مناورات إسرائيل المُهلكة

 

تتحرك القوات البرية الإسرائيلية داخل غزة. وهو أمر منطقي من وجهة نظر تكتيكية بحتة وعلى المدى القصير. أما من وجهة نظر استراتيجية وعلى مدى متوسط إلى طويل الأجل، فهو أمر جنوني. 

إن التوقعات قصيرة الأمد واضحة بشكل ما. فميليشيات حماس تطلق الصواريخ تجاه إسرائيل. ولا يوجد تعامل مع حكومة غزة، حيث أن قادتها هم ميليشيات حماس أنفسهم. لا يكفي الرد بالضربات الجوية لإنهاء المهمة، كما أنه يؤدي إلى أخطاء رهيبة. لذا، فلتنطلق الدبابات. 

ولكن دعونا نقول أن الاجتياح سيسحق حماس، وهي نتيجة ممكنة إذا أُطلق للجيش الإسرائيلي على سجيته. ثم ماذا؟ سيجب على الإسرائيليين إما إعادة احتلال غزة، مع كل الأعباء والمخاطر التي ينطوي عليها ذلك، أي تكلفة التطهير وتوفير الخدمات، والخطر الدائم من التعرض لإطلاق النار أو للأسوأ من قبل الثوار المحليين (الذين سوف يشملوا الآن آباء وإخوة و ابناء عم هؤلاء الذين قتلوا)، والمشاعر اليومية التي يعاني منها المظلومين والظالمين. أو سيكون على الإسرائيليين الدخول إلى غزة، ثم الخروج، وتركها موضع خصب للحراثة من قبل الميليشيات، بما في ذلك الإسلاميين على غرار داعش، من هم أكثر خطورة من حماس. 

وفي كلتا الحالتين، ما هي الفائدة؟ في مقالة ممتازة نشرت في نسخة النيويوركر على الانترنت، يحكي برنارد أفيشاي، وهو صحفي قديم وأستاذ في التجارة في الجامعة العبرية في القدس، أن رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق ايهود اولمرت قال له "أن من أهداف إطلاقه عملية غزة في 2008 هو تقوية محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، والذي كان يدفع معه مفاوضات حل الدولتين." لم ينجح ذلك التكتيك وقتها، وهو بالتأكيد لن ينجح الآن، نظرًا لأنه لا توجد مثل تلك المحادثات أو حتى أي احتمال لوجودها. 

بصورة مجردة، من الفطنة ملاعبة حماس ذات الطابع الراديكالي في غزة ضد السلطة الفلسطينية الأكثر اعتدالا في الضفة الغربية، ولكن في الوقت الراهن، لا تقدم إسرائيل لتلك الأخيرة اي مكافآت. يرغب عباس في مواصلة لعب تلك اللعبة التي لعبها في الماضي، ولكن إسرائيل قد ألغت مباحثات السلام، وتواصل توسيع مستوطناتها، ولم تتوقف عن إقامة الأسوار ونقاط التفتيش المهينة. باختصار، لم تقدم إسرائيل شيئًا قد يؤدي بسكان غزة إلى حسدهم لحياة سكان الضفة الغربية للدرجة التي تدفعهم إلى الضغط أو إلى إسقاط قادتهم. أو بعبارة أخرى: لم تفعل إسرائيل شيئا يمكن أن يوازي بين إضعاف حماس وتعزيز عباس. 

وعند رؤيته لنفوذه ينسحب منه بعيدًا، عقد عباس خطوات في أواخر مايو لتشكيل حكومة وحدة تضم الضفة الغربية وقطاع غزة. كانت الفكرة استمالة حماس وبالتالي إضعافها. لكن نتنياهو- في خوفه من أن تستغل حماس تلك الترتيبات لصالحها- أدان الخطوة واغلق المحافل الدبلوماسية مع عباس. قد تكون مخاوف نتنياهو صحيحة، ولكن قطع الصلات مع عباس (مما يجعل من الصعب على عباس تقديم لشعبه بديلا لحماس)، يساعد على جعل أسوأ تلك المخاوف تتحقق. 

يبدو أن الحكومة الإسرائيلية قد نسيت كيفية التفكير بشكل استراتيجي. على أقل تقدير، أصبحت لديها نزعة من التدمير الذاتي تدفعها إلى المبالغة في تصرفاتها. على سبيل المثال، في عام 2006، عندما توغل حزب الله في إسرائيل من جهة جنوب لبنان، أدانت الجامعة العربية كلها ذلك – وهو أمر غير مسبوق - وعرضت مصر استضافة قمة الجامعة حيث ستنظر في الإجراءات. ولكن بعد ذلك، صعدت إسرائيل الصراع انتقامًا بضربات جوية هائلة، غير متناسبة، مما حول حزب الله إلى أبطال محليين، والأمر الأكثر خطورة هو أنهم جلبوا استعداء الدول العربية المجاورة. ألغت مصر القمة. وتبددت فرصة وجود محور استراتيجي حقيقي. 

وهاهي تتبدد مرة أخرى. حتى هذا الصراع مع غزة، كانت إسرائيل تتمتع بمستوى من الأمن لم تره منذ سنوات عديدة. لم تعد الهجمات الإرهابية من الضفة الغربية موجودة. أما أعدائها غي الشمال - سوريا وحزب الله وزمرة الإرهابيين الإسلاميين- فهم منشغلون في حروبهم الخاصة مع بعضهم البعض. وتخضع مصر مرة أخرى إلى قبضة حكم عسكري حازم، ملتزم بإخماد نيران جماعة الإخوان المسلمين وحلفائها (بما في ذلك حماس). وقد جمدت ايران – في الوقت الحالي على الأقل - برنامجها النووي، نتيجة للمفاوضات التي تقودها إدارة أوباما. وبالحديث عن الرئيس أوباما المحاصر، فإن القبة الحديدية التي تعمل كدرع مضاد للصواريخ، والتي كان أوباما قد ساعد في تسريع تنفيذها، قد أسقطت بضع عشرات من عدة مئات الصواريخ التي أطلقتها حماس، والتي كان من شأنها أن تنفجر في المدن الإسرائيلية. 

ونتيجة لذلك، فقد تسببت صواريخ حماس – التي سقط أغلبها وسط الخلاء – في قتل إسرائيلي واحد فقط، في حين أن الضربات الجوية الإسرائيلية قد قتلت أكثر من 200 فلسطيني وجرح ما يزيد عن 1500 آخرون، معظمهم من المدنيين، وكثير منهم من الأطفال، بما في ذلك أربعة من الأطفال الذين التقط المصورون صورًا لمقتلهم وهم يلعبون على الشاطئ. 

لا تعني نسب الوفيات الكثير حتى تصل إلى نقطة معينة، ولكن نسبة 200 إلى 1 تبدو غير متناسبة على الإطلاق. ضربت القنابل الاسرائيلية 1500 هدفًا في غزة حتى الآن، وتلك نقطة لافتة أخرى: من كان يعرف أن هناك 1500 هدفًا عسكريًا في ذلك القطاع الفقير الصغير من الأرض؟ 

بدلا من الاستفادة من موقع إسرائيل الاستراتيجي القوي بشكل غير عادي، يخاطر نتنياهو بتبديد ذلك، بتدمير  الدعم القليل الذي يلقاه في الغرب، وبجعل من الصعب على الحكومات العربية التي تشاركه مصالحه (مصر، والأردن، وحتى الآن، السلطة الفلسطينية) الحفاظ على تحالفاتها الضمنية. 

في فبراير الماضي، صرح وزير الخارجية جون كيري علنًا أن الفشل في التفاوض مع الفلسطينيين من شأنه "تكثيف" المقاطعة الدولية للبضائع الإسرائيلية. واتهم مسؤولون إسرائيليون وناطقون باسم اليهوديين الأمريكيين كيري بـ "معاداة السامية"، وهو اتهام مناف للعقل. فكيري لا يؤيد المقاطعة. بل كان فقط يبين حقيقة واقعة، وقد كان على حق.

يوم الثلاثاء، أصدر البيت الأبيض بيانا يدعم فيه حق إسرائيل في الدفاع عن النفس، ولكنه حث نتنياهو على "بذل قصارى جهده لتجنب سقوط ضحايا من المدنيين،" وقد كان ذلك قبل ظهور صور الفتية الفلسطنيين الأربعة الذين تم قصفهم على الشاطئ بواسطة طائرات إسرائيلية وفرتها لهم أمريكا. 

وقد ساعد اتجاهان واسعان على مدى العقد الماضي في الوصول إلى تلك الدولة الشنيعة. أولا، كما يشير صحفي الشرق الأوسط المخضرم إيثان برونر في صحيفة نيويورك تايمز، كان هناك وقت ما، قبل 20 إلى 30 عامًا، عندما كان الإسرائيليين والفلسطينيين يشتركون في نفس المساحة. كانوا يركبون نفس الحافلات ويمشون في نفس الشوارع، تعلم الفلسطينيون العبرية، وعملوا لشركات إسرائيلية. أخذ الإسرائيليون سياراتهم ليصلحوها عند ميكانيكيين فلسطينيين. لم تكن تلك المشاركة تسودها المساواة، بل كان لها نزعة الاستعمارية. ولكن كانوا يعرفون - وفي بعض الحالات يثقون في –بعضهم البعض. كانوا شركاء أعمال، بل وحتى أصدقاء. ولكن تغير الحال. تربى جيل ذو اتصال ضئيل أو معدوم ببعضهم البعض. وعندما يتم تجريد الجانب الآخر من طابعه الإنساني، فإن العنف يصبح أكثر سهولة.

ثانيًا، عندما أصبح جورج دبليو بوش رئيسًا، بادر بسياسة عدم التدخل في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. لم يعد الرئيس الاميركي يستثمر الوقت والجهد في محادثات السلام طويلة، والتي عادة ما تأتي بنتائج غير مثمرة. لم يعد يتم الاتصال هاتفيًا بالمبعوث الأمريكي بعد ظهر يوم الأحد لتسوية نزاع عند أحد نقاط التفتيش بين سائق سيارة فلسطيني وحارس إسرائيلي. المشكلة أن تلك كانت الطريقة التي تطفأ بها جذوات الخلافات خلال رئاستي بوش الاب وبيل كلينتون. وعندما رحل هؤلاء الذين يطفئون تلك الجذوات، انتشرت النيران. 

وصلت تلك السياسة بالأمر إلى الحضيض عام 2006، خلال الانتخابات البرلمانية الأولى في الأراضي الفلسطينية. وكما ذكرت في كتابي الصادر عام 2008 بعنوان المؤمنون بأحلام اليقظة، نصح نائب وزيرة الخارجية روبرت زوليك رئيسته كوندوليزا رايس أن تدفع الإسرائيليين إلى تخفيف الإجراءات على بعض المعابر الحدودية عند الأراضي الفلسطينية وجعل عباس يقول أنه من فعل ذلك. عرف زوليك أن ذلك قد يساعد عباس على الفوز بأغلبية كبيرة على حركة حماس في الانتخابات. رفضت رايس، قائلة انه يجب على الولايات المتحدة عدم التدخل في الأمر. بدت على اعتقاد – يشاركها فيه بوش بالتأكيد -أن الانتخابات نفسها كانت قوة ديمقراطية، وأنه إذا فتحت مراكز الاقتراع، ستنطلق الحرية. فازت حماس في الانتخابات. وأحد نتائج ذلك هو ما نراه الآن. 

يقع على حماس الكثير من  اللوم في هذا الصراع، ولا يمكن توجيه اللوم للإسرائيليين لفعلهم كل ما بوسعهم لوقف نظام إرهابي على أبوابهم من إطلاق الصواريخ على أراضيهم. 

ولكن من المثير للاهتمام أن بعضًا من كبار مسؤولي الاستخبارات الإسرائيلية السابقين قد حثوا القادة الإسرائيليين لاختيار محادثات السلام بدلا عن الحرب. في الوثائقي المذهل الذي صدر عام 2013 "حارسو البوابات"، يتحدث ستة قادة سابقين من الشاباك (جهاز الأمن الداخلي في إسرائيل) أمام الكاميرا، على السجل، ويقومون بهذا الالتماس. ليسوا دعاة السلام. إن أحد المهام الرئيسية التي يقوم بها الشاباك هو التسلل إلى الأراضي الفلسطينية واجتثاث الخلايا الإرهابية. كان، ولا يزال، عملًا وحشيًا، ولا يقدم أيا من القادة أي اعتذارات عن ذلك. ولكن أولئك الذين يتسللون إلى مجتمع ما كثير ما يعرفون كيف يعمل: ثقافته وقيمه ومخاوفه ودوافعه. لا يتغاضون أو يتعاطفون مع ما يفعله الإرهابيون، لكنهم يفهمون ارتباطه بالمعيشة تحت الاحتلال، وقد خلصوا إلى أن تلك الظروف يجب أن تنتهي، إلا إذا أرادت إسرائيل مواجهة حرب لا نهاية لها. 

سخر بعض ناقدي فيلم حارسوا البوابات في إسرائيل من أن أيا من هؤلاء القادة السابقين لم يعربوا عن مثل هذا الرأي عندما تم اعتقال وقتل الميليشيات بكل نشاط. وربما يكون هذا صحيحًا. إن الضغط اليومي في القتال، والشرطة، والحكم - في حالة مجلس الوزراء – يثبت عيون المرء في كثير من الأحيان إلى الإصلاحات على المدى القصير، بعيدا عن العواقب طويلة الأجل أو الحسابات الاستراتيجية. 

احتاج القادة الإسرائيليين إلى عنصر خارجي لتوسيع وجهة نظرهم، لا يمكن لهذا العنصر الخارجي سوى أن يكون الولايات المتحدة. رغم إرهاق كيري في أسفاره، وحالة الاستنفاذ التي يشعر بها أوباما حيال علاقته برمتها مع مع نتنياهو (إلى جانب أشياء أخرى كثيرة تجري في العالم)، إلا أن كلاهما بحاجة لأن يزج بنفسه في هذه الأزمة، والعمل مع مصر لفرض أو استرضاء اتفاقية وقف إطلاق النار، ثم جعل إسرائيل تدرك مصلحتها الاستراتيجية الحالية وضرورة اغتنام هذه اللحظة قبل أن تمر. يجب أن يصحب ذلك استئناف المفاوضات للتوصل إلى حل الدولتين (حتى لو تعثرت المحادثات)، إلى جانب تجميد المستوطنات (بهدف إظهار حسن النية، كما أن ذلك هو الشيء الصحيح الذي ينبغي عمله)، ودعم برنامج ضخم للمساعدات والاستثمارات في الضفة الغربية (لجعلها نموذجًا لسكان غزة الذين يسعون إلى بديل لحكامهم الذين لا يريدون سوى الحرب). 

إنها حزمة كبيرة من الإجراءات،  ولكن البديل هو مشاهدة إسرائيل تدفع بدباباتها إلى غزة، مما قد يفقدها أكثر مما يمكن أن تكسبه.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب