الجهاد بالجوار

مقال رأي

انتظر الرجال الثمانية ذوو اللحى المشذبة، والأحزمة الناسفة المربوطة، والمسدسات والقنابل المخبأة في ملابسهم، حلول الظلام قبل أن يتسللوا عبر الحدود العراقية سهلة الاختراق. ثم ركضوا عبر السواتر والخنادق على طول الحدود، وعبروا طرق التهريب التي تسير في اتجاهين، والمستخدمة في نقل السجائر والثروة الحيوانية والأسلحة، فضلًا عن الجهاديين، لدخول محافظة الحسكة شمال شرق سوريا. كان ذلك في أغسطس ٢٠١١، موافقًا لشهر رمضان الكريم عند المسلمين، وكانت سوريا في انتفاضة منذ خمسة أشهر، لا تزال سلمية إلى حد كبير ضد الرئيس بشار الأسد. 

كان زعيمهم مبعوث سوري من فرع تنظيم القاعدة المتورط في الصراع الدموي في البلد المجاور. كان هذا المقاتل الصغير يسمي نفسه أبو محمد الجولاني، إلا إن المعلومات المؤكدة التي نعرفها عنه قليلة جدًا، منها أن هذا المحارب القديم في الحرب ضد الأمريكيين في العراق قد وُلّي من قبل أميره أبو بكر البغدادي، والقيادة المركزية لتنظيم القاعدة، لإقامة فرع سوري من تلك الجماعة البغيضة. أما مهمته التي أوضحها في تصريحات علنية لاحقة، فقد كانت ببساطة إسقاط نظام الأسد وإقامة دولة إسلامية مكانها. لم يكن أحد يعرف هذا في ذلك الوقت، إلا أن تلك الرحلة عبر الحدود كانت نقطة تحول حاسمة في الحرب الأهلية السورية، وعاملًا رئيسًا في تحوّل الأمر من صراع داخلي، إلى بُقعة إقليمية مشتعلة تهدد الآن النظام في العراق فضلًا عن سوريا. 

قبل رحلة الجولاني في الليل من العراق إلى سوريا، كان تنظيم القاعدة يظهر بشكل متزايد كقوة مُنهَكة. فقد قُتِل أسامة بن لادن قبل بضعة أشهر، وكان لخليفته أيمن الظواهري نفس الشغف، ولكنه تمتع بكاريزما أقل. وكان الشرق الأوسط لا يزال في خضم ما يسمى بالربيع العربي، يموج بالاحتجاجات السلمية بدلًا من العنف كوسيلة لتحقيق التغيير. 

لكن على مدى السنوات القليلة المقبلة، وبمساعدة نظام الأسد في بعض الأحيان، قُدِّر للجولاني إحياء تنظيم القاعدة وتأسيس قاعدة راسخة له في سوريا. فجماعته التي تسمّى جبهة النصرة لأهل الشام، من شأنها أن تخلق جيلًا جديدًا من الجهاديين من جميع أنحاء العالم الإسلامي، وهم مقاتلون أصبحوا قوة حاسمة في الحرب الأهلية السورية التي أودت بحياة أكثر من 140 ألف شخص، وأدت لتهجير تسعة ملايين سوري، سواء داخل بلدهم أو إلى البلدان المجاورة. 

في تطور خطير، سيؤدي نجاح جبهة النصرة منقطع النظير لخلق شرخ ضخم بينها وبين تنظيمها الجهادي الأم، وهو تنظيم دولة العراق الإسلامية، التابع لتنظيم القاعدة. فبحلول أبريل من عام 2013، غيّرت تلك الجماعة اسمها لتصبح الدولة الإسلامية في العراق والشام، أو داعش، وهو الاسم الجديد الذي كشف عن طموحاتها العابرة للحدود. وبحلول يونيو 2014، أصبحت داعش قوية بما يكفي لتشن بكل جرأة حربًا خاطفة في شمال وغرب العراق، فاستولت بسرعة على مدينتي الموصل وتكريت العراقيتين، مما يؤكد عدم أهمية الظواهري والقيادات القديمة لتنظيم القاعدة التي تختبئ في مكان ما بجنوب آسيا، بعيدًا عن ساحات المعارك الجهادية الجديدة. 

نتيجة لانتصارات داعش، يجد الرئيس الأمريكي باراك أوباما ‒الرجل الذي قاد حملة لتخليص الولايات المتحدة من الحروب "الغبية" في الشرق الأوسط‒ نفسه الآن على شفا التورط في حرب أخرى. سيرسل أوباما وحدة صغيرة من القوات الخاصة للعمل مع الجيش العراقي، ولكن الكثيرين في واشنطن يحثونه على اتخاذ إجراءات أكثر حسمًا ضد مسلحي داعش الذين يجتاحون العراق، ويستولون على الأراضي ومرافق النفط، ويهددون بزرع الفوضى في بغداد وخارجها.

لم يكن ذلك أمرًا محتومًا. فقد مهّدت الثورة السورية، ورد الفعل الدولي المتردد والمرتبك بشأنها، الطريق لقيام الإسلام المتشدد الذي سيحوِّل مناطق واسعة من العراق وسوريا إلى معاقل بلا حدود للجهاديين، ويقترب جدًا من إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، بشكل عملي على الأقل إن لم يكن بشكل رسمي. إليكم قصة ما حدث، بعد تجميع أجزائها معًا، على مدى رحلاتي العديدة إلى سوريا ومقابلاتي النادرة مع القادة الجهاديين رفيعي المستوى الذين يقاتلون في الخطوط الأمامية. 

***

بدأ الأمر في منتصف عام ٢٠١١، عندما قام النظام السوري بخطوة تثير الريبة بإطلاق سراح المئات من الجهاديين من السجون، وهو تحرُّك يخدم استراتيجية الأسد بتسويق الانتفاضة ضده كأنها مؤامرة من قبل المتطرفين الإسلاميين، وعملاء إسرائيل والغرب، وعدد صغير من المواطنين المعارضين ذوي المطالب المشروعة الذين وقعوا فريسة لـ"المتآمرين الأجانب". كان هذا في صالح الجولاني أيضًا، سواء عن قصد أو بدونه.

في الحقيقة، لم يكن لتنظيم القاعدة قبل ذلك أي وجود حقيقي في سوريا. تاريخيًا، كانت جماعة الإخوان المسلمين السورية، وجماعة الطليعة المقاتلة المنشقة عنها والأكثر عنفًا وطائفية، المنظمتين الإسلاميتين الأبرز في البلاد. في منتصف سبعينيات القرن الماضي، كانتا في طليعة التمرد السني المتطرف ضد الحكومة العلمانية تحت رئاسة والد بشار، حافظ الأسد. ولكن بحلول عام 1982 فترت عزيمتهما في سوريا، وذلك بعد مجزرة فبراير التي راح ضحيتها ٢٠ ألف شخص في مدينة حماة. أصبحت العضوية في جماعة الإخوان جريمة عقوبتها الإعدام، مما دفع معظم الناجين من حركة التطهير ضدها إلى الفرار خارج البلاد. أُلقي عدة مئات في سجن صيدنايا العسكري، الذي يقع على بعد نحو 20 ميلًا إلى الشمال من العاصمة دمشق، وراحوا في غياهب النسيان.

جاء ارتباط سوريا مع القاعدة في وقت لاحق، عندما كانت بمثابة طريقًا رئيسًا للجهاديين الذين يدخلون العراق لمحاربة قوات التحالف، بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام ٢٠٠٣. طبقًا للسجلات التي عُثر عليها في مخبأ لتنظيم القاعدة في العراق ‒الذي اكتُشِف عام ٢٠٠٧ في بلدة سنجار على الحدود العراقية‒ دخل كل المقاتلين الأجانب الذين يزيد عددهم عن ستمائة مقاتل إلى العراق عبر سوريا. وقد فسر البعض ذلك –ومنهم مسؤولون أمريكيون كبار‒ بأن الحكومة السورية تواطأت بالسماح بتحرك هؤلاء الرجال عبر أراضيها، وبفعل ذلك تكون قد حققت هدفين: محليًا، ستكون قد تخلصت (ولو بشكل مؤقت) من التهديدات المحتملة للإسلاميين المحليين، وإقليميًا، ستساعد على تعطيل القوة الأمريكية التي قد تحوِّل اهتمامها لسوريا في المستقبل. 

في عامي ٢٠٠٤ و ٢٠٠٥، بدأ بعض هؤلاء الجهاديين السوريين الذين زاد القتال من شدتهم في العودة إلى ديارهم. وتزامن وصولهم مع موجة من التفجيرات الصغيرة وإطلاق النار ضد قوات الأمن، والتي استمرت على مدى السنوات القليلة اللاحقة. تم حبس العديد من أولئك الذين قُبِض عليهم في سجن صيدنايا العسكري ذي الثلاثة طوابق، إذ كان رجال الإخوان الذين اعتقلوا في السبعينيات والثمانينيات يقبعون في الطابق الثاني. وتم عزل الجهاديين ‒الذين سُجنوا حديثًا ويبلغ عددهم حوالي٤٠٠‒ في الطابق الثالث، في منطقة يطلق عليها السجناء "الباب الأسود" ‒لأن الرجال وراء ذلك الباب يُعزلون تمامًا عن غيرهم من المسجونين. أطلق السجّانون على هذه المنطقة "جناح تنظيم القاعدة". في ١٥ مارس ٢٠١١، التاريخ الذي يعتبر على نطاق واسع بداية الثورة السورية عندما خرج الآلاف إلى الشوارع في البلاد للدعوة إلى قدر أكبر من الحريات، تم نقل٣٠٠ سجين إسلامي آخر من مركز احتجاز في دمشق إلى صيدنايا. 

عند مواجهته بحركة الاحتجاج المتنامية التي اجتاحت البلاد، عرض الأسد بعض الإصلاحات، معظمها صورية، على أمل تجنب الوصول إلى ثورة واسعة، بينما سمح أيضًا لقوات الأمن التابعة له بإطلاق النار على جموع المتظاهرين، وضرب واحتجاز الآلاف. أصدر النظام السوري أيضًا قوانين جديدة للسماح بالعديد من قرارات العفو العام عن السجناء، بما في ذلك المرسوم التشريعي رقم ٦١ في مايو لعام ٢٠١١، والذي شمل "كل أعضاء جماعة الإخوان المسلمين وغيرهم من المعتقلين المنتمين إلى الحركات السياسية،" وأصدر آخر في شهر يونيو، وكذلك المراسيم التشريعية ١٦١ و٥٣، التي أنهت حالة الطوارئ في البلاد التي استمرت لسنوات طويلة، وألغت محكمة أمن الدولة العليا، على التوالي. ضم سجن صيدنايا معتقلين لم يقدَّموا للمحاكمة بعد، كانوا مسجونين تحت قوانين الطوارئ، في انتظار الحكم ضدهم، وغيرهم ممن حكمت عليهم المحاكم. أُطلِق سراح الكثير من الإسلاميين المسجونين، مثل أبو عثمان، وهو أحد كبار علماء الشريعة الإسلامية.

أبو عثمان رجل ممتلئ الجسم، ولكنه ليس مفتول العضلات، في أواخر الثلاثينيات من عمره، ذو أنف منتفخ، وعيون عسلية ضيقة، ولحية مشوبة بالحُمرة يصل طولها إلى صدره. التقيت به في كسّاب، وهي بلدة قريبة من الحدود السورية التركية، في منتصف أبريل عام ٢٠١٤، بعد بضعة أسابيع من استيلاء الثوار الإسلاميين على المدينة. (استعادت القوات النظامية المدينة مرة أخرى في منتصف يونيو.) هو الآن "شرعي" كبير في جبهة النصرة. عندما لا يقاتل، فإنه يعطي دروسًا دينية لرجال وحدته ويشغل منصب قاض في المحاكم الشرعية. 

كان أبو عثمان واحدًا من الإسلاميين الثلاثمائة الذين نُقلوا إلى سجن صيدنايا في مارس ٢٠١١. وكان مسجونًا منذ عام ٢٠٠٧ لعضويته في مجلس قيادة جماعة ذات صلة بتنظيم القاعدة في وقت سابق، وأمضى الأشهر الثلاثة الأخيرة من اعتقاله، الذي استمر لأربع سنوات، وراء الباب الأسود لهذا السجن. أخذ يتذكَّر الأجواء في السجن في ذاك الربيع مع انتشار الأخبار في الطابق الثالث من سجن صيدنايا عن الثورة خارج أبوابه، وقرارات العفو عن السجناء، في أخبار استقاها من أفراد الأسرة في الزيارات الشهرية. حكى لي: "قيل لنا من الأخوة ذوي الخبرة (في الجهاد)، والذين أمضوا الكثير من الوقت في سجن صيدنايا، أنه عند إطلاق سراحنا يجب علينا القعود وعدم العمل. فقط القعود والانتظار".

كان الإسلاميون على يقين بأن نظام الأسد قد قام بالعفو عنهم وهو يعلم جيدًا أنهم سيحملوا السلاح ضده، وهي نبوءة تحققت بالفعل. كما قال لي عثمان وغيره ممن كانوا في سجن صيدنايا، يجب أن يكون هذا ما أرادته الحكومة بالفعل. "إذا قام أخ إسلامي بالتحرُّك، فإنه سيفعل ذلك باستخدام الأسلحة لمواجهة قوات الأمن. سيكون ذلك جهادًا، وهذا من شأنه أن يسمح للنظام بأن يقول للعالم ’انظروا إلى الإرهابيين‘. كنا على علم بذلك". لكن هذا لم يمنعهم من الاستعداد لفعل ذلك على أي حال. "كنا نعمل في سرية". 

أطلِق سراح أبو عثمان في ٢٠ يونيو ٢٠١١. عاد إلى بيته في حلب، لزوجته وطفلَيْه. لكن لم يمر وقت طويل قبل أن يقوم هو وزملاؤه من "خريجي صيدنايا" ‒كما يسمون أنفسهم‒بالحشد في هدوء. وكان السجناء شبكة جاهزة. يقول أبو عثمان: "حين اعتُقِلت كنت أعرف أربعة أو خمسة أو ستة، ولكن عندما أطلق سراحي كنت أعرف ١٠٠ أو ٢٠٠ أو ٣٠٠ (من الجهاديين). لي الآن أخوة يعرفونني في حماة وحمص ودرعا وأماكن أخرى كثيرة. استغرق الأمر بضع أسابيع قصيرة ‒أسابيع وليس شهرًا‒ لننتظم في مجموعات من اثنين أو ثلاثة، في سرية تامة، ونبدأ".

بدأ أبو عثمان التحضير للمعركة، فاشترى أربعة مدافع من بلدة سرمدا في محافظة إدلب، و"عبوات رش يمكنها أن تجعلك تستغرق في النوم" من تركيا. بدأ العمل في وحدة الاستخبارات الجهادية في حلب، والتي كانت لا تزال معقلًا يسيطر عليه النظام بقوة آنذاك. كانت وظيفته هي مراقبة جنود الحكومة والشبيحة ‒البلطجية شبه العسكريين الموالين للنظام. كان يمرر المعلومات لزملائه الذين يعتقلون أو يقتلون من يبلّغ هو عنهم. قال لي أبو عثمان "عليّ أن أعترف أننا حين بدأنا، لم نستطع إنكار انتهاء تنظيم القاعدة في سوريا. لذلك عندما بدأنا، فعلنا ذلك دون تعليمات أو أوامر. بدأنا في جمع أنفسنا، وفي التعهد لبعضنا البعض أو للآخرين". في صيدنايا، قيل لهم أن عليهم ببساطة انتظار زعيم الجديد، وقد انتطروا بالفعل.

***

عندما كان أبو محمد الجولاني وزملاؤه السبعة ‒عدة سوريين وسعودي وأردني‒ يتسللون عبر الحدود في تلك الليلة الصيفية من عام ٢٠١١، كان بعضٌ من رجال سجن صيدنايا على استعداد لاستقبالهم. وصلوا البلاد بالقرب من مدينة الحسكة، في الشمال الشرقي، وقضوا ليلتهم الأولى في سوريا في منزل سجين صيدنايا سابق، وفقًا لمصدر مطلع في جبهة النصرة. وقد طلب ذلك الرجل عدم الكشف عن هويته، وهو عضو في الدائرة الصغيرة المقرّبة من الجولاني. (تم رفض طلب مقابلة للحديث مع أحد أعضاء المجلس الصغير الحاكم لجبهة النصرة، مع اعتذار عن التأخير في الرد لمدة شهرين.) 

كان الجولاني لا يزال غير معروف، وتظل أصوله غامضة ليومنا هذا. إنه صغير، في أوائل الثلاثينيات من عمره، مثل معظم الدائرة الداخلية لمجموعته، فكما قال لي المصدر المطلع: "لا أحد منا يملك شعرًا رماديًا في لحيته". أولئك الذين يعرفونه يصفونه بالهدوء والثقة والانضباط، ويقولون أنه يستمع باهتمام ولديه تفكير استراتيجي. لا يظهر أبدًا دون سلاح، كما أضاف المصدر المقرب من الجولاني: "حتى عندما نكون آمنين، في مكان آمن جدًا، فإنه لا يترك مسدسه، أو حزامه (الناسف). عندما ينام، يضع سلاحه تحت رأسه وحزامه إلى جانبه". تزوج قبل بضع سنوات في سوريا، وله ابن رضيع. وقد رفض العديد من قادة النصرة الذين حاورتهم من أجل هذا المقال أن يعلقوا على ما إذا كان الفيديو المسرب –الذي يظهر فيه شاب ذو مظهر صبياني، وعينين كبيرتين لونهما بني فاتح، وشفاه ممتلئة، ولحية بنية مشذبة بعناية، وهو يطلق النار‒ هو للجولاني فعلًا، كما ادعى مسؤولو المخابرات العراقية. 

يشير اسمه الحركي "الجولاني" أنه من مرتفعات الجولان السورية التي تحتلها إسرائيل، رغم أن البعض يقول أنها إشارة إلى حي الجولان في الفلوجة بالعراق، الذي قاتل فيه الأمريكيين. بغض النظر عن ذلك، فهو سوري ونشأ في دمشق، كما أخبرني المصدر المطلع بجبهة النصرة. قُبِض عليه خلال حرب العراق واحتجز في معسكر بوكا، وهو مركز اعتقال مترامي الأطراف تديره الولايات المتحدة على حدود العراق الجنوبية مع الكويت. صنفه الأمريكان باعتباره كردي عراقي من مدينة الموصل. (رئيسه البغدادي كان معتقلًا أيضًا في معسكر بوكا، لكن الرجلين لم يعرفا بعضهما البعض في ذلك الوقت.) 

بعد أن أتم الجولاني رحلته السرية عبر الحدود، سرعان ما بدأ التواصل مع بعض خلايا من رجال صيدنايا النشطين بالفعل، وغيرهم ممن كانوا ينتظرون ظهور منظمة مرتبطة بالقاعدة، وذلك عبر رسائل شفهية ورسائل مكتوبة بخط اليد حملها مبعوثوه. كانت أول عملية غير معلنة تقوم بها المجموعة الجديدة في ٢٧ ديسمبر ٢٠١١، وهي الهجوم على فرع أمن الدولة في دمشق. بعد ما يقرب من شهر، في 23 يناير ٢٠١٢، أعلنت جبهة النصرة عن نفسها رسميًا في تسجيل صوتي مدته ثماني دقائق، ولم يشر البيان إلى علاقتها بتنظيم القاعدة.

"كانت هذه خطة الجولاني نفسه"، كما أخبرني المصدر في النصرة. قال الجولاني للرجال: "سنُرِي الناس قيَمَنا، ونتعامل معهم بشكل جيد، ثم بعد ذلك نقول لهم ’أتعرفون تنظيم القاعدة الذي شوهته وسائل الإعلام؟ هذا هو. نحن هو. ما رأيكم فينا نحن جبهة النصرة؟‘". حتى ذلك الحين، كان الظواهري قد أعطى تعليمات صارمة بعدم الكشف عن تورطه، حسبما أفاد المصدر.

لم تكن هذه المرة الأولى التي تفعل فيها قيادة القاعدة هذا الأمر. فوفقًا لإحدى الرسائل التي عُثر عليها في مخبأ بن لادن في مدينة أبوت آباد بعد مقتله عام ٢٠١١، قال زعيم القاعدة لحركة الشباب الإسلامية في الصومال أن تخفي علاقاتها مع منظمته لأنه "حين يتم إعلان الأمر على الملأ، سيدفع ذلك الأعداء لتصعيد غضبهم وتعبئتهم ضدكم". 

كان بن لادن يعرف جيدًا أن لدى تنظيم القاعدة مشكلة في صورته العامة. ففي وثيقة أخرى مكوّنة من ٣٧ صفحة صدرت بعد وفاته، تحدث عن بدء "مرحلة جديدة" لكسب ثقة معظم المسلمين، الذين اعترف أنهم يبغضون جماعته. وتشير الوثيقة أيضًا لاستياء تنظيم القاعدة من الجماعة العراقية التابعة له، ومن أساليبها الوحشية. وبصرف النظر عما إذا كان جولاني قد قرأ تلك الوثائق أم لا، فقد استوعب دروسها جيدًا. إذ قال في المقابلة الوحيدة التي أجراها حتى الآن ‒مع قناة الجزيرة العربية في ديسمبر ٢٠١٣‒ أنه قبل دخوله سوريا "استعرضنا تاريخ كل العمل الجهادي الذي حدث في كل بقاع الأرض، وحاولنا قدر المستطاع أن نتوخى الأخطاء التي وقعت فيها الحركات الجهادية في أماكن أخرى".*

 أوضح الجولاني أنه لن يفعل ما فعله التنظيم الأم في العراق، عندما قام بفرض إملاءات إسلامية قاسية على المجتمعات المحلية، واستعدائهم حتى انتفضت ضد القاعدة وشكلت الصحوات، أو مجالس الصحوة، والتي طردت الجماعة بالقوة، بمساعدة الولايات المتحدة. ستصبح سوريا هي المرحلة التي يُظهِر فيها تنظيم القاعدة كيف تطور. 

سرعان ما تطورت الانتفاضة السورية إلى صراعين متوازيين. فلا يزال الآلاف يتظاهرون كل أسبوع في احتجاجات سلمية إلى حد كبير عقب صلاة الجمعة مثل الثورات العربية الأخرى، لكن الصراع أخذ طابعًا عسكريًا أيضًا في غضون بضعة أشهر. بحلول صيف عام ٢٠١١، تشكل الجيش السوري الحر. كان يتألف في البداية من جنود وأفراد أمن آخرين انشقوا عن نظام الأسد، وانضم لهم في وقت لاحق مدنيون حملوا السلاح للدفاع عن مدنهم وقراهم ضد النظام، وكان كيانًا منفصلًا عن الجهاديين قليلي العدد –في هذا الوقت‒ والذين شرعوا أيضًا في القتال. لم يكن مصطلح الجيش السوري الحر أكثر من مظلة، زيٌ فضفاض ذي اسم مهم يضم الحركات والتنظيمات دون أن يملك إعطاء الأوامر أو فرض السيطرة. فكان قادته ‒المعيَّنون من قبل أنفسهم‒ يقبعون في تركيا، ومثلهم مثل نظرائهم في المعارضة السياسية القابعين في المنفى، كانوا بعيدين ومكروهين على نطاق واسع من قبل أولئك الذين يقاتلون وينزفون داخل البلاد. كان شائعًا أن تسمع الرجال المقاتلين، وربات البيوت على حد سواء، في المناطق التي يسيطر عليها الثوار في سوريا، يشتكون من أن من يُسمَّون بالقادة يعيشون في الفنادق بينما يعيشون هم في الخنادق. 

كان الجولاني في الخنادق. في يوليو ٢٠١٢، غادر قاعدته في دمشق وانتقل بين قواعد النصرة في الأجزاء التي يسيطر عليها الثوار في محافظات إدلب وحلب الشمالية، وغالبًا ما كان يستخدم الاسم المستعار أبو عبد الله، ويخبر قادة النصرة المحليين الذين يلتقيهم أنه ممثل زعيم الجبهة. وكان يتبع زياراته برسائل مفصلة مكتوبة بخط اليد للقادة، يشيد فيها برجل معين أو يقترح فصْل آخر. كان غالبًا ما يختبئ على مرأى البصر أمام النظام، ففي أحد المرات ركب حافلة عامة إلى مدينة دير الزور في الشرق، وفي أخرى استأجر شقة في كفر حمرا، وهي بلدة في ريف حلب كانت لا تزال تحت سيطرة النظام، هربًا من القصف المكثف الذي يمطر الأراضي التي يسيطر عليها الثوار. 

بينما كانت جبهة النصرة تتوسع لتكوّن قوة قتالية أكثر قدرة، حاول الجيش السوري الحر أيضًا أن يصبح منظمًا في محاولة لإقناع المجتمع الدولي بأن يقدم له دعمًا حقيقيًا. فشكّل مجلس محافظة لكل محافظات سوريا الأربع عشرة، بهدف جمع كل فرق الجيش السوري الحر في كل محافظة تحت قيادته. لكن مجالس المحافظات التابعة للجيش السوري الحر أثبتت سريعًا أنها لن تكون سوى بالقوة التي يسمح بها مموّلوها الرئيسون، وهم السعوديون والقطريون الذين قدموا الأموال أو الأسلحة والذخائر، بجانب موافقة الأتراك ضمنيًا (الذين تمر تلك الإمدادات عبر أراضيهم)، والأمريكيين (الذين أرادوا التدقيق في الجماعات التي تتلقي الأسلحة). 

لم يحصل الجيش السوري الحر على الأسلحة التي كان يمكنها أن ترجح كفته. فقد كانت الحكومات الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تخشى أن تشق الأسلحة المتطورة ‒مثل الصواريخ المضادة للطائرات‒ طريقها إلى أيدي المتطرفين، فيمكن استخدامها يومًا في الهجمات الإرهابية. لم تكن تلك المخاوف دون أساس. لكن ذلك كان يعني أن تواصل طائرات الأسد الحربية والهليكوبتر إغراق المناطق المدنية وقواعد الثوار بالصواريخ وبراميل القنابل البدائية. كذلك رفض المجتمع الدولي فرض منطقة حظر جوي فوق المنطقة المتزايدة التي تسيطر عليها مختلف مجموعات الثوار في شمال سوريا. أفضل ما كان يأمله ثوار سوريا المعتدلون من الغرب وحلفائه في الخليج هو إمدادهم بالأسلحة الخفيفة والذخائر. وعندما وصلت تلك الإمدادات، كانت قليلة العدد، وغير موزعة بالتساوي، وكان تسليمها غير منتظم. 

تعلمت كتائب الثوار بسرعة الاعتماد على نفسها. فاشترت أسلحة وذخيرة من جنود النظام الفاسدين، ومن السوق السوداء الإقليمية (بالأساس في لبنان والعراق وتركيا). واجتاحت نقاط التفتيش الحكومية، واستولت على الأسلحة كغنيمة حرب، وأصبحت جماعات عدة بارعة في صنع الأسلحة والصواريخ والعبوات الناسفة الخاصة بها. من بين الجماعات المسلحة المتفرقة التي ظهرت، شقت جبهة النصرة طريقها بسرعة باعتبارها قوة قتالية منضبطة وفعالة، فهي جماعة قادت عدة عمليات وكانت مسؤولة عن بعض الهجمات الأكثر جرأة ضد النظام، بما في ذلك التفجيرات الانتحارية، وهو تكتيك لم تستخدمه سوى قليل من الجماعات الأخرى. رغم أنه يصعب التأكد والتحقق من أرقام موثوق بها عن حجم جبهة النصرة، إلا أن أثرها قد بات واضحًا. قال الجولاني أن نصف تمويلها يأتي من المنظمة الأم، دولة العراق الإسلامية، وتأتي البقية من المانحين ومن تأمين غنائم الحرب.

قاتل مجاهدو جبهة النصرة إلى جانب مقاتلي الجماعات الأخرى، حتى أن مقاتلي الجيش السوري الحر والمدنيين في المناطق التي يسيطر عليها الثوار أخبروني أنه رغم أن مقاتلي النصرة كانوا محافظين دينيًا، إلا أنهم لم يسعوا لفرض أفكارهم على المجتمعات التي تقع تحت سيطرة الثوار. فقد قدموا الخدمات الاجتماعية، مثل توزيع الدقيق على المخابز، وبذلوا جهدًا لطمأنة السكان من خارج نطاق قاعدتهم من المسلمين السنة، مثل الفيديو الذي أعلنوا فيه مسؤوليتهم عن انفجار في ٢٠ مارس ٢٠١٢، وقالوا فيه للمسيحيين المحليين أنهم لم يكونوا هدفًا له. كان هذا وجهًا مختلفًا جدًا لتنظيم القاعدة عن التنظيم في العراق، الذي كان يقصف بشكل روتيني أسواقًا مليئة بالمدنيين، مما أسفر عن مقتل المسلمين وغير المسلمين دون تمييز. 

إلا أن لهجة جبهة النصرة حين اتسمت أحيانًا بالطائفية كانت قاسية للغاية، وخاصة ضد مواطني الأقلية العلوية التي ينتمي لها الأسد. تعتبر جبهة النصرة غير المسلمين كفارًا، ولكن كما قال أحد قادتها: "لا يعني هذا أنه عليّ قتله إن كان كافرًا". إلا إنها مع ذلك لا توفر لهذا الشخص سوى شكلًا من أشكال المواطنة من الدرجة الثانية. لم تتبع العديد من مجموعات الثوار السورية، وخصوصًا المتحالفين مع الجيش السوري الحر، نفس الأيديولوجية المتشددة التي اتبعتها جبهة النصرة، وكانوا يحملون شكوكًا حول خططها لسوريا، لكنهم قالوا أنهم يحتاجونها بساحة المعركة. 

في ديسمبر٢٠١٢، أدرجت الولايات المتحدة جبهة النصرة على قائمة المنظمات الإرهابية، وأعلنت بشكل صائب أنها واجهة لتنظيم القاعدة في العراق. وإذا كان الهدف من وضعها على قائمة الإرهاب هو عزلها، يبدو أنه قد فعل العكس. في ١٤ ديسمبر، أول جمعة بعد القرار الأمريكي، تظاهر السوريون في جميع أنحاء البلاد تحت شعار "الإرهاب في سوريا هو الأسد فقط"، في تنديد واضح بالقرار الأمريكي. ورفعت العشرات من جماعات الثوار شعار"كلنا جبهة النصرة"، وحتى قيادة المعارضة السياسية التي تقبع في المنفى –ولا تعترف بها النصرة من الأساس‒ أدانت إدراج الجبهة كجماعة إرهابية. بعد عام فقط من إعلانها وجودها في سوريا، كانت جبهة النصرة قد حققت ما كان بن لادن يحلم به، طبقًا لوثائق أبوت آباد: قوة هائلة بدعم شعبي قوي. لم تكن قد كُشِفَت بعد صلات النصرة بتنظيم القاعدة. فتلك المعلومة سيجرى إعلانها فجأة على الملأ في ٨ أبريل ٢٠١٣، في تسجيل صوتي لأبي بكر البغدادي، زعيم الدولة الإسلامية في العراق. 

كان خطاب البغدادي بمثابة قنبلة. فلم يكتفي بإعلان أن جبهة النصرة خرجت من عباءة جماعته، بل أعلن أيضًا دمجهما في كيان واحد ‒داعش‒ تحت قيادته. رفض الجولاني علنًا هذا الاندماج وتعهد بالولاء لأيمن الظواهري، وطلب وساطة زعيم تنظيم القاعدة. 

استغرق الأمر من الظواهري شهرين للرد على هذا الخلاف، في رسالة خاصة سُرِّبت لقناة الجزيرة. وقال أنه يرفض هذا الاندماج، وأمر البغدادي بالمكوث في العراق، والجولاني بالبقاء في سوريا، وقرر أن تكون جبهة النصرة هي فرع تنظيم القاعدة الرسمي في سوريا. إلا أن البغدادي تجاهل رسالة الظواهري، وبرر أنصاره ذلك بأنهم غير ملزمين بالقرار لأن الظواهري في تقسيمه بين العراق وسوريا يعترف بالحدود الاستعمارية، وفسروا ذلك على أنه دليل أن زعيم تنظيم القاعدة قد أصبح ليّنًا. 

ثم انقسمت جبهة النصرة. بقى البعض مع الجولاني، واتبع آخرون ‒لاسيما المقاتلون الأجانب أو "المهاجرون" كما يطلق عليهم‒ قرار البغدادي وانضموا إلى داعش، تاركين جبهة النصرة لتكون ذات أغلبية سورية. كان تأثير هذا الأمر عميقًا، كما أخبرني المصدر المقرب من الجولاني: "انضم كل من في النصرة لداعش، وأصبحنا قليلي العدد". وأضاف المصدر أن زعيم النصرة كان قد توقع وقوع متاعب داخل الجبهة، "مثل هجوم من طائرات بلا طيار، ومقتل قيادات. لكننا لم نتوقع أننا سننخرط في نزاع مع العراق". 

تُعرَف داعش في اللغة العربية باسم "الدولة"، وتلك بالفعل هي الطريقة التي تقدم بها نفسها: كدولة ذات سيادة وليس فصيلًا بين جماعات كثيرة تقاتل ضد النظام السوري. (يطلق عليها مهاجموها الاختصار العربي لحروفها "داعش،" وهو المصطلح الذي يعتبره التنظيم مهينًا.) من الناحية النظرية، يعتبر زعيم الدولة إسلامية أميرَ المؤمنين، الذي تمتد سلطته لتشمل جميع المسلمين، أي إنه أرفع مقامًا من منظمات مثل تنظيم القاعدة. كان البغدادي يقول أنه ليس فقط على قدم المساواة مع الظواهري، بل هو أعلى منه مقامًا، وسيسعى خلال الأشهر المقبلة لإثبات ذلك. 

***

بدأت داعش إقامة دولتها في الأراضي التي سيطرت عليها، لا سيما في الرقة شمال شرقي البلاد، وهي العاصمة الوحيدة لمحافظة، من بين محافظات سوريا الأربع عشرة، التي سقطت من قبضة النظام. في مايو عام ٢٠١٣، انتزعتها داعش من الثوار ‒ومنهم جبهة النصرة‒ الذين استولوا عليها في مارس. وبحلول شهر أغسطس، كانت قد عززت قبضتها وجعلت من المدينة التي يسكنها 220 ألف شخص عاصمة لها، وملأت سجونها بأي شخص يعارضها أو يشكك فيها أو يُتهم بأنه انخرط في أنشطة معادية للإسلام. اعتقلت داعش نشطاء ومدنيين وقادة ثوار الجيش السوري الحر، بل وحتى آخرين ينتمون إلى جماعات إسلامية متشددة. وفي الرقة، اعتقلت ‒وستقتل في وقت لاحق‒ أمير جبهة النصرة في المدينة أبو سعد الحضرمي. 

بدا أن داعش لم تتعلم الكثير. فقد أصبحت دولتها شبيهة بتلك التي حاول تنظيمها إقامتها في وقت سابق في المناطق السنية من العراق بعد الغزو الأمريكي. في الرقة، كانت القواعد واضحة. فُرِض على النساء ارتداء الحجاب الذي يغطي الوجه، ومُنِعن من ارتداء السراويل. كانت الصلوات اليومية مفروضة، كما فُرضت الحدود مثل قطع يد السارق. كانت داعش لا ترحم، فقامت حتى بصلب بعض أعدائها في ساحة عامة في الرقة، وكانت أيضًا سريعة في تكفير غيرها من المسلمين. ارتدى مقاتلوها الأحزمة الانتحارية الناسفة وكان يخشاهم بشدة الثوار والمدنيون على حد سواء. 

كان مقر داعش في الرقة مبنى المحافظة الأنيق، ذي الأقواس المتعددة، لترفرف راية سوداء ضخمة في ساحة أمامه. إلا أن ذلك المقر لم يجري استهدافه ضمن غارات النظام الجوية المتكررة على المدينة، مما دفع القادة السياسيين في المعارضة السورية لادعاء أن داعش هي صنيعة النظام، أو أنها متواطئة معه. لم تكن هناك دلائل كثيرة تشير لأي من الافتراضَين، ولكن كان هناك شيء واحد مؤكد هو أن داعش تلعب الدور الذي حاولت جبهة النصرة تفاديه في دعاية الأسد: إثبات أن معارضي النظام هم إسلاميون متطرفون مصممون على فرض حكمهم الطائفي الوحشي الدموي. بلغ تطرف داعش الشديد المدى الذي أصبحت معه النصرة تقريبًا معتدلة مقارنةً به.

سمعت هذا بأذني في أواخر أبريل عندما التقيت اثنين من الجهاديين في مدينة أنطاكيا بجنوب تركيا. أبو درعا، وهو رجل هادئ، كان أمير داعش على قرية قرب الرقة، ولكنه غادرها بسبب الخلاف مع تنظيم القاعدة. "مما رأيت أستطيع أن أقول إن الدولة متعطشة للدماء. قتل رجل بالنسبة لهم كشرب الماء. إنهم يرتكبون أخطاءً". تمتعت النصرة بالدعم الشعبي والإنجازات ضد النظام، في حين أن داعش "عندما جائت إلى هنا بعد الانقسام، كانت مثل المنشار الذي يقطع في كلا الاتجاهين. وجد الناس النصرة أكثر رحمة".

أما صديقه أبو خطاب، فقد قاتل مع النصرة، ولكنه أخبرني أنه يتجه الآن إلى الرقة للانضمام إلى داعش. كانت النصرة أكثر رحمة، كما اعترف، لكنها لم تكن تفرض عقوبات صارمة مستمدة من الشريعة، مثل قطع يد السارق. شدد أبو خطاب: "حتى الأطفال يعرفون أن يد السارق يجب أن تقطع. إذا كنت لا تفعل أي شيء خاطئ، مم تخاف؟"

لكن تلك القسوة جاءت بنتائج عكسية، وأدت إلى استعداء داعش للسكان المحليين، سواء المسلحين أو المدنيين، حتى تمردوا في ٣ يناير ٢٠١٤، وقاموا باشتباكات مسلحة انتشرت بسرعة في معظم أنحاء شمال سوريا. في البداية حاولت النصرة التوسط، ولكن بعد ذلك، يوم 3 فبراير، تبرأ تنظيم القاعدة من داعش، قائلًا أن الجماعة تجاهلت القرارات المُصدرة بشأنها. قال بيان القاعدة: "تعلن جماعة قاعدة الجهاد أنها لا صلة لها بجماعة (الدولة الإسلامية في العراق والشام)، فلم تخطر بإنشائها، ولم تستأمر فيها ولم تستشر، ولم ترضها، بل أمرت بوقف العمل بها، ولذا فهي ليست فرعًا من جماعة قاعدة الجهاد، ولا تربطها بها علاقة تنظيمية، وليست الجماعة مسؤولة عن تصرفاتها".

بيد أن داعش لم تتراجع. فردت قائلة بأن القاعدة انحرفت عن طريق الجهاد القويم، وأن القاعدة تحت قيادة الظواهري مختلفة عنها تحت قيادة بن لادن، وأنه "إذا وضع الظواهري قدمه في أرض الدولة الإسلامية، عليه أن يعلن ولاءه لها ويبايع أميرها البغدادي". كانت وقاحة داعش العلنية في حق الظواهري غير مسبوقة، كما جعلته عدم قدرته على كبح جماح البغدادي يبدو ضعيفًا. 

أما المقاتلون الأجانب ‒الذين يغلب عليهم التشدد الديني أكثر من السوريين في النصرة أو داعش‒ فقد تحملوا العبء الأكبر من ردود الفعل المعادية لداعش من مجموعات الثوار الأخرى. انضم بعضٌ منهم لجبهة النصرة، وحاول بعضٌ آخر الفرار لتركيا، في حين حاول آخرون الوصول إلى ممر آمن يأخذهم إلى الرقة، سواءٌ عن طريق القتال أو التفاوض. في الوقت نفسه، أعادت داعش تجميع نفسها في الشمال الشرقي وفي الشرق، أي في المناطق المحيطة بالحدود العراقية. 

***

بينما تناحر الجهاديون، وواصل الثوار المعتدلون طلبهم غير المجدي للمساعدات، كانت قوات النظام قد وحّدت مواقفها وسارت نحو بعض المناطق التي يسيطر عليها الثوار. فشلت الدبلوماسية في إيجاد حل لصراع كان يودي بحياة العشرات يوميًا، وأحيانا المئات. وجذبت صور الموت والمذابح المروعة المقاتلين الأجانب من جميع أنحاء العالم على جانبي الصراع الذي أصبح يتخذ طابعًا أكثر طائفية مع مرور الوقت. انضم لبنانيون وعراقيون شيعة، وإيرانيون، إلى قوى النظام، وانضم إلى الثوار ذوي الأغلبية السنية خليطٌ من جنسيات رأيتها في رحلاتي العديدة إلى سوريا: شيشان وتونسيون وليبيون ولبنانيون. وسمعت أن جندي أمريكي سابق تحول إلى الإسلام –اسمه أبو أسامة– كان يقوم بتدريب الجهاديين على فنون الحرب الأساسية. (لم أفاجأ عندما رفض إجراء مقابلة معه.) كما أنني أعرف أحد كبار أمراء النصرة الذي يقوم بتجنيد وتدريب خلية من الفلسطينيين والعرب الإسرائيليين. 

دخل العديد من المهاجرين شمال سوريا التي يسيطر عليها الثوار من الحدود التركية. وكانت هناك العديد من طرق التهريب على خط الحدود الذي يمتد بطول 511 ميل، معظمها كانت مستخدمة بالفعل قبل الثورة السورية. وعندما سقطت مناطق واسعة من الأراضي السورية المتاخمة لتركيا من سيطرة الحكومة، أصبحت تلك الطرق أسهل في عبورها. بحلول صيف عام 2012، سيطر الثوار على باب الهوى، وهو معبر رسمي بين سوريا وتركيا، الأمر الذي سهّل نقل الرجال والمال والذخائر والمساعدات الإنسانية من المانحين بواسطة سيارات إلى شمال سوريا.

أتى المهاجرون من تلقاء أنفسهم منذ الأشهر الأولى من عام 2012 على الأقل، ثم بدأت أعدادٌ أكبر في التدفق. كان سهلًا التعرف على المقاتلين الأجانب على الفور على متن الرحلات الجوية الداخلية من إسطنبول إلى خطاي، وهي ولاية تركية قرب سوريا: فهم رجال ذوي لحى طويلة وسراويل قصيرة تنتهي فوق الكاحل على سنة الرسول. وقد انضموا في الأساس لجماعات جهادية غير الجيش السوري الحر، إلا أن بعضهم انضم للجيش الحر بمرور الوقت. بحلول منتصف سبتمبر ٢٠١٢، كانت النصرة قد أنشأت نظامًا أكثر تنظيمًا لاستقدام المقاتلين الأجانب إلى سوريا، فعينّوا "أميرًا للحدود"، وظيفته المساعدة في تسهيل دخولهم. ساعدت القيادة المركزية للقاعدة في أفغانستان بتوفير تفاصيل عن المنسقين في تونس وشبه الجزيرة العربية يمكنهم إرسال الرجال إلى تركيا. "كان ذلك خطئًا"، كما أخبرني أحد أعضاء النصرة العارفين بتلك العمليات، لأن الكثير من المهاجرين تحولوا في وقت لاحق ضد جماعته. كانوا بشكل عام أكثر جمودًا من نظرائهم المحليين. أضاف عضو النصرة: "أنا مندهش من هؤلاء الناس، كانوا يفهمون القليل عمّا يجرى، ولكنهم عنيدون. كانت رؤوسهم صلبة كالجدران".

تم استئجار أربعة منازل على الطريق إلى سوريا في خطاي: اثنان في المدينة الرئيسة أنطاكية، وواحد في ريحانلي (لا يبعد كثيرًا عن معبر باب الهوى)، وواحد في كيريخان في شمال شرقي البلاد. يجرى استقبال الرجال خارج مطار خطاي، وليس داخله حيث توجد الكاميرات الأمنية. "يكونون 5 في الأيام قليلة العدد، و١٥ في الأيام المزدحمة" كما قال المصدر المطلع في جبهة النصرة. في البداية، يتم إرسالهم لقرية أطمة على الحدود السورية التركية، إلى معسكر المهاجرين الذي لا يبعد كثيرًا عن الحدود، ومنه يتم إرسالهم إلى وحدات مختلفة في مختلف أنحاء البلاد. ولكن الأتراك قاموا مؤخرًا بحفر خندق عميق في الأرض الحمراء السهلية على طول حدودهم مع أطمة، مما جعل المرور عبر المعبر ‒الذي طالمًا كان سهلًا‒ يصبح أكثر صعوبة، كما تدهورت سمعة المخيم بعد أن دخله صحفيان أجنبيان بطريق الخطأ وخُطِفا. بحلول فبراير ٢٠١٣، كان قد تم إغلاقه. 

***

إلا أن المقاتلين الأجانب استمروا في التدفق إلى سوريا، ومن هناك، واصل بعضهم طريقه إلى العراق. بحلول شهر مارس، ورد أن جبهة النصرة أنشأت مخيمًا جديدًا للمقاتلين الأجانب في رأس الحصن، وكان ذلك أحد الأسباب الرئيسة التي دفعتني للسفر إلى تلك القرية الصغيرة القديمة في محافظة إدلب. كان ذلك في 2 مارس، عندما أتيت لمقابلة أبو راتب، أمير جبهة النصرة في البلدة، والذي تمتد منطقة نفوذه إلى أطمة.

قاد أبو راتب سيارته الجيب الميتسوبيشي، ذات اللون الرمادي الفاتح والنوافذ المعتمة، إلى نقطة العبور التي تقع خارج قاعدته، وهي عبارة عن مكتب حكومي سابق من دور واحد يقع أمام مدرسة مهجورة. ارتدى غطاءً أسودًا للرأس، وسروالًا عسكريًا مموهًا، وقميصًا أسودًا بأكمام طويلة، وصديريًا أسودًا منتفخًا، وكانت لديه لحية سوداء يصل طولها إلى صدره وعيون داكنة. وافق أبو راتب على التحدث إليّ بشكل مبدأي، ولكنه احتاج لإذن من أخيه الأكبر، المسؤول عن المحافظة بالكامل، والذي كان مسافرًا إلى مكان آخر في إدلب لعدة أيام. 

ركبت السيارة الميتسوبيشي، مع اثنين من رجال النصرة، وأبو راتب وراء عجلة القيادة. كان هناك سلاحان من نوع كلاشينكوف في المقعد الخلفي وآخران في الأمامي. سرنا لمسافة قصيرة من موقع النصرة إلى منزل الأمير المتواضع للغاية، والمكون من طابق واحد ويقع بين بساتين الزيتون والآثار القديمة المنتشرة في جميع أنحاء القرية. كان علي أن انتظر مع عائلته حتى يرد عليه أخاه. هكذا تعمل تلك الجماعات. لا يمكن التحدث إلى مقاتل ببساطة همذا دون إذن أميره. 

بقيت مع أم محمد زوجة أبو راتب، البالغة من العمر ٢٧ عامًا، والأم لثلاثة أطفال تزيّن وجوههم النغازات والابتسامة العريضة. أخذتني إلى الغرفة التي تمضي فيها معظم يومها مع أولادها؛ طفلتان عمرهما ثلاث سنوات و١٥ شهرًا، ومحمد البالغ من العمر شهرين. كانت حماتها تجلس على الأرض تهدهد محمد الذي ينام في سريرٍ خفيف هزاز مثبت في خطاف يتدلى من السقف.

بينما نتناول القهوة والتمر، عبّرت العديد من النساء وجيرانهم عن أسفهم من الممارسات القاسية التي تقوم بها داعش. وقالوا أن عضوًا مصري الجنسية بداعش قد قتل زوجته الطبيبة، إذ قال أنها مرتدة كونها تعمل جنبًا إلى جنب مع أطباء ذكور. تسائلت أم محمد: "من سيعالجنا الآن؟". حكت أم أبو راتب حكاية عن امرأة دخلت باكية إلى مقر جبهة النصرة يومًا ما، وخلعت حجابها قائلة للأمير أنها لم تعد تريد أن تكون مسلمة. قالت أن سبعة من أعضاء داعش قد "تزوجوا بها،" واحدًا تلو الآخر، في نفس الليلة. كان اغتصابًا جماعيًا. "هذا ليس ديننا" كما قالت والدة الأمير. لا أعرف ما إذا كانت تلك القصص صحيحة أم لا، ولكن النساء يصدقونها بالفعل. نمنا في نفس الغرفة على مراتب رقيقة ‒والدة الأمير وزوجته وأطفاله الثلاثة. غادرت صباح اليوم التالي في السابعة صباحًا.

في 14 أبريل زرت سوريا مجددًا بهدف رؤية أبو راتب. ولكنني علمت لاحًقا أنه في اليوم التالي، طرق أربعة رجال مسلحين ‒ثلاثة تونسيون ومغربي‒ باب أبو راتب. كان شقيقه أبو محمد الفاتح، أمير إدلب، داخل المنزل طريح الفراش، يتعافى من حادث سيارة. مشى الرجال المسلحون بضع خطوات قصيرة من الباب الأمامي إلى غرفة الرجال على اليمين. وفقًا لما نشرته جبهة النصرة، أطلقوا النار على رأس أبو راتب فقُتل في الحال، مع أحد إخوته الأصغر سنًا. تمكن أبو محمد من إصابة أحد مهاجميه قبل أن يقتله بثلاث طلقات في الصدر. ثم أمطر المهاجمون غرفة النساء على اليسار بوابل من الرصاص مما أسفر عن مقتل زوجة أبو راتب الشابة، وابنته الكبرى وابنة أبو محمد التي تبلغ من العمر ١٣ عامًا، وأصابوا أغلب الأطفال الآخرين. عاشت أم أبو محمد وزوجته لتحكيا القصة. 

سرعان ما ألقت جبهة النصرة باللوم على داعش في القيام بجرائم القتل، وتعقبت الجناة المزعومين إلى منزل قريب. قال أحد الشهود في فيديو حمّلته النصرة على موقع يوتيوب أن الأربعة كانوا أعضاءً سابقين بداعش. وقال بيان النصرة: أن "اثنين منهم فجروا نفسيهما مما أدى إلى وفاة الثالث"، بينما تم القبض على الرجل الرابع. 

لم تعلق داعش رسميًا على قتل الأميرين في إدلب، لكنهما لم يكونا آخر من يُقتَل من القادة كبار. فقد قُتِل أبو خالد السوري، أحد قدامى المحاربين في الحرب الأفغانية ضد السوفييت، ومبعوث الظواهري الشخصي لرأب الخلاف مع داعش، في تفجير انتحاري حمَلت النصرة داعش مسؤوليته. (نفت داعش تورطها في الأمر.) أدى الخلاف بين الجماعتين الجهاديتين إلى اصطيادهما لرجال بعضهما البعض بطريقة لا يستطيع نشطاء مكافحة الإرهاب الغربيون سوى أن يحلموا بها. 

تواصل داعش اليوم السيطرة على جزء كبير من شمال شرق سوريا، ممتدة من حلب باتجاه الحدود العراقية، رغم أنها لم يعد لها وجود في محافظات إدلب أو اللاذقية في الشمال الغربي. ولا تزال سلطتها راسخة في مدينة الرقة. أما جبهة النصرة، فلا تزال تحت قيادة الجولاني، وهي تقاتل داعش علنًا، بالاشتراك مع جماعات ثورية أخرى في كثير من الأحيان. أصبح الصراع بين أعداء النظام حربًا أهلية داخل حرب أهلية، تمامًا كما أراد الأسد. 

***

لسخرية القدر، يشترك تنظيم القاعدة وجبهة النصرة وداعش جميعهم في نفس الأيديولوجيا العابرة للحدود وذات الهدف النهائي: إقامة دولة إسلامية تنبع من سوريا وإلى منطقة الشرق الأوسط، وإعادة إقامة الخلافة التي انتهت عام ١٩٢٤ بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية. هم يختلفون فقط حول من يقود الجهد والتكتيكات لتحقيق ذلك. 

وفرت سوريا لتلك الجماعات ملاذًا آمنًا، ومكنتهم من تجنيد المقاتلين الذين يُمكِنهم الآن التحرك علنًا بين ساحات القتال السورية والعراقية، ماحين الحدود بين البلدين بشكل عملي. 

في ١٠ يونيو، استولى بضع مئات من أعضاء داعش على الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، وهم ينطلقون الآن تجاه بغداد، مستولين على غيرها من البلدات في طريقهم. استولت الجماعة على مخابئ ضخمة من الأسلحة التي قدمتها الولايات المتحدة، بما في ذلك طائرات هليكوبتر، واستولت على ما يقرب من نصف مليار دولار من البنك المركزي في الموصل. كان الغرب يخشى من تسليح الثوار السوريين المعتدلين حتى لا تصل الأسلحة إلى أيدي المتطرفين. الآن، أصبح لدى الجماعة التي تعدها القاعدة نفسها متطرفة طائرات بلاك هوك.

لا تتحرك داعش وحدها في العراق. إذ تشاركها طوائف السنة المحرومين من مختلف الأطياف السياسية، بما في ذلك الموالين للرئيس السابق صدام حسين، ويوحِّدهم معًا أسلوب الحكومة العراقية الذي أصبح يتسم بالاستبدادية والطائفية على نحو متزايد. إلا أن هذا التحالف السني العراقي الجديد ليس من المرجح أن يستمر. فداعش لم تستطع العمل مع الآخرين في سوريا، فكم ستستغرق من الوقت قبل أن تنقلب على حلفائها العراقيين الجدد؟ 

هناك تفسير واحد للائحة قوانين داعش لمحافظة نينوى في الموصل، والتي نشرت بعد يومين فقط من استيلائها على المنطقة. هي تعني أن نظامها القمعي هو نفس الذي فرضته في الرقة: إقامة فريضة الصلاة خمس مرات في اليوم بالمساجد؛ فرض ارتداء النساء للملابس المحتشمة (عباءة سوداء وحجاب يغطي وجههن)، وعليهن ألا يتركن منزلهم إلا في حالات الطوارئ؛ تدمير جميع الأضرحة، وغيرها من القوانين. على عكس النصرة، لم تتعلم داعش أن تضع في أولوياتها أهمية كسب التأييد الشعبي. 

لكن مصير داعش يكمن في سؤال وحيد. هل ستحاول جبهة النصرة وغيرها من مجموعات الثوار السورية أن تؤسس حراكًا على نطاق واسع ضد مواقع داعش في سوريا الآن، بما أن الجماعة مشغولة في العراق؟ هل ستفقد النصرة أعضاءها لحساب جماعة تتشكل دولتها الإسلامية بشكل متزايد؟ كيف سيكون رد فعل الظواهري؟ من غير المرجح أن يستسلم لداعش، ولكنه لا يمكن أن ينتقد كثيرًا الجماعة التي تنفذ الأهداف الكبرى لمنظمته. هل يمكن لتنظيم القاعدة أن يحاول إثبات أهميته من خلال هجمات جديدة؟ هل لا يزال لديه القدرة على ذلك؟ 

أما بالنسبة للولايات المتحدة، سيرسل الرئيس أوباما ٣٠٠ من رجاله لتقديم المشورة للجيش العراقي، ولكن ماذا عن الأشكال الأخرى للتحرك العسكري التي يمكن أن تقوم بها الولايات المتحدة، مثل الضربات الجوية؟ هل ستضرب الولايات المتحدة داعش في العراق؟ وإذا حدث ذلك، هل ستضرب الجماعة في سوريا أيضًا؟ ماذا عن الأسد، الذي قال الرئيس أوباما أنه "يجب أن يرحل"؟ ماذا عن النصرة؟ كان كل شيء يبدو أسهل عندما كان السؤال الرئيس هو ما إذا كان سيتم تسليح الثوار السوريين أم لا، وأي من فصائلهم تحديدًا. 

بطبيعة الحال، كان من المستبعد أن يظل الصراع السوري داخل حدود سوريا إلى الأبد، فقد دفع بالملايين من اللاجئين إلى الدول المجاورة، ودفع بالمقاتلين الجهاديين إلى العراق. كما أن كلًا من جبهة النصرة وداعش قد أنشئا فروعًا بلبنان، وستظهر آثار ذلك مع مرور الوقت.

"هناك الآن في سوريا معسكرات تدريب الفاروق، لا معسكر واحد فقط" كما أخبرني أبو ماريا، أمير رفيع الشأن للنصرة في محافظة إدلب، منذ فترة غير بعيدة. "هناك معسكر تدريب فاروق واحد في أفغانستان، وهو مشهور جدًا. ومن بين خريجيه محمد عطا (أحد الخاطفين المنفذين لهجمات ١١ سبتمبر). إذا فعل معسكر واحد كل هذا بالعالم، ما ظنكم فيما قد تفعله عدة معسكرات في سوريا؟"

_____


الشخصيات الرئيسة 

أبو محمد الجولاني  :

بوصفه محارب مخضرم منذ أيام الحرب الأمريكية على العراق، أمرت قيادة تنظيم القاعدة المركزية الجولاني بتشكيل فرع للجماعة الإرهابية في سوريا، سميت بجبهة النصرة. لا يُعْرَف عن هذا المقاتل الشاب الكثير، وهو الذي تقاتل جبهة النصرة تحت قيادته ضد نظام الأسد وقوات داعش معًا. يرفض المقربون منه أن يؤكدوا ما إذا كانت الصورة التي نشرتها الحكومة العراقية هي صورته الحقيقية.

أبو بكر البغدادي : 

لا يُعرَف الكثير عن ذلك القائد الغامض للدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، والتي توصف بأنها الفرع الأكثر تطرفًا للقاعدة، وتقاتل في الحرب الأهلية السورية. كان البغدادي ‒عراقي الجنسية‒ زعيمًا لتنظيم القاعدة في العراق قبل أن تتوسع لتصبح داعش. وقد وصفت وزارة الخارجية الأمريكية البغدادي البالغ من العمر ٤٢ عامًا ‒المعروف أيضًا باسم إبراهيم علي البدري السامرائي‒ بأنه "إرهابي عالمي مُختار لهذا الغرض". هذا ويحارب أكثر من ٥٠٠٠ مقاتل أجنبي تحت إمرته، وفقًا لبعض التقديرات.

أيمن الظواهري : 

طبيب وزعيم تنظيم القاعدة. لا يتمتع الظواهري بالكاريزما أو الاحترام اللذين تمتع بهما سلفه أسامة بن لادن. وهو يجد صعوبة في السيطرة على البغدادي وعلى داعش التي تُعَد فرعًا لتنظيمه.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب