استراتيجية لمواجهة الدولة الإسلامية

مقال رأي

أصبحت الخطوط العريضة لاستراتيجية الولايات المتحدة لصد داعش - أو "الدولة الإسلامية" كما تطلق على نفسها - في العراق واضحة نسبيًا، حتي وإن كان نجاحها غير مؤكد. لكن ليس هناك وضوح بعد بخصوص الاستراتيجية التي قد تهزم داعش في سوريا. عناصر مثل هذه الاستراتيجية قد تتضمن استخدام قوة الولايات المتحدة الجوية ضد داعش وجبهة النصرة في سوريا، والدعم المكثف للمعارضة غير الجهادية، والتركيز المتجدد علي بديل الأسد وتكوين حكومة شاملة تضم عناصر من الدولة السورية والمعارضة غير الجهادية. يخلق ظهور داعش أيضًا فرصة لنسج ائتلاف إقليمي ودولي معًا لتوحيد الجهود ولتحقيق نهاية عاجلة لخطر داعش، والذي يهدد كل المجتمعات القريبة والبعيدة.

في العراق، الولايات المتحدة لديها استراتيجية. لقد استخدمت قوتها الجوية لإيقاف تقدمات داعش واحتوتها بشكل كبير بالنسبة للوقت الحالي. وبدأت ردعًا جزئيًا لداعش، بالتعاون مع البشمركة الكردية والقوات العراقية الوطنية لاستعادة سد الموصل ومواقع أخري. إنها تقوي البشمركة وتترقب حكومة جديدة في بغداد والتي تأمل أنها ستتضمن تمثيل سني وكردي قوي. إذا وعندما تكون جاهزة، تتقدم الولايات المتحدة لتزويد دعمًا جويًا - وصور أخرى من الدعم - للجيش الوطني والبشمركة لاستعادة الأراضي العراقية التي استولت عليها داعش تدريجيًا.

هذه ليست استراتيجية غير واقعية، لكنها بالفعل تعتمد علي عدة عوامل: النجاح في تكوين حكومة وحدة وطنية عراقية؛ إعادة بناء مستوى معين من الاعتراف والثقة في الحكومة المركزية والجيش الوطني؛ ودعم القادة والمجموعات السنية التي تنوي الانضمام للوقوف في وجه داعش.

لكن حتي وإن تحقق الانتصار على داعش في العراق، سيكون مازال لديها تحكم في مساحات شاسعة من سوريا. الهزيمة في العراق يمكن أن تتسبب في نقل داعش لمواردها وأن تركز علي السيطرة علي المزيد من الأجزاء من سوريا – حلب تحديدًا يمكن أن تكون هدفًا قيّمًا. وبالتالى قد تستمر الدولة الإسلامية كتهديد إقليمي ودولي، ومن مأواها في سوريا يمكن أن تنتظر لدخول العراق ثانية عندما تلوح فرصة أخري.

رغم استمرارية عدم وجود استراتيجية واضحة للولايات المتحدة للتعامل مع داعش في سوريا، إلا أن عمليات الولايات المتحدة يمكن أن يكون لها تأثير هناك قريبًا. لقد رفع قتل داعش الوحشي لجيمس فولي حد المعركة. تحدث أوباما بالأساس عن العمليات ضد داعش بوصفها محدودة بالعراق، وذات طبيعة دفاعية لحماية الأمريكيين في أربيل وبغداد وإنقاذ المدنيين العالقين على جبل سنجار. بعد مقتل فولي، وصف داعش بأنها "سرطان" يجب استئصاله، ورئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال مارتن ديمبسي، قال أن هزيمة داعش قد تتطلب  تدمير مآويهم في سوريا.

كانت القوات الأمريكية نشطة في سوريا في وقت سابق من هذا الصيف في محاولة ميدانية لإنقاذ فولي ومختطفين آخرين. السؤال الرئيسي هو إن كانت الولايات المتحدة ستستخدم قوتها الجوية – سواء كانت البشرية أوغير البشرية – في سوريا، كما تفعل في العراق، في الحرب ضد داعش. وعند سؤاله بهذا الصدد، قال وزير الدفاع تشاك هيجل أن جميع الخيارات مطروحة. الاستياء العام ضد مقتل فولي يمكن أيضًا أن يعطي لأوباما بعض المجال السياسي لتوسيع نطاق الحرب الجوية ضد داعش لتضم أجزاءً من سوريا.

استخدام القوة الجوية للولايات المتحدة يمكن أن يُحدث تأثيرًا. فيمكن أن يضعف كلتا داعش وجبهة النصرة بشدة، ويعطي فرصة للمعارضة غير الجهادية لاستعادة النشاط. أعداء داعش الرئيسيون في سوريا هم المجموعات الثورية الأخري؛ فمعاركها مع نظام الأسد أصبحت محدودة. وحتي الآن فضل نظام الأسد أن يجد ضده على الجانب الآخر جهاديين راديكاليين حيث لا يمكن في وجودهم أن يطلب منه التفاوض، والذين تدعم أفعالهم البشعة قاعدة دعمه. هدف داعش الرئيسي المباشر في سوريا، مثل العراق، هو الاستيلاء على مناطق ضعيفة يمكن انتزاعها من سيطرة الحكومة المركزية والتي بها أغلبية سنية ساحقة. داعش تسيطر بالفعل علي الرقة؛ قد ترغب في تعزيز سيطرتها علي محافظات دير الزور، حلب وإدلب بالإضافة إلى درعا في الجنوب.

"الأصدقاء" الوحيدون لأمريكا في الساحة السورية هم المعارضة غير الجهادية الضعيفة إلى حد ما والتي تتضمن كلا المجموعات الإسلامية والأكثر علمانية، بالإضافة إلى العناصر الرئيسية في المعارضة السورية الكردية المسلحة. غطّى المجاهدون الراديكاليون من كلتا داعش وجبهة النصرة علي المعارضة العربية غير الجهادية، لكن مع ذلك فإن تلك المعارضة مستمرة في السيطرة علي الأرض بل وتحقيق بعض التقدم في محافظة إدلب وأجزاء أخري من المناطق الواقعة تحت سيطرة الثوار. يأتي هذا الواقع هو جزئيًا نتيجة للدعم الضعيف المقدم للمعارضة غير الجهادية مقارنةً بالدعم الذي تلتزم به الشبكة الجهادية العالمية والإقليمية حيال داعش وجبهة النصرة.

إذا أدخلت الولايات المتحدة قوتها الجوية للعبة ضد داعش وربما جبهة النصرة، ودعمت المعارضة غير الجهادية بشكل ملموس، يمكن أن يكون لهذا تأثيرات متعددة: ستساعد في حماية الأكراد والمعارضة "المعتدلة" من محاولات داعش وجبهة النصرة الكبيرة لغزو أراضيهم؛ سوف تعزز هذه المجموعات المعارضة مباشرة ضد أعدائهم الجهاديين الراديكاليين؛ وسوف تعطي دفعة معنوية كبيرة لهذه المجموعات، والذين ربما استنتج العديد منهم أنهم قد تم التخلي عنهم، وربما هم على حق.

قد تركز أيضًا إهتمام واشنطن – وحلفائها الدوليين والإقليميين – علي أنهم حتي يردعوا داعش، يجب أن يصبحوا أكثر جدية بكثير وأنشط بخصوص تسليح وتدريب المعارضة السورية غير الجهادية – وهو شيء قد تم فقط بشكل جزئي وغير فعال حتي الآن. إن توفير المزيد من الدعم للمعارضة غير الجهادية سيشجع أيضًا المزيد من السوريين علي الانضمام إلى صفوفها.

مشاركة قوة الولايات المتحدة الجوية ضد داعش في سوريا قد يساعد في احتواء أو حتي صد داعش جزئيًا هناك، وسيساعد في تقوية المعارضة غير الراديكالية. لكن مثلما هو الأمر في العراق، عاجلًا أم آجلًا، يجب على أي استراتيجية كاملة لاستصال داعش في سوريا أن تتضمن صفقة لمشاركة السلطة في العاصمة. وهنا المثال الأخير في العراق قد يكون مهمًا.

أوصلت الولايات المتحدة الرسالة بوضوح لبغداد – وبصورة غير مباشرة إلى طهران – أنه إذا كانت مساعدة الولايات المتحدة مطلوبة لمحاربة داعش، فإنها سيجب أن تتوقف على إزالة الحاكم وتكوين حكومة مشاركة سلطة جديدة. تتغذي داعش علي العداء الناشئ عن عناد الأسد علي رأس الدولة السورية في دمشق.

تستطيع الولايات المتحدة أن توصل رسالة واضحة للمجتمع العلوي والمجموعات والمجتمعات الأخرى التي تدعم نظام الأسد – جزئيًا بسبب الخوف من البدائل الراديكالية – وكذلك لإيران، أنها ليست ضد الدولة السورية وأنها عدو رئيسي لداعش والمجموعات الراديكالية. وتستطيع أن توضح أنه إذا "انتقل" الأسد خارج السلطة، مثلما كان المالكي في العراق، وعُينت حكومة مشاركة سلطة جديدة، فإن الولايات المتحدة يمكنها عندئذ أن تعمل مع الدولة السورية المُصلحة – والتي قد تتضمن أعضاءًا من النظام القديم والمعارضة غير الجهادية – ليس فقط لدفع الحافة الراديكالية الخطيرة، لكن أيضًا للمساعدة في استعادة الاستقرار والأمن وأخيرًا لإعادة بناء سوريا المُصلّحة والتي تضم جميع الطوائف.

بمشاركة الولايات المتحدة، يمكنها أن تبث الاطمئنان في قلب المجتمعات الخائفة أن إجراء صفقة تاريخية مع الأغلبية السنية لن يعني تقوية المجموعات الجهادية الراديكالية، بل تعزيز الوسط المُعتدل.

تخلق الأزمة الحالية أيضًا فرصة متجددة للدبلوماسية الدولية والإقليمية. فظهور الدولة الإسلامية هو أكبر تهديد للأمن الإقليمي والدولي منذ أحداث 11 سبتمبر. تلك الأحداث خلقت إجماع دولي وإقليمي علي التحرك ضد القاعدة وطالبان الراديكالية في دولتها المضيفة أفغانستان. تم الآن بناء شبه دولة أكثر حتي في راديكاليتها من طالبان في قلب الشرق الأوسط.

هذه التطورات مصدر قلق بالغ ليس فقط للولايات المتحدة وأوروبا الغربية، لكن لروسيا والصين أيضًا، ولكل دول الشرق الأوسط. إنها أزمة تعتم علي الأزمة في أوكرانيا أو التوترات مع الصين بسبب التجارة أو بحر جنوب الصين. يمكن أن تكون فرصة لرئيس الولايات المتحدة ليسعي من أجل إئتلاف دولي وإقليمي ضد هذا التهديد الإرهابي.

ظهور داعش يتطلب أسلوبًا متضافرًا. لقد ظهرت الخطوط العريضة لاستراتيجية هزيمتة التنظيم في العراق؛ إلا أن هزيمته في سوريا ستكون أكثر تعقيدًا. تستأنف الولايات المتحدة دورًا قياديًا؛ وهي تحتاج للتصرف، لكنها تحتاج أيضًا لاستراتيجية مدروسة أكثر تتضمن سوريا، وتحتاج أن تجمع دولًا أخرى في المنطقة وحول العالم لإيجاد نهاية لهذا الفصل الأسود من البربرية المروعة.

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب