لا تزال أسطورة بينوشيه حية في مصر

مقال رأي

متى لا يكون النظام الديكتاتوري القاتل شديد السوء؟

يبدو أن عددًا من النقاد باتوا مستعدين لطرح هذا التساؤل بعدما بدأ يتضح أن احتمال النهايات الديمقراطية السعيدة للانتفاضات الشعبية الملهمة، من مصر إلى سوريا وأوكرانيا، تتضاؤل يومًا بعد يوم. الشهر الماضي في "نيويورك تايمز"، أثار الكاتب الصحفي، روجر كوهين، التساؤل بخصوص مصر، وأشار إلى أن نظامًا ذا قبضةٍ حديدية خفيفة قد يصبح على المدى الطويل شيئًا نتعلم – نحن والمصريون أيضًا – أن نقدّره.

إلا أن كوهين لم يكتب مقاله من القاهرة أو كييف، بل كتبه من الموطن الرمزي لمؤيدي فكرة القائد الوحشي المحدّث: سانتياجو.

"وعندما عدت إلى تشيلي لألقي نظرةً عليها لأول مرة منذ عدة أعوام، وجدت سانتياجو تبذل كل ما بوسعها لتصبح مثل المدن الأخرى: اللفائف العالمية والفطائر العالمية والأبراج العالمية والحانات الأيرلندية العالمية ووجبات السوشي العالمية والمراكز التجارية العالمية والماركات العالمية والمقاهي العالمية وماكينات الصرف الآلي العالمية."

كيف حدث هذا؟ بإمكانك أن تشكر الديكتاتور أوجوستو بينوشيه، الذي حكم البلاد في الفترة بين 1973 و1990.

وكي لا يقع في الخطأ، يعتقد كوهين أن بينوشيه  كان شخصًا مقيتًا: "فلا شيء من شأنه أن يغفر ما فعله بينوشيه من قتلٍ للأبرياء." ومع ذلك...

"فإن نجاحه في إحداث نقلةٍ بالاقتصاد التشيلي (أتذكر محاوراته مع شباب "أبناء شيكاجو" وأجد نفسي مذهولًا  من حماستهم للخصخصة والتحديث) قد وفّر قاعدةً لنمو الصادرات والتجارة الحرة والبنك المركزي المستقل وتراجع القطاع العام – الإنجازات التي استطاعت تشيلي الديمقراطية البناء عليها والاستفادة منها لتصبح أكثر دول المنطقة ازدهارًا."

وكوهين ليس الوحيد الذي يتبنى هذا المنطق. فقد صرّح جوناه جولد بيرج في "لوس أنجلس تايمز" أن "العراق تحتاج إلى بينوشيه"، وكذلك مصر، وفقًأ لتشارلز كروثامر وصفحة المقالات في "وول ستريت جورنال".

قد يكون رد الفعل الغريزي الأنسب على هذا هو الاشمئزاز الأخلاقي – هل تم قتل أوإخفاء ثلاثة آلاف شخصٍ   حتى تستطيع الاستمتاع بتناول وجبة السوشي العالمية في المركز التجاري؟ ولكن يجدر التساؤل أيضًا عما إذا كان الأمر هكذا حقًا. هل كانت فترة الحكم الديكتاتوري لبينوشيه فعلًا  فترة ازدهارٍ ونموٍ وانفتاح عكس ما يبدو على السطح من خلفية التعذيب والإرهاب والقمع؟ هل النظام الديمقراطي على طريقة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) الذي نراه اليوم ليس إلا نتيجةً لتعامله الحكيم، وإن كان وحشيًا، مع الأمر؟

في الواقع، لا. فـ"المعجزة الاقتصادية" التي عزاها ميلتون فرايدمان لبينوشيه ليست إلا إحدى السرديات الخاطئة الكبرى في التاريخ الاقتصادي الحديث. إذ أن المعجزة التي رآها كانت في الحقيقة مجرد سلسلةٍ من دورات الازدهار والكساد: فترتان من النمو السريع تلتهما فترتان من الكساد الشديد: ويرجع السبب للنمو في المرحلة الأولى إلى "المعالجة الصادمة" لتراجع النقد والخصخصة ورفع القيود القانونية، الاستراتيجية التي بدأت عام 1975 بعد أن أطلقها طاقم وزرائه الذين تلقوا تدريبهم في جامعة شيكاجو؛ أما المرحلة الثانية: أزمة دينٍ كارثية عام 1982. وفي أعقاب إصلاحات السوق الحر في منتصف سبعينيات القرن الماضي مباشرةً، كانت تشيلي لديها أقل معدل نموٍ في أمريكا اللاتينية: حالات الإفلاس كانت منتشرة، وانخفض الناتج القومي بنسبة 15 بالمائة وزادت البطالة بنسبة 20 بالمائة وانخفضت الرواتب بنسبة 35 بالمائة، مقارنةً بإحصاءات عام 1970. ناهيك عن الفساد، بدايةً ببيع ممتلكات الدولة بأثمانٍ بخسة للمستثمرين ذوي الحظوة السياسية، ووصولًا  إلى اختلاس بينوشيه شخصيًا للملايين التي وُجدت في حساباتٍ  بنكيةٍ سرية في واشنطن وميامي وأماكن أخرى.

لقد زاد متوسط الفرد من إجمالي الناتج المحلي خلال الفترة الكاملة لحكم الديكتاتورية بأقل من 2%، وهي نسبة أقل بوضوح من نظيرتها في ظل الحكومات المسيحية الديمقراطية والاشتراكية الأربعة التي خلفته. كما أن معدل الفقر، الذي قُدّرت نسبته بحوالي 40% عندما غادر بينوشيه منصبه، تراجع إلى النصف خلال عقدٍ من الزمان مع زياد الإنفاق على الرعاية الاجتماعية، لتصل نسبته اليوم إلى 14%. الأرقام واضحةٌ: تحققت المعجزة الاقتصادية التشيلية الحقيقية بعد بينوشيه، في ظل حكوماتٍ  ديمقراطية ويسارية.

وأيًا ما تكون السياسات التي ورثها خلفاء بينوشيه المدنيون عنه، فإنها لم تكن تلك التي اُتُبِعت خلال الفترة الصادمة للسوق الحر، وإنما خلال فترة الإنقاذ التالية لأزمة الديون والتحول عن التعنت الأرثوذوكسي الذي بدأ بطرد "أبناء شيكاجو" والتوسع في الوظائف العامة وإعادة الحد الأدنى للأجور وتأميم البنوك. وحتى بعض السياسات الأخرى التي أبقوا عليها - مثل النظام الاجتماعي التشيلي الذي تم خصخصته، والذي كانو يومًا المثال الساطع لقيادة البنك الدولي للعالم - لم يعد لها وجود الآن. فبحلول عام 2008، وجدت الحكومة أن هذا النظام بحاجةٍ لإصلاحٍ جذري، نظرًا إلى معدلات التغطية [الاجتماعية] المنخفضة والنفقات الإدارية العالية التي تستهلك ما يصل إلى 33 سنت على كل دولارٍ يتم إنفاقه ومتوسط الفوائد المنخفض الذي يحتم تقديم الدعم حكومي للمتقاعدين، الذين إن لم يحصلوا على هذا الدعم، سيقضون أيامهم الأخيرة من حياتهم في الفقر.

كذلك فهناك التناقض الصارخ لـ"كوديلكو"، شركة التعدين التشيلية الوطنية الضخمة وأحد المؤسسات العامة التي لم يخصخصها بينوشيه، وقد كانت أكبر الشركات التشيلية أيضًا حتى ذلك الحين. تم تأسيس الشركة، في الحقيقة، تحت قيادة بينوشيه ليدير الأسهم، بما فيها أسهم الثروة المعدنية، التي كانت الحكومة الاشتراكية التي أسقطها بينوشيه قد صادرتها من شركات التعدين الأمريكية. ولم يبع هذه الأسهم أبدًا، إذ أن 10% من أرباح التعدين الحكومية، وفقًا للقانون، ذهبت مباشرةً لميزانية الجيش. كما أن النحاس الذي يمثل نصف الصادرات التشيلية، يأتي معظمه من كوديلكو. لذلك، فإن مسألة النمو الكبير في الصادرات كانت في جزءٍ كبيرٍ منها بسبب قطاع الأعمال الضخم (والمربح للغاية) الذي تديره الدولة. 

"ومع ذلك،" يقول كوهين، "لا يزال ميراث بينوشيه محل جدلٍ وصراعٍ بين اليسار واليمين." إلا أن الأمر ليس كذلك. من المحتمل أنه كان كذلك قبل ثلاثين عامًا، ولكن اليوم، ترفض الغالبية العظمى من التشيليين الرجل وكل ما قام به. وينطبق ذلك على اليمين التشيلي أيضًا: فسبستيان بينييرا، خلف وسلف الرئيسة الحالية ميشال باشيلي وأول رئيسٍ    يميني منتخب منذ استعادة الديمقراطية، افتخر بأنه صوًت ضد بينوشيه في الاستفتاء الذي عزله من السلطة (بينييرا أيضًا اعتمد بقوة على استراتيجيةٍ يتبناها اليسار، بما في ذلك التعهد بتوسعة شبكة باشيلي من مراكز رياض الأطفال التي تمولها الدولة.) وقد وجد استطلاع الرأي الذي أُجري في الذكرى السنوية الأربعين لانقلابه العسكري عام 1973 أن 9 بالمائة من التشيليين فقط يعتقدون أن حكم بينوشيه كان "جيدًا".

وإذا ما كان هناك جدلٌ مستمرٌ حتى اليوم حول بينوشيه، فإن معظمه يدور على صفحات الرأي للصحف الأمريكية. لذلك، فإن النقاد عليهم، قبل أن يخوضوا معركةً نيابةً عن الآخرين للتأكيد على الحاجة إلى الديكتاتور العادل، أن يبحثوا عن نماذج ذلك في مناطقٍ أخرى. فلا تنس! لقد كان الأسد أيضًا أحد دعاة التحديث.  

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب