كيف تغير أفريقيا الصين؟

ورقة بحثية

للتكثيف السريع للعلاقات بين جمهورية الصين الشعبية ودول أفريقيا الـ 54 أهمية جيوسياسية كبيرة. من المستحيل فهم كيف حافظت الصين على نمو مذهل دون أن نأخذ في الحسبان وضع الصادرات الإفريقية والأرباح التي جنتها الشركات الصينية من الطلب الإفريقي على المنتجات الإستهلاكية والمشاريع الإنشائية وخدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. توجد أدبيات كثيرة تحلل قصة أفريقيا والصين: مباراة صراخ مستمرة يوجه فيها من يصورون بكين على أنها تقود إعادة استعمار للقارة، آخرون يمدحون الصين بصفتها منقذ أفريقيا في وقت لا يشتبك فيه الغرب إلا من منظور الحرب الدولية على الإرهاب والأعمال الخيرية التي يقودها نجوم الروك. في السنوات الأخيرة، هناك حوار متفاوت يؤكد على الجانب التاريخي للعلاقات الصينية الإفريقية ويستكشف التغيير والاستمرارية في مكانة أفريقيا في الاقتصاد السياسي العالمي ويُفكك أسطورة أن جميع اللاعبين الصينين - مثل السفارات الصينية والشركات المملوكة للدولة والشركات الخاصة والمهاجرين - يتشاركون في وحدة هدفهم وترشدهم خطة كبرى من إنتاج الحزب الشيوعي الصيني.

وبالرغم من هذا الخطاب الجديد فإن الجدل الحاصل يستمر في التركيز بشكل غير متكافيء على كيف تساعد الصين في تغيُر أفريقيا ولكنها تعطي اهتماماً أقل لكيف تُغير التجارب مع القارة بدورها اللاعبين الصينيين أنفسهم. تبرز هذه المقالة سلسلة من التطورات غير المتوقعة تجبر الممارسين الصينيين على ترك مناطق راحتهم ليتحركوا إلى أراض جديدة. وبينما ما يزال مسؤولين حكومين صينيين متسقين في خطابهم بشكل حثيث مع دبلوماسية ما بعد 1949، فمن الواضح بشكل متزايد أن بكين تهجر بشكل تدريجي التزاماتها بأن تظل خارج السياسة الداخلية للدول الأفريقية. إن الصين بالفعل تتخلى ببطء ولكن بالتأكيد عن سياستها الخلافية بعدم التدخل. إن ذلك ليس نتجية لتغير في السياسة الخارجية تم التفكير فيه بتريث، ولكنه رد فعل منطقي لكل من الأزمة الأمنية الحادة على القارة في السنوات الأخيرة وعودة الصين للظهور كقوة دولية بمصالح متزايدة وأبعد مكانياً.

هذا المزيج من العوامل البنيوية والحلول مخصص، وبالتالي لا يبدو الانتقال سلساً وأنيقاً ولكن كعملية من التحرك والتوقف. وهي تحرك العملاق الصيني ببطء ولكن بشكل أكيد. أكد أحد الدبلوماسين الصينيين هذا الأمر وأمسك بالشكوك التي تأتي لبكين مع تحركها نحو أراض غير مطروقة: "بالطبع نحن نتشابك بشكل متزايد في سياسة الدول الأفريقية، يتم جذبنا، ليس لدينا خيار. ولكن هل يريد الأفريقيون مساهمتنا؟ لا أعلم. الأمر ليس واضحاً".

عودة أفريقيا للظهور في الجغرافية السياسية

بعد العقد الضائع في الثمانينات والتسعينات الذي تدنى فيه نصيب أفريقيا في التجارة الدولية إلى أقل من 1%، تمكنت الإدارة من العودة. إن الدفع للتعامل مع "الندبة على ضمير العالم" عبر المعونات التنموية وإلغاء الديون تم تعزيزه من قِبل جيل جديد من الزعماء الأفارقة. القوميون الأفارقة مثل كوفي عنان وثابو مبكي دفعوا أفريقيا إلى أعلى الأجندة السياسية الدولية وبادروا في خلق اتحاد أفريقي ليوفر "حلولاً أفريقية لمشاكل أفريقية" مستعيدين الوكالة الأفريقية في مخاطبة الأزمات المتداخلة للنمو والحوكمة السيئة والصراعات العنيفة. دعم هذا التوجه تغير مزلزل في الاقتصاد السياسي العالمي. النمو الصارخ للاقتصاديات الصاعدة وارتفاع أسعار السلع مع تحسن الإدارة في الاقتصاد الكلي الأفريقي عبر أغلب أفريقيا، كان يعني أن القارة لم تكن بتلك الجاذبية للاستثمارات الأجنبية والمبادرات المحلية منذ الاستقلال. 

كان دور بكين محورياً، فمن ناحية قد استوردت كميات غير مسبوقة من النفط والنحاس والكوبلت والماغنسيوم والمعادن الأخرى من أنجولا والكونجو ونيجيريا وجنوب أفريقيا كي تحافظ على معجزتها الاقتصادية. وعلى الجانب الأخر، فإن الصادرات الصينية لأفريقيا تجاوزت الستين مليار دولار أمريكي منذ عام 2011، مما يُظهر القوة الشرائية، المقلل من شأنها والمتزايدة، للأسواق الأفريقية. وإذا أصبحت أفريقيا مرتبطة مرة أخرى بالفرص المُربحة، فإن للصين قدر كبير من الفضل في ذلك. 

حقنت الصين الأدرينالين في سوق البضائع بالرغم من القلق حول الانخفاض في العرض مقابل الطلب، في عالم يفقد موارده، وهو ما أدى لتنبؤ البعض بـ"صرع من أجل أفريقيا" جديد يذكّر باختطاف الأراضي والموارد في القرن التاسع عشر عبر استخدام وكلاء محليين عنفين. ويتنبى "كساندراس" بتزايد التوتر الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والدول الأوربية والصين، وتحديداً بسبب الطاقة والمعادن. وقد اقترح البعض أن أفريقيا ستكون مسرحاً لحروب الموارق في القرن الواحد والعشرين في كتاب "سباق من أجل ما تبقى".

ما يشكل جزءاً من خطاب يحلل صعود بكين عبر نموذج "انتقال السلطة" المرتبط بتنبؤات متشائمة حول صِدام يكاد لا يمكن تفاديه بين الهيمنة (الأمريكية) السائدة والقوة (الصينية) الصاعدة، بدأ من المواجهة غير المباشرة في مناطق هامشية من الكوكب مثل القارة الأفريقية. النبوءة هي أنه بينما تتعمق وتتوسع المصالح الصينية ستدافع الصين بشراسة عن الطرق الحيوية للإمداد والأسواق وتسعى لبناء تحالفات مع دول ذات تفكير مشابه، بينما سيحاول الغرب احتواء الصين الصاعدة - عملية من العسكرة والاستقطاب كنتيجة حتمية للصفات البنيوية للنظام العالمي اليوم. 

على الجانب الأخر تماماً، من وجهة النظر تلك يقف من يقولون إنه من غير المحتمل أن يحدث صدام مصالح أو حضارات على الأراضي الأفريقية. بالنسبة للبعض فإن ذلك نتيجة لوجود احتواء للصين من العالم الليبرالي وأن بكين ليس لديها طموح ثوري. إن الأزمات الجغرافية السياسية في هذه القراءة هي أزمات سلطة وحوكمة ولكن ليس لها قيمة أو وجهة نظر دولية سلبية، وهي بالتالي قابلة للحل عبر احتواء المصالح المتغيرة. ويساند الأخرون وجهة نظر استثنائية الصين: لم تكن لها قواعد عسكرية خارج حدودها، وتاريخياً كما في الوقت الحديث هي غير مهتمة بشكل أساسي بالتأثير على سياسات ومباديء الدول الأخرى. بمعنى أخر فإن مباديء الصين الأساسية في عدم التدخل في السياسات الداخلية سيستمر. 

هذا المقال يختلف مع المتشائمين من التبعات الجيوستراتيجية للتواجد الصيني المتنامي على القارة الأفريقية والتحدي العسكري الذي قد تمثله للهيمنة التاريخية للاعبين الغربين. ولكنها أيضاً لا تتفق مع وجهة نظر أن اللعبين الصينيين بإمكانهم الطفو فوق الفوضى السياسية الأفريقية والتركيز فقط على النجاح الاقتصادي. وجهتا النظر تلك تتجاهلان أن تصرفات الصين لن تحكمها فقط الظروف البنيوية التي تعمل فيها (ما إن كانت تميل نحو الليبرالية أو تتنافس بلا هوادة في عالم فوضوي على موارد متناقصة) ولا تاريخها وثقافتها (وهو تصور يشير إلى أن هناك صين غير متغيرة ستتصرف كعامل خارجي في السياسة الأفريقية) ولكن ما سيحكمها هو تجربتها ورؤيتها الخاصة تجاه أفريقيا. إن سجل الصين الفعلي في التعامل مع انعدام الأمان والحوكمة السيئة وعدم التوقع في عدد من الدول الأفريقية يشير إلى أن أفريقيا بإمكانها أن تُغير بعض اللاعبين الصينيين كما تَغير بعض اللاعبين الأفارقة بالتفاعل مع الصين.

إن الصورة الجيوسياسية التي تظهر حتى الآن بها قدر مدهش في ضآلته من المواجهة بين الولايات المتحدة وأوروبا والمصالح الصينية وغياب الجانب العسكري في التنافس الاقتصادي. مع كل ادعاءات أنه لا يوجد منافسة حول النفط والموارد الأخرى في أفريقيا فإن مندوبي "القوى العظمى" من المرجح أن يسعوا لتطوير استراتيجيات مشتركة ويتشاوروا مع بعضهم البعض بدلاً من تمويل الأطراف المتنازعة في حروب أهلية أو زعزعة استقرار الأنظمة المتحالفة مع القوى المنافسة في دول تُمثل أراضي معارك مثل أنجولا والكونجو أو أثيوبيا. كلها مسارح لمنافسات دامية مع الاتحاد السوفيتي عبر حروب بالوكالة ولكن الشخصيات البارزة الغربية والصينية في 2013 تتمتع بصلات وثيقة مع نفس النخب الأفريقية. يرى الدبلوماسيون أن المعارضة غير ذات صفة ويُلقون بالاً بشكل شبه حصري إلى بناء العلاقات مع من هم في السلطة وهو اتجاه مضاد لسياسات ما قبل 1989 التي لم ينفك القادة الأفارقة عن استغلالها. 

على سبيل المثال، فمن الممكن للحكومة الإثيوبية أن تعمل بشكل متقارب مع المستثمرين الصينيين على مشاريع عالية التكلفة واستراتيجية جغرافية مثل بناء السدود والسكك الحديدية وفي نفس الوقت تستضيف مرافق خاصة بالسي أي إيه وتتوسع في التجارة مع أوروبا والولايات المتحدة. إنه في مصلحة الأنظمة الأفريقية أن تبقى بكين وواشنطون قريبتان بدون السماح لأي منهما بالسيطرة الكاملة. إنها رقصة استراتيجية تقوم بها الولايات المتحدة والصين بشكل عملي بدون السماح لأيديولجيات الـ"الدمقرطة" و "الاشتراكية" بالتدخل. إن منظور الدولة العميل لأحد القوى العظمى ليس له الكثير من المنطق اليوم بينما تتاجر حتى دول حليفة تاريخياً للولايات المتحدة مثل كينيا مع الصين أكثر من تجارتها مع الولايات المتحدة. وبالمثل فإن دخول الصين إلى منتجي المنتجات الهيدروكاربونية، والذين يتوجهون عادة غرباً في دول مثل تشاد والكونجو برازيفيل ونيجيريا، لم ينتج عنه صدمات جيوسياسية، كما لم يُنتج إعادة اتصال أنجولا بصندوق النقد الدولي عام 2009- 2010 رد فعل عنيف من عملاء بترولها في الصين. الحقائق الحالية لا تعيق المواجهة العسكرية لاحقاً، بالطبع، ولكن حتى الآن لا توجد أدلة كثيرة في أفريقيا على حرب أهلية ولا حتى "لعبة كبرى" على طراز وسط أسيا.

عسكرة القارة الأفريقية

وبينما لا يبدو أن ثمة صعود لحروب الموارد بين القوى الأساسية والصاعدة إلا أنه لا يبدو من الممكن إنكار نمو العسكرة والأمن في العلاقات الدولية في أفريقيا. هذا التوجه العام متجذر في القلق الغربي وبشكل متزايد الصيني، من انعدام الاستقرار المُعدي وليس في المنافسة الجيو سياسسية. إن الصين ليست مجرد مشاهد سلبي في تلك الديناميكية ولكنها مشارك نشط بشكل متزايد، وتبدأ في مفارقة سياسة عدم التدخل مختارة، بدلاً من ذلك، التدخل السياسي والعسكري المتزايد في أفريقيا بما أن اهتمامها قد تعمق ونظرتها إلى القارة قد تغيرت بعد عقدين من التفاعل المكثف مع اللاعبين الأفارقة.

هناك تصور عام في المجتمع الدولي أن عدم الاستقرار يمكن أن ينبع من مصادر متزايدة تتضمن الإرهاب الانتقالي، "حروب المناخ"، تدفق اللاجئين، أو القرصنة في القارة. كرد على تلك المخاطر سعى المجتمع الدولي، عادة بمساندة الصين في مجلس الأمن، لتوفير أنواع مختلفة من الإجابات العسكرية لقضايا معقدة ومتجذرة. بداية، هناك ارتفاع مفاجيء في عمليات حفظ السلام التي تتكلف عدة مليارات والتي توسعت بعد كارثة التسعينات في رواندا وأماكن أخرى وقد عادت للتوسع. تم نشر عشرات الآلاف من القبعات الزرقاء من ليبريا وساحل العاج إلى دارفور وجنوب السودان. كما تم إرسال قوات من الاتحاد الأفريقي إلى مناطق النزاع بما في ذلك الصومال وبروندي. ويُظهر مجلس الأمن ميلاً متزايداً إلى إعطاء البعثات - مثل "كتيبة التدخل"  للكونجو التي تمت الموافقة عليها في مارس 2013 وقوات الأمن المؤقتة أبييه (النشطة منذ 2011 على الحدود الجنوبية للسودان) وعملية مينوسما في مالي المصرح بها في إبريل 2013 - تصريحاً أكبر باستخدام القوة، كما أعطاهم تصريحاً بمواجهة "المفسدات" العاملة على تعزيز الصراع وتهديد المدنين في مناطق انعدام الاستقرار في أفريقيا. 

ثانياً، في السنوات الأخيرة قامت القوة الغربية - التي نادراً ما تُشكل جزءاً من قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام في أفريقيا - بأربع عمليات قتالية في القارة الأفريقية. عاصفة من العمليات العسكرية غير المشهودة في العقود السابقة. بينما قلبت قوات الردع الفرنسية ميزان القوى في ساحل العاج عام 2010 ومالي عام 2013، وتحارب سفن حربية تابعة للاتحاد الأوروبي القراصنة في خليج عدن منذ 2008، كما يحاول الجنود الأوروبيون إيقاف التطهير العرقي في جمهورية وسط أفريقيا، ولعب طيران الناتو وقواته الخاصة دوراً محورياً في فرض منطقة حظر طيران في ليبيا عام 2011 وخلع معمر القذافي. وأخيراً، رفع أعضاء (UNSC) من التعاون الثنائي مع الدول الأفريقية، ومن أبرز ملامح ذلك إنشاء القيادة الأفريقية الموحدة (أفريكوم) العاملة منذ 2008. وتم توسعة القواعد العسكرية ومرافق الاعتقال ومنصات إطلاق الطائرات بدون طيار في جيبوتي وأثيوبيا وكينيا في الصراع مع القاعدة والمنظمات المرتبطة بها. منذ 2011 تقوم قوات أمريكية بمطاردة قيادات "جيش لورد" المقاوم الشهير.  

أضفت قرارات الأمم المتحدة شرعية على عسكرة القارة الأفريقية ولكن القوة الغربية هي المحرّك الرئيسي بلا شك - مادياً وسياسياً وعسكرياً. وقد فسر البعض هذا على أنه ضربة اسبتاقية ضد الصين محاولة ليس فقط أن تتعامل مع التهديدات الأمنية الحادة ولكن أيضاً أن تدافع عن مصالحها الاقصادية طويلة الأجل. مع ذلك ما يلفت النظر ليس فقط مدى موافقة بكين على هذه المناورات - على سبيل المثال، لم تستخدم بكين فيتو مجلس الأمن - ولكن تأييدها الأجندة الغربية لتأمين أفريفيا بشكل متزايد  بدلاً من معارضتها كما فعلت لعقود. لهذا فإن الصين من بين جميع أعضاء مجلس الأمن الدائمين هي أكبر مساهم في بعثات الأمم المتحدة بإرسالها ما يصل إلى 2000 عسكري بشكل جماعي إلى ليبيريا ودارفور وجنوب السودان، وفي الوقت الحالي، أرسلت مئات الجنود إلى مالي. هذا تغير ملحوظ عن الموقف من 15 سنة عندما لم ترسل الصين حتى 100 جندي إلى القبعات الزرقاء. 

الصين شريك عسكري مهم عبر التدريب والتسليح والمساعدة التقنية للاعبين أصحاب وزن ثقيل في المنطقة مثل الجزائر وأنجولا ونيجيريا. ومنذ 2008 انضمت البحرية الصينية إلى المجهودات الأوروبية الخطيرة لمقاومة القرصنة في خليج عدن. كما أيّدت الصين الموقف الدولي المتشدد لمقاومة حركة شباب الصومالية المتمردة والجهاديين الأجانب وشاركت في القلق الغربي من امتداد عدم الاستقرار إلى المنطقة الأوسع. للمساعدة في إجلاء 35000 مواطن صيني من مسرح الأحداث في ليبيا عام 2011 عبرت عدة سفن حربية صينية البحر المتوسط لأول مرة في التاريخ الحديث مع شركاء من الناتو مثل إيطاليا وبريطانيا وفرنسا. كما أعطت الصين الضوء الأخضر للتدخل الفرنسي في مالي وساحل العاج، بالرغم من أن تلك العمليات حرّكت العمليات بشكل حاسم محولة توازن السياسة الداخلية لصالح أحد المتحاربين.

من أكثر الأمور الكاشفة هي سياسة بكين تجاه سقوط معمر القذافي. لم تستخدم الصين حق الفيتو كما توقع البعض ضد القوة الجوية الأنجلو فرنسية التي طبقت الحظر الجوي فوق ليبيا. وبينما استنكر المثقفون الصينيون "خيانة" قرار مجلس الأمن لعام 1973 الذي انتهى بتمهيد الطريق لتغيير النظام في طرابلس. نقد بكين للتفسيرات الليبرالية للقرار بدا بشكل أساسي أنها تخدم المصلحة المحلية بإرضاء الدوائر المضادة للإمبريالية في الحزب الشيوعي الصيني. وتم إسكاته في المجال الخاص وبالتبعية في جدال مجلس الأمن. وكما لاحظ أحد كبار مستشاري رئيس مجلس الوزراء البريطاني "بالمقارنة بروسيا والهند أو جنوب أفريقيا فإن الصين كانت صامتة بشكل ملحوظ فيما يخص ليبيا". العلاقات الثنائية مع القذافي لم تكن دافئة أبداً وكان العقيد هو القائد الوحيد في القارة الذي تجنب مهرجان الدبلوماسية الصينية عام 2006 عندما أتى منتدى التعاون الصيني الأفريقي بـ 47 رئيس دولة ورئيس وزراء أفريقي إلى بكين. 

حتى وإن استمرت العلاقات الصينية الليبية بشكل برجماتي بعد 2006 فإنه لم يكن هناك الكثير من الحزن على الثورة المندلعة ضد للقذافي عام 2011. فهِم العديد من سفراء مجلس الأمن أن ليبيا ليست من أولويات الصين مع تأييد الأخيرة لإحالة رؤساء الأنظمة إلى محكمة العدل الدولية تاركة روسيا كصوت وحيد يعارض بشكل جاد أطروحات الغرب المؤيدة للتدخل. شددت الصين أنه "يجب ألا يكون هناك محاولات لتغيير الأنظمة أو التدخل في الحروب الأهلية من أي طرف بحجة حماية المدنيين... نحن نعارض أي محاولة للتفسير العمدي للقرارات أو التصرف بشكل يتجاوز ما تنص عليه القرارات"، في مايو 2011. لكن هذا الدفاع عن موقف الصين التقليدي تجاه التدخل والذي أوحى أحياناً أن الغرب "خدع" الصين كي تساند قرار 1973 بوعود زائفة يجب أخذه بقليل من الحذر السياسي. مستشار جنوب أفريقيا للأمن القومي، وليلي نلابو، كان على صواب عندما قال عن ذلك "لا يمكن تصديق أن بعض الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن لا يمكن أن يفهموا ما هي تبعات أن يأخذ القذافي "جميع التدابير اللازمة" في النص". 

كانت بكين مستوعبة بشكل كامل أنه من المرجح أن ما سينتج عن ذلك هو تغير للنظام - وهو المفضل بالنسبة للمصالح الاقتصادية الصينية بدلاً من حرب أهلية موسعة - وقررت عدم استخدام الفيتو. حاولت بكين، إذن، أن توازن تعلقها التاريخي بعدم التدخل مع القراءة الواقعية للموقف الليبي. تطورات قليلة قادرة على أن تكون كاشفة بشكل أكبر من حقيقة أنه بعد 24 ساعة من وفاة القذافي المروّعة بدأ الإعلام الصيني في وصفه كـ "مجنون"، وحث حكام طرابلس الجدد على بداية صفحة جديدة وبناء علاقات مع بكين مع إلقاء الخطاب الساخر حول إمبريالية الناتو. 

بشكل رسمي ما زال الحزب الشيوعي يحافظ على معارضته للتدخل الخارجي في شؤون الدول المستقلة. ينتقد المتحدث الرسمي باسم الحكومة الصينية التدخل الغربي وشروط الديمقراطية الليبرالية تجاه الدول الأفريقية. ولكن سِجل الصين يشير إلى أن توصيفها لـ "التدخل و "الاستقرار" يمكن أن يمتد بشكل أبعد مما كان من الممكن تصوره منذ عشر سنوات فقط. وقت غزو العراق عام 2003، في ذروة استمرار الولايات المتحدة في غطرسة القطب الواحد بعد الحرب "غير الشرعية" الأخرى في كوسوفو وسيبريا (والتي تضمّنت قصف السفارة الصينية في بلغراد) لم يكن أي سياسي صيني ليتصور أن بكين ستعطي الضوء الأخضر لكل تلك العمليات العسكرية التي يقودها أو يمولها الغرب في العالم النامي. كما أنهم لم يكونوا ليتصوروا أن من المعقول أن تدافع البحرية الصينية عام 2011 عن المصالح الصينية بتلك الطريقة المباشرة بجانب العمليات الغربية في مياه لم يكن لها أي تواجد فيها تاريخياً. 

حالة السودان البراغماتية

بالنسبة لأحد الخبراء فإن الدور الصيني الحازم المتزايد في أفريقيا ليس مسألة تدخل سياسية ولكنها "تورط بلا تدخل". حاول الباحثون والدبلوماسيون تقديم تفسيرات ضيقة للقرارات الصينية مجادلين أن كل حالة مختلفة عن الأخرى وأن مبدأ عدم التدخل مازل قائماً. ولكن كم استثناء يكفي قبل إدراك أن هناك نمط؟ إن المسألة ليست اقتراح أن الفهم الصيني للسلام والأمن منفصل تماماً عن المباديء التقليدية للاستقلالية ومناهضة الإمبريالية التي بُنيت عليها الدبلوماسية الصينية لعقود. ولا أن "الصين المسؤولة" قد تم دمجها في المجتمع الدولي. تقديري هو أن التقاء الصين المكثف مع أفريقيا لم يؤثر على القارة فقط. إن التجارب الإفريقية حوّلت فهم بكين لعلاقاتها الدولية ومفاهيمها عن الاستقرار والتدخل. وبالتالي فإن الصين ليست في طريقها إلى حرب بالوكالة على القارة الإفريقية على طريقة الحرب الباردة، مع الغرب، ولكنها توفر تأييداً للأجندات الغربية للاستقرار في أفريقيا.

أحد مجموعات التجارب المؤسسة حدثت في آخر عشرين عاماً في السودان. مع أن شراكة الصين العسكرية والاقتصادية مع نظام الإنقاذ الحاكم في السودان، منذ خمسة وعشرين عام حتى الآن، كانت موضع انتقاد من المنظمات غير الحكومية الغربية والنشطاء (أنظر مثلاً "أولمبيات (بكين) للتطهير العرقي") إلا أن العلاقة مع السودان لم تكن علاقة حب صريحة. بعد ثورة الإنقاذ عام 1989 تم تصعيد العلاقات الصينية السودانية، عندما استولى تحالف من الإسلاميين والجنرالات على الحكم وسعوا إلى شركاء جدد لكسر تاريخ الاعتماد السوداني الاستغلالي على الحلفاء الغربيين. إن تطوير صناعة النفط وبناء خط أنابيب لنقل الذهب الأسود السوداني للأسواق العالمية من قِبل شركة البترول الصينية الوطنية في التسعينات كان عملاً تقيناً بارزاً. لقد تم تنفيذ هذا العمل وسط عمليات عسكرية مضادة للحكومة السودانية من الثوار المعادين للحكومة. لهذا العمل مرتبة أيقونية في بكين ومثّل حبل إنقاذ لنظام الإنقاذ. بشكل مماثل فإن بناء سد مروي عام 2009 والذي تكلف عدة مليارات، ومبيعات السلاح المزدهرة للخرطوم، كانت مخاطرة (نجحت في نهاية الأمر) للاعبين السياسين والاقتصاديين الصينيين - وقد قاموا بها بالرغم من عدم خبرتهم على الأراضي الأفريقية وبالرغم من النقد الخارجي الشرس. منحت السودان لمحة مبدئية هامة للقارة إلى عدد من المهندسين والدبلوماسين الصينيين، تشكل نظرة أكثر شمولية لأفريقيا وتعزز من ثقتهم في أنفسهم في الخطوات المستقبلية في السودان وفي أماكن أخرى. 

تضمت تلك التجارب السودانية أيضاً بعضاً من كسر الأوهام. فإن كانت السودان قد أصبحت موقعاً لتجريب نماذج الأعمال السحرية التقنية فإنها أيضاً كشفت عن نفسها كمكان تسلقت فيه الصين منحنى تعليمي شديد الانحدار. لقد ذهلت الصين من الحملة التي شنت منذ 2004 متهمة الرئيس السوداني عمر البشير بالتطهير العرقي في دارفور وبأن الصين منحته الأدوات التي جعلت ذلك ممكناً. بالإضافة إلى معاملات بكين الممتدة مع روبرت موجابي في زيبمابوي (الذي زار الصين حوالي 15 مرة منذ وصل إلى الحكم في 1979-1980) وقد سلط ذلك الضوء بشكل غير مسبوق على الدبلوماسين الذين وجدوا أنفسهم مضطرين للمدافعة عن تصرفاتهم في العلن، خلال الوقت المؤدي إلى أولمبيات 2008. 

تمت أيضاً، فجأة، بكين عندما لم يمنع منطق الاستقلال الاقتصادي بين السودان وجنوب السودان المتحاربين - نظام الإنقاذ في الخرطوم والحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان في جوبا - من القتال في النزعات بالوكالة وبشكل حرب مباشرة منذ انفصال الجنوب وتحوله لدولة مستقلة في يوليو 2011. تصورت بكين أن موقفها المسيطر في الاقتصاد النفطي السوداني والجنوب سوداني المرتبط بحبل سري من خطوط الأنابيب الشمالية التي تربط النفط الجنوبي بالأسواق العالمية سيضمن انفصالاً منتظماً بلا احتياج إلى التدخل في فوضى سياسات السودان. إن هذه الحسابات المتجذرة في موقف السودان القديم بعدم التدخل والتي يدعمها الاعتقاد في البراجماتية التي تحركها الأرباح والتي أتت بنتيجة عكسية عندما أوقفت جنوب السودان إنتاج البترول في يناير 2012 من طرف واحد. أدى ذلك إلى خسائر  للشركات الصينية بلغت مئات الملايين. بعد أسبوع من الغلق أخذ مقاتلون معارضون مدعومين من جنوب السودان 29 مواطناً صينياً كرهائن بجوار مناطق إنتاج النفط جنوب كوردفان. كان ذلك يذكر بفضيحة 2007 في منطقة أوجادين في أثيوبيا عندما أدى التصور بأن الصين تدعم الحكومة إلى مقتل 70 شخص فيهم 9 من العاملين بشركة صيوبيك على يد الثوار. كل تلك التطورات كشفت بشكل مؤلم الهشاشة الصينية وتركت العاملين بالسفارة يتهافتون على إجابة أسئلة السلطات الغاضبة في بكين والذين وجودوا أنفسهم، مرة أخرى، في موقف رد الفعل على الأحداث بدل من تشكيلها بشكل استباقي.

وإن كانت حدود مباديء عدم التدخل الصينية قد كشفت في السودان فقد عكست في السودان أيضاً الممارسات وليس الخطاب الصيني بخصوص سياستها المعارضة لعدم التدخل في الشوؤن المحلية. على سبيل المثال، بعد اتهام الجمهورية الشعبية بإدارة عينها بعيداً عن سلوك حلفائها في التطهير العرقي في الخرطوم قام المبعوثون الصينيون - الذين تم تعينهم للتعامل مع الخلاف السياسي الذي تلا زيارة هو جنيتاو للسودان عام 2007  وهي خطوة غير مسبوقة للصين - بالضغط على حكومة الإنقاذ للقبول بقوات الاتحاد الأفريقي لحفظ السلام في غرب السودان، أولاً، ثم قاموا بحث الحكومة السودانية على قبول دخول البعثة الأفريقية تحت مظلة العملية المشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي مما يجعلها أكبر قوة حفظ سلام في العالم. وبينما تحافظ شركات النفط والسلاح الصينية على صلاتها مع نظام الإنقاذ، كما رفض سفير بكين التصويت بالفيتو على تحويل الصراع في دارفور لمحكمة العدل الدولية مما أفزع الحكومة السودانية لأن ذلك أدى إلى مذكرة المحكمة الخلافية الصادرة بالقبض على عمر البشير عام 2009. ثقة الصين المبدئية في الخرطوم وروايتها عن العنف في دارفور انتهت بوضع الصين في موقف محرج دولياً كما شرح أحد الدبلوماسيين الصينين لي "عندما وصلت إلى المنطقة كنت أظن أن الغرب قد اخترع الجنجويد (المليشيات الموالية للحكومة) كحجة للتدخل... ولكنهم كانوا حقيقين وكانوا يقتلون الناس! أدركت أن أصدقائنا لم يقولوا لنا الحقيقة. كان ذلك مخزياً بالنسبة لنا".

وعلى نفس الشاكلة كان الخلاف المدمر وقت انفصال جنوب السودان عام 2011 وهو ما أجبر بكين على الاعتماد بشكل كبير على الجيش/الحركة الشعبية لتحرير السودان ومع توضيح مبعوثين صينيين إلى الرئيس سيلفاكير أنه لن يكون هناك أي قروض كبيرة حتى يجري النفط مرة أخرى عبر الخرطوم وإلى الأسواق العالمية. بكين التي رفضت أن تنضم لوساطة الاتحاد الإفريقي - الولايات المتحدة - أثيوبيا لتسوية القضايا التالية للانفصال أصبحت أساسية في أواخر 2012 في الجمع بين المتقاتلين السودانيين على مائدة المفاوضات مرة أخرى. كما اقترحت الصين تقسيمة جديدة للثروة تسمح في آخر الأمر باستئناف إنتاج وتصدير النفط في ربيع 2013. وعندما اندلعت حرب أهلية في جنوب السودان في ديسمبر 2013 اتخذ دبلوماسيون صينيون خطوات غير مسبوقة بالضغط علناً على المتحاربين سيلفاكير ونائبه السابق ريك ماكار للتوقيع على اتفاقية وقف إطلاق النار. وقد وصل الأمر بمبعوث الصين الخاص للشؤون الأفريقية، زونج جيانهاو، للدعوة إلى تغيير في لعبة الصراع، موضحاً تدخل المسؤولين الصينيين في مراقبة اتفاقيات وقف إطلاق النار والمحافظة على الضغط السياسي على جميع الأطراف المعنية: "الصين يجب أن تشتبك أكثر مع حلول السلام والأمن في أي صراع هناك... هذا تحدي بالنسبة للصين. إنه أمر جديد بالنسبة لنا...إنها فصل جديد في العلاقات الصينية الخارجية".

تجربة اللاعبين الصينيين في السودان كانت مؤثرة في تشكيل الخيال الأوسع بالنسبة لأفريقيا كقارة الفرص العظمى ولكن أيضاً في تعميق ارتباطها بعدم الاستقرار والوحشية التي هددت مصالح بكين ويجب احتوائها. وبينما يستمر خطاب الدبلوماسين فيما يتعلق بالتعاون الجنوبي- الجنوبي في كونه كيساً  للغاية إلى أن درجة جهل المبعوثين ورجال الأعمال الصينيين بالطريقة التي تعمل بها المجتمعات الأفريقية محير. الأزمات في ليبيا والصومال وإثيوبيا توضح هشاشة الصين وتغذي الصور النمطية عن أفريقيا كحدود لا يحكمها قانون والتي يتم تكرارها في النوادر (التي يحكيها المواطنون الصينيون العائدون في مهام دبلوماسية أو رحلات عمل إلى نيجيريا أو الكونجو) عن التفادي البطولي للعنف البربري أو الفشل البيروقراطي والابتزاز المنتشر. 

في هذا السياق فإن تعليق الاستقلال وإعادة تأسيس القليل من النظام و/أو السياسات غير الصالحة عبر التدخل الأجنبي هو شيء مرحّب به بالفعل في بكين. لذا فلا يجب أن يأتي كمفاجئة أن بعض قيادات جيش التحرير الشعبي قد بدأوا في استكشاف كيف يمكنهم لعب دور أكبر في حفظ السلام بما في ذلك المناقشات الممتدة حول إمكانيات الاشتباك بشكل أكثر خطراً (القتال) (أنظر مشاركتهم في بعثة الأمم المتحدة في مالي) وربما حتى إنشاء قواعد عسكرية. إنهم يصدرون مجسات للقوة العسكرية الأفريقية لتعميق التعاون بالإضافة إلى تكريس قوة دبلوماسية أكبر لتطوير علاقات أكثر قرباً مع مجلس السلام والأمن الخاص بالاتحاد الأفريقي. إن التصور هو أن أفريقيا موقع تتشابك فيه الفرص مع عدم الاستقرار بشكل لا يمكن فكه وهو ما يثبت توحيد المصالح بشكل جاد مع اللاعبين الغربيين الذين يشاركون الصين القلق العميق حول الدول الفاشلة والعنف والفساد الخارجين عن السيطرة. 

الخاتمة: من يُغير من؟

منذ بداية السبعينات كانت سياسة الصين الخارجية ناجحة بشكل كبير. وبعد الحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن غذّت سياستها في "الانفتاح على الخارج" معجزة نمو خلقت عشرات الملايين من الوظائف ومكنت الحزب الشيوعي من الحفاظ على الاستقرار المحلي. بعد عزلة الستينات والقرب من تدمير الذات الذي حدث خلال الثورة الثقافية، فإن توجه بكين التجاري للعلاقات الدولية كان محورياً في الحفاظ على شرعية الحزب في الحكم وإعادة الصين إلى منزلة القوى العظمى. لعبت أفريقيا كمقدم للبضائع وكسوق للصادرات دوراً حيوياً في هذه المسار.

إن المبدأ الرئيسي في عدم التدخل خدم بكين جيداً بأشكال ليس أقلها الدول الأفريقية كنقطة خلاف واضحة مع التوصيات الديمقراطية - الليبرالية للدول الغربية. ومع ذلك فقد اقترحت هذه المقالة أن النموذج القديم للسياسة الخارجية الصينية يخسر فوائده: لقد تغيرت اهتمامات بكين. وبينما ما تزال لغة الاستقلال مفيدة كأداة تحليلية فإن مصالح الصين المتزايدة في أفريقيا - والتكتيكات الفوضوية والمرنة المطلوبة للدفاع عنها - تجبر على هجر مبدأ عدم التدخل. وبينما تتوغل الصين بشكل أعمق داخل القارة فإن الثمن الذي تدفعه لحماية سلاسل العرض والأسواق التي تسيطر عليها هو تخليها عن موقفها التقليدي من التدخل. 

القول بأن الصين تسعى للمدافعة عن مصالحها في العلاقات الدولية هو حشو بلا طائل  وما هو مهم أن يفهم هو الكيفية التي تغيرت بها الحقائق المادية والتصورات غير ذات الموضوع عن المجتمع الدولي - ومكانة الصين فيه. إن المصالح القومية لا "تظهر" بشكل سحري من ديناميكية السلطة ولكنها تتكون بالمباديء والتصورات (أو خطئها)، إنها تُبنى مجتمعياً وتاريخياً. مناقشة السياسة الخارجية لبكين وخاصة مباديء عدم التدخل عادة ما تُظهر عن حق أهمية تاريخ الصين العاصف في القرنين الأخيرين وبالتحديد الإهانات التي ألحقتها الإمبريالية الغربية واليابان بين أعوام 1839 و 1945. تلك الفترة الصادمة تستمر في تغذية التشكك الصيني في مقابل الخطاب الاعتيادي المستخدم من قبل اللاعبين الغربين لإضفاء الشرعية على تشكك أخر في الشرعية في بلد نامي. 

ولكن ماضي الصين يخبرنا أيضاً عن السياسة بطرق أخرى مثل الالتزام الكامل بالفوضى السياسية (كنتيجة لتشظي السلطة السياسية) والإحساس أن المملكة الوسطى كانت لقرون محورية بالنسبة للنظام الدولي ويجب أن تعود إلى مكانها الصحيح في المجتمع الدولي. الضغوط الغربية على الصين كي "تفعل أكثر" وتساعد في المحافظة على الأمن العالمي كجزء من كونها معترف بشرعيتها كقوى عظمى لا تخطلت فقط مع هوس قيادات الحزب الشيوعي بالمحافظة على النمو وكفاح الصين كي تستعيد وضعها الدولي الفريد ولكن أيضاً بتجربة الصين في أفريقيا كمنطقة عدم استقرار حيث لا يستطيع اللاعبين الدولين أن يسمحوا لفشل الدولة بأن يلتهب وللألعاب السياسية العنيفة أن تعطل التجارة الدولية. لعدة سنوات روجت الصين لهويتها كدولة عالم ثالث مضطهدة كي تعمق العلاقات مع الدول النامية ولكن تشابكاتها الأفريقية تظهر بشكل متزايد أن مثل هذا الأداء يحد من اختياراتها أكثر من كونه يحمي مصالحها.

كما قال ماو تسي تونج وزاو إنلاي لهنري كسينجر فإن الشخص يحتاج إلى النظر إلى تصرفات الصين بدلاً من كلامها كي يفهمها. إن كانت بكين تتخلى ضمنياً بالفعل - كما أشرت - عن مباديء عدم التدخل فإن نتائج مهمة تظهر. التحول في تفكير وتصرفات الصين فيما يخص الأمن في أفريقيا يكشف أسطورة الاستثناء الصيني في العلاقات الدولية. إنها تبرز كيف أن صعود الصين يجبرها على التغيير للتعاون مع الدول الغربية في مواجهة التهديدات المعروفة لاستقرار نظام قاري يفيد بكين بطرق مهمة بدلاً من إشعال حرب باردة في الدول الأفريقية. ويظهر أيضاً كيف أن المفهوم "المقدس" لعدم التدخل الذي ظهر في البداية من الثورة الصينية عام 1949 أصبح أدة تكتيكية بدلاً من كونه ذلك المبدأ العميق  الذي يتم التمسك به. 

في نفس الوقت فإن مفارقة عدم التدخل لا تعني أن الصين تتحد مع الرؤى الغربية للنظام العالمي. الخط الفاصل يبقى أن الديمقراطية الليبرالية في عيون الحزب الشيوعي تهدد الأنظمة الشمولية وأن تصديرها يزعزع العلاقات الدولية. احتواء بكين لما أسماه أحد المستشارين البارزين لجيش التحرير الشعبي "التورط الخلاق" في الشؤون الداخلية لا يصل لتبني لغة الإرساليات الإنسانية والتي تصاغ فيها مفاهيم مثل "مسؤولية الحماية" عادة ولكنها تكون تحولات تمت بإلهام من توجهات الدولة. إن الصين لا تتبنى قيم الليبراليين الغربية ولا تهاجم النظام العالمي التالي لعام 1945. إنها لا تقدم بديلاً شاملاً يفعل كل ما يفترض أن النظام العالمي الليبرالي فعله بل إنها بالاقتران بقوى صاعدة أخرى، تعمل داخله أحياناً وحوله  أحيناً أخرى كي تعزز مصالحها. 

إن الصورة الصاعدة في القارة للتوجه المعدّل للصين تصبح محيرة وهي تصعد عالمياً. من ناحية فإن الصين ليست لاعباً استعادئياً في أفريقيا. الدعم الصيني يعزز أجندة الاستقرار الغربية والأفريقية قصيرة المدى ويثبت تدريجياً أنها أكثر أهمية في تطبيقها بشكل ناجح. الصين ما تزال تفتقر إلى المعرفة والثقة في التعامل مع السياسة الأفريقية وستبقى معتمدة على الشراكة مع الآخرين كي تحافظ على الاستقرار في المستقبل المرئي حتى إذا جعلتها مصالح القارة ضرورية بالنسبة للأجندة الأمنية  الجديدة. 

في نفس الوقت، مع ذلك، فإن بكين مستمرة في حمل وجهة نظر مختلفة عن ما يمثل النظام على المدى البعيد وما يجب أن يفعله ولا يفعله اللاعبين الدوليين كي يمنعوا الدولة من الفشل ويمنعوا القتال في القارة. إن الاختلاف الأخير قد لا يولد حرباً باردة جديدة ولكن ذلك لا يعني أن "بناة الدول غير الليبرالين في أفريقيا مساراتهم المستوحاة من الصين يشكلون ضمانات أفضل - وأمثلة يجب الترويج لها - لبيئة أكثر أماناً من الديمقراطيات الليبرالية على النموذج الغربي التي تتهمها الصين بإيقاد شعلات عدم الاستقرار فيما تلا 1990 في أفريقيا والشرق الأوسط. طالما انتقدت الأصوات الغربية الصين على أمل أن يحدث انتقال في المبدأ الصيني بعدم التدخل، بما يعزز أجندة "نهاية التاريخ" في جعل الديمقراطية والأسواق الرأسمالية غربية الطابع عالمية. يبقى إذن أن نرى ما إن كانت سياسة بكين التدخلية الجديدة ستدعم رسالة السلام الليبرالي في أفريقيا أو إن كانت ستقوضه على المدى الطويل.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب