دموع التماسيح السعودية على غزة

إنها لمهمة صعبة أن تكون السفير السعودي لدى بريطانيا. إذ عليك، أولًا، أن تنهمك في إنكار ما لا يمكن إنكاره: أن الهجوم الإسرائيلي على غزة يأتي بدعم من السعودية. وهذا في حد ذاته أمرٌ مهين. ولكنك ما إن تنتهي من تفريغ شحنة غضبك، حتى يناقض كلامك أحد زملائك. الأسوأ من ذلك، هو أنه شقيق رئيسك في العمل. كيف يمكن أن تتصرف أيها الأمير؟

في رده على مقالي، كتب الأمير محمد بن نواف آل سعود: "كونك تعتقد أن المملكة العربية السعودية، التي وهبت نفسها لدعم وحماية حقوق جميع الفلسطينيين في تقرير المصير والسيادة، ستدعم عن علم الأفعال الإسرائيلية، هو بكل صراحة إهانة بشعة". ولكنه بعد ذلك يعترف بــ"تعاملات" بين المملكة وإسرائيل، ولكن يدعي أن تلك التعاملات "تقتصر على التوصل إلى خطة للسلام". ثم يردف: 

"إن الشعب الفلسطيني هم إخواننا وأخواتنا، سواء أكانوا من المسلمين أو المسيحيين العرب. تأكدوا أننا، شعب وحكومة المملكة العربية السعودية، لن نتخلى عنهم، ولن نفعل أي شيء لإلحاق الضرر بهم، وسنفعل كل ما بوسعنا لمساعدتهم في مطالبهم المشروعة باستعادة وطنهم، وعودة الأراضي التي استُولي عليها منهم بصورة غير مشروعة." 

لم يكد يجف حبر البيان الصحفى الرسمي، حتى كتب الأمير تركي الفيصل-السفير السابق لبريطانيا قبل محمد بن نواف، ورئيس المخابرات السابق، وشقيق وزير الخارجية الحالي- في صحيفة الشرق الأوسط أن حماس مسؤولة عن إطلاق الصواريخ، وعن رفضها لخطة وقف إطلاق النار التي اقترحتها مصر (والتي من شأنها أن تنزع سلاحها). وهي وجهة النظر التي تتشاركها مصر وإسرائيل أيضًا. 

أين الحقيقة إذن؟ هل تدعم السعودية الفلسطينيين في مقاومتهم للاحتلال؟ أم أنها تؤيد الحصار الذي تقوم به إسرائيل ومصر، حتى يتم نزع سلاح غزة؟ هاتان سياستان منفصلتان-دعم المقاومة الفلسطينية للاحتلال وإنهاء حصار غزة، أو استمرار الحصار حتى يتم نزع سلاح جميع الفصائل في غزة. إما أن إسرائيل تقوم بإبادة جماعية (تلك كلمات قوية يا سيادة السفير) أو أن المقاومين إرهابيون يجب نزع سلاحهم. عليك تحديد ماذا تريد من المملكة أن تقوله. لا يمكنك أن تقول الرأيين معًا. لا يمكنك تأييد الفلسطينيين بينما تعطي إشارة وتغمِز لقاتليهم. 

وهل معاملات المملكة مع إسرائيل حقًا "تقتصر على التوصل إلى خطة سلام"؟ أنت مطلعٌ على الوثائق يا سيادة السفير. فقل لنا ما جرى بين الأمير بندر ورئيس جهاز الموساد تامير باردو في هذا الفندق في العقبة في نوفمبر الماضي. فقد سرّب الأردنيون الأمر إلى صحيفة إسرائيلية في إيلات. هل كان بندر وباردو يتشمسان في شمس فصل الشتاء، أم يتحدثان عن مبادرة السلام العربية، أم يخططان لكيفية قصف إيران؟ 

ولماذا يثرثر أصدقاؤك الإسرائيليون الجدد؟ بذكر أحدث مثال، لماذا قال دان جيلرمان، السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة بين عامي 2003 و2008، في نهاية الأسبوع، أن "ممثلين من دول الخليج قالوا لنا مرارًا وتكرارًا أن ننهي المهمة في غزة." إنهاء المهمة؟ هل قتل أكثر من ألف فلسطيني، معظمهم من المدنيين، ما كنت تعنيه عندما قلت "لن نفعل أي شيء لإلحاق الضرر بهم"؟ 

توفر المذبحة في غزة للعالم، على الأقل، رؤية واضحة عن أبطال القصة. وأعجب ما فيها هو أن جميعهم حلفاء للولايات المتحدة، فلدى ثلاثة منهم قاعدة أمريكية على أراضيهم، ورابعهم عضو في حلف شمال الأطلسي. فمشاكل أمريكا في الشرق الأوسط تتعلق بحلفائها أكثر مما تتعلق بأعدائها. 

على أحد الجانبين، تقف إسرائيل، والسعودية، ومصر، والإمارات، والأردن. ويعتبرون أنفسهم صوت العقل والاعتدال، ولكن أساليبهم عنيفة ‒فالانقلاب العسكري في مصر والهجوم على غزة حدثا في غضون 12 شهرًا. وعلى الجانب الآخر، تقف تركيا، وقطر، والإخوان المسلمون وحماس التابعة لها.

رغم ذلك، يجب علينا الحديث عن الحكومات لا عن الناس، لأن أحد الأسباب التي تجعل لدى حكومة السعودية مثل هذا الموقف المتطرف من حماس، والإخوان بشكل عام، هو أنها تعرف جيدًا أن شعبها لا يشاركها نفس وجهة النظر.

فقد وجد مركز استطلاع الرأي السعودي الأهم "راكين" أن 95 بالمائة، من عينة مكونة من ألفين سعودي، تؤيد استمرار فصائل المقاومة الفلسطينية، بينما رفضتها فقط 3 بالمائة. كما أيد 82 بالمائة إطلاق الصواريخ على إسرائيل، وعارضها 14 بالمائة. لا تنبع كراهية المملكة للإسلاميين من حقيقة أنهم يقدمون رؤية إسلامية منافسة، بل لأنهم يقدمون للمؤمنين بديلًا ديمقراطيًا. هذا هو ما يخيف المملكة حقًا.

يظهر الدليل على جميع تلك الاجتماعات السرية السعودية الإسرائيلية في سلوك مصر. فمن المستحيل أن نصدق أن الرئيس الجديد عبد الفتاح السيسي يمكن أن يتصرف تجاه حماس في غزة بعيدًا عن مموليه وسادته في الرياض. فمن يدفع المال -5 مليار دولار بعد الانقلاب، و20 مليار دولار حاليًا– يصبح هو الآمر الناهي.

يرى السيسي حماس عبر قضية جماعة الإخوان المسلمين التي خلعها العام الماضي. يتم تصوير حماس كعامل الشر في الصحافة المصرية المتملقة، وكأنها عدو مصر. إذ سُمِح بالقليل من المساعدات عبر معبر رفح الحدودي، كما يتم فتحه بشكل متقطع لبضعة آلاف من الجرحى الفلسطينيين. ولم يكن الجيش الإسرائيلي وحيدًا في تفجير أنفاقٍ لحركة حماس. فقد أعلن الجيش المصري مؤخرًا أنه فجّر 13 نفقًا آخر، وهو الفعل الذي جعل مصر جديرة بلقب "جارة مخلصة" لإسرائيل. إن السيسي راضٍ بالسماح لحماس وغزة أن يتلقيا الضربات الموجعة، ولا يبذل أي جهود للتوصل إلى هدنة. فلم يجرى حتى التفاوض مع حركة حماس حول المبادرة الأخيرة. 

أجرى مبارك حسابات خاطئة مماثلة خلال عملية التوغل الإسرائيلي في لبنان عام 2006، ودعم العملية التي كان يعتقد أنها ستشِل حزب الله. لكنه في النهاية اضطر لإرسال ابنه جمال إلى بيروت للتعبير عن دعم مصر للشعب اللبناني. تدرك كل من المملكة والسيسي أن إسقاط الكارت الفلسطيني هو عمل محفوف بالمخاطر. 

تسير السعودية على خيط رفيع. فوفقًا لمصادري، يرجع رفض نتنياهو لمبادرة السلام، التي طرحها كيري خلال عطلة نهاية الأسبوع، بشكل جزئي إلى الدعم الكامل الذي تتلقاه إسرائيل من حلفائها العرب. الدعم الكبير الذي تقدمه السعودية هو ما يحافظ على استمرار تلك الحرب الوحشية.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب