين دائمًا مجهزين ومدربين جيدًا لقتل بعضهم البعض.

لقد تم تهجير ثلث السوريين من مساكنهم بسبب القتال. يسعى هؤلاء إلى السلامة برفقة جماعاتٍ لها نفس انتماءاتهم. فهناك الآن على الأقل ثلاث مناطق محددة في سوريا، إذ تُحكم كل واحدةٍ من قبل مزيج عرقيٍ أو ديني مختلف، وترفع علمها [أو أعلامها] الخاص، وتنشر قواتها المسلحة الخاصة. هل من الممكن أن تؤدي التجزئة المتواصلة لسوريا إلى تقسيم على أسسٍ طائفية وعرقية، وإثارة شقاقات في الدول المجاورة مثل لبنان؟ يبدو جليًا أنها ستفعل.

وإذا انتهت المذابح السورية بالتقسيم، ما الذي قد يعنيه ذلك بالنسبة للدول الخمس التي تحد سوريا، وبالنسبة لحلفائهم في المنطقة وخارجها؟ قد يتفق التقسيم مع مصالح البعض، داخل وخارج سوريا، بينما سيعارضه آخرون. ليس من المبكر أن نفكر في تداعيات هذا الأمر الآن. فعندما تجف الدماء ويُدفن الموتى، هل سيظل هناك سوريا ولبنان وعراق وأردن كما عرفناهم من قبل؟ فبعد سبعة وتسعين عامًا من ميلاده، يبدو أن الشرق الأوسط الذي تصوره السيدان سايكس وبيكو يتفكك الآن. لقد خلقت القوى الخارجية ذلك الشرق الأوسط، والآن تمزقه قواه الأصلية.

تذكرنا جوانبٌ عديدة من القتال في سوريا أن الشرق الأوسط هو المكان الذي تم تجاهله من قبل ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن، وأن ازدراء الأمم الضعيفة بشكلٍ عدواني من قبل من هم أقوى لفرض سيادتهم عليها كان قد أصبح أمرًا اعتياديًا. إنه المكان الذي حلت القوة محل الحق فيه مرةً أخرى. إنها المنطقة التي استخدمت فيها لأول مرة مبررات خبيثة مثل الهجمات الوقائية والاعتداءات على السكان المدنيين باسم مكافحة الإرهاب. فالتدخل في شئون دولة أجنبية ذات سيادة لإسقاط حكومتها بقدر ما هو فعلٌ من أفعال الحرب، فهو محاولة لغزوها. كان في الماضي يحتم احترام القانون الدولي على أولئك الذين  يبتغون القيام بتلك التدخلات أن يفعلوها على أساس يمكن إنكاره بسهولة. أما الآن فلا يكترث أحدٌ في الشرق الأوسط لإخفاء الهجمات على الدول والمجتمعات من خلال الغارات الجوية وغارات الكوماندوز، أوعمليات الاختطاف والاغتيالات الرسمية، أو تسليم الأسلحة، أو تقديم الدعم الاستخباراتي، أو التدريب والقيام بعمليات سيبيرية، أو تقديم الدعم لجماعات إرهابية.

لقد أصبح الشرق الأوسط بذلك المنطقة التي يتم فيها رفض وعدم احترام وتجاهل القانون الدولي بشكلٍ معتاد. كذلك فقد ضاعت العديد من تقاليد السلوك المتحضر هناك. لذلك فإنها مفاجأة سارة أن يؤدي أحدث استخدامٍ للأسلحة الكيماوية في الشرق الأوسط أخيرًا إلى قرار حظرٍ فعالٍ من قبل المجتمع الدولي.

تعتبر الاتفاقية التي تمت بوساطة روسية لجمع وتدمير ترسانة الأسلحة الكيماوية السورية خطوةً كبيرة على طريق تنفيذ المبدأ الدولي الذي يحظر حيازة - فضلًا عن استخدام- الأسلحة الكيماوية. وربما لم يكن الأمر مصادفةً أن روسيا قد راهنت على قدرة نظام الأسد على قيادة قواته وفرض السيطرة عليها. وهو أمرٌ أساسي لمنع الأسلحة الكيماوية من الانتشار. ولكن باستثناء خطر استخدامهم ضد الأقليات المحاصرة في سوريا، فإن التخلص من الأسلحة الكيماوية ليس له تأثير على القضايا التي تهم معظم السوريين أو تثير قلق آخرين في المنطقة. حيث أنه لا يغير موازين القوى على أرض المعركة في سوريا. كما أنه لا يعطي أي أمل بإيقاف استمرار مذبحة المدنيين هناك.

وإذا كانت روسيا قد أثبتت قدرة الدبلوماسيين الفائقة على اغتنام فرص التدخل في حل المشكلات، حتى إن كانت هذه المشكلات فرعية وليست محل اهتمام العديد في المنطقة، فقد أظهرت أيضًا أن حل مشكلةٍ واحدة عادةً ما يأخذنا لمشكلةٍ أخرى. لقد أنشأت سوريا ترسانة أسلحتها الكيماوية لردع إسرائيل عن استخدام الأسلحة النووية. لذا فإن التدمير المنظم لمخزونات السلاح الكيماوي السوري يسلط الضوء على إسرائيل، التي أصبحت الآن إحدى دولتين فقط يهددان جيرانهما بالأنواع الثلاثة من أسلحة الدمار الشامل: الكيماوية والبيولوجية والنووية. (الأخرى هي الجمهورية الديمقراطية الشعبية الكورية الأقل خطورة بكثير وإن كانت الأعلى صوتًا والأشد عدوانية.) فلم يعد من الممكن استبعاد القضايا التي تطرحها أسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية من النقاشات الأمنية في المنطقة.

يقودني هذا إلى إيران. فإيران بلد سريعة الغضب تخيف جميع جيرانيها العرب، عدا بلد واحد، كما تخيف أيضًا إسرائيل. وللمفارقة، بالرغم من الحملة التي تقودها إسرائيل ودول الخليج ضد الجهود الإيرانية الرامية إلى تطوير قدراتها لحيازة أسلحة ردعٍ نووية، فإن إيران حاليًا لا تمتلك أي أسلحة دمار شامل: لا نووية، ولا كيماوية، ولا بيولوجية. كل ما في الأمر أن تطوير إيران لسلاحٍ نووي قابل للاستخدام سيكلف إسرائيل التنازل عن احتكارها للأسلحة النووية في المنطقة. كما أن ذلك من شأنه أن يثير دولًا أخرى، مثل السعودية، ويدفعها للعمل على حيازة إمكانات ردعٍ من خلال إجراء ترتيبات مع واحدة أو أكثر من الدول التسع في العالم التي تمتلك فعليًا أسلحة نووية.

عمليًا، ستقودنا خيارات مثل هذه الترتيبات للردع النووي الموسع إلى أمريكا أو الهند أو إسرائيل أو باكستان أو روسيا، وإن كان الأمر مع باكستان هو الأقل إشكالية. لا تمتلك كلٌ من بريطانيا وفرنسا الرغبة أو الإمكانية لتوسيع مظلة نووية. والصين أيضًا ليست مهتمةً بالدخول في مثل هذه التعقيدات الأجنبية. وإلى أن تصل لحلٍ سلمي مع الفلسطينيين، ستظل إسرائيل غير مقبولة كشريكٍ علني أو ضامنٍ للأمن من قبل أي بلد عربي أوإسلامي. كذلك فإن معظم العرب ينظرون إلى الهند كبلدٍ معادٍ للمسلمين، وعلى أي حالٍ فإنها أقرب لإيران منهم. وفي سوريا، فعلت موسكو كل ما بوسعها لتبين أن أصدقاءها يمكنهم الاعتماد عليها، ولكنها يجب أن تحوز على ثقة العرب الآخرين. وقد أقنعت الأحداث الأخيرة، بما فيها – وإن كانت ليست مقصورة على– التغيرات العديدة التي طرأت على النظام السياسي في مصر، الكثيرين بأن الولايات المتحدة لا يعتمد عليها لتوفير الحماية. تمتلك باكستان الأسلحة والرغبة والعجز المالي الذي يحتاج من يسده.

إذا لم يكن من الصعب أن نرى كيف يمكن أن تتم موازنة وردع السلاح النووي الإيراني من قبل إسرائيل وباكستان، فمن الأصعب بكثير أن نرى كيق يمكن استعادة توازن القوى التقليدي المستقر في منطقة الخليج. فالعراق الآن متحالفة مع إيران وليس من الممكن إعادتها لموقعها الأصلي في توازن القوى. يتذكر العرب بشكل عصبي أن إيران، ليست السعودية أومصر، كانت هي يومًا شريك الولايات المتحدة الأمني الرئيسي في المنطقة. يظل من غير المرجح أن تنتهي العلاقات العدائية بين واشنطن وطهران، إلا أنه لم يعد من الممكن عدم التفكير في ذلك. يتصور بعض المرتابين في الخليج أن انخفاض حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران قد يؤدي بمرور الوقت إلى عودة التنسيق الأمني بين البلدين مرةً أخرى. بالرغم من كون هذه الاحتمالية بعيدة، إلا أنها تشكل معضلةً رئيسية لشركائنا العرب في الخليج. وإذا كانت مصر ودول الخليج تفكر في التراجع عن توقعاتها واعتمادها على أمريكا، فممن سوف يطلبون الدعم؟

لقد اختفي إلى حد كبير عالم التنافسات بين القوى العظمى والاستعمارية البسيط، وفقدت فكرة أن فلان إما "معنا أوضدنا" كل صدىً لها في الشرق الأوسط الجديد. فلا توجد الآن حكومةٌ في المنطقة على استعدادٍ للتعهد بمستقبلها للأجانب، ناهيك عن قوةٍ أجنبيةٍ واحدة. لذا فقد أصبح دور القوى الخارجية العظمى في المنطقة متغيرًا ومعقدًا وديناميًا وغير متماثل بعد أن كان عامًا وحصريًا وثابتًا ومتماثلًا. هناك مكانٌ لكلٍ من اللاعبين القدامى والجدد، ولكن الجميع سيرقص على نغماتٍ تم تلحينها في المنطقة، ليس في عواصمهم أو عواصم القوى الخارجية الأخرى.

بالتعامل مع الأمر في هذا السياق، يجب علينا أن نتوقع بعض التوسع في النفوذ الروسي في الشرق الأوسط. تقع روسيا في الجهة المقابلة لإيران على بحر قزوين. إذا تم إقناعها بفعل ذلك، تستطيع روسيا تحقيق التوازن وكبح جماح إيران من جهة الشمال بغير أن تطأ قدمًا واحدًا في الخليج. كما أن لديها تاريخًا من العلاقات الوثيقة مع القوات المسلحة في مصر وسوريا وبعض الدول العربية الأخرى. فإذا رفضت أوعلقت الولايات المتحدة أو القوى الغربية الأخرى بيع وتسليم شحنات الأسلحة، فإن روسيا لديها الإمكانات لتزويد القوات المسلحة العربية بأنواع الأسلحة والتدريبات التي حُرموا منها. وعندما تكون مصالح دول مجلس التعاون الخليجي الغنية بالنفط على تعارضٍ مع مصالح القوى الغربية، كما يبدو في موقفهم مما يحدث بمصر، يمكن لروسيا أن تكون شريكًا بديلًا. كذلك من الممكن - بتقديم المنح والقروض الخليجية لموردي السلاح الروس - أن يتم تعويض وقف صفقات السلاح الغربية أو تعليق المساعدات.

في هذا الصدد وبشكلٍ محدود، تصبح الصين أيضًا بديلًا محتملًا  للغرب. يؤكد ذلك ما حدث مؤخرًا بشراء تركيا لأنظمة دفاع جوي صينية. فاحتكارات النفوذ القديمة والهيمنة على السوق تفسح الآن مجالًا لبيئةٍ أكثر تنافسية في الشرق الأوسط. وفيما يخص العلاقات العربية الأمريكية، فقد صار ما كان يمكن التعامل معه كمسلمات أقل بكثير من ذي قبل.

هناك صراعٌ دائرٌ أيضًا بين الأفكار في الشرق الأوسط. حيث يتراجع التسامح في كل مكانٍ تقريبًا، وتؤدي الانقسامات المفعمة بالحماس إلى التطرف واستمرار الصراع. كذلك فقد ساعدت الحروب طويلة الأمد الحركات الإرهابية المعادية لأمريكا على الانتشار في جميع أنحاء العالم الإسلامي. فالقاعدة ومن على شاكلتها الآن يحرزون انتصاراتٍ وينتشرون مستغلين حالة الاضطراب والاستياء الشعبي من تفاقم المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وبالرغم من عدم قدرة استخدام القوة على حل هذه المشكلات إلا أنه لا توجد حلول سياسية واضحة أيضًا، وتوقعات إحراز تقدمٍ منخفضة. فالدبلوماسية في الشرق الأوسط أصبحت تُستخدم كتمويه للفعل العدواني، لا كعلاجٍ له.

فبأخذ الاضطراب المحلي والإقليمي في الاعتبار، هل من الممكن أن تنتشر صيغة "القاعدة" الإسلامية الشمولية خارج الأقلية المسلمة الصغيرة التي تتبناها؟ لقد تم تعريف كلٍ من الديمقراطية والإسلام السياسي بشكلٍ كبير. كيف يمكننا منع صيغٍ معتدلة للشعبوية الإسلامية من التحول إلى التطرف وترسيخ دوجمائية كراهية الآخر في أماكنٍ كمصر وفلسطين؟

هذه هي مشكلة الغرب، الذي يفضل الديمقراطية، ولكنه يشعر بالانزعاج من الإسلام السياسي. هل تتسق رغبة الولايات المتحدة وحلفائها في الاستقرار مع الفكرة الثورية للديمقراطية؟ إذا أردنا وضع الأمر في سياقه، يجب علينا نقل السؤال من عالم الايديولوجيا إلى مجال السياسة وفن إدراة الدولة. إذن، أيهما نختار؟ الهدوء المحلي والاستقرار الإقليمي المفروضين من قبل أنظمة مستبدة، أم التقلبات والاضطرابات التي تصاحب الديمقراطية؟ تفرض هذه القضايا تحدياتٍ أكبر على الدول في المنطقة – وليس فقط تلك التي تنتشر فيها حركات إسلامية بشكل موسع. إذ يمثل الإسلام السياسي تهديدًا خاصًا للأنظمة التي تستمد شرعيتها من "المقدس الديني"، وترفض أنظمة الانتخابات السياسية لصالح نظام "الشورى" وغيرها من الممارسات الحكومية التقليدية.

يخاطر القمع العنيف للإخوان المسلمين ولفروعها المتطرفة بخلق ظروفٍ تؤدي إلى انتشار عدم الاستقرار والثورية الإسلامية والإرهاب على المدى الطويل. فإن لم يستطع الإسلاميون الذين فازوا بالانتخابات أن يشكلوا حكوماتٍ أو يحتفظوا بالسلطة حتى الانتخابات التالية، ما الذي يمكنه أن يكون بديلًا لهم عن ممارسة العنف السياسي؟ فلا يستطيع أحدٌ أن يرغب في حكم بلدٍ كمصر لفترةٍ طويلة بدون خطة عملية تهدف لوقف تدهور الاقتصاد والمناخ الاستثماري. ولكن ليس لدى من هم في السلطة حاليًا ولا معارضوهم الإسلاميون فلسفات أوعلاجات اقتصادية متماسكة للكوارث الاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها العالم العربي باستثناء دول الخليج الغنية بالنفط.

تخلق حالة اليأس الاقتصادي بيئات يمكن للناس فيها أن يتوصلوا إلى قناعةٍ بأنه ليس لديهم ما يخسرونه من جراء العنف الذي يؤدي إلى تدمير الذات. كما أن المساعدات المقدمة من دول الخليج لا يمكن اعتبارها حلًا قصير أو طويل المدى لمشكلات الفقر في العالم العربي. إذ تركز السياسات الحكيمة على تحقيق التنمية، بينما تعوّض الإعانات غياب مثل هذه السياسات. ولكنها تكرس التخلف، وتعزز الرضا عن الذات والتبعية والكسل. ولكن العصر الذي كان يمكن أن تعتمد دول الشرق الأوسط فيه على الإعانات التي تقدمها مؤسسات الدعم الأجنبية يقترب من نهايته. فقد بدأت المنطقة في التحكم في خياراتها السياسية، ويجب عليها الآن أن تتحمل مسئولياتها الاقتصادية.

ما الذي يجب فعله، إذن، على من هم مثلنا خارج الشرق الأوسط؟ 

أعتقد أننا يجب أن نبدأ بالاعتراف بأننا فقدنا قيادتنا النظرية وسيطرتنا العملية على العديد من المواقف المطروحة هناك. فالعلاقات التي لدينا الآن مع الفاعلين الإقليميين لم تعد روابط "الواسطة" الموثوق فيها، والتي توجب الصداقة والاحترام المتبادل فيها إسداء العون المشترك. لقد أصبحت علاقاتنا الآن - مع الأسف في وجهة نظري - تعاقدية بالأساس، يزن كل طرفٍ فيها طلبات الطرف الآخر بسؤاله عما في هذا الطلب في حد ذاته من منفعةٍ له، ليس بالسؤال عن الكيفية التي قد تفيد تلبيته للطلب في إعلاء قيم التعاون المشترك. فإذا لم نمتلك الحساسية تجاه مصالح شركائنا في المنطقة، فإنهم لن يحترموا مصالحنا ولن يتجنبوا العمل على عدم معارضتها. نحتاج إلى أن نسمع أكثر ونوجّه أوامر أقل. 

فعلينا أن نعترف بواقع أننا لم يعد لدينا– أو بإمكاننا انتظار أن يكون لدينا – اليد العليا التي كنا نمتلكها في المنطقة. إن استحقاق هذه الحقيقة العملي هو أننا يجب أن نتعاون مع الآخرين – منافسينا الاستراتيجيين فضلًا عن الدول المتحالفة معنا في سياقاتٍ أخرى – حتى نحافظ على كلٍ من مصالحنا ومصالح شركائنا الإقليميين. لا تزال الولايات المتحدة هي أقوى اللاعبين الخارجيين في الشرق الأوسط، ولكن الصدارة الأمريكية تم قتلها بالإصرار الجديد لسكان المنطقة على ذلك. وإذا ما أعطينا الآخرين مساحةً لإبعادنا، فإنهم سيفعلون ذلك.

إننا نحتاج أن نعيد اكتشاف الدبلوماسية. أعني بذلك شيئًا مناقضًا بشكل جذري لسياستنا العسكرية الأخيرة وللمبدأ الذي يتعلق بها عن "الدبلوماسية القهرية" التي تعمل من خلال توقيع العقوبات.إذ يفترض كلاهما أن ما يحرك البشر هو تعرضهم للتهديدات فحسب، وأن استجابتهم للتهديد الحقيقي ستكون حسابًا عقلانيًا للخسائر والمنافع التي ستحل عليهم من جراء الاستسلام. ليس هناك دليلٌ على صحة أيٍ من الافتراضين،  وتشير الخبرة العملية الطويلة أن كليهما خرافتان ضارتان. فالأمريكيون لا يسيرون على هذا النهج في إدارة علاقاتنا الشخصية، ولا يجب أن نفترض أنه سيكون ناجحًا مع الدول الأجنبية. 

تقع الدبلوماسية، مثل الإدارة الناجحة للروابط الشخصية، في المساحة التي تستبدل فيها الحسابات الصفرية لحل المشكلات بالأطر التي تعلي من قيمة تقدير المصالح المشتركة. إذ تفترض مسبقًا فهمًا متعاطفًا – إذا ما بدّلنا الأدوار – لوجهات النظر المقابلة. لذلك فإنها تحفّز على السلوك الجيد، وتتجنب الإنكار الضمني لشرعية وجود مصالح خاصة بالطرف الآخر. حيث تعتمد على إقناع الطرف الآخر بأن أهدافه يمكن تحقيقها بشكل أفضل من خلال السير على طريقنا، وأن من مصلحته هو أن يغير سياساته ومماراساته ليفعل ذلك. يبدو أننا نسينا كيف نمارس الدبلوماسية بهذا المعنى. وعلى الأقل، فإننا لم نجربها في الشرق الأوسط منذ زمنٍ طويل. 

نحتاج أن نستمع إلى شركائنا في المنطقة، وأن نعطي التقدير الواجب لمصالحهم. فلا نستطيع، على سبيل المثال، أن نتعامل مع إيران كما لو كانت إسرائيل هي الطرف الوحيد في المنطقة الذي له مصالح وآراء نوليها الاهتمام. سيكون لما نفعله مع إيران أثرٌ عميق على بلدانٍ كالسعودية والإمارات وقطر والبحرين. كما سينعكس الأمر على علاقاتنا مع الكويت ولبنان والعراق وتركيا فضلًا عن سوريا. فإن لم نزن مصالح أصدقائنا جيدًا بينما نرسم سياساتنا، ستكون استجابتهم بنفس القدر من اللامبالاة تجاه مصالحنا.

لا يستطيع أغلبنا التجرؤ بافتراض أن المستقبل سيكون مشابهًا للماضي في الشرق الأوسط. فمهما يبدو الأمر، من المؤكد أنه سيختلف عما رأيناه طوال القرن الماضي. لم يعد لدينا شركاء مسلّم بشراكتهم في المنطقة. فلا إسرائيل ولا أصدقاؤنا العرب يثقون فينا أو يرغبون في الإذعان لنا. وإذا كان علينا إقناعهم بالعمل معنا من أجل غاياتٍ مشتركة حتى لا نشعر بنفورٍ إضافي من جانبهم، سيكون لزامًا علينا أن نعمل بجدٍ للحفاظ على علاقاتنا معهم.

إن هذا المؤتمر هو فرصة فريدة للسماع إلى وجهات نظرٍ من المنطقة، فضلًا عن الاستماع إلى أولئك الذين يستمعون إليها. قد يكون اعتقادي خاطئًا في بعض الأشياء، لذا أرجوكم أن تتسامحوا مع ذلك وتكونوا منفتحين عندما تشاركون في النقاشات التي نوشك على افتتاحها. فهناك الكثيرون في هذه القاعة ممن لديهم القدرة على المساعدة في صياغة مقترحاتٍ خصبة لمواجهة التحديات في الشرق الأوسط في الوقت الذي تتسارع فيه التغيرات وتتراكم آثارها. وإننا نؤمن بأنه ليس فقط من واجب أصدقائنا في المنطقة بل من واجبنا أيضًا أن نقوم ببذل الجهد اللازم لمواكبة فترات الانتقال الحالية، والعمل معًا للتعامل معها بحكمة.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب