النظام العالمي الجديد

مقال رأي

استطاع التقدم التكنولوجي مؤخراً خلق سوق عالمية موحدة للعمالة ورأس المال بشكل متزايد. فقدرة كلاهما على تحقيق أقصى استفادة ممكنة، بغض النظر عن موقعهما الجغرافي، تحقق تعادلاً في أسعارهما على مستوى العالم. وساعد هذا التعادل في الأسعار في السنوات الأخيرة الدول التي تتوافر بها العمالة الرخيصة والدول التي تستطيع توفير رأس المال الرخيص. حيث جادل البعض أن الحقبة الحالية من التقدم التكنولوجي السريع تخدم العمالة، بينما جادل البعض الآخر في أنها تخدم رأس المال. لكن الذي استهان به كلا المعسكرين هو حقيقة أن التكنولوجيا لا تتكامل مع مصادر العمالة ورأس المال الموجودة فقط، ولكنها تخلق مصادر جديدة أيضاً.

تمثل الآلات بديلاً للمزيد من أنواع العمالة البشرية بشكل غير مسبوق. حيث يزيد رأس المال مع حلول التكنولوجيا محل العمالة البشرية. وهو ما يعني أن الرابحين في المستقبل لن يكونوا مقدمي العمالة الرخيصة أو أصحاب رؤوس الأموال التقليدية، فالآلة ستضغط كلاهما بشكل متزايد. بل سيجانب الحظ مجموعة أخرى، وهي المجموعة التي يمكنها ابتكار وصناعة منتجات، وخدمات، ونماذج أعمال جديدة.

يتخذ توزيع الدخل بالنسبة لتلك الطبقة المبدعة أحد صور قانون القوة، حيث يحصل عدد قليل من الرابحين على معظم الأرباح ويبقى طابور طويل من بقية المشاركين. لذلك ستكون الأفكار في المستقبل هي المدخلات النادرة في العالم - أندر من كل من العمالة ورأس المال - والقلة التي ستقدم أفكاراً جيدة هي التي ستجني عائدات ضخمة. وسيمثل ضمان مستوى معيشة مقبول للبقية وبناء اقتصادات ومجتمعات شاملة تحديات مهمة بشكل متزايد في السنوات القادمة.

مخاوف العمالة

إن قلبت هاتفك من نوع "آي-فون" ستجد خطة عمل مكونة من ثمان كلمات نجحت بشدة مع شركة "أبل" وهي: "صمم بواسطة أبل في كاليفورنيا. وتم تجميعه في الصين". أصبحت "أبل" أعلى الشركات قيمة في العام، حيث يتجاوز رأس مالها السوقي 500 مليار دولار. لم تنجح متغيرات تلك الاستراتيجية مع "أبل" والشركات العالمية الكبرى الأخرى فقط، بل نجحت أيضاً مع الشركات متوسطة الحجم بل والشركات الصغيرة المتعددة الجنسيات. فقد اتخذت المزيد من الشركات أعظم طريقين لتحقيق الأرباح في حقبتنا، وهما التكنولوجيا والعولمة.

دفعت التكنولوجيا العولمة قدماً، حيث خفّضت تكاليف الاتصال والتعاملات وحولت العالم إلى ما يشبه السوق الواحدة الكبيرة للعمالة ورأس المال والمدخلات الأخرى في عملية الإنتاج. رغم أن العمالة ليست سهلة التنقل بشكل كامل إلا أن العوامل الأخرى يمكن نقلها بشكل متزايد. ونتيجة لذلك، يمكن الآن نقل المكونات المختلفة لسلاسل التوريد العالمية إلى موقع العمالة دون تكلفة باهظة. فحوالي ثلث البضائع والخدمات في الاقتصادات المتقدمة قابلة للتداول، وقد ترتفع النسبة. ويمتد تأثير المنافسة العالمية إلىالجزء غير القابل للتداول من الاقتصاد، في كل من الاقتصادات المتقدمة والنامية.

يخلق ذلك كله فرصاً ليس فقط لكفاءة وأرباح أعلى إنما أيضاً لانتقالات ضخمة. إذا كان أحد العمال في الهند أو الصين قادراً على أداء نفس العمل الذي يؤديه أحد العمال في الولايات المتحدة، فإن قوانين الاقتصاد تقول إنهم سوف يتقاضون نفس الأجر في النهاية. هذه أخبار جيدة لصالح الكفاءة الاقتصادية الكلية، وللمستهلكين، وللعمال في الدول النامية؛ ولكن ليس للعمال في الدول المتقدمة الذين سوف يواجهون منافسة منخفضة التكلفة. تشير الأبحاث إلى أن القطاعات القابلة للتداول في الدول الصناعية المتقدمة لم تخلق صافي فرص عمل جديدة لعقدين من الزمان. وهذا يعني أن خلق فرص العمل يحدث حالياً ولكن شبه حصرياً في القطاع الكبير غير القابل للتداول، والذين تنخفض أجورهم بفعل المنافسة المتزايدة من العمال الذين انتقلوا من القطاع القابل للتداول.

إلا أنه مع استمرار العولمة، يبدأ أمر أكبر في التكشف؛ وهو التشغيل الآلي، شاملاً الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والطباعة ثلاثية الأبعاد، وما إلى ذلك. وتأثير ذلك العامل يتجاوز العامل الأول، حيث يقع أكبر الضرر على العمال غير الماهرين نسبياً في الدول النامية.

على سبيل المثال، عند زيارة مصنع في مقاطعة جوانجدونج الصينية، سترى آلاف الشباب يعملون بشكل يومي روتيني لتأدية مهام متكررة، مثل توصيل جزئين من لوحة المفاتيح. أصبحت المهام المشابهة نادرة الوجود في الولايات المتحدة أو في دول العالم المتقدم. ولكن قد لا تستمر تلك الوظائف طويلاً في الصين ودول العالم النامي، فهي وظائف يسهل على الروبوتات أدائها. فمع تزايد قدرة الآلات الذكية إلى جانب انخفاض سعرها، ستحل محل العمالة البشرية بشكل متزايد، خصوصاً في البيئات الهيكلية مثل المصانع وتحديداً في المهام الأكثر روتينية وتكراراً. أي أن استخدام عمالة خارجية عادة ما يكون مجرد محطة على طريق التشغيل الآلي.

سيحدث التشغيل الآلي حيث تتوافر العمالة الرخيصة أيضاً. فشركة "فوكسكون" الصينية التي تجمع منتجات "آيفون" و"آيباد" توظف أكثر من مليون عامل منخفض الدخل، لكنها الآن تكملهم وتستبدلهم بجيش متزايد من الروبوتات. فبعد انتقال الكثير من وظائف التصنيع من الولايات المتحدة إلى الصين، يبدو أنها ستختفي من الصين أيضاً. (يصعب الحصول على بيانات مؤكدة حول هذا التحول. حيث تفيد التقارير الصينية الرسمية حدوث انخفاض بقيمة 30 مليون وظيفة تصنيع منذ العام 1996، وهو ما يعادل 25 بالمئة من الإجمالي، حتى مع ارتفاع الإنتاج بنسبة تتجاوز 70 بالمئة، لكن جزءاً من هذا الانخفاض قد يرجع إلى التغييرات في طرق تجميع البيانات). علاوة على ذلك فمع توقف البحث عن العمالة الرخيصة، سوف ينجذب التصنيع نحو السوق النهائية، بما أن ذلك سوف يرفع القيمة عبر تقليل وقت التوصيل وتكاليف التخزين، وما إلى ذلك.

تهدد قدرات التشغيل الآلي المتزايدة أحد الاستراتيجيات المعتمدة بشدة في الدول الفقيرة لجذب الاستثمارات الخارجية؛ عبر تقديم مرتبات منخفضة مقابل انخفاض الإنتاجية ومستويات المهارة، وستمتد الظاهرة لما هو أبعد من التصنيع. فعلى سبيل المثال، تقلل أنظمة الاستجابة الصوتية التفاعلية من ضرورية التفاعل الإنساني المباشر، لتحل مشكلات مراكز خدمة العملاء في دول العالم النامي. وبشكل مماثل، ستتدخل البرامج الحاسوبية التي تصبح جديرة بالثقة بشكل متزايد في عملية التفريغ الصوتي الذي يتم عادة في الدول النامية. وفي مجالات أخرى كثيرة، يعتبر استخدام آلات ذكية ومرنة أكثر وسيلة فعالة من حيث التكلفة مقابل استخدام عمالة منخفضة التكلفة في دول أخرى.

رأس المال والعمالة

إن لم تصبح العمالة الكثيفة الرخيصة مساراً واضحاً للتقدم الاقتصادي، إذن فما هو المسار؟ تشير أحد المدارس الفكرية إلى الإسهامات المتنامية لرأس المال؛ أي الأصول المادية وغير المادية التي تندمج مع العمالة لإنتاج البضائع والخدمات في الاقتصاد (مثل المعدات، المباني، براءات الاختراع، والعلامات التجارية، وما إلى ذلك). كما يشير الاقتصادي توماس بيكيتي في كتابه الأعلى مبيعاً "رأس المال في القرن الواحد والعشرين"، إلى أن حصة رأس المال من الاقتصاد تميل للزيادة عندما يكون معدل العائد عليه أكبر من العائد العام للنمو الاقتصادي، وهو وضع يتوقعه في المستقبل. وسيتسارع تحقق "تعميق رأس المال" الذي يتوقعه بيكيتي مع حلول الروبوتات، والحواسب، والبرمجيات (والتي تمثل جميعها صوراً لرأس المال) محل العمالة البشرية بشكل متزايد. وتشير الأدلة إلى أن تلك الصورة من التغييرات التكنولوجية تحدث في الولايات المتحدة وفي أماكن أخرى حول العالم.

يبدو خلال العقد الماضي أن الانقسام الثابت بين حصتي إجمالي الدخل القومي الموجهة للعمالة والموجهة لرأس المال المادي قد تغير بشكل كبير. فكما أشار الاقتصاديون سوزان فليك، جون جلاسير، وشون سبراج، في تقرير المراجعة الشهرية للعمالة في 2011 الذي يقدمه مكتب إحصاءات العمالة الأمريكي، "بلغ متوسط حصة العمالة 64,3 بالمئة من العام 1947 إلى العام 2000. بينما انخفضت حصة العمالة خلال العقد الماضي، لتهبط إلى أقل مستوياتها في الربع الثالث من العام 2010، بنسبة 57,8 بالمئة". وسوف تؤدي الخطوات القليلة لعودة عملية الإنتاج إلى داخل الولايات المتحدة، وتشمل قرار شركة "أبل" بإنتاج حاسبها الجديد "ماك برو" في تكساس، القليل لعكس هذا الاتجاه. وحتى تكون ذات قيمة اقتصادية، ستحتاج تلك المنشآت الصناعية المحلية لأن تكون آلية لأقصى درجة.

تشهد دول أخرى اتجاهات مشابهة، حيث وثق الاقتصاديان لوكاس كارباربونيس وبرنت نيمان انخفاضات كبيرة في حصة العمالة من إجمالي الناتج المحلي في 42 دولة من بين 59 دولة خضعت لدراستهم، من بينها الصين، والهند، والمكسيك. أوضح الاقتصاديان في نتائج دراستهما صراحة أن التقدم في التكنولوجيات الرقمية يمثل محفزاً مهماً للظاهرة، حيث علقا: "التراجع في السعر النسبي لبضائع الاستثمار، التي يتم ربطها عادة بالتقدم في تكنولوجيا المعلومات وعصر الحواسب، نتج عنه تحول الشركات بعيداً عن العمالة ونحو رأس المال. حيث يعود السعر المنخفض لبضائع الاستثمار للانخفاض الملحوظ إلى النصف تقريباً في حصة العمالة".

لكن إن نمت حصة رأس المال في الدخل القومي، فقد يهدد ذلك استمرار هذا الاتجاه حيث سيمثل تحدياً جديداً لرأس المال؛ ليس من قطاع العمالة ولكن من أحد وحداته المهمة بشكل متزايد وهي رأس المال الرقمي.

تذهب أكبر المدفوعات، في سوق حر، لصالح أندر مدخلات عملية الإنتاج. وعندما يمكن استنساخ رأس المال الذي يتمثل في البرمجيات والروبوتات بأسعار رخيصة، تميل قيمته الهامشية للهبوط، حتى وإن استخدم المزيد منه في المجموع الكلي. ومع إضافة المزيد من رأس المال إلى الهامش دون تكلفة كبيرة، ستهبط قيمة رأس المال الفعلي. فعلى خلاف المصانع التقليدية، يمكن إضاقة عدة أنواع من رأس المال الرقمي بتكلفة رخيصة للغاية، حيث يمكن نسخ وتوزيع البرمجيات دون أي تكلفة إضافية. وكذلك عدة عناصر من مستلزمات الحواسيب، والتي يحكمها متغيرات "قانون مور"، حيث ينخفض سعرها بشكل سريع ومستمر مع مرور الوقت. أي أن رأس المال الرقمي كبير، وله تكلفة هامشية صغيرة، وهو مهم بشدة في جميع الصناعات تقريباً.

حتى مع زيادة تركز رأس المال في عملية الإنتاج، لن تستمر العائدات التي يجنيها أصحاب رأس المال كمجموعة بالضرورة في الزيادة بالنسبة للعمالة. حيث ستعتمد الحصص على التفاصيل الدقيقة للإنتاج، والتوزيع، وأنظمة الإدارة.

أما ما هو أهم من ذلك كله فإن العائد سوف يعتمد على أندر مدخلات عملية الإنتاج. فإن أوجدت التكنولوجيات الرقمية بدائل رخيصة لمجموعة من الوظائف، فلن يمثل ذلك وقتاً جيداً لتكون عاملاً. لكن إن كانت التقنيات الرقمية أيضاً بديلاً بشكل متزايد لرأس المال، فلا يجب أن يتوقع أصحاب رأس المال أن يجنوا عائدات ضخمة.

المورد الأكثر ندرة

سيكون المورد الأكثر ندرة، وبالتالي الأكثر قيمة، فيما نطلق عليه "العصر الثاني للآلة"، وهي حقبة تقودها التكنولوجيات الرقمية وسماتها الاقتصادية المرتبطة بها، هو الأشخاص الذين يستطيعون إيجاد أفكار وابتكارات جديدة، وليس العمالة العادية ولا رأس المال التقليدي.

بالتأكيد كان هؤلاء الأشخاص دائماً ذوي قيمة اقتصادية كبيرة، وبالتالي حققوا استفادة كبيرة من ابتكاراتهم، لكنهم كانوا مضطرين لمشاركة العائدات مع العمالة ورأس المال الذين كانا ضروريين ليتمكنوا من دخول السوق. تحوّل التكنولوجيات الرقمية على نحو متزايد كل من العمالة التقليدية ورأس المال التقليدي إلى سلع، وبالتالي فإن حصة أكبر من عائدات الأفكار ستذهب إلى المبدعين، والمبتكرين وأصحاب المشروعات. أي أن أصحاب الأفكار سيكونون هم المورد الأندر، وليس العمال ولا المستثمرين.

وفي نماذج الأعمال الأكثر بساطة التي يستخدمها الاقتصاديون لتوضيح أثر التكنولوجيا يعاملون التكنولوجيا على أنها مضاعف بسيط لكل شيء آخر، حيث تزيد الإنتاجية الإجمالية بالتساوي للجميع. ويستخدم هذا النموذج في معظم الفصول التمهيدية لدراسة الاقتصاد ويقدم أساساً للبديهية المشتركة والملموسة حتى وقت قريب، التي تشير إلى أن موجة مرتفعة من التقدم التكنولوجي سوف ترفع جميع القوارب بشكل متساوي، لتجعل جميع العاملين أكثر إنتاجية وبالتالي أكثر قيمة.

إلا أن هناك نموذجاً أكثر تعقيداً وواقعية بقليل يشير إلى احتمالية ألا تؤثر التكنولوجيا على جميع المدخلات بشكل متساوي لكن بدلاً من ذلك قد تؤثر على بعضها بشكل أكبر من الأخرى. فعلى سبيل المثال، يلعب التغير التقني المبني على المهارات في صالح زيادة العمال الأكثر مهارة بالنسبة للعمال الأقل مهارة، بينما يؤثر التغير التقني المبني على رأس المال لصالح رأس المال بالنسبة للعمالة. وكان هذان النوعان من التغيرات مهمين في الماضي، لكن هناك نوع ثالث من التغير التقني - وهو ما نسميه التغير التقني المبني على المشاهير - يغير وضع الاقتصاد العالمي بشكل جذري وعلى نحو متزايد.

يمكن اليوم تحويل عدد كبير من السلع والخدمات والعمليات الهامة إلى نظام كودي. ثم يمكن تحويلها إلى نظام رقمي، وبمجرد كونها رقمية يمكن استبدالها. حيث يمكن صنع نسخ رقمية دون تكلفة تقريباً بالإضافة إلى نقلها لأي مكان في العالم لحظياً، وتمثل كل نسخة بديلاً مطابقاً للنسخة الأصلية. ويؤدي مزج تلك السمات الثلاث – التكلفة المنخفضة للغاية، والانتشار السريع، والدقة المثالية – إلى أشكال غريبة ورائعة من الاقتصادات. حيث يمكنها تحويل الندرة إلى وفرة، ليس فقط للسلع الاستهلاكية مثل مقاطع الفيديو الموسيقية، لكن أيضاً للمدخلات الاقتصادية، مثل أنواع محددة من العمالة ورأس المال.

تتبع العائدات في هذا النوع من الأسواق نمطاً مميزاً، ويمثله قانون القوة أو منحنى باريتو، والذي يجني فيه عدد قليل من الأطراف حصة غير متكافئة من العائدات. كما تؤدي التأثيرات الشبكية، وهي ارتفاع قيمة المنتج بارتفاع عدد مستخدميه، لتكون هذه الأنواع من الأسواق حيث يحصل الفائز على كل شيء أو يحصل على المعظم على الأقل. فعند إلقاء نظرة على منصة مشاركة الصور "إنستجرام" كمثال للاقتصاد الرقمي الشبكي. سنكتشف أنه لم يحتج مؤسسي الشركة وعددهم 14 إلى الكثير من المساعدين البشريين غير المهاريين لتحقيق هدفهم، ولم يحتاجوا كذلك لرأس مال مادي كبير. فقد بنوا منتجاً رقمياً ينتفع من التأثيرات الشبكية، وعندما نال شهرته سريعاً استطاعوا أن يبيعوه بعد عام ونصف فقط مقابل حوالي ثلاثة أرباع مليار دولار، وللمفارقة، حدث ذلك بعد أشهر من إفلاس عملاقة التصوير "كوداك"، والتي وظفت حوالي 145,000 شخص واحتفظت بمليارات الدولارات في أصول رأس مالها في أفضل فتراتها.

يمثل "إنستجرام" مثالاً شديد الوضوح لقاعدة أعم. ففي كثير من الأحيان، عندما تجعل التحسينات تحويل منتج أو عملية تقليدية إلى عملية رقمية هو أكثر جذباً، يشهد المشاهير زيادة في معدلات دخلهم، حيث تصعب المنافسة على أصحاب المركز الثاني والواصلين متأخراً. كما شهدت الشخصيات الأفضل أداءً في مجالات الموسيقي والرياضة ومجالات أخرى نمواً في انتشارهم ومعدلات دخلهم منذ فترة الثمانينات، حيث انتهجوا نفس الاتجاهات بشكل مباشر أو غير مباشر.

لكنها ليست البرمجيات أو الوسائل الإعلامية فقط التي تشهد تحولاً. فالتحول الرقمي والشبكات يصبحان أكثر انتشاراً في جميع الصناعات والعمليات في مختلف قطاعات الاقتصاد، بداية بخدمات التجزئة والخدمات المالية إلى التصنيع والتسويق. وهو ما يعني أن اقتصادات المشاهير تؤثر على المزيد من السلع والخدمات والأشخاص أكثر من أي وقت مضي.

حتى أعلى المديرين التنفيذيين بدأوا في جني أرباح توازي نجوم الروك. ففي العام 1990، كان متوسط دخل المدير التنفيذي في الولايات المتحدة مساوياً لحوالي 70 ضعف مرتبات عامليهم؛ بينما في العام 2005 عادلت 300 ضعف. وبشكل عام كانت مرتبات المديرين التنفيذيين منتهجة نفس الاتجاه عالمياً، رغم بعض الفروق الملحوظة بين دولة وأخرى. وهو ما يؤثر على عدة عوامل أخرى، منها التغيرات الضريبية وتغيرات السياسات، ما أدى لتطور المعايير الثقافية والتنظيمية، بالإضافة إلى الحظ المجرد. لكن حسبما يُظهر بحث أجراه برينجولفسين وهييكيونج، فإن جزءاً من النمو مرتبط بالاستخدام الأكبر لتكنولوجيا المعلومات. فالتكنولوجيا توسع الانتشار المحتمل، والمدى والقدرة على التقييم لدى صانع القرار، وهو ما يزيد قيمة صانع القرار عبر إيضاح العواقب المحتملة لقراره. كذلك الإدارة المباشرة عبر التكنولوجيات الرقمية تجعل المدير الجيد أعلى قيمة مما كان سابقاً، حينما اضطر المديريين التنفيذيين لمشاركة سلطتهم مع سلسلة طويلة من المرؤوسين واستطاعوا أن يتحكموا في عدد أقل من الممارسات. واليوم، كلما ارتفعت القيمة السوقية لشركة، كلما أصبح البحث عن أفضل المديريين التنفيذيين لقيادتها مبرراً.

عند توزيع الدخل وفق قانون القوة، سيحصل معظم الأشخاص على أقل من المتوسط، ومع تعرض سندات الاقتصادات الوطنية للتأثيرات المشابهة، سوف يستنفذ هذا النمط نفسه على المستوي القومي. ومن المؤكد أن لدى الولايات المتحدة اليوم واحداً من أعلى مستويات الناتج المحلي الإجمالي الحقيقية للفرد على مستوى العالم، حتى مع ركود دخلها المتوسط بشكل أساسي لمدة عقدين.

الاستعداد للثورة الدائمة

القوى العاملة في "العصر الثاني للآلة" قوية، ومتفاعلة ومعقدة. من المستحيل أن نتنبأ الآن بدقة بالمستقبل البعيد بالنسبة لتأثير تلك القوى. إلا أنه في حالة فهم الأفراد، والشركات والحكومات لما يحدث، سيمكنهم على الأقل محاولة التأقلم والتكيف مع التغيرات الجديدة.

تسعى الولايات المتحدة، على سبيل المثال، لاسترجاع المزيد من الشركات مع التغير الكامل للجملة الثانية من خطة عمل شركة "أبل"، لأن عمليات التصنيع الخاصة بها ستتم مجدداً داخل الولايات المتحدة. لكن الجملة الأولى من الخطة ستصبح أكثر أهمية من ذي قبل، وهو ما يستوجب القلق وليس التراخي. فللأسف، النشاط والإبداع الذين جعلا الولايات المتحدة أكثر الدول ابتكاراً في العالم قد يترنحان.

بفضل الثورة الرقمية المندفعة أكثر من أي وقت مضي، أصبحا التصميم والابتكار الآن جزءاً من القطاع القابل للتداول في الاقتصاد العالمي وسيواجها نفس النوع من المنافسة التي أدت من قبل إلى تحول عملية التصنيع. تعتمد الريادة في مجال التصميم على قوة عاملة بارعة وثقافة ريادة الأعمال، ولكن التقدم الأمريكي المعتاد في تلك المجالات يتراجع. رغم أن الولايات المتحدة قادت العالم من قبل في عدد الخريجين الحاصلين على درجة زمالة على الأقل، إلا أنها تراجعت الآن إلى المركز الثاني عشر. ورغم الضجة المثارة حول ريادة الأعمال في أماكن مثل "سيليكون فالي"، إلا أن البيانات تظهر أنه منذ العام 1996 تراجع عدد الشركات الأمريكية الناشئة التي تتضمن أكثر من موظف واحد بنسبة تتجاوز 20 بالمئة.

إن كانت تلك الاتجاهات عالمية، فستتشكل تأثيراتها المحلية جزئياً وفق السياسات الاجتماعية والاستثمارات التي تختار الدول أن تتخذها، في مجال التعليم تحديداً وفي تعزيز الابتكار والنشاط الاقتصادي بشكل أعم. لمدة أكثر من قرن، كان النظام التعليمي للولايات المتحدة موضع حسد من العالم كله، بنظام تعليم "K-12" العالمي وجامعات عالمية دافعة لنمو اقتصادي مستمر. لكن في العقود الأخيرة، أصبح التعليم الابتدائي والثانوي متفاوتين بشكل متزايد، حيث تعتمد كفاءة المدارس على مستويات دخل الحي الذي تقع فيه مع تأكيد مستمر عادة على التعليم بالتلقين.

لحسن الحظ، نفس الثورة الرقمية التي تحول أسواق المنتجات والعمالة يمكنها تحويل التعليم أيضاً. فيمكن للتعلم عبر الانترنت أن يسهل للطلاب الوصول لأفضل المعلمين والمناهج الدراسية وطرق التعلم بغض النظر عن موقعهم الجغرافي، كذلك المناهج الجديدة القائمة على البيانات ستسهل عملية اكتشاف نقاط قوة ونقاط ضعف الطلبة ودرجة تقدمهم. ويجب أن يوفر ذلك فرصاً لبرامج التعلم المخصصة والتحسن المستمر، باستخدام بعض أساليب ردود الفعل التي أدت بالفعل لتحول الاكتشاف العلمي، والتجزئة، والتصنيع.

قد تزيد العولمة والتغير التكنولوجي الثروة والكفاءة الاقتصادية للدول وكذلك للعالم بشكل أوسع، لكن ذلك لن يكون في مصلحة الجميع، على الأقل بين المدى القصير والمتوسط. حيث سيستمر العمال العاديين تحديداً في تحمل وطأة التغيرات، فسينتفعوا كمستهلكين ولكن ليس بالضرورة كمنتجين. وهو ما يعني أنه دون المزيد من التدخل، سيستمر التفاوت الاقتصادي على الأرجح في الزيادة، ما سيؤدي إلى مشكلات عديدة. حيث تؤدي معدلات الدخل غير المتقاربة إلى فرص غير متساوية، لتحرم دول من الوصول إلى المواهب وتعيق استمرار العقد الاجتماعي. أما بالنسبة للسلطة السياسية فإنها عادة ما تتبع السلطة الاقتصادية، وهو ما سيعيق مسار الديمقراطية في هذه الحالة.

يمكن مواجهة تلك التحديات ويجب مواجهتها عبر ضمان تقديم أعلى مستوى من الخدمات الأساسية، والتي تشمل التعليم، والرعاية الصحية، والتقاعد الآمن. وستكون تلك الخدمات حاسمة لخلق فرص متساوية بشكل حقيقي في بيئة اقتصادية سريعة التغير وحراك متزايد بين الأجيال في الدخل، والثروة، والتوقعات المستقبلية.

أما بالنسبة لتحفيز النمو الاقتصادي بشكل عام، هناك توافق شبه تام وسط الاقتصاديين الجادين حول ضرورة تطبيق بعض السياسات. الاستراتيجية الأساسية بسيطة فكرياً، وإن كانت صعبة سياسياً، وهي: زيادة استثمار القطاع العام على المدى القصير والمتوسط مع جعل هذا الاستثمار أكثر كفاءة وتطبيق خطة لضبط الأوضاع المالية العامة على المدى الأطول. ويُعرف عن الاستثمارات العامة أنها تحقق عائدات مرتفعة في البحث الأساسي في مجالات الصحة، والعلوم، والتكنولوجيا، وبشكل أعم في التعليم، وفي الإنفاق على البنية التحتية مثل الطرق، والمطارات، وأنظمة المياة العمومية والصرف الصحي، وشبكات الطاقة والاتصالات. زيادة الإنفاق الحكومي في تلك المجالات سوف يزيد النمو الاقتصادي الآن، كما سيخلق ثروة حقيقية للأجيال القادمة.

إن استمرت الثورة الرقمية على قوتها في المستقبل كما كانت في السنوات الماضية، قد يحتاج هيكل الاقتصاد الحديث ودور العمل نفسه لإعادة النظر. وكمجتمع، قد يعمل أحفادنا عدداً أقل من الساعات ويعيشون حياة أفضل، ولكن يمكن أن يتوزع كلاً من العمل والعائدات بشكل غير متساوي، مع عدة عواقب غير سارة. حيث سيتطلب خلق نمو مستمر وعادل وشامل أكثر من أعمال تجارية كما هو معتاد. ويجب بدأ ذلك بالفهم الملائم لمدى وسرعة تطور الأحداث.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب