الحرب الباردة الجديدة في العالم العربي

مقال رأي

 

 

تُشن الآن حربٌ  مريرةُ بالوكالة في الشرق الأوسط. وتمتد من العراق إلى لبنان لتصل إلى شمال أفريقيا، حاصدةً الأرواح في شبه جزيرة سيناء وصحراء مصر الغربية، والآن في ليبيا. فعلى الرغم من أن الإعلام والحكومات قاموا بتركيز اهتمامهم كله تقريبًا على عدمية "الدولة الإسلامية" والخطر الذي تمثله الجماعات المتطرفة الأخرى، فإن هذا العنف ما هو إلا نتيجة لمعركةٍ مريرة بين القوى الإقليمية لتحديد من سيتولى زعامة الشرق الأوسط. إنها فوضى مخضبة بالدماء، ستُترك في النهاية للولايات المتحدة لتقوم بتنظيفها. 

فالتصور الشائع عن الشرق الأوسط هو أنه منطقةٌ تنقسم على أسسٍ  طائفية بين السنة والشيعة، إلا أن هناك صراعٌ متزامنٌ يحدث بين القوى ذات الأغلبية السنية. وتعد الغارات الجوية المصرية والإماراتية الأخيرة على الميليشيات الإسلامية الليبية أحد مظاهر الصراع على القيادة بين تركيا وقطر والسعودية والإمارات. فقد أشعلت كل هذه الدول الصراعات في العراق وسوريا ومصر والبحرين، والآن في ليبيا، ليعلنوا عن أنفسهم كقادة إقليميين.

إلا أن هؤلاء المتنازعين على السلطة نادرًا ما استطاعوا تحقيق أهدافهم. فهم، بدلًا من ذلك، يعززون العنف والصراع السياسي والاستقطاب، ويجذرون المشكلات المتوطنة في البلاد التي سعوا لبسط نفوذهم عليها. وإذا ما لم تتدخل الولايات المتحدة، فإن الفوضى ستستفحل وتزداد سوءًا.

ولم تؤدِ محاولات باراك أوباما الرامية لإبعاد الولايات المتحدة عن صراعات الشرق الأوسط المتعددة إلا إلى اشتداد حدة هذه الخصومات. فمن منظورٍ خاص، تمثل الفوضى في العراق والحرب الأهلية في سوريا والتفكك المتسارع في ليبيا وسقوط حسني مبارك إخفاقاتٍ للقيادة الأمريكية. وبالتالي، وصل حلفاء واشنطن الإقليميون لاستنتاج أنهم قد تُركوا بشكلٍ أساسي للعمل من تلقاء أنفسهم، وسعوا لتشكيل الشرق الأوسط لمصالحهم واحتياجاتهم الجيوسياسية الخاصة. الأمر الذي كان من شأنه إثارة نيران الصراع في ساحاتٍ مختلفة - لا سيما مصر وسوريا وفلسطين، والآن ليبيا - حيث تدور هذه المنافسة. 

خذ تركيا، على سبيل المثال. لقد عززت السياسة الخارجية النشطة لأنقرة وضع تركيا في المنطقة خلال السنوات الأولى من الألفية الثالثة، إلا أن مكانة البلاد تراجعت نتيجة سسلسلة من الأخطاء في النقاط الساخنة بالمنطقة. فبعد الاستثمار المالي والدبلوماسي والسياسي الكبير في نظام الرئيس بشار الأسد منذ وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في 2002، أصبحت الحكومة التركية أحد أهم الداعين لتغيير النظام في سوريا. وبسبب عدم رغبتها في التدخل في الحرب الأهلية السورية وعدم قدرتها على دفع الولايات المتحدة لفعل ذلك، غضت أنقرة الطرف عن الجماعات المتطرفة التي استخدمت الأراضي التركية في القتال ضد الأسد.

وفي مصر، من المنطقي تمامًا أن يعارض الأتراك انقلاب يوليو 2013 العسكري الذي قام به الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي. فتركيا لديها تاريخ طويل وبائس من التدخلات العسكرية، كما أن الرؤية العالمية الخاصة برئيس الوزراء - في ذلك الوقت - رجب طيب أردوغان تضع التضامن الإسلامي في مرتبة بالغة الأهمية فيما يتعلق بسياسة تركيا الخارجية. إلا أن الحرب الكلامية بين أنقرة والقاهرة منذ ذلك الحين، بالإضافة للدعم الذي قدمته الحكومة التركية للإخوان المسلمين - بما في ذلك بث قناة رابعة التليفزيونية ( وهي محطة تلفزيونية إخوانية تُبث من اسطنبول و تعمل على نزع صفة الشرعية عن العملية السياسية في مصر بعد الانقلاب) قد ساهما في زيادة حدة الاستقطاب وزعزعة الاستقرار في مصر. وبالرغم من تعاطف الرأي العام التركي مع الشعب الفلسطيني، فإن دعم أنقرة لحماس في حرب غزة الأخيرة مد في عمر الصراع وساهم في معاناة الفلسطينيين، فضلًا عن زيادة توتر العلاقات التركية مع مصر والسعودية والإمارات وإسرائيل.

ومثلما فعلت تركيا، اتخذت قطر نهجًا شعبويًا في التعاطي مع القضايا الإقليمية، وقد انحرف هذا النهج ليؤدي إلى دعم الجماعات المتطرفة. فبينما  تريد القيادة القطرية مقاومة الضغط السعودي على الدوحة، أوقعت نفسها في تناقض مع خيارات الرياض الإقليمية المتعلقة بإيران ومصر وغزة وسوريا. وتحاول السعودية الآن أن تقدم "الجزرة" لتغري قطر كي تقبل بزعامتها، فقد أرسلت مؤخرًا وفدًا رفيع المستوى إلى الدوحة، بعدما أخفقت سياسة "العصا" السابقة - والتي تمثلت في سحب دول مجلس التعاون الخليجي سفرائها من قطر. وقد كانت قطر أقل حذرًا من غيرها في دعم الجماعات التي تقاتل في سوريا والعراق، وذلك من خلال تقديم الدعم المالي الرسمي لجماعاتٍ إسلامية في سوريا، والسماح بالمساهمات الخاصة في دعم جماعات من بينها جبهة النصرة، وهي التنظيم السوري التابع للقاعدة. وقد ساعد ذلك في خلق بيئة  يمكن أن تزدهر فيها الجماعات - العنيفة منها والسلمية - التي تسعى لقلب النظام السياسي الإقليمي.

ويترك فشل المتنافسين الآخرين على السلطة السعوديين والإماراتيين يتمتعون بلحظاتٍ من الصعود. ولا يعني هذا أن طريقتهم في التعاطي مع المشكلات المتعددة التي تواجه المنطقة تتمتع بقدرٍ عالٍ من الحكمة أو أن الرياض وأبو ظبي سيكونا ناجحين في كل القضايا التي يسعيان لتشكيل المنطقة من خلالها. ولكن بالرغم من أنهما يواجهان ما يتصورانه صورًا خطرة من الإسلام السياسي الذي يحاصرهما وتصاعد القوة الإيرانية بلا رادع والقرار الأمريكي بمغادرة المنطقة، فإن الرياض وأبو ظبي قد استجابا بسياسةٍ متماسكة لمواجهة هذه التحديات. إذ أنهما من خلال التعامل المباشر مع الأمور – وهو ما يصل أحيانًا إلى التعارض مع الخيارات الأمريكية - ومضاعفة مواردهما المالية بالتعاون مع وكلاءٍ قريبين في الفكر وراغبين في استخدام القوة والقمع،قد  أصبحا قادرين على تشكيل مجريات الأحداث في المنطقة.

ولكن بالرغم من كميات النقود الهائلة التي ضخها السعوديون والإماراتيون في المنطقة، فإن جهودهم حتى الآن أدت إلى زيادة العنف في الشرق الأوسط. ففي مصر، قدّم الدعم المالي والسياسي القادم من الرياض وأبو ظبي للجنرالات في القاهرة غطاءً لشن حملة موسعة ضد المعارضين السياسيين. ووفقًا لمؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، فقد تم قتل 2500 شخص وإصابة 17000 والزج بـ 16000 في السجون في مصر في الفترة بين انقلاب يوليو 2013 ومارس الماضي. وفي سوريا، أدت النزاعات بين الدول الخليجية السنية التي تدعم جماعات مختلفة إلى عدم وجود قيادة متماسكة بين صفوف المعارضة، الأمر الذي تسبب في فشل محاولات إسقاط الأسد. كما ساهم دعم السعودية والإمارات الضمني للغزو الإسرائيلي على غزة في إراقة مزيد من الدماء.

ولا تتعلق هذه الصراعات كثيرًا بإيران والانقسام السني الشيعي كما يٌعتقد على نطاقٍ واسع. وإنما تمثل انقسامًا بين حلفاء واشنطن السنة في الشرق الأوسط. وبتركهم لأجهزتهم الخاصة، فإن حروب الوكالة التي يشنها السعوديون والإماراتيون والقطريون والأتراك ستستمر حتى تؤدي إلى الفوضى الكاملة. وبعد شهر من شن الغارات الجوية الأمريكية على الدولة الإسلامية واحتمالية القيام بعمليات عسكرية جديدة في سوريا، يبدو واضحًا أن البيت الأبيض يتعلم الدرس.

إذ يبدو أن حلفاء واشنطن، من خلال حساباتهم الخاطئة وطرقهم الملتوية في التعاطي مع المشاكل الإقليمية، قد نجحوا في فعل ما قررت إدارة أوباما ألا تسمح به، ألا وهو توريط الولايات المتحدة مجددًا في الشرق الأوسط. وبنهاية المطاف، فإن الولايات المتحدة هي الدولة التي لا غنى عنها بعد كل شيء.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب