الكيانات الناشئة: لم تعد الدولة كما كانت

مقال رأي

إن التنافس على السلطة داخل وبين الدول على أشده. وهذا لا يرجع فقط إلى الموجة الحالية من التجريب الديمقراطي التي تحدث عبر أفريقيا والشرق الأوسط، وجنوب شرق آسيا، ولكن أيضًا بسبب القوة الصاعدة التي تمثلها الشركات والمنظمات غير الحكومية، الجماعات الدينية، الإرهابيين، وغيرهم من الأفراد الذين يتمتعون اليوم بتمكين مالي وعسكري وتكنولوجي لم يسبق له مثيل.

تملك هذه الجهات الفاعلة غير الحكومية أدوات القوة الدولية في أيديها بشكل متزايد. من الجانب التاريخي، قامت الثورات التكنولوجية - من الزراعة إلى الصناعة، ومن الصناعة إلى المعلومات- بتحفيز التوترات على السلطة، حيث تغتنم المجتمعات الجديدة الفرص من أجل السيطرة. وهو ما يحدث الآن مرة أخرى، مما يسمح لسلطات بديلة أن تزدهر - وفي بعض الأماكن حتى أن تتحدي سيادة الدولة بشكل مباشر.

إلا أن التفكير السائد في العلاقات الدولية ما يزال يبالغ في تقدير القوة العسكرية والأدوات التقليدية الأخرى لسلطة الدولة. بل إن الأدبيات السائدة حول تطور الحكم، على سبيل المثال، تفترض مركزية الدولة وتهمل دور التكنولوجيا إهمالًا شديدًا. ويمثل كتاب فرانسيس فوكوياما الأخير "أصول النظام السياسي"، تجسيدًا لهذا السهو: فبينما ينتقل الكتاب عبر العصور، فإنه يفترض السعي المستمر نحو الدولة حتى في القرن الحادي والعشرين، ويتجاهل إمكانيات ظهور أشكال جديدة من المجتمعات الانتقالية. ولكن الآن، بينما تنتشر ثورة المعلومات الحالية حول العالم، تبني المجتمعات الطامحة عواصم اقتصادية واجتماعية، وتحصل على درجات متفاوتة من الحكم الذاتي، وتحقق السلطة بطرق بدأنا فقط في تحليلها رسميًا.

تتآكل جميع الأدوات التقليدية لسلطة الدولة - أي احتكار السلاح والعنف، الهيمنة على أدوات الاتصال، والاعتراف الخارجي بالشرعية الحصرية- بسرعة. وكما وثّقت الباحثة إيتامارا لوتشارد من جامعة تافتس، فعدد الميليشيات المسلحة المستقلة في العالم يتجاوز بكثير عدد الدول القومية ذات السيادة بما لا يقل عن 10 اضعاف، ويُستخدم الإنترنت لتحدي الحكومات بشكل أكبر من استخدامه من أجل تعزيز قوتها، كما أن الشبكات العابرة للأوطان تنقل الموارد وتضفي مصداقية على الجماعات المحلية غير الحكومية التي تسعى لتحقيق أجنداتها الخاصة - بما في ذلك تحدي الدولة.

وقد مكنت التكنولوجيا الجمهور من الاحتشاد دون توجيه الدولة. يأتي كل يوم بعناوين جديدة تدعم هذا التحول: حيث استهدفت جماعة القرصنة الألكترونية "أنونيموس" إسرائيل عندما هاجمت غزة، ثم حولت اهتمامها إلى الرئيس المصري محمد مرسي عندما منح صلاحيات مفرطة لنفسه. وفي أعقاب إعصار ساندي، استخدمت حركة "احتلال ساندي" منصات بسيطة مثل محرر مستندات جوجل لتنسيق كميات من المساعدات للنازحين أكبر مما قدمته الوكالة الفيدرالية لإدارة الطواريء. ورغم تعامل الولايات المتحدة مع تسريب وثائق يكيليكس الدبلوماسية التي لا تعد ولا تحصى بسرية كبيرة، إلا أن ذلك لم يؤد إلا إلى زيادة أعداد مواقع المسربين التي مكنت من الكشف المجهول عن المعلومات.

ويُعد أوشاهيدي دراسة حالة مثيرة حول كيفية انتشار الابتكار التكنولوجي المحلي من خلال شبكات تضم فاعلين عدة لإعادة تشكيل السياسة الدولية. فبعد أن عانى الناشطون من العنف العرقي الذي تبع الانتخابات في كينيا عام 2007، ابتكروا هذه البرمجيات الحرة والمفتوحة المصدر لجمع المعلومات، والمرئيات، ورسم الخرائط التفاعلية للفساد الحكومي وأنماط اجتماعية أخرى. وفي وقت قصير، انضمت لهم مايكروسوفت، وجوجل، وياهو، وناسا والبنك الدولي - بل إن مجموعة من الخبراء والمبرمجين العالميين نشروا تلك التكنولوجيا بين الحركات والمجتمعات الشعبية الأخرى في جميع أنحاء العالم. واليوم، أوشاهيدي، ليس منتجًا كينيًا بحتًا: بل أصبح وسيلة للشفافية تعمل في أجزاء متعددة من العالم، وتوحّد مجموعة أكبر من الناشطين المتحمسين ومطوّري البرمجيات.

ورغم كل خيبات الأمل التي مُنيت بها ثورات الربيع العربي، إلا أنها كانت مثالًا عميقًا لقدرة التكنولوجيا على الحشد. مهدت محطات التلفزيون الفضائية مثل الجزيرة والعربية الطريق لنمو شعبية فيسبوك وتويتر، والتي أضافت مزيدًا من الوعي في اتجاه التعبئة الفردية. إن السلطة الجماعية للمتظاهرين في ميدان التحرير، إلى جانب المجتمع الافتراضي الذي انضم إلى دعوتهم لسقوط نظام مبارك، لم تكن تهدف بشكل مباشر  إلى خلق قوة موازية للنزعة العسكرية للشرطة، بل هدفت إلى تنصيب نفسها كسلطة جديدة وبديلة بشكل كامل.

رغم أن معظم الدول ليست في خضم ثورة، يمكن وصف عشرات من الدول بأنها "مناطق ذات سيادة محدودة للدولة"، وفي هذه المناطق لا تنطلي سلطة الحكومة المركزية بشكل كامل وتوفر الحكومة الخدمات العامة بالحد الأدنى في المناطق التي تقع داخل المجال الخاص بها. ولا ينطبق ذلك على الدول الفاشلة مثل الصومال فحسب، لكن حتى في القوى الصاعدة مثل الهند، حيث يمتد تأثير تمرّد الناكسال الماويين ضعيفي التنظيم في عشرات المقاطعات من بين مقاطعات البلاد التي يبلغ عددها  583. ومع اكتساب تلك الجماعات المنشقة عن الدولة نفوذًا محليًا وبزوغ صوتها بشكل دولي ، يمكنها المطالبة بحالة استقلال مالي وإقليمي أكبر أيضًا. وهذا هو الحال بالفعل في العديد من الأماكن من  منطقة الباسك في إسبانيا إلى إقليم آتشيه الإندونيسي، ويحتدم الأمر أيضًا في اسكتلندا، وكاتالونيا، والعديد من المناطق الأخرى حيث يزداد الحس الانفصالي.

في الأماكن التي توفّر الحكومة فيها الخطوط العريضة للحكم فقط، سمحت التكنولوجيا للمنظمات غير الحكومية بالتدخل لتوفير معظم الخدمات الفعلية. مثما هو الأمر في الهند، فعلى الرغم من النمو السريع في البلاد، تعمل غالبية القوى العاملة في الاقتصاد الخفي غير الرسمي، ويفتقرون إلى الحماية الأساسية مثل التأمين. وأحد أكبر المنظمات التي تسد هذه الفجوة هي "جمعية النساء العاملات لحسابهن"، وهي نقابة لعاملات القطاع غير الرسمي في غرب ولاية غوجارات. تضم الجمعية أكثر من مليون عضوة، وقد نمت لتصبح منظمة لتمويل المشاريع الصغيرة و اتحادًا ائتمانيًا، كما توفر مجموعة من الخدمات للمشاركين. وبينما تبدأ الحكومة الهندية نظام بطاقة هوية عالمي يقدم خدمة التحويلات النقدية، فمن المرجح أن تستخدمه إلى حد كبير تلك المنظمات غير الحكومية المنتشرة والمتمكنة كما تستخدمه نيودلهي.

وهناك أيضًا فئة جديدة من الوحدات الإقليمية - أو المناطق الاقتصادية الخاصة- التي لا تحكمها القوانين المحلية ولكن تحكمها اللوائح التجارية العابرة للأوطان. وهذا يجعلها تعمل كالعُقد في سلسلة المؤن العالمية التي تعود بالفائدة على كل البلدان المضيفة والمستثمرين الدوليين، ومثال على ذلك هي حالة بنغلاديش، فهي لم تكن لتصبح ثاني أكبر مُصدِّر للنسيج في العالم - بعد الصين- دون التكنولوجيا التي يقدمها مستثمروا صناعة الملابس الغربيون.

وفي الوقت نفسه، تطور مركز دبي المالي العالمي ليصبح حصنًا للنخبة المصرفية العالمية في الخليج العربي، مما يسمح لهم بالوصول إلى جميع البلدان في المنطقة وخدمتها. اعتبارًا من عام 2011، أصبح اختصاص هيئات التحكيم في مركز دبي المالي العالمي ممتدًا إلى الحالات التي تضم مدعين مقرّهم خارج مركز دبي المالي العالمي، مثل الشركات الإماراتية المحلية. ونظرًا لتعقيدات القانون التجاري الدولي، فإنه ليس من المستغرب أن المحاكم الإماراتية قد تخلت طوعًا عن هذا الاختصاص إلى كيانات أكثر كفاءة ولكنها خارجية.

إن الحاجة لجذب المواهب والمعايير الأجنبية إلى مناطق اقتصادية خاصة يمكن أن يكون لها تأثير غير متوقع على التغيير المحلي. على سبيل المثال، تتميز مدينة الملك عبد الله الاقتصادية في المملكة العربية السعودية بخطط لمباني منخفضة الانبعاثات وجامعات مختلطة بين الجنسين، ويسمح للنساء بقيادة السيارات - وكلها من المحرمات في أماكن أخرى في المملكة. لذلك فحتى في أكثر الأنظمة صرامة، يدفع رأس المال والتكنولوجيا العالمية إلى التغيير بدلًا من تعزيز الوضع الراهن.

وقد سمحت التكنولوجيا الجديدة أيضًا للمبتكرين من الأفراد والشركات أن يخرجوا عن القيود المرهقة للقواعد الحكومية. فقد شهدت السنوات الأخيرة هندسة المنشآت العائمة الكبيرة جدًا، والتي تستخدم بالفعل في منصات النفط، ومدرجات المطارات، ومقالب القمامة ومواقف السيارات، وستستخدم قريبًا لتسخير طاقة الأمواج لتوليد الكهرباء. وسوف توفر "سي-ستاندينج" SeaSteading- وهي منشأة عائمة كبيرة جدًا يدعمها الملياردير التحرري بيتر ثيل من سليكون فالي- منبرًا لمقيمين مختارين من أي جنسية لتطوير الأفكار التجارية في بيئة غنية بالتكنولوجيا، دون ربط الأمر بقيود التأشيرة. وقد أعربت أكثر من 100 شركة بالفعل عن اهتمامها بنقل الموظفين وغيرها من الأصول لموقعها الأول، الذي يدعى "بلوسيد" Blueseed.

قريبًا، قد تظهر تحالفات جديدة بين جماعات المجتمع المدني والمشاريع التجارية العابرة للأوطان مما يعزز الحكم الذاتي الاقتصادي الموازي. العملات الافتراضية مثل بيتكوين، وهي عملة رقمية غير مربوطة إلى أي عملة عالمية حقيقية، يمكن أن تصبح وسيلة حيوية لتمكين التجارة وتبادل السلع والخدمات الافتراضية. كما أن موقع بايرِت باي Pirate Bay السويدي – وهو ذو دور رئيسي في الحركة المناهضة لحقوق الطبع والنشر- يخطط الآن لرفع تبادل البيانات الخاصة إلى مستوى جديد من خلال تحديد موقع الخوادم في كهوف منطقة القطب الشمالي، ويخطط بأن يضعهم على طائرات بدون طيار في المجال الجوي الدولي - أو ربما إيوائهم في "بلوسيد". من خلال هذه الأدوات، تضاءل تفويض السيادة والسلطة التنظيمية الذي كانت تتمتع به الحكومات المركزية لصالح شبكات أفقية ذات إمكانيات تكنولوجية تتكون من المستهلكين والجماعات المدنية، فضلًا عن موردي التكنولوجيا الذين تسمح لهم برمجياتهم بالتهرب من سيطرة الحكومة.

لم تغط نظرية العلاقات الدولية ولا المؤسسات السياسية الحديثة الزواج الجديد بين التكنولوجيا والسلطة على نحو كاف. من "بايرِت باي" إلى أوشاهيدي، لا يمكن للحكومات القضاء على تلك الكيانات الناشئة  العابرة للأوطان ذات الإمكانات التكنولوجية أكثر مما يمكنها القضاء على الإرهاب. كما أن احتواء سباق التسلح الظاهري أصعب بكثير حتى من احتواء التسليح العسكري. وتفوق صفوف المتسللين والمبرمجين في العالم بالفعل عدد الإرهابيين في العالم - وليست هناك زجاجة افتراضية لنعيد إليها المارد الرقمي.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب