على حافة الهاوية: التعامل مع خطر داعش في العراق

مقال رأي

 في عام 2005، دعا مركز التقدُّم الأمريكي لتطبيق استراتيجية سحب القوات الأمريكية من العراق. وقد ربطت هذه الاستراتيجية الشاملة لسحب القوات في تاريخ محدد، بتطبيق استراتيجية تفاعل أمنية ودبلوماسية وإقليمية أوسع لمعالجة تزايد الانقسامات الطائفية في العراق والمنطقة، والتي تهدد مصالح الولايات المتحدة الأمريكية. كان سحب القوات الأمريكية ضروريًا، لتحفيز العراقيين على تولّي زمام أمورهم بأنفسهم، إذ أصبح العراق يعتمد على إمدادات لا نهاية لها من القوات البرية الأمريكية لحفظ أمنه. ومع ذلك، يظل تقدُّم العراق مشروطًا بتطبيق ديمقراطية متكاملة تحترم حقوق كافة الطوائف العراقية، وتكفل لكل من السنة والأكراد أن يكون لهم صوتًا في العملية السياسية، وبداخل الحكومة.

يرجع التقدم المُفاجئ للمقاتلين الذين تقودهم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) إلى فشل القادة العراقيين، ومن ضمنهم رئيس الوزراء نوري المالكي، في بناء نظام سياسي شامل. وتعد هذه الميليشيا الجهادية وحشية بدرجة وصلت لتنصُّل قائد تنظيم القاعدة أيمن الظواهري منها. استغلت داعش الغضب العارم بين العراقيين السنة تجاهحكومة الائتلاف الوطني الشيعية لحشد قوات لها من بعض قبائل السنة، وكذلك جماعات مسلحة سنية ذات صلة بنظام صدام حسين السابق. نتيجة لذلك، استطاعت داعش بشكل سريع السيطرة على مدن في شمال ووسط العراق، فيما تلاشى وجود القوات العراقية التي دربتها الولايات المتحدة وزودتها بالقوة الأمنية، بعد ما ضعُفت شوكتها بسبب التسييس الذي خضع له قادتها على يد المالكي، وعزل السنة منها. عاد العراق إلى الوراء، ليصبح اليوم على حافة حرب أهلية طائفية. 

في سوريا، حاربت داعش الحكومة السورية، وقوى المعارضة المعتدلة، وتنظيم جبهة النصرة المنشق عن القاعدة، وهي صاحبة دور رئيس في تفكيك الدولة السورية بشكل كبير. أثارت تحركات داعش خلال الأسبوع الماضي ردود فعل سريعة من القوات العسكرية المختلفة في العراق، إذ غزت قوات البشمركة الكردية مدينة كركوك الغنية بالنفط، وتحركت الميليشيات الشيعية في الشوارع تلبية لدعوة آیة الله العظمی علي السیستاني. تباعًا بدأت الدول المجاورة بحشد قواتها أيضًا، حيث أفادت التقارير الإخبارية أن قوات الحرس الثوري الإيراني بدأت بالتحرك نحو العراق، كما تواجه تركيا، التي شهدت اعتقالات لعشرات من رعاياها على يد داعش، تهديدات كبيرة من الجماعة المتطرفة، وقد تشترك مرة أخرى في عمليات عسكرية على حدود العراق كما فعلت خلال العقد المنصرم.

على مدار الأعوام الثلاثة الماضية، شهد الشرق الأوسط بأسره فترة من التفكك والراديكالية والنزاع، وفقًا لما جاء بالتفصيل في ورقة بحثية جديدة لمركز التقدُّم الأمريكي بعنوان"سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط في أوقات تفكك ونزاع إقليميَّيْن،" والذي صدر في 16 يونيو من هذا العام. يعد بزوغ لاعبين دُون الدولة، مثل داعش، جزءًا من اتجاه عام يؤثر على كافة دول المنطقة. ويعود السبب في ذلك إلى حرب العراق في 2003، والتي أنهت سياسة الاحتواء الثنائي من قِبَل الولايات المتحدة لكل من إيران والعراق،وأطلقت العنان لقوى كثيرة مُفزِعة. فبدلًا من التوجه نحو نشر الديمقراطية والحريات، فتحت حرب العراق الباب لنفوذ إيراني متزايد، وجعلت من العراق مساحة للنزاعات الطائفية بين السنة والشيعة، وسهَّلت من تفكك القوى السياسية الإسلامية داخل المعسكر السني. 

في خضم تفكك إقليمي واسع، خصوصًا الحرب الأهلية في سوريا، قويت شوكة قوى الفوضى والنزاع تلك. لذا فإن الولايات المتحدة حاليًا بصدد مجموعة خيارات سيئة. فانتشار داعش يهدد بتدمير العراق وزعزعة استقرار الخليج العربي والأردن وجنوب تركيا –وهم حلفاء رئيسون للولايات المتحدة. ردود فعل الميليشيات الشيعية على إرهاب داعش أيضًا تهدد بشرذمة العراق، وانتشار الصراع لبلدان أخرى، وخلق ملاذ آمن للمتطرفين بشكل غير مسبوق منذ أفغانستان ما قبل 2001. أضف إلى ذلك أن داعش تدعم وتغذيإرهابيين قد يشنون هجمات ضد أوربا الغربية والولايات المتحدة، خصوصًا مع وفود مقاتلين أجانب –ومن ضمنهم أوربيين وأمريكيين− على الجهاد الذي يقوده التنظيم. 

بعد مرور أكثر من عقد على عمليات نشر القوات الأمريكية والجهود المكلفة لمكافحة التمرد، لا تزال الولايات المتحدة في حاجة إلى إيجاد سبل جديدة تعمل على توظيف القوة بشكل هادفٍ، وبشكل أكثر تنسيقًا مع حلفاء موثوق بهم في المنطقة. يجب أن تستخدم الولايات المتحدة جميع عناصر فن إدارة الدول لتنأى بدول المنطقة عن اتخاذ أي سياسات تقوض من استقرار المنطقة بعيد المدى، وتدفعها نحو أخذ خطوات لمعالجة الأنماط الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية المتدنية، والتي تؤثر على كافة دول المنطقة. 

توصيات لمسار 

 في هذا الموقف المعقد وسريع التطور، يجب أن تكون الولايات المتحدة واضحة بخصوص أهدافها الأساسية:

إضعاف داعش لمنع سيطرتها على مناطق هامة في العراق؛ وهو ما سيجعلها تهدد أمن المنطقة، وأمن حلفائنا، وأمن الولايات المتحدة. 

تقليل خطورة الصراع الطائفي المتنامي، والذي قد يشعل حربًا إقليمية أوسع.

حماية حلفائنا الموثوق بهم، مثل الأردن، وتركيا، وحكومة كردستان الإقليمية.

يجب على الولايات المتحدة أن تتخذ خمس خطوات لتحقيق تلك الأهداف، وهي خطوات لا تحتاج إعادة إدخال القوات الأمريكية إلى العراق:

أولًا:  اشتراط زيادة الدعم الأمريكي للعراق بإصلاح الحكومة، واتخاذ خطوات تسهم في تقوية السنة المعتدلين 

أبرمت الولايات المتحدة صفقة تعاون عسكري وأمني كبيرة مع الحكومة العراقية، بهدف إمدادها بخط إنتاج للأسلحة، وبمئات من المستشارين العسكريين، وقد بلغت قيمتها 13.225 مليار دولار في عامي 2013 و2014 فقط. كما حافظت الولايات المتحدة على وجود أكثر من 5،500 دبلوماسي، وموظف استخباراتي، واستشاري عسكري، ومتعاقد مع وزارة الدفاع، لدعم العراق. إجمالًا، تعتزم الولايات المتحدة والعراق وضع برنامج كبير للتسليح والتجهيز سيسمح بشراء أسلحة بقيمة تفوق 25 مليار دولار إذا طُبِّق كاملًا،ويشمل توفير 140 مدرعة من طراز M1A1، و36 طائرة حربية من طراز إف–16، وأنظمة دفاع جوي متكاملة، ومروحيات الأباتشي الهجومية. 

أضاعت السياسات الطائفية التي طبقها المالكي تضحيات الأمريكيين بعدم إقامتها لحكومة وطنية شاملة، وتأتي دعوة الرئيس الأمريكي باراك أوباما لوجود ضمانات بأن تأخذ الحكومة العراقية خطوات لتوحيد البلاد والحد من التوترات الطائفية، لتصُب في الاتجاه الصحيح. يجب أن يكون أي دعم في المستقبل –عدا ما يهدف مباشرة إلى إضعاف داعش، أو لمساعدة الذين شُرِّدوا جراء الأزمة إنسانيًا– مشروطًا بوجود رد موحد وعابر للطوائف من جانب الحكومة العراقية، والتزامها بحُكم ذاتي أوسع للأقاليم وإدارة تشمل الجميع.لقد أضاع المالكي فرصة ضم السنة الذين قاتلوا ضد القاعدة في العراق إلى صفوف حكومته وقواته الأمنية، كما رفض إبرام اتفاقية مع الولايات المتحدة كان من شأنها أن تحافظ على دعم أمريكي أكبر للمرحلة الانتقالية. اليوم، يجب ألا تنخرط الولايات المتحدة في النزاعات الطائفية التي لن تؤدي إلا لتسريع تفكك البلاد.

ثانيًا: التحصُّن ضد الحرب الإقليمية وقمع الدعم الإقليمي لداعش

يجب أن تشارك الولايات المتحدة في جهد شامل يضُم كبار المسؤولين العسكريين، والاستخباراتيين، والدبلوماسيين، ليقنعوا ذوي المصالح في المنطقة –تركيا، والأردن، والسعودية، وحتى إيران– بالتراجع عن أي قرار بشأن العراق وسوريا من شأنه تصعيد العنف إلى حرب إقليمية أكبر. تظل الولايات المتحدة هي القوة العسكرية المهيمنة في المنطقة، وتظل هي من يوفر الاستقرار التام في منطقة تتربع على عرش إنتاج النفط في العالم. فحتى مع سحب القوات العسكرية من العراق منذ نهاية عام 2011، حافظت الولايات المتحدة على وجود عسكري قوي لها في المنطقة، وأرسلت أكثر من 35 ألف جندي للمساعدة في حفظ الاستقرار. 

في مايو الماضي اجتمع وزير الدفاع تشاك هيجل مع جميع أعضاء دول مجلس التعاون الخليجي –السعودية، والبحرين، والكويت، وقطر، والإمارات، وعمان. وقد شدد على التزام موحد للعمل معًا على تعزيز الأمن الإقليمي، بما في ذلك إجراءات عامة للحد من قوة داعش. ومن الأمور التي يجب على تلك الدول أن تبذل فيها جهدًا أكبر هي قمع التمويل الخاص الذي يتدفق من بعض دول الخليج إلى الجماعات الإرهابية مثل داعش –وعلى الولايات المتحدة نفسها أن تزيد من جهود وزارة الخزانة لقطع قنوات التمويل تلك.

ثالثًا: تحريك دبلوماسي للدول ذات المصالح الإقليمية للوصول لحل سياسي

يجب على الولايات المتحدة أن تقود جهدًا دبلوماسيًا موسعًا لتطوير استراتيجية مشتركة ومنهج متناسق للدفع بالعراق بعيدًا عن حافة الحرب الأهلية. ففي الفترة بين عامي 2006 و2008، شاركت الولايات المتحدة في نقاشات دبلوماسية شملت كل دول الجوار –بما فيها إيران− بهدف التقليل من العنف في العراق. الآن، حان الوقت لتقوم تلك الدول التي تملك نفوذًا على الحكومة العراقية، والقيادات الدينية في العراق، والمجموعات العرقية والطائفية المختلفة، للدفع نحو حل للأزمة يأخذ العراق بعيدًا عن سياسة المالكي الصفرية الطائفية. وكجزء من الحوار الدائر بين الولايات المتحدة وإيران، يجب على الأولى أن تركز على أن سياسة الأغلبية التي شجعتها إيران في العراق ساهمت بشكل مباشر في الوصول للوضع الأمني الحالي، وستظل تمثل تهديدًا مباشرًا لإيران إذا لم تعمل الأخيرة لكبح سطوة المالكي. 

رابعًا: تقوية الحلفاء الأكفاء الموثوق بهم في المنطقة

يجب أن تعزز الولايات المتحدة من قوة حلفائها الإقليميين الرئيسين، مثل الأردن، والتي تتأقلم الآن مع تحديات الحرب الأهلية السورية ووفود اللاجئين الذي تسببت به. ستكون زيادة عمليات التنسيق الاستخباراتية والأمنية مع الأردن، وتركيا، وحكومة كردستان، أمرًا أساسيًا، فضلًا عن المساعدات الإنسانية التي سترعى بدورها من شرّدتهم الأزمة. لدى هؤلاء الحلفاء فهمًا وإمكانيات يجب أن تستغلها الولايات المتحدة للحد من مخاطر داعش. كما يجب أن يكون هناك، في أقرب فرصة، مستفيدين من الموارد المتزايدة لصندوق شراكات مكافحة الإرهاب، الذي طرحه للنقاش الرئيس أوباما في وِست بوينت الشهر الماضي، لدعم جهود حلفائنا الإقليمية في مكافحة الإرهاب. ستتطلب أي محاولة لإضعاف وهزيمة داعش، كخطر أمني وقوة أيديولوجية وسياسية، وجود استراتيجية شاملة لمكافحة الراديكالية لكبح جماح الشعبية المتزايدة للإسلام الراديكالي، بما فيها موجة الجهاد السلفي في الشرق الأوسط. هذا بينما ينبغي على الولايات المتحدة تركيز جهودها لمساعدة حلفائها بالمنطقة للقيام بأعمال إصلاح نحو بناء مجتمعات أكثر شمولًا، تقوِّض من فكر المتطرفين بمرور الوقت. 

خامسًا: إعداد عمليات محدودة لمكافحة الإرهاب ضد داعش، تشمل ضربات جوية محتملة

يبدو جليًا أن داعش تمثل خطرًا مباشرًا على العراق، وخطرًا إرهابيًا محتملًا على الولايات المتحدة وحلفائها. لذا، يجب أن تجهِّز الولايات المتحدة لاستخدام محدود لقوات الدفاع الجوي الأمريكية في العراق –بمشاركة من الحلفاء إن كلف الأمر– ضد أهداف مجموعات داعش، كي تقوض قدرتها على زعزعة البلاد وتحمي المصالح الأمريكية، بما فيها حماية الآلاف من رعاياها الذين يعملون في العراق. ويجب تخطيط الضربات الهجومية على أساس استخباري سليم في أرض المعركة، الشيء الذي سيتطلب التمركز المسبق للقوات العسكرية الإضافية في المنطقة، بما في ذلك الطائرات بدون طيار، والموظفين العسكريين الذين تستشيرهم الحكومة العراقية. ستساعد هذه المعدات الإضافية في كبح تقدم داعش في أرض المعركة، وستعطي بعض الوقت والمساحة للعراقيين لينظّموا صفوفهم، والذين لن يستطيعوا وحدهم قلب المعادلة على الأرض. يشابه هذا الدعم ما فعلته قوات الدفاع الجوي مع حلفائها خلال التسعينيات، وفي بدايات العقد الماضي، حين حرّكت قوات المراقبة الشمالية للتأكد من أن الأكراد يعملون بحرية دون تهديد من قوات صدام حسين.

اتخاذ موقف ضد داعش، في العراق فقط، سيدفع بالمشكلة مجددًا تجاه سوريا، حيث تسيطر داعش على مساحات شاسعة من المناطق غير الخاضعة للسلطة. يتطلب هذا الخيارجهودًا أقوى لتدريب وتجهيز قوات المعارضة السورية المعتدلة، والتي أظهرت قابليتها وقدرتها على قتال الأسد وداعش، وهو الأمر الذي دعا إليه من قبل مركز التقدُّم الأمريكي.كذلك، يجب على الإدارة والكونجرس أن يجعلا من هذا الأمر أول اختبار لصندوق شراكات مكافحة الإرهاب الذي اقترحه أوباما، والذي يستخدام موارد مخصصة في الأصللعمليات الطوارئ في الخارج. يجب أيضًا تحديد التفاصيل، كمواقع التدريب وأنواع المعدات الضرورية، بشكل سريع.

في حال شكَّلت داعش خطرًا كبيرًا ومباشرًا على الولايات المتحدة، سيكون على واشنطن أن تستعد للقيام بهجمات جوية محدودة ضد أهداف داعش في سوريا. وستشابه تلك الهجمات مثيلاتها التي شُنت ضد القاعدة والتابعين لها في مختلف المناطق غير الخاضعة للسلطة حول العالم. يجب أن يُدار أي هجوم ضد داعش في سوريا عبر استخبارات واضحة وكافية للتدخل ضد هدف يمثل خطرًا مباشرًا وحقيقيًا. ولأن مئات الأوربيين، وكذلك حاملي الجنسية الأمريكية، قد انضموا إلى داعش، يجب أن تبدأ هذه التحضيرات الآن. كالعادة، يمتلك الرئيس السلطة ليرد دفاعًا عن النفس ضد أي خطر وشيك على الولايات المتحدة. 

لقد أدت حرب العراق نفسها، وتنفيذها السيء، إلى زعزعة استقرار المنطقة، ومهدت الطريق لصراع سني شيعي داخل العراق. لذا، يجب ألا تتعامل الولايات المتحدة مع فكرة التدخل العسكري باستخفاف، ويجب أن تتنبه لأي عواقب غير مرغوب فيها. غير أن التحركات العسكرية لا تتساوى. فالغزو البري للسيطرة على بلد ما يختلف كثيرًا عن الهجمات الجوية المحدودة، أو مساعدة تستهدف كبح الإرهابيين المتطرفين. لهذا، فالجماعات الإرهابية المتطرفة التي تسيطر على مساحات كبيرة في العراق وسوريا، والتي يمكنها من موقعها مهاجمة مصالح الولايات المتحدة أو حلفائها، يجب أن تُقابَل برد محدود وفعّال، بما في ذلك الهجمات الجوية المحدودة. 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب