الدولة الإسلامية: سرطان السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط

مقال رأي

هناك شيءٌ  خبيثٌ  بدأ يستفحل في قلب الشرق الأوسط؛ سرطانًا أو مرضًا يكتسب قوته من الضعف الذي حلّ بالجسد. فكما يفعل الورم الخبيث، انتشر الفكر الجهادي المتشدد من بلدٍ لآخر، متناميًا ومتحورًا ليصبح أقوى حتى تخور قوى حامله.

قد لا نكون مخطئين إن قلنا أن تنظيم "الدولة الإسلامية" لن يكون آخر التنظيمات المتشددة التي تنشر أيديولوجيتها وتجذب مجندين جدد وتمثل تهديدًا على استقرار المنطقة. وسبب ذلك هو أن فكر "الدولة الإسلامية" الجهادي ليس أكثر من عَرَضٍ للمرض الأصلي، انعكاسًا للحالة الخطيرة التي تسود السياسة والمجتمع في الشرق الأوسط.

ومثل كل الأمراض، لا يوجد تفسيرٌ واضحٌ لسبب العلة الأول، أو للحظةٍ يمكن تحديدها بسهولة، والتي تحولت عندها حالة الإعياء العام إلى خطرٍ محقق.

فكل شخصٍ لديه نظرياته الخاصة لتفسير متى دخل الشرق الأوسط في هذا المنعطف السيئ: دخول نابليون مصر؛ انهيار الامبراطورية العثمانية؛ اتفاقية سايكس-بيكو بشأن الحدود؛ وفاة جمال عبد الناصر. بيد أن كل نظريةٍ تخفق في الإمساك بالفكرة كاملةً، إذ أن هذه الأحداث أيضًا لم تأتِ من العدم.

هناك مستنقعٌ مليء بالصراعات والمؤسسات الفاشلة وغياب سيادة القانون واستخدام الدين لأغراضٍ سياسية، الأمر الذي سمح للعدمية القاتلة بالتفشي. فـ"الدولة الإسلامية" هي نتيجةٌ حتمية لإعياء الجسم السياسي في الشرق الأوسط.

فالدولة الإسلامية ترى أن المؤسسات والمجتمعات في المنطقة على درجةٍ من السوء لا يمكن معها العمل على إنقاذها. وانطلاقًا من تلك الرؤية للعالم يأتي التبرير الشائه للتوسع في قتل المسلمين والمسيحيين والأقليات الأخرى كالأيزيديين. فاعتقادهم بأن كل شخصٍ يلقى "مصيره العادل" في هذه الحرب ينبع من تصورهم بأن كل من يعيشون في العراق وسوريا والمجتمعات الأخرى ساقطون بشكلٍ متأصلٍ في طبيعتهم؛ فليس هناك ما يمكن فعله سوى إحراقهم جميعًا لنبدأ من جديد.

وترتبط هذه العدمية بشكلٍ وثيقٍ بإخفاق السياسة في المنطقة الأوسع. فقد كانت تنمو تدريجيًا؛ والفكر الجهادي ليس إلا آخر تجلياتها. وبدرجةٍ ما، فقد كان الحماس الثوري نفسه خلال ثورات الربيع العربي انعكاسًا لها. 

ويتضح الأمر من الاعتقاد المتكرر بأن "التجديد" في العالم العربي أصبح ضروريًا. ولم يكن "الربيع العربي" إلا آخر المراحل التي تعبر عن هذا، فقبل ذلك، شاعت نفس الفكرة في عصر ما بعد الاستعمار وقبله بعد الحرب العالمية الأولى.

إذ يمتد عمر الاعتقاد بحتمية "التجديد" لقرنٍ من الزمان على الأقل. فانهيار الامبراطورية العثمانية وسقوط الخلافة دشنّا أضعف القرون التي عاشها العرب منذ مجيء الإسلام. و"الدولة الإسلامية" ليست سوى انعكاسٍ   لذلك. ليس عليك أن تعلن حدادًا على ذلك السقوط ولكن أن تدرك أن تدمير نظامٍ ساد قرونًا كان من شأنه أن يستتبع عواقبًا تستمر لعقود.  

في الواقع، ما يجعل "الدولة الإسلامية" مغريةً جدًا للبعض وإشكاليةً في التعامل معها لآخرين يمكن إحالته لأحداثٍ ترجع لأكثر من قرنٍ مضى.

فغياب سلطة دينية مركزية يعني أن تجد التفسيرات الشائهة بسهولةٍ من يؤيدها، وبدون أن يتصدى لها أحد. وغياب التعاون بين الدول العربية – بل في الواقع انعدام الثقة والكراهية الصريحة في بعض الحالات – يعني أن الجهاديين يتم التعامل معهم إلى بتصديرهم لدول الجوار. وبقدر ما أن هؤلاء الذين ينشرون الكراهية لا يمسون الوطن، فإن أغلب القادة العرب مرتاحو الضمير. ولا يهم إذا ما كانوا يبثون هذه الكراهية في لندن وكابول أو في الموصل: فقد كان الأمر نفسه، في عصرٍ متصل.

وعلى مدى سنواتٍ  من الصراع، تفاقم المرض الذي حل بقلب المنطقة. فعندما دمّر حافظ الأسد مدينة حماة عام 1982، زاد [المرض] قليلًا. وعندما توسع صدام حسين في تمييز السنة وأطلق العنان لحملته "الأنفال" ضد الأكراد، زاد أكثر. وعندما وقعت مجازر صبرا وشاتيلا ، زاد ثانيةً. وعندما عُذِّب الرجال في عتمة سجن أبو غريب، زاد أكثر وأكثر.

وقد أصبح هذا الآن من نصيبنا. ولا يمكن أن يعالج خطر الفكر الجهادي المتشدد بالاستئصال الجراحي؛ لا يمكن أن يُستأصل من جسد العالم العربي.

إنها مشكلةٌ لابد من معالجتها، سواءًا حدث ذلك استجابةً لرسالة "الدولة الإسلامية" أوغدًا عندما تنشأ جماعاتٌ أخرى. ولا يمكن إحراز النصر في هذه المعركة بالسلاح فقط. إذ يجب أن يُحرز النصر فيها بالأفكار.

وأولئك الذين يعيشون في المنطقة، كالإسرائيليين، أو أولئك الذين يعيشون في الغرب، ويعتقدون أن باستطاعتهم تحصين أنفسهم من هذا الخطر، مخطئون بوضوح.

فقد تحوّر الفكر الجهادي ليدخل في معركةٍ تتجاوز الحدود. والطريقة الوحيدة لمواجهته هي إصلاح الشرق الأوسط بأكمله، بتأسيس دولٍ تُفعّل وتحترم مبدأ سيادة القانون، وبناء منظومات اقتصادية تخدم الأغلبية وليس النخب فحسب، وتبني سياسةٍ خارجية للتعاون، وليس التنافس، مع دول الجوار.

ولن يكون أيٌ من هذه الأشياء سهلًا، وقد تستغرق عقودًا من العمل. ولكن الطريقة الوحيدة للقضاء على آفة الفكر الجهادي هي أن يبدأ الشرق الأوسط بأسره في تحسين أوضاعه.

فالفوضى هي الخطيئة الأصلية للشرق الأوسط، والفكر الجهادي المتشدد ليس سوى مجرد استحقاقٍ لتلك الخطيئة.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب