آخر أسطورة كبرى حول مصر

مقال رأي

في سبعينيات القرن العشرين، وقع هنري كيسنجر في الحب مع أنور السادات. بالنسبة لكيسنجر، كان الرئيس المصري يتمتع "بحكمة وشجاعة رجل دولة، وأحيانًا ببصيرة نبي." كان نتاج تلك الرومانسية تداول مجموعة من الأفكار عن مصر في السياسة الأمريكية الخاصة بالشرق الأوسط: ستكون مصر حصنًا ضد الاتحاد السوفيتي، وقاعدة تخرج منها القوات الأمريكية حال حدوث أزمة في الخليج الفارسي، ووسيطًا بين العرب -خاصة الفلسطينيين- وإسرائيل. 

من بين كل هذا، ظلت الفكرة الأخيرة فحسب ذات معنى في السياسة الأمريكية المعاصرة. إلا أن تلك الفكرة لا تزيد عن خرافة يخبرها المسؤولون والمحللون الأمريكيون لبعضهم البعض. ورغم تقديس كيسنجر للسادات، لم تكن مصر أبدًا مفاوضًا كفئًا ومحايدًا كما توقع الأمريكيون.

تقترب عملية الجرف الصامد التي تشنها إسرائيل من أسبوعها الثاني، وبعد فقد مئات الأرواح، ماذا تفعل مصر؟ تفعل ما طالما فعلته، تعتني بنفسها فقط. بعد حدوث جميع التغييرات الجذرية في مصر منذ سقوط حسني مبارك، يرى الجيش والمخابرات المصريَّان غزة بنفس الطريقة التي كانا يرياها بها طوال أغلب العقد الماضي أو يزيد. إنهما يريدان إبقاء الفلسطينيين -خاصة حماس- في صندوق، ومنع الصراع من زعزعة الاستقرار في شبه جزيرة سيناء، وضمان أن يظل قطاع غزة مسؤولية إسرائيلية في الأساس، واستبعاد غيرهما من اللاعبين الإقليميين من القيام بدور في غزة.

بسبب الطريقة التي يفكر بها صناع السياسة الأمريكية، ومراقبون آخرون عن مصر، فهم يتوقعون أن يخدم وقف إطلاق النار هذه الأهداف. لكن الحقيقة هي أن هذا قد يحدث، وقد لا يحدث. 

هجمات إسرائيل في عامي٢٠٠٩ و٢٠١٢ انتهت بنفس الطريقة. بعد عدة أسابيع من القتال، توصلت المخابرات العامة المصرية –التي تعمل بالتنسيق مع نظيرتيها الأمريكية والإسرائيلية- إلى اتفاق أسفر عن وقف العنف.

 في المرتَين، ظهرت مصر بمظهر جيد: كانت حدودها آمنة، ولم تنجر لمشاكل غزة، وأضعف قصف إسرائيل حماس المنظمة عسكريًا. 

لم يكن الأمر سهلًا دائمًا، بالطبع. فقادة حماس ليسوا سذج: كانوا يعلمون أن مصر لا تكاد تطيق مصالح المنظمة، وبالتالي قاوموا تسليم القاهرة انتصارًا. قبلت المنظمة الإسلامية الفلسطينية أيضًا المساعدات من سوريا وإيران، وهو ما كان مصدر إحباط كبير لرئيس مخابرات مبارك، عمر سليمان. إلا أنه عندما جاء وقت التوصل إلى اتفاق، لم تتمكن حماس من الصمود في وجه الجيش الإسرائيلي والضغط السياسي المصري سويًا.

فشل مصر حتى الآن في التوسط في وقف إطلاق النار هو نتيجة، إما لخيانة يمارسها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أو لعدم كفاءته، أو لتضاؤل ​​مكانة مصر بين الدول الإسلامية ‒حسب الشخص الذي تسأله. ولكن هناك تفسير آخر: 

يبدو أن مصر تعتقد أن استمرار القتال -حتى الآن- يخدم مصالحها. بالنظر للدعاية المكثفة، الهادفة لمكافحة الإخوان المسلمين ومعاداة حماس، التي يتعرض لها المصريون، والتي يرتكز إليها جزءٌ من شرعية السيسي، فإن العنف في غزة يخدم مصالحه السياسية وأهدافه الشاملة. 

بطريقة ساخرة تمامًا، هل يمكن أن يكون هناك ما هو أفضل من ذلك بالنسبة للسيسي؟ أن تضرب إسرائيل حماس بتكلفة قليلة أو معدومة بالنسبة لمصر، وفي خضم الأحداث، يقترح الرئيس الجديد، فيما يشبه حركة رجل الدولة، وقفًا لإطلاق النار. إذا قبل به المقاتلون، سيفوز. وإذا رفضوها، كما فعلت حماس –حيث أنها تقدم لهم القليل جدًا- يفوز السيسي أيضًا.

بدلًا من جعل السيسي يبدو عاجزًا، فقد عزز رفض حماس لمبادرة وقف إطلاق النار، التي طرحها في 14 يوليو، الرواية المصرية والإسرائيلية والأمريكية حول تعنُّت المنظمة. يبدو أن مصر تحسب، سواء أكان ذلك صوابًا أو خطئًا، أن المواءمة مع إسرائيل ستخدم أهدافها الأوسع من خلال تركيع حماس، وتحسين الأمن في سيناء، وتقليل دور الجهات الإقليمية الفاعلة. بعبارة أخرى، ما يسعى السيسي لإنجازه دون وقف إطلاق النار، يعادل ما أنجزه مبارك ومحمد مرسي بوقف الأعمال العدائية. 

يمكن أن تأتي استراتيجية السيسي بالطبع بنتائج عكسية. فقد حاول مبارك نفس الأمر خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان سنة ٢٠٠٦ –فقد دعم العملية معتقدًا بأن الجيش الإسرائيلي الجبار سيوجه ضربة لحزب الله، إلا أنه تم إحراجه سياسيًا عندما جاء أداء الإسرائيليين متدنيًا، وقتل عدد كبير من المدنيين اللبنانيين خلال العمليات. واجهت مبارك صحافة متزايدة العدائية ورأي عام ملتهب –حتى أصبحت الملصقات التي تحمل صورة الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله والرئيس الإيراني آنذاك محمود أحمدي نجاد شائعة في جميع أنحاء القاهرة- واضطر مبارك إلى إيفاد ابنه جمال، وطائرة محملة بمساعدات النظام لبيروت، في محاولة عرجاء لإظهار دعم مصر للشعب اللبناني.

قد تغير طريقة مماثلة من حسابات السيسي حول غزة. إذ ألهب المسؤولون المصريون المشاعر المعادية لحماس في جهودهم الرامية إلى تشويه سمعة الإخوان المسلمين، ولكن هذا لا يقلل من التضامن الذي يشعر به كثير من المصريين تجاه الفلسطينيين. 

قد يكون المصريون كارهين للإخوان، لكنهم يكرهون إسرائيل أكثر. وبينما تتسع عملية الجرف الصامد، ويسقط المزيد من المدنيين قتلى، قد يصبح تواطؤ السيسي مع إسرائيل أمرًا لا يمكن الدفاع عنه سياسيًا. 

حاولت تركيا وقطر ملئ دور الوساطة الذي تخلى عنه السيسي على ما يبدو، ولكنه من المستبعد أن تصل أنقرة أو الدوحة إلى حلول. فمثل سوريا وإيران، اللتان أغضبتا عمر سليمان، توفر تركيا وقطر لحماس وسيلة محتملة للخروج من الكماشة المصرية الإسرائيلية عبر تقديم الدعم الكافي للمنظمة لمواصلة القتال. ورغم مواقفهما، ليس مرجّحًا أن يتقدم أيٌ منهما في التوسط لاتفاق. 

خطاب رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الساخن حول العنف في غزة هو مرتبط بما كان دومًا مرتبطًا به -السياسة الداخلية. فمن المهم لمنتخبيه الاعتقاد بأن رئيس وزرائهم هو "ملك الشارع العربي،" حتى لو فقدت أنقرة بريقها الإقليمي. تكره مصر وإسرائيل أيضًا أردوغان، ولن تسمحا له بأن يلعب دورًا في إنهاء الصراع. نفس الشيء ينطبق على قطر، التي تعتبرها مصر دولة خبيثة لدعمها لجماعة الإخوان المسلمين والجماعات المتطرفة في المنطقة. ببساطة، ليس ثمة سبب وجيه يدفع للاعتقاد بأن القاهرة ستتنازل عن التفاوض عن شيء مهم، مثل أمنها الحدودي، لصالح بلدين ليست فقط غير واثقة فيهما، بل وتعتبرهما أعداءً. 

منذ شرعت القاهرة وواشنطن "علاقتهما الاستراتيجية"، عزز الأمريكيون العديد من الأساطير العظيمة عن مصر. والأسطورة العظيمة الأخيرة التي لا تزال قائمة هي الاعتقاد الخاطئ بأن مصر وسيط بين الإسرائيليين والفلسطينيين. من المثير للسخرية أن هنري كيسنجر قد يفسر فشل مصر في حل النزاع بألفاظ رومانسية، متباكيًا أن السادات لم يعد موجودًا ليتدخل –وهو الذي كان يشبِّهه بالفرعون أخناتون كزعيم سابق لأوانه-. ولكن في فجر عصر السيسي، السبب الحقيقي هو في الحقيقة أقرب إلى منهج كيسنجر نفسه في السياسة: لا تعتبر مصر وقف إطلاق النار في مصلحتها.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب