لدينا خطة: من سراييفو إلي بغداد

مقال رأي

 كيف يمكننا إحياء الذكري المئوية لإغتيال الأرشيدوق النمساوي فرانز فرديناند وزوجته صوفي، وهو الحدث الذي حرك سلسلة من الأحداث التي أدت إلي الحرب العالمية الأولي؟ ماذا يمكننا أن نتعلم من الأزمة التي بدأت في ٢٨ يونيو ١٩١٤؟

ظلت الإجابات التقليدية متسقة بشكل ملحوظ خلال القرن الماضي – أساء القادة الحسابات، وتبع ذلك تصعيد، وارتفعت العاطفة العامة. أوروبا، التي كانت تعيش فترة "بعد ظهر غنية وممتلئة،" مثلما وصفتها بربرا توشمان بشكل لا ينسي في كتاب "أسلحة أغسطس،" وجدت نفسها مسحوبة داخل الماكينة الكبيرة للحرب الصناعية. حررت الرشاشات، غاز الخردل، الخنادق والمرض سريعًا هؤلاء الذين رأوا المجد والبطولة في الأفق من الوهم.

بالنظر إلي الأحداث من منظور أمريكي في ٢٠١٤، ربما هناك درس آخر ليتم وضعه في الاعتبار. السلام ليس مثال أسمي نبيل المشاعر؛ إنما هو شريك حميم للسلطة. فيسود السلام عندما يتم مواءمة المصالح والقيم المتنافسة بشكل استباقي في اتفاقيات سياسية عملية. ومثل تلك الاتفاقيات ليست مثالية، مراوغة، وليست دائمًا عقلانية بشكل كامل. لهذا السبب فإن الصيغ البسيطة التي تعتمد الأخلاقية وحسن النية بدلًا من حقائق سياسة السلطة محكوم عليها بالفشل. ويستمر الأمريكيون في تعلم ذلك الدرس بالطريقة الصعبة.

نشر مركز كرنيجي للسلام الدولي عام ١٩٣١ "تقرير اللجنة الدولية للتحقيق في أسباب وسلوك حروب البلقان" الخاص به. كان طموحه هو تحديد وإصلاح مشكلة النزاع العرقي في الفناء الخلفي لأوروبا. مثلما أوضح وكيل مدير المركز نيكولاس موراي بالتر في مقدمة التقرير، "إذا أمكن لفت نظر العالم ... للفظائع الصادمة التي انطوت عليها الحرب الحديثة، لتم اتخاذ خطوة، والتي ستكون قصيرة بأي حال من الأحوال، نحو إستبدال العدالة بالقوة في تسوية الخلافات الدولية."

ها هي مؤسسة أمريكية – مستقلة وغير حزبية – لديها خطة سلام. ستعتمد الخطة علي تطوير آليات للوساطة والتحكيم. ستعتمد علي نوع من الأخلاقيات العالمية – وهي أخلاقيات اعترفت بالمزاعم الشرعية والعالمية للأشخاص والدول ضد القمع والعدوان.

وكشف تقرير المركز حقائق مقلقة. فقد أشار الأعضاء الدوليون للجنة إلي أن القومية المتطرفة التي شهدوها في أوروبا قد تم تغذيتها عبر دوائر من الخوف. وتلك القومية كانت أكثر حدة في البلقان، لكنها لم تكن محدودة بالمنطقة. وكانت الطريقة الوحيدة لإنهاء الوضع هي التحلي باهداف كبيرة – أي إيجاد وسائل لتوحيد المجتمعات المتنافرة تحت مظلة قوية من القانون والتنظيم الدولي. وباء الجهد، بالتأكيد، بالفشل، إثر تعثر القوي العظمي في الحرب العالمية في ١٩١٤.

مع استمرار الحرب إلي عام ١٩١٧، أسس إدوارد هاوس وهو المستشار الرئاسي لوودرو ويلسون مجموعة دراسة تدعي "التحقيق." كان هدفها أن تجمع معلومات وخيارات سياسية لفترة ما بعد الحرب. تضمت المجموعة خبراء أكاديميين معروفين في السياسة، الجيولوجيا، التاريخ الأوروبي، الفلسفة، والقانون. وكان من بين المساهمين الصحفي والتر ليبمان، قاضي المحكمة العليا لاحقًا لويس برانديز، والمؤرخ بجامعة كولومبيا جيمس شوتويل.

وبالعمل علي المقدمات المنطقية التي أصبحت "النقاط الأربعة عشر" الخاصة بويلسن، نصحت المجموعة ويلسون حول كيفية ترجمة ثلاثة مبادئ أساسية إلي بنود محددة من أجل الاتفاقيات التي سيتم التوصل إليها في باريس وفرساي. أصبحت الثلاثة مبادئ جمل شائعة وهي: جعل العالم "آمن للديمقراطية؛" ضمان حق تقرير المصير القومي؛ وتأسيس أمن جماعي عبر عصبة الأمم، اعتقد ويلسون أن تلك المبادئ ستكون عالمية. كانوا، في الواقع، أخلاقيات ويلسون العالمية.

كشفت تلك المشاريع المذيلة – حيث كان أحدها قبل الحرب وأحدها بعد الحرب – أسلوبًا من السياسة والدبلوماسية ساعد وضافر الجهود لتحقيق السلام في القرن العشرين. فمن ناحية، ساعدت في تأسيس إجراءات من أجل مشاركة المعلومات الممنهجة، المبنية علي حقائق والتي شكلت فن الدبلوماسية الحديث نفسه. وعلي الناحية الأخري، غذت فكرة مبسطًة للسلام – وهي فكرة أن السلام يمكن تحقيقه عبر خطة عقلانية، متبوعة بقوة الإرداة، والإعتقاد البسيط بوحدة الجنس البشري تحت أخلاقيات عالمية.

فهم ريتشارد هولبروك، وهو أحد أعظم دبلوماسيي أمريكا، هذا المنظور الواقعي. فعندما تم تمزيق تعددية يوغسلافيا عبر التطهير العرقي في التسعينيات، كانت خطة هولبروك لإنهاء الحرب غير مثالية ولكنها نجحت. فقد مزج عناصر متعددة من القوة ليجعل بناء أسلوب تعايش غير سعيد، ولكن علي الأقل مستقر ممكنًا. اليوم يظهر ذلك الاتفاق علامات الإنهاك والعجز – ولكن مع عدم الاستهانة بحقيقة أنه مازال متماسكًا.

سواء كان ذلك بشكل ذكي أم لا، فإن جهود السلام الأمريكية في القرن العشرين تعثرت بسبب قوة نائمة وأطلقت سراحها – وهي، فكرة تقرير الشعوب لمصيرها. فبمجرد إطلاقها، أصبح من المستحيل تقريبًا التحكم بها. بداية بتدخلها في الحرب العالمية عام ١٩١٦ إلي حروب البلقان في التسعينيات، ساعدت الولايات المتحدة في تحقيق تقرير المصير للمتغير الكبير لسياسات القرن العشرين. مازلنا نعيش مع توابع ليس فقط البلقان، لكن أيضًا الأكثر حدة في القوس الجغرافي من القاهرة إلي بغداد.

بفحص الأحداث الحالية في سراييفو – والتي تذكر بالتاريخ المفجع الذي امتد خارجًا من هذا المكان في كلا بداية ونهاية القرن العشرين – يبدو واضحًا ان السلبية في مواجهة عدم الاستقرار ليست إجابة. لكن من الواضح بشكل مماثل أننا يجب أن نكون متواضعون بالنسبة للحلول. ربما أفضل ما يمكننا فعله في هذا اليوم أن نتوقف للحظة لنسأل أنفسنا السؤال نفسه الذي سأله أعضاء لجنة كارنيجي عام ١٩١٣. تأييدًا لحق تقرير المصير، هل نقف علي حجر أم علي رمال متحركة؟

سيتضمن أي تقدير صادق أن تلويح شعار تقرير المصير، في حد ذاته، ابتذال. إذا كان تقرير المصير هو الهدف، فإن التحدي هو إيجاد وسائل لتحقيقه سلميًا. فخطط السلام تنجح فقط عندما تقبل حقائق السلطة ولا تحاول أن تتجاوز الجوانب الأقل نبلًا للطبيعة الإنسانية والسياسة. فبعد مئة عام، نبدًا فقط بالفهم.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب