هل يمكن لعقيدة مكافحة التمرد الجديدة الفوز بالحروب المستقبلية؟

مقال رأي

قبل أسبوعين، حدَّث جيش الولايات المتحدة وقوات مشاة البحرية عقيدة مكافحة التمرد الخاصة بهما، والتي نشرت آخر مرة في نوفمبر عام 2006 قبل زيادة أعداد القوات في العراق. وأثار نشر العقيدة القتالية الجديدة تساؤلات جديدة حول دور مكافحة التمرد في تخطيط الحملات واستراتيجيتها. هل كان الدليل الميداني الذي نشر عام 2006 مسؤولاً  بطريقة ما عن الاستقرار اللاحق في العراق؟ إذا نجحت مكافحة التمرد هناك، لماذا لا تلبي التوقعات (وقد يقول البعض "تفشل") في أفغانستان؟ وهل ستسمح العقيدة التي نشرت الأسبوع الماضي بتحقيق نتائج أفضل في الحملات القادمة؟

مكافحة التمرد والاستراتيجية

تشير هذه الأسئلة إلى نقطتين أساسيتين. أولاً، كما جاء في كتيب مكافحة التمرد الأخير، "إن مكافحة التمرد ليست بديلاً عن الاستراتيجية". تقدم نظرية مكافحة التمرد مجموعة من الأفكار التي تم جمعها من العمليات السابقة، والتي، إذا جرى ملائمتها للسياق المحلي، يمكن أن تساعد في تصميم وتنفيذ خطة الحملة. ومن أجل أن تنجح نظرية مكافحة التمرد للدرجة التي نجحت بها في العراق، فإنها كانت مربوطة بخطة حملة معتمِدة على العوامل المساعدة التي حددها السياق ذات الصلة بتلك العمليات: أبناء العراق، وصحوة الأنبار، والانقسامات داخل الهياكل السياسية الشيعية الرئيسية. ثم تم تنفيذ مكافحة التمرد في أفغانستان، ولكن من دون تقدير هذه العوامل التي يحددها السياق، وهو ما يفسر لماذا أنتج نفس النهج مثل هذه النتائج المختلفة. فأفضل تطبيق ليس هو أفضل استراتيجية.

كان أحد الأسباب المهمة لنجاح مكافحة التمرد في العراق هو التعاون مع رئيس الوزراء نوري المالكي، الذي أعاد تعيين دوره ليصبح زعيماً وطنياً بدلاً من أن يكون زعيماً طائفياً، خلال فترة تزايد أعداد القوات الأمريكية في العراق. بالطبع، كانت القيادة العراقية بعيدة عن الكمال. على سبيل المثال، لم يرافق دعم الولايات المتحدة للقبائل السنية والمتمردين السابقين دعم من الحكومة المركزية، وهذا ما أدى إلى تعقيد عملية إعادة الإدماج للقوات السنية التي حاربت ضد تنظيم القاعدة في العراق. ومع ذلك، بشكل عام، فمقارنة القيادة العراقية بتلك الأفغانية يأتي في صالح الأولى، حيث إنه قد ثبت أن الأفغانية غير قادرة أو غير راغبة في التحرك ضد أمراء الحرب الذين عززوا وضعهم (في كثير من الأحيان بمساعدة قوات التحالف) في السنوات الأخيرة.

وعلاوة على ذلك، في العراق اهتم التحالف بشكل أكبر بكثير بإصلاح الوزارات التي تم اختراقها من قِبل العناصر المتطرفة الشيعية، وتلك التي تحولت إلى إقطاعيات طائفية، والتي جرى استخدامها لاستهداف المجتمعات السنية. إن الإصلاح الوزاري هو أحد جوانب فترة زيادة القوات التي لم تحظ بالتقدير الكافي، ولكنه يوضح نفوذ أمريكا وألفتها مع السياسة العراقية في ذلك الوقت. ولم تأت جهوداً تعادلها في أفغانستان حتى وقت متأخر جداً بل وكانت غير كافية، ويرجع ذلك جزئياً إلى غياب شريك بالدولة المُضيفة ورغبة حلف شمال الأطلسي بالانسحاب في الوقت الذي كان يجري فيه التحول إلى مكافحة التمرد. وهكذا، فإن الحكومة ما تزال إلى حد كبير فاسدة وغير شرعية، وهو الأمر الذي كان من شأنه أن يغذّي التمرد.

وهناك عامل آخر، وهو قدرة الجيش الأمريكي في العراق على استغلال الخلاف الناشيء بين تنظيم القاعدة والقبائل السنية في محافظة الأنبار. لم تجد قوات التحالف شريكاً مماثلاً في أفغانستان، وهذا يعني أنه كان لابُد من تنفيذ عمليات مكافحة التمرد بها في عزلة. وقد تعثرت محاولات خلق معادل أفغاني "للصحوة السنية" و"أبناء العراق"، لأنه في حين أن الأخيرة قد استندت على هياكل موجودة مسبقاً تتفق مع مصالحهم الخاصة، فقد صنعت النسخة الأفغانية "المقلدة" من نقطة الصفر. وهذا يعني افتقار قوات الدفاع المحلية تلك إلى الوحدة الضرورية للقيادة، والتدريب، والغاية، والذي بدوره أدى إلى افتقاد الانضباط، والمساءلة، والفعالية.

كانت هناك اختلافات مهمة بين الحالتين في مستوى الالتزام الغربي وفي الواقع المالي الكامن، ولكن الاختلاف في وحدة القيادة كان ذو أهمية خاصة. في أفغانستان، كانت تجري ثلاث عمليات منفصلة لها متطلبات مختلفة في وقت واحد: جهود مكافحة الإرهاب التي تقودها الولايات المتحدة ضد مقاتلي تنظيم القاعدة وحركة طالبان، وعملية إيساف (قوات المساعدة الدولية لإرساء الأمن في أفغانستان) التي يقودها حلف الأطلسي لتوفير الأمن وتمكين البعثة الثالثة بقيادة الأمم المتحدة والمكرّسة للتنمية السياسية والاقتصادية. وقد تداخلت قضية مكافحة المخدرات مع هذه المهمات، وخاصة بعد عام 2009. جعل ذلك التعدد في الأهداف القدرة على تحديد الأولويات في ما بينها، وربط أهداف طويلة المدى بخطة حملة الموارد، أمراً لا غنى عنه للقيام بحرب فعالة. وكانت تلك المناطق هي التي لم يحقق الناتو بها النجاح المطلوب.

أدى عدم وجود استراتيجية واضحة وراء الحملة في ارتفاع شأن مكافحة التمرد من مستوى كونها عملية، إلى مستوى الاستراتيجية. وفي ذات الوقت، جرى الخلط بين أفضل الممارسات العقائدية لمكافحة التمرد - أي "أمن السكان" و"الحكم الرشيد" و"الشرعية" - وبين الغايات الاستراتيجية، وجرى السعي إليهم في آن واحد. وبشكل عملي، لم تطبق تلك الممارسات على مشاكل وأهداف محددة، وبقى استخدامها على سبيل الشعارات بشكل أكبر.

إن مكافحة التمرد لهي سياسة مسلحة. وهذا يعني أنه يجب أن تستند على استراتيجية مستدامة وغنية وعملية ومناسبة للموقف. على الرغم من أن العقيدة القتالية قد تكون مفيدة في ربط أهداف الاستراتيجية المحددة بعناية لتصميم العمليات، فإنه لا يمكن أن يُسمح لها بأن تحل محل الاستراتيجية. ولأغراض استراتيجية، فتقدير حالة معينة هو نقطة انطلاق حاسمة، لأنه يكشف عن التهديدات والفرص والتحديات التي يمكن استغلالها في إطار استجابة محددة.

المساهمة التي تقدمها مكافحة التمرد

وهذا يقودنا إلى النقطة الثانية: إذا فشلت عقيدة مكافحة التمرد في هزيمة التمرد، فماذا يفيد؟ تاريخياً، تكمن القيمة المتواضعة - ولكن الحاسمة- لعقيدة مكافحة التمرد في التحدي الذي تشكله للعديد من الأفكار المسبقة حول الحرب التي هيمنت على التفكير الاستراتيجي الغربي. وبالتحديد، توفر مكافحة التمرد تصحيحاً لمنظور الحرب باعتبارها حسماً عسكرياً غير سياسي. وذلك لأن مباديء مكافحة التمرد تتماس في جوهرها مع أهمية تحقيق تفاهم سياسي دقيق للحملة، والعمل تحت قيادة موحدة، واستخدام المعلومات الاستخباراتية لتوجيه العمليات، وعزل المتمردين عن السكان، واستخدام الحد الأدنى من القوة اللازمة لتحقيق الأهداف، والحفاظ على شرعية جهود مكافحة التمرد في أعين الجماهير.

 بالنسبة إلى المراقب العادي، تبدو تلك المباديء بديهية. ومع ذلك، فإنها توضح المنطق الفريدة لمكافحة التمرد وتميّزه عن أنواع الحرب "التقليدية" التي تتدرب عليها معظم الجيوش الغربية وتعد لها. وبالنسبة للمؤسسات العسكرية التي تعتبر منفعة القوات حلاً "قائماً بذاته"، فمباديء مكافحة التمرد تصحيحاً مهماً.

وبالمثل، تتحدى مكافحة التمرد أيضاً مفهوم حفظ السلام التقليدي وتوقعاته من "الحياد" و"القبول" في العمليات غير العنيفة إلى حد كبير. فبينما تكون هذه الشروط مناسبة في بعض البيئات "المتساهلة"، فهي غير كافية في المناطق المتنازع عليها، وهي التي ينتشر فيها أفراد الجيش عادة. في هذه المناطق، أدى الالتزام بمباديء حفظ السلام إلى تدخلات غير مزعجة لدرجة كونها غير ملحوظة. أما في أماكن أخرى، جرى استغلال تأثيرها الذي يحد من قوة التدخل بشكل حاذق من قِبل الخصوم المراوغين والمتنوعين. في المقابل، تؤكد عقيدة مكافحة التمرد أنه لا يمكن أن يُتوقع الحصول على بيئة عمليات متساهلة، ولكن يجب العمل بنشاط من أجل الوصول إليها والمحافظة عليها. وبالمثل، لا تعتمد موافقة السكان المحليين على مقدار استخدام القوة، ولكن على كيفية استخدام تلك القوة والسبب في ذلك. لا يتحقق النفوذ السياسي من خلال أعمال البر، ولكن من خلال الحفاظ على الأمن والاحتكار الراسخ للاستخدام المشروع للقوة. إذن تتمثل مساهمة نظرية مكافحة التمرد، في توضيح المتطلبات المشتركة للعمل على تحقيق والمحافظة على بيئة آمنة، وفي التعامل مع بعض الجهات الفاعلة المحلية ضد الآخرين، وفي استخدام القوة - بالتوازي مع وسائل أخرى - لتحقيق سلام محدد المعالم، وليس سلاماً بشكل عام.

هل يمكننا الفوز في المرة القادمة؟

هل ستساعد مواصلة دراسة مكافحة التمرد الدول الغربية في تدخلاتها المستقبلية في البلدان التي مزقتها الحروب؟ ذلك هو الوقت المناسب لهذا السؤال، نظراً للرفض المحتمل لهذا المصطلح في أعقاب الحملة المضطربة في أفغانستان.

إن المساهمة المتواضعة التي توفرها مكافحة التمرد هي تقديم تصحيح لفهمنا عن الحرب. فهي تعزز الحاجة إلى أولوية سياسية لمواجهة ما هو في الأساس مشكلة سياسية، بالإضافة إلى الحاجة إلى تضمين النشاط العسكري في إطار استراتيجي أوسع نطاقاً. وتعتبر تلك المساهمة متواضعة لأن المباديء والتوجيهات التي توفرها مكافحة التمرد غالباً ما تكون مبتذلة، وحتى لو كانت تمثل تحسناً في التفكير العسكري التقليدي حيال الحرب. هناك حاجة إلى البحث والدراسة المتأنية لتحديد أفضل السبل لتطبيق هذه المباديء على العمليات في المستقبل، ومن الإنصاف القول إن النظرية لها قدرة أكبر على طرح الأسئلة الصحيحة من قدرتها على توفير الأجوبة.

وخلال تعلم الإجابة على هذه الأسئلة، يجب أن يكون هناك عدد أقل من الافتراضات حول طبيعة التمرد. فبدلاً من قبول شعارات مثل "كسب القلوب والعقول" أو "التحكم في السكان"، ينبغي على مكافحة التمرد في المستقبل صياغة الاستراتيجيات على أساس السياق والمظالم والسياسات المحلية- واستغلالهم من قبل جماعات معينة. ونقطة البداية التي لا غنى عنها هي إجراء تقييم استراتيجي للوضع: أين تكتسب المنظمة المتمردة قوتها، وكيف تعمل، ولماذا تفوز؟ فقط من خلال ذلك التقييم، ومن خلال فهم أوضح لمصالحنا الخاصة وأهدافنا، يمكن لحظوظ الحملات المستقبلية أن تتحسن.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب