أربيل والنفط

مقال رأي

 

من أجل الدفاع عن أربيل: كان هذا هو السبب الرئيسي الذي أرجع الرئيس أوباما إلى القتال في العراق الأسبوع الماضي، بعد عامين ونصف من وفاءه بالتعهد الذي أطلقته حملته، وسحبه القوات من هناك.

بعد مزار شريف والناصرية وقندهار والموصل وبنغازي، وغيرها من مواقع التدخل العسكري الأمركي الأخرى، تلك المدن التي قد حيرت أسماؤها متسابقي برنامج "جابوردي" (Jeopardy) الأمريكي قبل عام 2001، نأتي الآن إلى أربيل. يمكن للمرء أن يغفر لأفكار رافضي التدخل العسكري: إلى أين؟ 

لدى أربيل تاريخ قديم، ولكن من الناحية السياسية والاقتصادية، يمكن فهم المدينة  بشكل أفضل هذه الأيام كمدينة تركية تشبه ديدوود Deadwood، كما تظهر في مسلسل ديفيد ميلش الذي يحمل نفس الاسم وأنتجته قناة HBO، ويدور حول مدينة يهمين عليها حمى البحث عن الذهب، وفيها يقوم البطل الشرير، آل سويرينجن ، بتكوين حكومة محلية لإنشاء القشرة الشرعية للدولة، وذلك لتسيير أغراضه الإجرامية. أربيل هي بلدة يسودها حمى النفط، حيث تتلاعب القوى المحلية بالمثل بسيادتها الغامضة مقابل تحقيق مكاسب مالية خاصة بهم، وبأي مستثمر قديم يكون ماكر ومراوغ بما يكفي لاستثمار أمواله دون أن تسرق منه.

أربيل هي عاصمة الحكومة الإقليمية الكردية الغنية بالنفط في شمال العراق. هناك بنيت الولايات المتحدة تحالفات سياسية وأمدت ميليشيات البشمركة الكردية بالأسلحة قبل وقت طويل من غزو إدارة بوش للعراق، في 2003. منذ عام 2003، كان المكان الأكثر استقرارا في بلد غير مستقر. ولكن في الاسبوع الماضي، قام مقاتلي للدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) المسلحين تسليحا جيدا بتهديد ضواحي أربيل، مما دفع إلى اختيار أوباما التاريخي. (وأمر الرئيس أيضا بعمليات جوية لإيصال المساعدات الإنسانية لعشرات الآلاف من اليزيديين والأقليات غير الإسلامية الأخرى الذين تقطعت بهم السبل على جبل سنجار النائي. يمكن لكردستان الآمنة أن توفر ملاذا لأولئك الناجين.)

أوضح أوباما خلال مقابلة رائعة مع توماس فريدمان نشرت يوم الجمعة.إن "المنطقة الكردية مهمة بالطريقة التي نود أن نراها بها،" وأضاف: "إنها متسامحة مع الطوائف الأخرى والديانات الأخرى بالطريقة التي نود أن نراها في أماكن أخرى. لذلك نحن تعتقد أنه من المهم التأكد من أن هذا المكان يحصل على الحماية." 

كل ذلك صحيح ومقنع. فكردستان بالفعل واحدة من عدد قليل من حلفاء للولايات المتحدة الموثوق بهم في الشرق الأوسط هذه الأيام. وقد ازدهرت اقتصادها في السنوات الأخيرة، وجذبت المستثمرين من جميع الأنحاء وتضم مطارًا دوليًا جديد لامعًا ومرافق براقة أخرى. وبالطبع، بالمقارنة مع الأردن أو الإمارات العربية المتحدة مثلًا، فكردستان لديها عجز ملحوظ كحليف أميركي قوي: إنها ليست دولة. كما أنها ليست شريك قانع في بناء الوحدة الوطنية العراقية، الذي لا يزال المشروع الرئيسي لإدارة أوباما في العراق. في ضوء ذلك، شرح أوباما لأسباب الحرب بدت ناقصة قليلا. 

أوضح مستشاري أوباما للصحافيين ان أربيل بها قنصلية أمريكية، وأن "الآلاف" من الاميركيين يعيشون هناك. يجب الدفاع عن المدينة، حتى لا تدخلها داعش وتهدد حياة الأمريكيين. هذا أمر جيد، ولكن لماذا يوجد الآلاف من الأميركيين في أربيل هذه الأيام؟ ليس لرغبتهم في استنشاق هواء الجبل النقي. 

إن إكسون موبيل وشيفرون من بين العديد من شركات النفط والغاز وشكرات الحفر الكبيرة والصغيرة في كردستان بموجب عقود تعوض الشركات عن اتخاذ المخاطر السياسية بشروط مواتية على نحو غير عادي. (قالت شيفرون الاسبوع الماضي انه تم سحب بعض المغتربين من كردستان، ورفضت اكسون موبيل التعليق.) ومع عمالقة النفط هؤلاء أتى المقاولون المعتادون، شركات خدمات حقول النفط، والمحاسبون، وشركات البناء، وشركات النقل، وفي أسفل السلسلة الاقتصادية رائدي أعمال صغيرون يبحثون عن فرصة.

عند المرور على قائمة الانترنت في الغرفة التجارية لأربيل للحصول على البينات الغريبة الشبيهة بالشعر للشركات الصغيرة في مدينة مزدهرة سنجد اسماءها يمكن أن تترجم إلى: مطبخ الحلم، الحلم النابض بالحياة، الذهب النقي، حفل الأحداث، عاطفة، فضلًا عن المكان الذي قد أفكر فيه شخصيًا لتكون هناك وجبتي الأخيرة إذا حاصرتني داعش: "خشب الجبن الشهير."

ليست مسألة النفط. بعد أن كتبت هذا على السبورة خمسمائة مرة، شاهد الوثائقي الذي نفذته راتشيل مادو تحت عنوان "لماذا فعلنا ذلك" لتحصل على مدخل صحفي متطورة للغاية حول كون اقتصاد النفط العالمي شريك صامت في حالة الفشل في العراق . 

بطبيعة الحال، فإنه من واجب الرئيس أوباما الدفاع عن الأرواح والمصالح الأمريكية في أربيل وغيرها، سواء كان ذلك في وجود نفط أو لا. ولكن بدلا من اخلاء المواطنين، فقد أمر بشن حملة جوية تستمر لشهور للدفاع عن الوضع الراهن في كردستان، على أساس أنه من الضروري لعراق موحد قادر على عزل داعش؟ إلا أن  الوضع الراهن في كردستان يشمل أيضا إنتاج النفط من قبل الشركات الدولية، حتى نقول ذلك صراحة. على أي حال، يجب أن تعمل خطة الدفاع عن كردستان - التي أمر أوباما بالعمل بها - إذا أمكن تجميع وتقوية البشمركة الكردية على أرض الواقع بعد التراجع المقلق الذي شهدته الأسبوع الماضي. 

لكن هناك أمرًا خاطئًا في منطق أوباما عن أربيل. أوضح الرئيس الأسبوع الماضي أنه لا يزال يعتقد في تشكيل حكومة وحدة وطنية دائمة في بغداد، تتكون من قادة مسؤولين من الأغلبية الشيعية في العراق، فضلًا عن الأكراد والسنة الذين يعارضون داعش ، حتى لو استغرقت العديد من الأسابيع بخلاف الأشهر الثلاثة من المشاحنات التي مرت بالفعل منذ الانتخابات البرلمانية الأخيرة في البلاد. 

مشروع وجود حكومة موحدة في بغداد قوية بما يكفي لهزيمة داعش، بالاشتراك مع الجيش الوطني، ثم إزاحة السنة الموالين يبدو وكأنه أضغاث أحلام. لكن كان من الصعب أن نقول من مقابلة فريدمان ما نسبة النجاح التي يقدرها اوباما لهذا التعهد. 

لماذا أثبتت الوحدة السياسية في بغداد أنها بعيد المنال حتى فترة طويلة؟ هناك العديد من الأسباب المهمة، منها كارثية القرار الاميركي بحل الجيش العراقي عام 2003، وتأييد سياسة اجتثاث البعث القاسية، الأمر الذي نتج عنه حالة من الاغتراب بين السنة لم يتم معالجتها، فضلًا عن تنامي الكراهية الطائفية بين الشيعة والسنة، تأثر السنة الساخطين بفلسفة القاعدة وبالأموال والقوة الناعمة القادمة من الخليج الفارسي؛ إلى جانب تدخل إيران، وغرابة حدود ما بعد الاستعمار في العراق، والقيادة الفقيرة في بغداد، لا سيما في ظل رئيس الوزراء نوري المالكي. لكن هناك سببا آخر من الدرجة الأولى هو الجشع النفط الكردي.

أثناء إدارة بوش، قام مغامرون مثل هنت أويل التي يقع مقرها في دالاس بتمهيد الطريق لإكسون موبيل، والتي عقدت صفقة في أربيل عام 2011. لم يتمكن بوش ومستشاريه أن يجبروا شركات نفط أمريكية مثل هانت لتصفية أعمالها في كردستان أو لفرض العقوبة على المستثمرين غير الأمريكيين. سمحوا للمنقبين أن يفعلوا كما يحلو لهم، فيما يصرون أن يفاوض السياسيون في أربيل على تقاسم عائدات النفط والوحدة السياسية مع بغداد. لم ير القادة في أربيل تماما هدفًا لتسوية نهائية مع السياسيين الشيعة في بغداد، ومع مرور كل سنة، أصبح الأكراد أكثر ثراء وفقا لشروطهم، اجتذبوا شركات النفط الأكثر مصداقية وثراءً ليكونوا شركائهم، وبدوا أكثر وأكثر كأنهم يقودوا دولة قائمة بسياسة الأمر الواقع. ولم تفعل إدارة أوباما شيئا لعكس هذا الاتجاه.

وهكذا، في الأسابيع القادمة في أربيل، سوف يدافع الطيارين الأمريكيين من الجو عن عاصمة تتنامى استقلاليتها وثروتها، وتنفصل عن العراق، حتى في الوقت الذي سيستمر فيه الدبلوماسيون الأميركيون بشكل عبثي في بغداد، في محاولة جمع هذا البلد معًا لمواجهة داعش.

دفاع أوباما عن أربيل فعال في الدفاع عن دولة نفط كردية غير معلنة، التي لا يجب الحديث عن المصدر الجيوسياسي في الاهتمام بها- كمورّد غير روسي للنفط والغاز إلى أوروبا على المدى الطويل- بين الطيبون والسذج كما يمكن ان يفهم آل سويرينجن جيدًا. أشار سويرينجن  في أحد المرات أن الحياة غالبا ما تتكون من "مهمة دنيئة تلو الأخرى." وكذلك هي السياسة الأميركية في العراق. 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب