اختيار ألمانيا: أمريكا أم روسيا؟

A close ally of Berlin has been causing significant embarrassment to Germany and German Chancellor Angela Merkel: the United States. The country served as West Germany's protector during the Cold War, but recent allegations of spying on Germany, including

مقال رأي

على مدى عقود، ظل موقع ألمانيا في الغرب ثابتٌ  لا جدال فيه. إلا أنه بعد فضيحة تجسس وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA)، وفضائح سياسية أخرى، يطالب العديد من الألمان بقدر أكبر من الاستقلال عن الولايات المتحدة. ولكن هل يعني هذا الاقتراب من موسكو؟ 

الجزء الأول: أمريكا أم روسيا؟

لا يتوقف جون إيمرسون أبدًا عن الابتسام. في مساء الجمعة الرابع من يوليو (عيد الاستقلال الأمريكي) وقف سفير الولايات المتحدة على السجادة الحمراء في حفل استقبال السفارة المُقام في مطار تمبلهوف السابق في برلين، والذي تم تحويله إلى حديقة عامة. استقبل إيمرسون ضيوفه ببشاشة دبلوماسية معتادة، ليصافح طابورًا لا نهاية له من رجال الأعمال والمسؤولين الحكوميين والمشاهير الألمان، ورغم أنه كان يتصبب عرقًا بوضوح، إلا أن ابتسامته لم تهتز، كأنه يريد أن ينقل رسالة مفادها أن كل شيء في العالم لا يزال على ما يرام.

كان هذا مشهدًا مألوفًا في اللقاءات الأخيرة بين المسؤولين الأمريكيين والألمان. ولكن خلف تلك الواجهة المثالية، تعاني العلاقات بينهما الأمرين. فبينما أخذ العمال يزينون ساحة تمبلهوف بالشعارات والأعلام الصغيرة يوم الجمعة الماضي، كان يجري تناقل تقرير في العاصمة الألمانية ربما يسبب المزيد من الأذى للعلاقات بين واشنطن وبرلين.

فقد قام موظف في دائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية (BND)، خلال استجوابه، بإخبار السلطات الألمانية بأنه باع وثائق سرية للأمريكيين. وبالنظر إلى العثور على تقنية تشفير خاصة خلال مداهمة شقته، يبدو مستبعدًا جدًا أن تكون فكرة بيع المعلومات السرية فكرته الخاصة.

هذا الأربعاء، اتخذت فضيحة التجسس بعدًا جديدًا عندما داهم محققو مكتب الشرطة الجنائية الاتحادية منزل ومكاتب موظف بوزارة الدفاع، يشتبه مسؤولون أيضًا في تجسسه لصالح الأمريكيين.

ليست هذه التطورات سوى الصراع الأخير في العلاقات بين ألمانيا والولايات المتحدة والتي عانت كثيرًا في السنوات القليلة الماضية. إذ فقدت المستشارة الألمانية أنغلا مِركل كل أمل في أن تعود الولايات المتحدة إلى رشدها، وتكبح جماح وكالات استخباراتها. فخلال زيارة مِركل الأخيرة إلى واشنطن، لم يكن لدى الرئيس الأمريكي باراك أوباما أي استعداد للالتزام باتفاق عدم تجسس يضمن لألمانيا قدرًا من الأمن.

مخاوف مِركل من تزايد المشاعر المعادية للولايات المتحدة 

رغم كل شيء، توقعت المستشارة من الأمريكيين أن يمتنعوا على الأقل من توريطها في أي حوادث محرجة أخرى، فلا مصلحة لديها في رؤية ازدياد مستمر للمشاعر المعادية للولايات المتحدة في ألمانيا، وهو تطور من شأنه أن يجعلها بلا خيار سوى أن تنأى بنفسها عن الأمريكيين مرة أخرى. غير أن الأمر ربما وصل لتلك النقطة بالفعل.

في نهاية الأسبوع الماضي، لم تكن دائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية قد انتهت بالكامل من التحقيق في فضيحة التجسس. ولكن إذا تبين أن القصة صحيحة، سيعني ذلك أن الأمريكيين جنّدوا أحد الموظفين لنسخ الوثائق لصالحهم، بل وكانت بعض تلك الوثائق تخص اللجنة البرلمانية الألمانية التي شكِّلت للتحقيق في أنشطة وكالة الأمن القومي في ألمانيا. سيمثل ذلك مستوى جديدًا من الجرأة.

كانت التقارير الأولية وحدها كافية لإغضاب كبار أعضاء الحكومة الائتلافية في ألمانيا، التي تتألف من الحزب المسيحي الديمقراطي (محافظ) بزعامة مِركل، والحزب الديمقراطي الاجتماعي (يسار الوسط)، لدرجة أن البعض يشعر الآن أن وكالات الاستخبارات الأمريكية قادرة على أي شيء.

قال توماس أوبِّرمان، زعيم الكتلة البرلمانية للحزب الديمقراطي الاجتماعي: "إذا تأكدنا من أن أنشطة التجسس على دائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية استهدفت أيضًا أعمال لجنة التحقيق في أنشطة وكالة الأمن القومي، سيكون هذا هجومًا غير مسبوق على البرلمان وعلى مؤسساتنا الديمقراطية." في التاسع من يوليو، ومع بروز شكوك جديدة عن التجسس في وزارة الدفاع، أشار المتحدث باسم مِركل، ستيفن سايبرت، أن العلاقات الألمانية الأمريكية وصلت إلى الحضيض بشكل غير مسبوق، وتحدث لأول مرة عن "خلافات عميقة في الرأي" بين برلين وواشنطن. 

استدعت وزارة الخارجية الألمانية السفير إيمرسون بعد ظهر يوم الجمعة، قبل أن تبدأ احتفالات الرابع من يوليو. وصدرت تعليمات للموظفين في المستشارية الألمانية باقتصار اتصالاتهم مع الولايات المتحدة على المسائل الضرورية. بل وفكّر البعض في الحكومة الألمانية في طرد دبلوماسي أمريكي ليكون عبرة، وبعد ما يقرب من أسبوع، يوم الخميس، طلبت الحكومة في برلين من رئيس مكتب وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA في ألمانيا مغادرة البلاد. ورغم أن هذا التصريح أقل حدة من الطرد الرسمي، لا يزال القرار بمثابة ضربة دبلوماسية.

هل ألمانيا حائرة بين الشرق والغرب؟ 

بالطبع ليس هذا ما أرادته المستشارة. فهي تفضل أن يبقى الألمان جزءًا راسخًا من التحالف الغربي، وأن يظلوا على ولائهم لشركائهم الأمريكيين. لكنها لاحظت أيضًا قدر المشاعر المعادية للولايات المتحدة التي أثارتها فضيحة وكالة الأمن القومي بين الألمان. فقد أجرت مؤسسة كوربر مؤخرًا دراسة حول مواقف الألمان تجاه السياسة الخارجية الألمانية، وسُئِل المشاركون مع أي بلد ينبغي أن تتعاون ألمانيا في المستقبل. جاءت النتيجة شبه متساوية بين الشرق والغرب، حيث اختار ما يقرب من 56 بالمائة الولايات المتحدة، بينما اختار روسيا ٥٣ بالمائة.

هنا يكمن التوتر الأعمق. فمن ناحية، يشعر الألمان بخيبة أمل تجاه الأمريكيين وأنشطة المراقبة المستمرة الخاصة بهم. وفي نفس الوقت، أظهروا مستوى مذهلًا من التعاطف مع الروس، ورئيسهم فلاديمير بوتين، فيما يخص الأزمة الأوكرانية. يثير ذلك سؤالًا جوهريًا عن الهوية في ألمانيا. فعلى المدى الطويل، سيتحتّم على الألمان اختيار الجانب الذي يفضلون.

في الأعوام الخمسة والعشرين التي تلت سقوط حائط برلين، تراجعت أولوية تلك القضية إذ بدا أن التناقض بين الشرق والغرب، والاستقطاب بين الولايات المتحدة وروسيا، قد انتهيا تمامًا. لم يكن ينبغي على ألمانيا الاختيار بين الجانبين بسبب عدم وجود خط فاصل حقيقي. لكن الأزمة الأوكرانية وفضيحة وكالة الأمن القومي وضعا حدًا لهذه المرحلة المريحة، والآن بعد أن تجدد العداء بين الغرب وروسيا مرة أخرى، لم يعد باستطاعة ألمانيا تجنب السؤال المطروح عن أي الجانبين تدعم.

وفقًا لاستطلاع رأي قامت به مجلة شبيجل، يشعر 57 بالمائة من الألمان بأن بلادهم ينبغي أن تصبح أكثر استقلالًا عن الولايات المتحدة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية. كما تثار أيضًا تساؤلات غير مريحة، بينها ما إذا كانت علاقة برلين الوثيقة مع الغرب مجرد ظاهرة انتقالية.

السفارات تعكس صورة الشعوب 

إذا كانت مباني السفارات تعكِس طبيعة شعب ما، فإن السفارة الأمريكية في برلين هي خير دليل على ذلك. إذ يتكون الجزء الخارجي من بناء من الحجر الرملي ذي ألوان فاتحة، إضافة إلى العلم الأمريكي الذي يرفرف فوق السقف الزجاجي المنحني للمدخل. عند إلقاء نظرة ثانية، سنرى أن ذلك المبنى الواقع في ٢ شارع باريسر بلاتز أشبه بقلعة تحميها الحواجز وكاميرات المراقبة والزجاج الواقي من الرصاص.

يقع مكتب السفير إيمرسون في الطابق الخامس. ويُطلَب من الزائرين ترك هواتفهم المحمولة في منطقة الاستقبال في الطابق السفلي، ثم المرور عبر ثلاث نقاط تفتيش أمنية. حتى السكرتيرة الصحفية الخاصة بإيمرسون يتوجب عليها إيداع هاتفها المحمول في صندوق خشبي صغير قبل دخول طابق السفير. يحمي مكتب السفير باب مصنوع من الصلب، ونوافذ زجاجية تطل على حديقة تيرجارتِن وبوابة براندِنبورج، وهي سميكة جدًا لدرجة أنها ربما تتحمل ضربة نووية.

تتناقض حماسة إيمرسون بشكل صارخ مع الجنون الأمني المحيط به. فهو محام ومصرفي سابق من شيكاغو ويتمتع بالبشاشة، وقد جمع ملايين الدولارات لحملات أوباما الانتخابية، والآن-في نهاية حياته المهنية- تم إعطاؤه منصب مرموق كسفير في أوربا. إيمرسون، كالكثير من أسلافه، لا يكاد يتكلم كلمة واحدة من اللغة الألمانية. 

لسنوات عديدة لم تكن تلك مشكلة. فلم يكن السفراء الأمريكيون في الماضي بحاجة لبذل الجهد من أجل كسب محبة الألمان، لأنها كانت أمرًا مفروغًا منه. فقد سعى كونراد أديناور، أول مستشار للبلاد بعد الحرب، نحو دمج الجمهورية حديثة النشأة في الغرب، وقد بلغ هذا الاندماج ذروته في انضمام ألمانيا الغربية إلى حلف الناتو عام 1955.

نتيجة لقرار أديناور، لم يُطرَح سؤال عن الجانب الذي تنتمي إليه ألمانيا لعدة عقود. وحتى بعد إعادة توحيد ألمانيا في عام 1990-الأمر الذي أيده الرئيس الأمريكي آنذاك جورج بوش الأب بحماس- لم تكن الشراكة الألمانية الأمريكية موضع تساؤل بشكل أساسي.

تحوّل كبير في العلاقات 

كانت رئاسة جورج دبليو بوش نقطة تحول في علاقة الألمان مع أمريكا. فعندما عارض المستشار الألماني آنذاك جِرهارد شرودر(المنتمي للحزب الديمقراطي الاجتماعي) بشكل علني قرار البيت الأبيض بغزو العراق منذ اثني عشر عامًا، مثّل قراره تغيرًا جذريًا. برر بوش الحرب على العراق بكذبة، مرسخًا صورة القوة العظمى التي تؤمن بأنه لم يعد مطلوبًا منها الالتزام بالقواعد والقوانين.

موقع إيمرسون ليس سهلًا. إذ كان على سلفه التعامل مع فضيحة ويكيليكس، حيث تم تسريب وثائق للسفارة الأمريكيةيوصف فيها كبار الساسة الألمان بشكل سلبي. كانت الجلبة قد هدأت لتوها حين تم الكشف عن تصنُّت وكالة الأمن القومي على الهاتف المحمول لمِركل، ولم يكن إيمرسون آنذاك قد أمضى في منصبه في برلين سوى بضعة أسابيع.

خلال زيارة قام بها في أواخر مايو، لم يكن لدى إيمرسون أية شكوك حول المزاج العام في ألمانيا. فمعاداة أمريكا ليست ظاهرة جديدة، فالعديد ممن تظاهروا ضد حرب فيتنام في أواخر الستينيات، أو سياسة الصواريخ التي أقرها الناتو في السبعينيات، لم تحركهم الرغبة في السلام وحسب. حتى في ذاك الوقت، كان أعضاء اليسار الألماني مصممين على إرسال رسالة معارضة ضد "إمبراطورية الشر" الواقعة خلف المحيط الأطلسي. وكما غنّى الموسيقار الألماني هربرت جرونِماير في ألبومه الشهير "بوخوم" الصادر عام ١٩٨٤: "أنا خائف من نزواتك وطموحك يا أمريكا، آه يا أمريكا!" كانت كلماته معبّرة عن مزاج جيل كامل.

هذه المرة هناك ما هو أكثر من الاستياء المعتاد، في ضوء كل ما حدث في السنوات الأخيرة: حرب العراق، وجوانتانامو، واستخدام طائرات بدون طيار لتنفيذ عمليات إعدام، والأزمة المالية، وفضيحة وكالة الأمن القومي، والمخاوف التي تثيرها جوجل. يشعر الألمان بأن لديهم العديد الأسباب لانعدام الثقة في الولايات المتحدة، الصديقة القديمة التي يراها الكثيرون الآن شريرة.

 

الجزء الثاني: فشل آمال أوباما 

لبعض الوقت، بدا أنه بوسع أوباما سد الفجوة بين البلدين. فقد كان المرشح الرئاسي الذي طالما رغب فيه الألمان، فهو ذو بلاغة قوية وكاريزما، ومثقف، وهو ما يختلف عن عادية وبدائية جورج دبليو بوش، راعي البقر المتهور من ولاية تكساس.

غير أنه أثار خيبة أمل الألمان. فلم يجعل أوباما من البيت الأبيض مقر أممٍ متحدة، ولا حتى عندما تم منحه جائزة نوبل للسلام فيما كان وقتًا غمرته النشوة بعد 11 شهرًا فقط من من تنصيبه عام 2009. فلا هو أغلق جوانتانامو ولا ألغى عقوبة الإعدام. وبدلًا من قتل القوات الخاصة الأمريكية للأجانب، يجلس طيارو الطائرات بدون طيار في ثكنات مكيفة يحذفون أسماء المقتولين من قوائم الإعدام التي وقعها أوباما.

خلال مقابلة أجريت معه في مكتبه شديد التأمين، قال السفير إيمرسون أنه أتى من القطاع المالي، وهناك حكمة تقال في هذا القطاع، وهي تصلح أيضًا في عالم السياسة: "نسبة الرضا هي التوقعات ناقص النتائج." ويبدو أن ما يعنيه إيمرسون هو أن أوباما كان يقاتل بالفعل في معركة خاسرة عندما جاء إلى السلطة ‒في الحقيقة كانت توقعات الألمان عالية جدًا.

لا ينكر إيمرسون أن بعض الأشياء قد تمت بشكل خاطئ في السنوات الأخيرة. لكن في نهاية الأمر، يجب أن يظل قرار الحفاظ على علاقات وثيقة بين ألمانيا والغرب واضحًا، كما يقول. أي بلد لديه صحافة حرة؟ الولايات المتحدة أم روسيا؟ أي رئيس يمكنه اتخاذ موقف، ومستعد لمناقشة حدود النشاط الاستخباراتي مع البلد بأكمله؟ أوباما أم بوتين؟ يقول إيمرسون "نحن نتقاسم نفس القيم"، ويجب التأكيد على ذلك مرارًا وتكرارًا.

أهي القشة التي قصمت ظهر البعير؟ 

قد يكون هذا صحيحًا من الناحية النظرية، ولكن في الحقيقة فإن أوربا وأمريكا ينجرفان بعيدًا عن بعضهما البعض. بدا هذا الأمر واضحًا حتى لرجل مثل فريدريش مِرتس، الذي تشمل وظيفته الحفاظ على تلك الفجوة ضيقة قدر الإمكان. مِرتس هو رئيس "جسر الأطلسي"، وهي مجموعة تعزز الصداقة بين ألمانيا والولايات المتحدة لأكثر من ٥٠ عامًا. الآن، مِرتس مشغول بترويج اتفاقية التجارة الحرة العابرة الأطلسي، ويقول: "هذا الاتفاق سيكون علامة على أن الديمقراطيات الغربية تتلاحم معًا."

حتى مدافع محافظ عن اقتصاد السوق مثل مِرتس غالبًا ما يقع في حيرة حيال ما يحدث في الولايات المتحدة. يرحب مِرتس بجميع أشكال الجدل السياسي، ولكن عندما يرى مدى عمق الانقسامات الأيديولوجية في الولايات المتحدة، يبدو ممتنًا لديمقراطية أوربا المتزنة. وردًا على الادعاءات الجديدة بالتجسس التي ظهرت يوم الجمعة الماضي، قال مِرتس: "إذا كانت تلك الادعاءات صحيحة، فقد حان الوقت أن تتوقف."

أمريكا تفقد جاذبيتها

بعبارة أخرى، لم يعد مناسبًا وصف أمريكا كمكان رائع. قبل بضع سنوات فقط، على سبيل المثال، كان منصب رئيس مجموعة الصداقة البرلمانية الألمانية الأمريكية في البوندستاج (مجلس النواب الاتحادي الألماني) مطمعًا للكثيرين، وشغله سياسيون محترمون كعمدة هامبورج السابق هانز أولريش كلوزه. هذا المنصب اليوم ليس مرغوبًا به كما مضى. بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة، قرر فيليب ميسفلدر، رئيس منظمة شباب الحزبين المحافظين الشقيقَين، الاتحاد المسيحي الديمقراطي (CDU) والاتحاد المسيحي الاجتماعي في بافاريا (CSU)، الاستقالة من منصبه كمنسق للتعاون عبر الأطلسي، وتوليّ منصب أمين صندوق حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي في ولاية شمال الراين‒وستفاليا بدلًا من ذلك. بالنسبة لميسفلدر، بدا أن إدارة الشؤون المالية لحزبه وظيفة ذات أولوية على منصب عابر للأطلسي كان جذابًا في يوم من الأيام. 

في نهاية الأمر، خلفه في المنصب يورجن هارت، وهو رجل اجتماعي كانت صلته محدودة بالولايات المتحدة: فقبل أن يصبح عضوًا في البوندستاج عام ٢٠٠٩، كان رئيسًا لقسم الاتصالات في شركة فورفيرك للمكانس الكهربية. هو على الأقل صاحب خبرة في بيع منتجات غير جذابة نسبيًا.

يخطط هارت لبدء حملة ترويجية في الولايات المتحدة قريبًا، إذ يقول "لا أزال أبحث عن وسيلة للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الناس." هو يجري مقابلات مع الصحف المحلية الأمريكية لتعزيز التحالف عبر الأطلسي، مثلما فعل أديناور بإعلان استعداد ألمانيا للدخول في إعادة التسليح في جريدة "كليفلاند بلاين ديلر" المحلية بأوهايو، بدلًا من صحيفة واشنطن بوست. بعد ذلك، يعتزم هارت أن يقوم بجولة ترويجية في جميع أنحاء الولايات المتحدة.

هل يعاني الألمان من جرعة أخلاق زائدة؟ 

هذا جهد مهم. ينظر الكثير من الأمريكيين إلى الألمانَ بالطريقة التي يعامل بها أب ابنه البالغ الذين يعيش في المنزل دون رغبة في الخروج إلى العالم الحقيقي القاسي.

تحملت الولايات المتحدة العبء الأكبر في حرب أفغانستان، وعلى عاتقها كبح جماح صعود الصين كقوة عظمى، كما أنها تمثل أكثر من 70 بالمائة من الإنفاق العسكري لجميع دول حلف الناتو. يشكل ذلك مفارقة صارخة مع ألمانيا الغربية المسالمة آنذاك، والتي لم تكن ممكنة إلا من خلال المظلة النووية الأمريكية. أما وقد انتهت الحرب الباردة، لن يكون للولايات المتحدة أي اعتراض على تضطلع الأوربيين بمسؤوليات أكبر، على الأقل في منطقتهم.

تلك هي بداية المشكلة، على الأقل وفقًا لجاري سميث، رئيس الأكاديمية الأمريكية في برلين. سميث، الذي يعيش في ألمانيا منذ أكثر من عشرين عامًا، يشعر أن الألمان يعانون من شيء واحد قبل كل شيء: جرعة زائدة من الأخلاق. يقول سميث أنه يفهم بالتحديد سبب استياء الألمان من تجسس وكالة الأمن القومي على هاتف مِركل. ومن ناحية أخرى، يضيف أن الولايات المتحدة هي القوة العالمية الديمقراطية الوحيدة، وهي تواجه منافسين مثل الصين وروسيا، اللتَين لا تستجيب وكالات الاستخبارات الخاصة بهما للنوازع الأخلاقية: "إن الألمان مهووسون تمامًا بقضية هاتف مِركل المحمول، لكنهم لا ينظرون للصورة الكبيرة."

هذا هو ما تبدو عليه الصورة العامة بالنسبة لسميث: فالألمان، من ناحية، يسارعون بتوجيه الانتقادات في اللحظة التي يحاول فيها الأمريكيون إظهار قوتهم العسكرية، أو إعطاء مطوري وكالة الأمن القومي أوامر ليسيروا وفقًا لها. ومن ناحية أخرى، فإنهم يميلون للتراجع عندما يصبح الوضع خطيرًا على الساحة السياسية العالمية، وآخر مثال لهذا هو العملية العسكرية التي قام بها الغرب في ليبيا. يتسائل سميث إذن عمّن يُنتَظَر منه أن يأخذ على عاتقه إيقاف بوتين إذا شعر مرة أخرى بالرغبة في ابتلاع أجزاء من بلدان أخرى؟ 

الألمان "الأقرب إلى الروس" في أوربا 

على عكس السفارة الأمريكية الأشبه بالقلعة، تجسّد السفارة الروسية أمة مليئة بالشوق: الشوق للعظمة، والشوق لأن تتلقى الاحترام والإعجاب، والشوق لإقناع وإرضاء الآخرين. غير أنه لا توجد لديها حاجة واضحة للأمن.

لا يتوجب على أي شخص يصل إلى السفارة الروسية للحصول على موعد سوى الضغط على جرس الباب، والإبلاغ عن اسمه. يرن الجرس، ويُفتح الباب، ويُسمح للزائر بدخول المبنى. لا يُجرى اختبار التحقق من الهوية، ولا يتم تفتيش الحقائب، وليست هناك أي نقاط تفتيش أمنية. لا يُطلب من الزوار ترك هواتفهم المحمولة، أو أجهزة التسجيل، أو مطواة الجيب، في مكتب الاستقبال. يمكن تفسير عمليات التفتيش الأمنية باعتبارها علامة على عدم الثقة في الزوار ‒وهو أمر قليل التهذيب.

السفارة من الداخل فسيحة وواسعة ووفارغة، تمامًا مثل روسيا. تقوم موظفة بمرافقة الضيوف عبر درج ضخم من الرخام الأسود، والذي أهداه المارشال الفنلندي كارل جوستاف مانهايم إلى هتلر لاستخدامه في إقامة نصب النصر في موسكو. تتردد أصداء الأصوات في القاعة ذات القبة الشبيهة بالكاتدرائية، ويتسلل ضوء النهار ضعيفًا خلال فسيفساء من الزجاج تحاكي برج سباسكيا الموجود بالكرملين. يتسم كل شيء بالضخامة وقليل من القتامة، إنه هذا النوع من الهندسة المعمارية التي تعطي الزائر الشعور بأنه وسط قداس ديني.

يخرج السفير فلاديمير ميخائيلوفيتش جرينين لاستقبال ضيوفه في غرفة طعام عملاقة. الغرف مفروشة بأخشاب ثمينة، وأثاث ثقيل، ونجف رائع ‒من طراز قديم ولكنه مميز.

يحييّ جرينين ضيوفه بلغة ألمانية جيدة، والعلامة الوحيدة على أنها ليست لغته الأولى هي لهجة روسية طفيفة. هو يجسد العلاقة الوثيقة بين ألمانيا وروسيا، وهو الأمر الذي يذكره خلال حديثنا. قاتل والد جرينين وحماه على الجبهة خلال الحرب العالمية الثانية، وذلك هو منصبه الدبلوماسي الثالث في ألمانيا. كان السفير الروسي في بون في في السبعينيات، وفي برلين الشرقية خلال فترة سقوط جدار برلين. هو يعرف ألمانيا جيدًا، وقد تابع عن كثب من هم اليوم كبار الساسة، أحيانًا لعدة عقود. يقول جرينين أن "الألمان أقرب إلى الروس أكثر من أي دولة أخرى في أوربا."

بالنسبة للسفير الروسي، ليس هناك تناقض بين الشرق والغرب. فهو ينظر للعلاقة بين روسيا والغرب على أنها مثلث يتألف من الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوربي. والاتحاد الأوربي، كما يقول، يتكون أساسًا من ألمانيا: "سيكون جيدًا إذا استخدم الألمان وضعهم الخاص لتحقيق مستوى أكبر من الفهم داخل هذا المثلث." يجب على ألمانيا -التي تتفهم كلًا من الروس والأمريكيين أفضل من أي شخص آخر- أن تلعب دور الوسيط، وذلك لضمان "أن يجد الجميع لغة مشتركة." 

"لا حرب أخرى ضد روسيا "

خلال فترة وجوده كمستشار، كان جيرهارد شرودر يرى أن هذا هو قدر ألمانيا. كان يعتقد أن الموقع الجغرافي للبلاد في قلب أوربا يعطيها مسؤولية خاصة. وكما قال أستاذ العلوم السياسية هرفريد مونكلَر: "لطالما كانت ألمانيا، بوصفها دولة في وسط أوربا، موجودة على كلا الجانبين، ولطالما كانت مهمتها هي التغلب على التوتر الحضاري في أوربا."

بالنسبة لكثير من الألمان، فإن العلاقة الوثيقة مع روسيا التي يستدعيها السفير جرينين هي جزء من الهوية التي تطورت على مر الزمن، وليس فقط في الجزء الشرقي من البلاد. فقد أصبحت عبارة "لن تكون هناك حرب أخرى" جزءًا من الحمض النووي الألماني. ولكن هناك أيضًا نسخة أخرى من تلك العبارة: "لن تكون هناك حرب أخرى ضد روسيا." غير أن فهم الألمان الفريد لروسيا لا ينبع فقط من سياسة السلمية الجذرية التي اتبعتها ألمانيا بعد عام ١٩٤٥ ونفورها من أي صراع. 

يُقام نادي الرقص "روسِّنديسكو أو "الديسكو الروسي" في حي ميتي بمدينة برلين منذ 15 عامًا، وهو حدث صاخب تتدفق فيه الكحول دون مقابل. الكاتب فلاديمير كامينر، ذو المؤلفات الأكثر مبيعًا، والذي أسس النادي، ويكتب كتبًا ساخرة عن ألمانيا من وجهة نظر أجنبي، يجلس ويأكل سلطة مع لحم الماعز، ويقول إن روسيا كانت دائمًا حلمًا بالنسبة للألمان.

يقتبس كامينر كلام المؤرخ الألماني كارل شلوجل الذي قال: "يرى الألمان أمرًا روحانيًا في طبيعة سيبيريا"، ثم يقول أن كلام شلوجل فيه شيء من الواقع. ويتسائل كامينر بابتسامة، لمَ تبث شبكات التلفاز الألماني دائمًا قصصًا عن سيبيريا كل عام بعد عيد الميلاد؟ وفقًا لكامينر، لا يوجد بلد آخر في العالم يقدم تغطية تلفزيونية هائلة عن سيبيريا مثل ألمانيا.

جاء كامينر إلى برلين من موسكو عام 1990، عندما كان في الثالثة والعشرين، وظل يعيش ببرلين. أحد أسباب اكتساب كتبه شعبية كبيرة، هو أنه بارع جدًا في الوصول إلى قلب العلاقة الألمانية الروسية. رغم أن كتابته تبدو طفولية الطابع، إلا أنها ذكية وقوية أكثر من العديد من الأطروحات الأكاديمية.

بالنسبة للألمان، الولايات المتحدة هي الأب الشرير الذي يجب أن يُصفَع على وجهه. أما روسيا، على الجانب الآخر، فهي بمثابة الأخ الأصغر للألمان، الذي يجب أن يحظى بالرعاية.

يقول كامينر أن الألمان والروس "يجلسون في نفس المطبخ. لدينا تاريخ مشترك ولقد ارتكبنا أخطاءً خطيرة مرارًا وتكرارًا." ويشير إلى أن القيصر بطرس الأكبر طلب من الألمان المساعدة في تحديث روسيا. "ألمانيا وروسيا والدول المجاورة المماثلة، ستعتمد دائمًا على بعضها البعض."

يضيف كامينر أنه طالما استفاد من مودة الألمان للروس. فبالإضافة إلى الديسكو الروسي التقليدي الذي يقام بشكل شهري في برلين، فهو أيضًا ينظم تلك الفاعلية في مدن ألمانية أخرى. يرغب كامينر في التخلي عن دوره كمنظم حفلات منذ فترة طويلة، فيقول: "ببساطة، لا يمكنني الاستماع إلى الموسيقى بعد الآن، لكن الألمان يحبونها." إنهم يحبون تلك الأمسيات، التي تتدفق فيها الفودكا، وتُعزف موسيقى الفولكا بصوت عال، ويكون الرقص أكثر اندفاعًا من غيرها من الحفلات، وتكون قبلات المحبين على سجيتها.

يعتقد كامينر أن الألمان المتحذلقين -الذين يفكرون دائمًا في المستقبل- لديهم توق خفي للحاضر الروسي، لفن نسيان المستقبل، وللشخصية الجامحة التي يتمتع بها غيره من الروس. يقول: "في الديسكو الروسي، لا تحتاج تأمينَا للحصول حتى منضدة."

 

 

الجزء الثالث: الألمان منقسمون حيال روسيا 

في السنوات الأخيرة، كان من السهل أن نؤمن بحسن النوايا الروسية. لم يكن هناك أي سبب للخوف: كانت ألمانيا ممتنة لوحدة بلادها، وتوسعت العلاقات الاقتصادية، وبدا كما لو أن موسكو تندمج مع الغرب من خلال مجموعة الثماني ومجلس روسيا‒الناتو. ورغم الصعوبات المختلفة، ظهرت روسيا على الطريق لمستقبل ديمقراطي، واعتقد الكثيرون أن الانقسامات داخل أوربا قد تم التغلب عليها.

لكن أزمة أوكرانيا جعلت كل شيء موضع تساؤل. إذ قالت وزيرة الدفاع الألمانية أورسولا فون ديرلَين مؤخرًا فيحديث لجريدة شبيجل: "روسيا ليست شريكًا لنا في الوقت الراهن." تجد برلين اليوم نفسها في حاجة إلى بناء جسور مع روسيا، التي أضحت بشكل متزايد مصدرًا لخطاب قومي معادٍ للغرب، كما أصبحت متعصبة تجاه الأقليات القومية والدينية والجنسية ‒مقارنة بأوربا‒ وتحركها رغبة في استعادة ثقلها السابق.

ينقسم الألمان حول علاقتهم مع روسيا. فأولئك الذين لم يشعروا بالثقة تجاه روسيا يشعرون اليوم أنهم على حق تمامًا، في حين أولئك الذين دعوا إلى التعاطف مع المواقف الروسية يدعون الآن لفهم أكبر لها. في استطلاع الرأي الذي أجرته شبيجل، يشير ثلاثة أرباع الألمان إلى أن ثقتهم الآن في روسيا "تضاءلت فى الأغلب". ومع ذلك، قال حوالي 40 بالمائة ممن شاركوا أنهم يودون أن يروا ألمانيا تتعاون بشكل وثيق مع روسيا في المستقبل.

بالنسبة للسياسة الخارجية الألمانية -التي طالما كانت تفخر بتقاربها الخاص مع روسيا- موسكو اليوم لا يمكن التنبؤ بها. لا يعرف أحد ما هي نوايا بوتين الحقيقية. هل يحاول منع حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوربي من التوسع شرقًا أكثر؟ أم يريد إعادة بناء الاتحاد السوفيتي، الذي وصف تفككه ذات مرة بأنه "أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين؟"

كانت روسيا الجديدة العصية على الفهم موجودة في برلين في منتصف شهر مايو، عندما حضر المسؤول الروسي المقرب من بوتين، فلاديمير ياكونين، اجتماعًا للمنتدى الألماني الروسي، وهي منظمة ضغط مماثلة لجسر الأطلسي.

كان عنوان الفاعلية "أوروبا: أهي ضائعة في الترجمة؟" ياكونين رجل ضخم طويل القامة، ذو رأس ضخمة كبيرة، ويقدم نفسه بوصفه ممثل القومية الروسية الجديدة. بدأ خطابه بقوله: "أنا روسي، وأنا فخور بذلك." ولكن هذا النوع من القيم الغربية التي يريد لروسيا وأوربا أن يتشاركوها ليس من النوع الذي يحب معظم الناس في المجتمعات المسيحية المستنيرة أن يروه: العداء لأمريكا، رفض الشذوذ الجنسي، وضيق الأفق.

يقول ياكونين ساخرًا "إن الأمريكيين لا يعرفون حتى أين هي شبه جزيرة القرم"، داعيًا الأوربيين للانضمام إلى روسيا في معركة مشتركة ضد "الليبرالية الشمولية." يقول ياكونين: "جوهر الديمقراطية ليس النساء الملتحيات، بل حكم الشعب"، في إشارة إلى مسابقة الأغنية الأوربية، والفائزة بها لعام 2014 المغنية النمساوية المتحولة جنسيًا كونشيتا ورست.

هل بوسع روسيا أن تكون ديمقراطية؟ يبقى هذا السؤال دائمًا في الخلفية عندما تفكر ألمانيا في علاقتها مع موسكو. فلا يكاد أي تصريح في السنوات الأخيرة يكتسب اهتمامًا وشهرة أكثر من وصف المستشار الألماني السابق شرودر لبوتين بأنه "ديمقراطي مثالي"، في نكران واضح لميوله الاستبدادية. غالبًا ما يُنظَر للألمان الموالين لروسيا أيضًا على أنهم ذوي نزعات استبدادية. ففي مقال نُشِر في شبيجل، اتهمهم المؤرخ هاينريش أوجوست فينكلر بأنهم أقرب فكريًا إلى النازيين ورئيس دعايتهم السياسية جوزيف جوبلز.

هذا أمر خاطئ تمامًا. يمكن لألمانيا أن تكون البلد الذي يفهم روسيا أفضل من غيرها دون المساس بموقعها في الغرب. فالأمر ليس الحاجة إلى الوقوف على مسافات متساوية من الغرب وروسيا، وبالتأكيد ليس تضادًا بين الديمقراطية والاستبداد. تبنّي السياسات التي نتجت عن موقع ألمانيا الجغرافي المتوسط، ليس مساوٍ لتبني موقف أيديولوجي وسطي.

حذر عالم الاجتماع والفيلسوف يورجن هابرماس مؤخرًا من أن ألمانيا بدأت في الانزلاق مرة أخرى إلى "موقف خطير للغاية وشبه تسلطي." ولكن ليس هناك ما يبرر مخاوفه. لم يعد يجب على ألمانيا أن تخشى نفسها. وفقًا لاستطلاعات رأي عالمية، يرى الكثيرون الآن أن ألمانيا هي البلد الأكثر شعبية في العالم. كما أن الدعوات التي تقدَّم لألمانيا لتولي المزيد من المسؤولية تلقى شبه اتفاق من الجميع في الخارج. أثناء أزمة اليورو، تولت ألمانيا عبئًا أكبر في السياسة المالية والاقتصادية، ومثل أي قوة كبرى، وجدت هجومًا لقيامها بذلك. هذا الأمر يحدث ببساطة مع تولي المسؤولية.

إن الانسلاخ من التحالف الغربي ليس خيارًا مطروحًا بالنسبة لألمانيا. فقد جلبت عضوية حلف شمال الأطلسي لألمانيا أكثر من نصف قرن من الأمن والسلام، كما أن ثلاثة أرباع الألمان مقتنعون بأنها لا تزال ضرورية حتى بعد انتهاء الحرب الباردة. لا تشكك الأغلبية الساحقة من الألمان في علاقات بلدها مع الغرب.

دور خاص لألمانيا 

مع ذلك، بوسع ألمانيا أن تجعل من نفسها أكثر استقلالًا عن الولايات المتحدة. كان رفض شرودر الانخراط في حرب العراق قرارًا صائبًا، إذ كان إشارة لأن ألمانيا –رغم بقائها وفيّة لتحالفاتها- ليست على استعداد للمشاركة في سياسة خادعة بنيت على الأكاذيب، والتي وصلت بالمنطقة بأكملها إلى حالة من الفوضى، كما بات واضحًا اليوم. تخلى أوباما عن سياسة بوش في الحرب، لكنه لم يتخلى عن أساليبه في جمع المعلومات الاستخباراتية.

بوسع مِركل أن تقول بكل وضوح للولايات المتحدة أنها ليست على استعداد لقبول مكائد وكالة الأمن القومي. فحتى الآن، لم تترك تحذيرات المستشارة البسيطة أي انطباع لدى أوباما، كما تشير أحدث فضيحة تجسس. ولهذا سيكون من الصواب منح حق اللجوء إلى مُسرِّب المعلومات إدوارد سنودن. 

سيكون لذلك ثمنٌ باهظٌ بطبيعة الحال. فهو يعني أن العلاقات مع واشنطن ستصبح فاترة جدًا لفترة من الوقت. ولكن ألمانيا تستطيع انتقاد سياسات بوتين بمصداقية فقط إذا كان بإمكانها أن تشير إلى العيوب في التحالف الغربي. حاليًا، التعاطف الألماني مع بوتين مبني إلى حد ما على الشعور بأن الولايات المتحدة ليست أفضل حالًا بكثير، وأنها مستعدة لانتهاك القانون الدولي إذا عزّز ذلك غاياتها السياسية.

فردت ألمانيا جناحيها في السنوات العشرين الماضية، ولم يعد بوسعها الاختباء وراء آخرين. بدلًا من ذلك، يمكن لألمانيا أن تقود أوربا لتقوم بدور سياسي مستقل. كما يجب أن تكون قدوة لروسيا في سعيها لتصبح جزءًا من الغرب. ولكن يجب أيضًا وضع حدود واضحة إذا أردات موسكو إعادة استخدام العنف كأداة سياسية وهددت الحلفاء. أما بالنسبة لأمريكا، فقيام ألمانيا بهذا الدور قد لا يجعلها شريكًا مثاليًا، ولكنها ستكون في نهاية المطاف مصدرًا للارتياح.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب