اللعبة الإسرائيلية الفلسطينية

Gaza غزة

لقد ناقشنا طويلًا  كيف أن الصراع العربي الإسرائيلي غير قابل للحل لأسبابٍ كامنة فيه. تشتعل الآن الحرب في غزة للمرة الثالثة في الأعوام الأخيرة. ويطلق الفلسطينيون صواريخًا محدودة التأثير على إسرائيل. بينما يقوم الإسرائيليون بعمليات موسعة لتدمير الأنفاق الموجودة على طول الخط الحدودي بين غزة وإسرائيل. ومثلما كان الأمر في الحروب السابقة، لن تسفر هذه الحرب أيضًا عن شيء. يريد الإسرائيليون تدمير صواريخ حماس. غير أنهم لن يستطيعوا فعل ذلك إلا باحتلال غزة والبقاء فيها لمدةٍ طويلة تمكِّن المهندسين من البحث عن الأنفاق ومستودعات الأسلحة في القطاع، الأمر الذي سيؤدي لوقوع عددٍ من الخسائر والضحايا بين صفوف الإسرائيليين في حرب عصاباتٍ ستشنها حماس على أرضهم التي لا يمكنهم الانسحاب منها لمكانٍ آخر. لذلك ستواصل حماس إطلاق الصواريخ، ورغم عدم الدقة الشديد لهذه الصواريخ، وامتلاك إسرائيل لنظام القبة الحديدية، إلا أن حماس ستسبب خسائر طفيفة للإسرائيليين.

حربٌ بلا مردود عسكري

أكثر عناصر هذه الحرب إثارة هي أن الطرفين رأوا أنها ضرورية، رغم العلم بأنه لن يكون لها أي نتيجة عسكرية ملموسة. إذ أثار الصراع اختطاف وقتل ثلاثة مراهقين إسرائيليين، تلاه إحراق طفل فلسطيني. يثار دائمًا نقاشٌ جدلي لا نهاية له حول الخطيئة الأصلية: من الذي ارتكب الجريمة الأولى؟

بالنسبة للفلسطينيين؛ الجريمة الأصلية هي هجرة اليهود إلى الأراضي الفلسطينية التي كانت تحت الانتداب، ثم تأسيس دولة إسرائيل وطرد العرب من هناك. بالنسبة لإسرائيل؛ وقعت الخطيئة الأولى بعد حرب 1967، التي استولت خلالها على الضفة الغربية وغزة ومرتفعات الجولان والقدس الشرقية. إذ كان الإسرائيليون مستعدين في هذه اللحظة لمناقشة اتفاق للتوصل إلى حل، ولكن العرب أعلنوا "اللاءات الثلاثة" المشهورة في اجتماع الخرطوم: لا تفاوض، لا اعتراف، لا سلام. الأمر الذي جعل الإسرائيليين يتمسكون بموقف أشد صلابة. باءت كل محاولات التفاوض التي أعقبت إعلان الخرطوم بالفشل، وظلت اتفاقية لا اعتراف ولا سلام ساريةً إلى حد كبير. أصبحت هدنة وقف إطلاق النار هي أفضل ما يطمح إليه الجميع.

بالنسبة لحماس على الأقل –وأظن أن الأمر هو نفسه في نظر العديد من الفلسطينيين في الضفة الغربية– الحل الوحيد هو محو إسرائيل من الوجود. وبالنسبة للعديد من الإسرائيليين؛ الحل الوحيد هو مواصلة احتلال كل الأراضي التي تم الاستيلاء عليها حتى يوافق الفلسطينيون على السلام والاعتراف بدولة إسرائيل. وحيث أن هؤلاء الإسرائيليين أنفسهم لا يعتقدون بأن هذا اليوم يمكن أن يأتي، سيظل الاحتلال مستمرًا.

في ظل هذه الظروف، تعد حرب غزة شكلًا من أشكال إعادة ترتيب البيت الداخلي. بالنسبة لحماس؛ أهم ما في الأمر هو إظهار أنها تستطيع أن تطلق صواريخًا على إسرائيل. هذه الصواريخ ليست دقيقة، ولكن المهم هو أنها هُرِّبت إلى غزة، حيث يفترض ذلك في نهاية المطاف أنه سيتم تهريب أسلحة أكثر خطورة إلى الأراضي الفلسطينية. في الوقت ذاته، تظهر حماس قدرتها على تحمل وقوع ضحايا بين صفوفها بينما تستمر هي في القتال. 

بالنسبة للإسرائيليين؛ كل ما في الأمر أنهم يرغبون في تنفيذ العملية كهدف في حد ذاته. فهدف الإسرائيليين هو بلا شك معاقبة غزة، ولكنهم لا يعتقدون أنهم قادرون على فرض إرادتهم عليها وإجبار الفلسطينيين على القبول بحل سياسي مع إسرائيل. هدف الحرب هو إملاء إرادتك السياسية على عدوك، ولكن ما لم يفاجئنا الإسرائيليون بقوة، لن ينتج شيئًا حاسمًا عن هذا الصراع. وحتى لو استطاعت إسرائيل تدمير حماس بشكلٍ ما، ستخرج منظمةٌ أخرى لتشغل موقعها في المنظومة الطبيعية الفلسطينية. لا تستطيع إسرائيل أن تذهب بعيدًا بما يكفي لكسر إرادة المقاومة الفلسطينية، حيث أنها تعتمد في تلبية احتياجاتها الأمنية على طرفٍ رئيس ثالث. يخلق ذلك تناقضًا أصيلًا، فإسرائيل تتلقى دعمًا أمريكيًا كافيًا لضمان بقائها، إلا أنه ليس من المسموح لها –لاعتباراتٍ إنسانية– أن تقوم بعملٍ حاسمٍ قد يحل مشكلاتها الأمنية. 

بالتالي، فإننا نشاهد أشكالًا مختلفة من العنف الدوري، لا تهدف ولا يُتوقع من أيٍ منها أن تحقق إنجازًا سياسيًا يُذكَر. فالحرب هنا ليست أكثر من سلسلة من التحركات الملطخة بالدم. هناك بعض الأهداف المحدودة، مثلًا؛ تدمير الأنفاق الفلسطينية أو إبراز قدرات الفلسطينيين التي تجبر إسرائيل على اتخاذ إجراءاتٍ أمنيةٍ مكلفة. ولكن حماس لن تنهزم، وإسرائيل لن تقدم تنازلات.

مشكلات السيادة والقدرة على الاستمرار

لذلك فالسؤال هنا ليس الهدف من كل هذا –رغم أنه موضوعٌ رائع– ولكن متى ينتهي كل هذا. إذ يجب أن تكون هناك نهاية لكل ما هو إنساني. الصراعات طويلة الأمد السابقة، كتلك التي كانت بين فرنسا وإنجلترا، انتهت أو تغير شكلها على الأقل. وفقًا لهذه السُنّة، فإن الفلسطينيين والإسرائيليين سيصلون إلى حلٍ لصراعهم في الوقت المناسب.

يعتقد العديد أن إنشاء دولة فلسطينية سيكون الحل، ويواجه الذين يعتقدون ذلك دائمًا صعوبةً في فهم أسباب عدم تنفيذ هذا الحل المعقول والذي لا يحتاج إلى دليل. السبب هو أن الحل المقترح ليس على هذا القدر من المعقولية التي قد تبدو للبعض.

تحاصر قضيتا القابلية للاستمرار والسيادة أي نقاش حول دولة فلسطينية. إذ تثير الجغرافيا تساؤلات حول قدرة أي نظام سياسي فلسطيني على الاستمرار. ففلسطين تنقسم بين مركزين سكانيين (غزة والضفة الغربية) مفصولين عن بعضهما البعض. أحد هذين المركزين (غزة) مزدحمٌ بشكل هائل، وضيقٌ للغاية. لذا فقدرته على تنمية وضعه الاقتصادي بشكل مستدام محدودة. تمتلك الضفة الغربية إمكانيات أكثر، ولكنها رغم ذلك ستكون خاضعة للدولة الإسرائيلية الأكثر نشاطًا. وإذا ما تم سحب القوى العاملة الفلسطينية واستيعابها في الاقتصاد الإسرائيلي، ستصبح المنطقتان ملحقتين بإسرائيل. في إطار حدودها الحالية، من المستحيل تصور دولة فلسطينية قادرة على الاستمرار.

من وجهة النظر الإسرائيلية، تأسيس دولة فلسطينية في إطار مايشبه حدود 1967 (بتنحية إشكالية "القدس" جانبًا) سيضع أهدافًا عسكريةً ثمينة في مرمى تصويب الفلسطينيين، تحديدًا تل أبيب وحيفا. بالنظر إلى تاريخها، ليس من المرجح أن تأخذ إسرائيل تلك المخاطرة ما لم تمتلك الحق في الإشراف على الوضع الأمني في الضفة الغربية بصيغةٍ ما، الأمر الذي –بالتبعية– سيقوِّض السيادة الفلسطينية.

عندما تفكر في كل الاحتمالات الممكنة لحل الدولتين، فإنك تصل إلى إشكالية أن أي حل يطالب به أحد الطرفين سيكون غير مقبول للطرف الآخر. ببساطة، لن تسمح الجغرافيا بوجود دولتين صاحبتي سيادة. بهذا المعنى، يكون المتطرفون على الجانبين أكثر واقعية من المعتدلين. إلا أن هذا الواقع تواجهه مشكلاتٌ أخرى.

ذروة التفوق الإسرائيلي

إسرائيل حاليًا في أفضل وضعٍ أمني لها، إلا إذا كانت هنالك إمكانية لاختفاء حماس من الوجود مع عدم نشأة بديل مكانها، وأصبحت الضفة الغربية أكثر تسامحًا مع إسرائيل. ليس من المتوقع أن تحدث أيٌ من هذه الاحتمالات. إلا أن الوضع الاقتصادي الإسرائيلي يتفوق كثيرًا على جيرانها. فالفلسطينيون ضعفاء ومنقسمون. كما أن أيًا من جيران إسرائيل لا يشكل تهديدًا بالغزو، فالوضع مستقرٌ منذ التطبيع مع مصر عام 1977. الأردن تربطها علاقات وثيقة حتمية مع إسرائيل، ومصر ملتزمة بالمعاهدة، وحزب الله منشغلٌ في سوريا. بعيدًا عن غزة، التي تمثل تهديدًا بسيطًا، فإن وضع إسرائيل من الصعب أن يكون أفضل من ذلك.

لا تستطيع إسرائيل تغيير وضعها الديموغرافي بشكلٍ جذري. ولكن بإمكان عدة تطورات في المنطقة أن تقلب الموازين ضدها. فمن الممكن أن تتعاقب الحكومات في مصر، بما يدفعها إلى نقض المعاهدة وإعادة تسليح ودخول شبه جزيرة سيناء. كما يمكن لحزب الله استغلال خبرته في سوريا لفتح جبهة في لبنان. كذلك يمكن أن تصل حكومةٌ إسلامية للسلطة في سوريا وتهدد مرتفعات الجولان. في الأردن، من الممكن أن يسقط الإسلاميون "العائلة الهاشمية" المالكة ليشكلوا خطرًا على الشرق الإسرائيلي. أيضًا، ربما تتطور الحكومة في تركيا لتصبح حكومةً إسلامية متطرفة وترسل قوات تشكّل تحديًا لإسرائيل. ومن الجائز أن تحدث ثورة ثقافية في العالم العربي بإمكانها أن تشكّل تحديًا أمام التفوق الاقتصادي الإسرائيلي، وبالتالي قدرتها على شن الحرب. إيران أيضًا يمكنها أن تهرّب صواريخ إلى غزة، وهكذا.

هناك إذن بعض التناقض في الاحتمالات. من الصعب أن نتخيل أي تطورات تقنية أو سياسية أو اقتصادية يمكنها أن تحسّن ماديًا من موقع إسرائيل المتفوق، إلا أن هناك العديد من الأشياء التي يمكن أن تضعف إسرائيل، وبعضها يمكنه فعل ذلك بشكلٍ جوهري. قد يبدو كل واحدٍ من تلك الأشياء بعيد المنال الآن. بيد أن كل شيء مستقبلي هو بعيد المنال بشكل أو آخر، ولكن لا يوجد ما لا يمكن تصوره وتحقيقه.

المساومة على القوة هي قاعدة السياسة والتجارة. فإسرائيل ستظل قويةً كما هي الآن. ولكنها لا تظن أن بإمكانها التوصل إلى تسوية نهائية مع الفلسطينيين يمكنها أن تضمن الأمن القومي الإسرائيلي، وهي رؤية مؤسسة على القراءة الواقعية للجغرافيا. لذلك، ترى إسرائيل أن تقديم تنازلات للفلسطينيين، رغم موقعها النسبي في توازنات القوى، أمر بلا طائل.

في هذه الظروف، تسعى الاستراتيجية الإسرائيلية إلى حفظ قوة إسرائيل عند الدرجة القصوى، واستخدام نفوذها فيما يمنع نشوء تهديدات جديدة. من هذا المنظور، يمكننا فهم الاستراتيجية الإسرائيلية في إنشاء المستوطنات. ففي حالة عدم وجود أي مفاوضات، ويجب على إسرائيل الحفاظ على تفوقها النوعي، يكون خلق عمق استراتيجي في الضفة الغربية أمرًا معقولًا. كان الأمر سيبدو أقل معقولية، إذا كانت هناك احتمالية لعقد معاهدة سلام. يجب على إسرائيل أيضًا إلحاق هزائم مؤقتة بأي قوى فلسطينية معادية من وقتٍ لآخر بهدف إعاقتها عدة سنوات ولإظهار القدرات الإسرائيلية لأغراض نفسية.

في هذه الأثناء، يجب على الطرف الفلسطيني الحفاظ على تماسكه السياسي والانتظار، مستغلًا موقعه في محاولة الإيقاع بين إسرائيل وحلفائها الأجانب، خاصة الولايات المتحدة، ولكن مع فهم أن أي تغيير في الوضع القائم سيحدث فقط من خارج دائرة الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني. العقبة الأساسية التي يواجهها الفلسطينيون هي الحفاظ على أنفسهم ككيان واحد يمتلك قوة كافية لمقاومة الاعتداءات الإسرائيلية لبعض الوقت. ستعمل أي معاهدة سلام على إضعاف الفلسطينيين بسحبهم إلى المجال الإسرائيلي وإثارة أسباب الشقاق بينهم. وبرفضهم معاهدة سلام، سيظلون كتلة واحدة، وإن حدثت بعض الانقسامات. يضمن ذلك لهم أن يكونوا في الموقع الصحيح عندما تتغير الظروف.

بعد خمسين عامًا

مشكلة إسرائيل الأساسية هي أن الظروف والعوامل تتغير دائمًا. فتوقع الإمكانات العسكرية للعالمين العربي والإسلامي خلال خمسين عامًا ليس بالأمر السهل. من المرجح أنهم لن يكونوا أضعف مما هم عليه اليوم، ومن الممكن إقامة حجج قوية على أن العديد من عناصرهم -على الأقل- ستكون أقوى. في هذه الحالة، إذا ما قام بعضٌ منهم، أو كلهم، بتحركاتٍ عدائية تجاه إسرائيل، فإنها ستقع في أزمة.

الوقت ليس في صالح إسرائيل. فمن جانب، من المحتمل أن يحدث شيءٌ ما يتسبب في إضعاف موقعها، ومن جانبٍ آخر، ليس هناك احتمال أن يحدث أي شيء بإمكانه تعزيز موقعها. كان من الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى الدفاع عن خيار المفاوضات، ولكن الفلسطينيين لن يقبلوا بأي حلٍ يتركهم ضعفاء ومنقسمين، وأي اتفاقٍ يمكن لإسرائيل التعايش معه لن يؤدي لغير ذلك.

ما نشاهده الآن في غزة ليس أكثر من إعادة ترتيب للبيت الداخلي، فكلا الطرفين يحاولان الحفاظ على موقعيهما. يحتاج الفلسطينيون إلى الحفاظ على تضامنهم وتماسكهم على المدى الطويل. ويحتاج الإسرائيليون إلى الاحتفاظ بتفوقهم الاستراتيجي لأطول فترة ممكنة. ولكن ليس هناك ما يمكنه الاستمرار للأبد، ومع الوقت، ستتراجع القوة النسبية لإسرائيل. أثناء ذلك، قد تزداد قوة الفلسطينيين النسبية، وإن لم يكن ذلك مؤكدًا.

بالنظر إلى المخاطر النسبية، يبدو أن اتخاذ الفلسطينيين لخيارات بها مخاطرة كبيرة قرارٌ حكيمٌ على المدى الطويل. ولكن الأمم لا تصنع قراراتها بمثل هذه الحسابات التجريدية. ستراهن إسرائيل على قدرتها على البقاء قوية. ومن وجهة النظر السياسية، ليس لديها خيارٌ آخر. بينما سيراهن الفلسطينيون على لعبة النفس الطويل، فهم أيضًا لا يملكون خيارًا آخر. في غضون ذلك، ستسيل الدماء بشكلٍ دوري.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب