جهود جون كيري المتعثرة لإعادة تعريف السياسة الخارجية الأمريكية

مقال رأي

لا تحتاج لفعل الكثير كي تأخذ صفة "الإرهابي" في الشرق الأوسط –حتى إن كنت وزير خارجية الولايات المتحدة. فقد قضى جون كيري -الأسبوع قبل الماضي- عدة أيامٍ في السفر ذهابًا وإيابًا بين القاهرة والقدس ورام الله في مساعٍ للتوصل لاتفاقٍ حول هدنةٍ لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس في قطاع غزة. إلا أن مساعيه لم تحظَ بتقديرٍ عالمي، حيث ذكرت الصحيفة اليومية الإسرائيلية هآرتس أن كبار المسؤولين في القدس وصفوا مقترحه لوقف إطلاق النار بأنه "هجمةٌ إرهابيةٌ استراتيجية".

جاء التعليق الساخر بعد عرض كيري لما كان يعتبر خطةً معقولة. فقد دعت إلى وقف مؤقت للأعمال القتالية، حيث يمكن أن تستمر المفاوضات حول هدنة طويلة الأمد خلال تلك الفترة. ولكن بدلًا من أن يتم تقدير ذلك، فقد تحوّل إلى مادة للسخرية. إذ رفضت القدس الخطة بغضبٍ، وقالت أنها تلبي فقط مطالب حماس.

بعد ذلك بوقت قصير، ازدادت الأمور سوءًا. إذ بثّت القناة الأولى الإسرائيلية نصًا مزعومًا لمحادثة هاتفية عنيفة بين الرئيس الأمريكي باراك أوباما ورئيس الوزراء الإسرائيلي بينيامين نتنياهو، تبيّن لاحقًا أنها ليست حقيقية.

عندما تمكّن كيري من التوسط لهدنة وقف إطلاقٍ للنار تستمر لمدة ٧٢ ساعة بنهاية الأسبوع الماضي، كان ذلك قصير الأجل. فبعد ثلاث ساعات فقط من تعليق القتال، تم الزعم بأن حماس اختطفت جنديًا إسرائيليا وأصبح وقف إطلاق النار جزءًا من التاريخ. وأعلنت إسرائيل بعدها أن الجندي قد تم قتله وليس اختطافه.

بدت الدبلوماسية العالمية، في الأيام الأخيرة، كشكلٍ من أشكال المسرح العبثي، الذي يلعب جون كيري فيه دور البطل المأساوي. فهو لا يظهر بمظهر وزير خارجية قوةٍ عالمية، كما تسخر هآرتس، بل "ككائنٍ فضائي خرج للتو من سفينته الفضائية إلى الشرق الأوسط." تعهّد كيري، الأسبوع الماضي، في كلمةٍ ألقاها بخصوص الأجواء العدائية بأنه سيستمر في المحاولة قائلًا "لن يتوقف أي من المتواجدين هنا".

يُظهر عجز أهم وزير خارجية في العالم الحجم الضئيل للنفوذ الذي لا تزال الولايات المتحدة تتمتع به في الشرق الأوسط. ومع كل إخفاقٍ، يتآكل نفوذ واشنطن في بقية أنحاء العالم أيضًا. فالحرب الأهلية مشتعلة في شرق أوكرانيا، ولا يزال التوصل إلى اتفاقٍ مع إيران حول برنامجها النووي أمرًا بعيد المنال، هذا بينما يسيطر الإسلاميون الإرهابيون الآن على مساحاتٍ شاسعة من العراق –ولا يبدو أن الولايات المتحدة في وضعٍ يمكّنها من فعل أي شيء حيال ذلك.

البحث عن دورٍ

إنها مهمته الآن كوزيرٍ للخارجية –بالضبط بعد عشرة أعوامٍ من ترشيح الحزب الديمقراطي له لمنصب الرئاسة، وخسارته أمام جورج دبليو بوش– أن يقوم بدور الوساطة في النزاعات الكبرى، بدءًا من إسرائيل وحتى إيران. ولكنه كجزءٍ من حكومةٍ قادت الولايات المتحدة بعيدًا عن دورها التقليدي كقوةٍ عالميةٍ مهيمنة، فإن كيري أيضًا يجسّد معضلة الدور العالمي للولايات المتحدة في القرن الواحد والعشرين: كيف يمكن لسياسة الولايات المتحدة الخارجية أن تكون ناجحةً، إذا كانت تعتمد على الكلمات القوية أكثر مما تعتمد على الدبابات وحاملات الطائرات؟

ففي أحد أيام الثلاثاء في الربيع، ظهر جون كيري أمام لجنة العلاقات الخارجية بالكونجرس متحدثًا عن نهاية مباحثات السلام في الشرق الأوسط. وخلف الستائر السميكة المطرزة التي تحجب ضوء الشمس، أخذ كيري يصف عطلة نهاية الأسبوع التي قضاها في منزله منتظرًا أن تطلق إسرائيل سراح بضعة سجناءٍ فلسطينيين. وهي بادرة حسن النوايا التي قد تم الاتفاق عليها، وكان مأمولًا أن تؤدي ذلك إلى استمرار مفاوضات السلام. مرّت ساعاتٌ وبدأ يساوره القلق. وفي نهاية المطاف، لم يفرج الإسرائيليون عن السجناء؛ ولكنهم بدلًا من ذلك أعلنوا التوسع الاستتيطاني. قال كيري "حمقى، لقد كانت تلك هي اللحظة المناسبة"، وأشار بيده إلى انفجارٍ وهمي.

لمدة دقيقة، بدا كيري كأنه طفلٌ قد كُسرت لعبته. فقد رأى عملية السلام كمشروعه الشخصي الخاص؛ وقضى شهورًا في رام الله وتل أبيب وقطر والرياض وعمّان. لقد أراد أن يمارس الضغط السياسي ويعيد تشكيل الشرق الأوسط من خلال صفقة. ثم أتت الرياح بما لا تشتهي السفن.

كان مظهر كيري، كالمعتاد، لا تشوبه شائبة، ببذلته البحرية الزرقاء المخططة وشعره الفضي المصفف جيدًا. إلا أن الحلقات الظاهرة تحت عينيه، علاوةً على السعال الذي احتفظ به عندما عاد إلى الوطن من إحدى رحلاته في الخارج، كانت مناطق الخلل الوحيدة. كذلك فكيري على درايةٍ وثيقة بالغرفة التي تنعقد فيها لجنة الكونجرس للعلاقات الخارجية. ففي عام ١٩٧١ تحدّث فيها معارضًا لحرب فيتنام، بعد تلقيه وسام الشجاعة تقديرًا لقيادته قاربٍ في دلتا نهر ميكونج. ولاحقًا، تولّى كيري بنفسه منصب رئيس اللجنة لأربعة أعوام.

ولكن خلال الشهادة التي أدلى بها كيري في الربيع، كان الجمهوريون غير راضين عن إجابته. فقال نائب ولاية إيداهو "ليس بإمكانك أن تفعل شيئًا حيال انطباع أن سياستنا الخارجية تخرج عن السيطرة." وقال نظيره من ولاية تينيسي، في إشارةٍ إلى سوريا: "عليك أن تصاب بخيبة الأمل لعدم القدرة على اتخاذ أي إجراء."

بعد ذلك، اعتلى المنصة جون ماكين، صاحب النفوذ الواسع داخل الحزب الجمهوري، والذي يرى التدخل العسكري حلا لمعظم المشكلات، بغض النظر أين أو ضد من. طالب ماكين أن تساعد الولايات المتحدة في تسليح أوكرانيا، واستشهد بعدها بمبدأ الرئيس ثيودور روزفلت الشهير بأن "تتحدث بهدوءٍ وتحمل عصا غليظة،" النهج الذي ساعد في وضع الولايات المتحدة كقوة عالمية في بدايات القرن العشرين. وقال ماكين "إن ما تفعلونه هو أنكم تتحدثون بقوةٍ وتحملون عصا صغيرةً جدًا، في الحقيقة، تحملون غصنًا."

بلدٌ منقسم

الصراع حول وجهة أمريكا الآن، من أعظم النقاشات الجارية الآن في واشنطن. فقد أصبح المحافظون، أمثال العالم السياسي روبرت كاجان، هم الأعلى صوتًا. حذّر كاجان مؤخرًا من "انهيار النظام العالمي" في مقالٍ بصحيفة "نيو ريبابليك"، تحت عنوان "القوى العظمى لا تُحال إلى التقاعد"، وقال أن القوة الأمريكية فقط هي التي تستطيع أن "تُبقي غطاء صندوق المشكلات مغلقًا." كما وصفت مجلة "فورين بوليسي" في عددها الصادر مؤخرًا "الطريق إلى النهضة الوطنية" وتساءلت عمّا إذا كنا "أحدثنا أضرارًا بموقع أمريكا في القمة؟"

لا تزال الولايات المتحدة هى القوة العظمى الوحيدة في العالم، ولكنها أيضًا تبحث عن هويةٍ لسياستها الخارجية. إنها بلدٌ منقسمٌ وممزقٌ بين ما يسميه كاجان "عالم الضجر" وبين الحنين للدور القوي الذي لعبته يومًا.

أوباما هو رئيس "التقشف"، وهي الكلمة التي يستخدمها الأمريكيون للتعبير عن انسحابهم من جبهة السياسة الخارجية. فأوباما لم يقصف سوريا، ورفض أن يرسل قواتٍ بريةً مرةً أخرى إلى العراق، واختار عدم التدخل عندما استولت روسيا على شبه جزيرة القرم. قال أوباما الخريف الماضي في كلمةٍ للأمم المتحدة "إننا لم نعد في حرب باردة، ولا توجد لعبةٌ كبيرة للفوز بها". وقال في خطابٍ لاحق "حقيقة أن لدينا أفضل مطرقة لا تعني أن كل مشكلةٍ هي مسمار." وبالتالي فإن مهمة جون كيري هي: أن يؤسس سياسةً خارجيةً فعالةً دون اللجوء إلى المطرقة.

ويقول بن رودس، نائب مستشار الأمن القومي الأمريكي، أن "الرئيس يقدّر أخلاقيات العمل الدؤوب التي يلتزم بها كيري، وكذلك رغبته في مواجهة المخاطر الدبلوماسية. فهذه الصفات مناسبةٌ تمامًا للوقت الذي تتحرك فيه الدبلوماسية لتحتل موقع الصدارة من سياستنا الخارجية".

من أزمةٍ لأخرى

خلال الاثنى عشر شهرًا الأولى له في المنصب، سافر كيري لمسافةٍ تتجاوز ثلاثمائة ألف ميل حول العالم، أكثر مما فعل أيٌ من أسلافه في وزارة الخارجية. فقد قام بزيارةٍ رسمية للصين، ثم سافر إلى أفغانستان ليساعد في حل النزاع حول نتائج الانتخابات. وفي عطلة نهائيات كأس العالم، سافر إلى فيينا للمشاركة في المباحثات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، وللقاء وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير للتحدث بخصوص قضية التجسس التي تُعرِّض الآن العلاقات الألمانية الأمريكية للخطر. وبعد ذلك بقليل، ذهب إلى الشرق الأوسط في محاولةٍ لوقف القتال.

يبلغ عمر كيري سبعين عامًأ. ويمتلك هو وزوجته "تريزا هاينز" –وهي وريثةٌ لجزء من ثروة هاينز كاتشب– منازل في بوسطن وواشنطن، علاوةً على ممتلكاتٍ في بيتسبرج ومنزلٍ صيفيٍ في نانتوكيت. وتُقدّر قيمة هاينز بنصف مليار دولار. عندما يسافران معًا، فإنهما يستقلان "جالف ستريم"، الخاصة بهما، ويأخذان طاهيًا شخصيًا معهما. يستطيع كيري بسهولة أن يقضي وقته مبحرًا مع أحفاده ويأخذ الأمور ببساطة.

بدلًا من ذلك، فإنه ينزلق من أزمةٍ لأخرى، ويقوم مكتبه الآن فقط بتسجيل مواعيدٍ له في الدقيقة الأخيرة. ورغم أعباء العمل الهائلة، يبدو كيري وكأنه قد وجد ضالته. يقول ديفيد ماكين "لا أعرف كيف يفعل ذلك".

ماكين هو مدير أعمال كيري لتخطيط السياسات. ويقع مكتبه في الطابق السابع بمبنى وزارة الخارجية؛ حيث تضع الأعمدة الرومانية إطارًا للمصاعد المذهبة. تقع مكاتب كيري في الجناح الأيمن الذي تفصله عن الجناح الأيسر حيث يقع مكتب ماكين نقطة التفتيش الأمنية. ويعرف الاثنان أحدهما الآخر منذ كان كيري مدعيًا عامًا صغيرًا في ولاية ماساتشوستس، حيث بدأ ماكين العمل معه منذ عام ١٩٨٧، أولًا كمدير مكتبه في الكونجرس، ثم كعضوٍ في فريق حملته الانتخابية. 

التبشير العالمي

يقول ماكين أن دور كيري مختلفٌ عن ذلك الذي كان لسابقته في المنصب، هيلاري كلينتون. فعندما أصبحت كلينتون وزيرة الخارجية عام ٢٠٠٩، كانت صورة أمريكا في وضعٍ تاريخيٍ لا تُحسد عليه، وكانت مهمتها –كما يقول ماكين– أن تحسِّن هذه الصورة، بينما يستطيع كيري أن يواصل البناء على ذلك، منجزًا المرحلة الثانية فيما بعد سنوات بوش: السعي للتأثير في السياسة العالمية بدون اللجوء للتدخل العسكري والإجراءات العنيفة. ويضيف ماكين قائلًا   أن "كيري يعرف اللاعبين الأساسيين في معظم الدول، إما رئيس الدولة أو وزير الخارجية، ويعمل على الاستفادة من هذه العلاقات. فبكونه وزيرًا للخارجية، هو الرجل المناسب في الوقت المناسب".

وقد رأى كيري دائمًا نفسه في موقعٍ قريبٍ من موقع المبشر العالمي. فعندما كان عضوًا صغيرًا بالكونجرس، سافر إلى مانيلا ليراقب الانتخابات هناك؛ وفي نيكاراجوا، أقنع الساندينيين يتقديم تنازلاتٍ؛ ولاحقًا، كشف عن تورط الديكتاتور البنمي مانويل نورييجا في تجارة المخدرات. لدى كيري القدرة على إقناع الناس بمزيجٍ من السحر والمثابرة والخبرة، ولديه أساليبه الخاصة من حكاياتٍ ومعانقاتٍ لكل واحدٍ من ضيوفه. يقول دوجلاس فرانتس، أحد وكلاء وزارة الخارجية، أنه "يظن أن بإمكانه أن يصنع فارقًا".

يساعد ذلك في تفسير التزام كيري بالتوسط بين إسرائيل والفلسطينيين. فعلى الرغم من إخفاق أوباما فعليًا في محاولته قبل أربعة أعوام، قال كيري لصحيفة شبيجل، قبل أن يبدأ مهمته الأخيرة في الشرق الأوسط، أن بذل جهودٍ للتوسط هو "جزءٌ أصيلٌ من بصمتنا كدولة، وخصوصًا بوصفنا أصدقاءًا لإسرائيل." لم يندم كيري على محاولاته، بل ويقول "أظن أن الجميع يعرف أنه في يومٍ ما عند نقطةٍ ما، ستعود كل الأطراف إلى عملية السلام، لأنها الطريق الوحيد لتحقيق أي شكلٍ من أشكال السلام والأمن والاستقرار الدائمين".

إن أحد أهم تكتيكات كيري هو أنه يقنع نظراءه أن الولايات المتحدة حليفهم الأقرب، إلا أن هذ النهج، على الأقل منذ قضية التجسس، لم ينفع في كل الحالات. وعندما يتعلق الأمر بالنزاعات المستعصية، كتلك التي بين إسرائيل والفلسطينيين، فإنه ليس كافيًا بالتأكيد.

في أحد أيام شهر مايو من العام ٢٠١٣، وبعد تحدثه لرئيس الوزراء الإسرائيلي بينيامين نتنياهو والرئيس الفلسطيني محمود عباس حول الشروط اللازمة للتوصل إلى اتفاقٍ بين الطرفين، جاءت كيري فكرةٌ عفوية: أوقف الوفد الذي يرأسه أمام مطعم "شاورمة" في رام الله. وهرع العاملون بالمطعم لخدمته بحماسٍ كبير عندما طلب كيري، الذي كان يرتدي بذلة داكنة مع ربطة عنقٍ حمراء، شاورمة بالفراخ. وكان يقول متهللًا بينما يأكل : "إنها جيدةٌ يا صديقي".

تعد هذه الحكاية خير مثالٍ للطريقة التي يقترب بها كيري من الناس، ولكّن ما حدث في رام الله تسبب في صخبٍ غير متوقع. فقد اتهم الجمهوريون كيري بأنه أظهر دعمًا كبيرًا للفلسطينيين، بينما قال الإسرائيليون أنه يصوّر نفسه على أنه المنقذ. ومنذ ذلك الحين، أطلقوا عليه –تحقيرًا– دبلوماسي الشاورمة.

في ذروة مفاوضات السلام للعام الماضي، كان كيري يتحدث هاتفيًا مع شركائه في الشرق الأوسط كل يومٍ تقريبًا –عادةً في الصباح الباكر أو في أوقات متأخرة من الليل، من منزله بجورج تاون، مستخدمًا خطًا هاتفيًا مشفّرًا. إلا أنه عندما كان يسافر، وتحت ضغط الوقت، كان يستخدم أحيانًا هاتفًا عاديًا.

الهاتف المراقَب

أكّدت عدة مصادر بالمجتمع الاستخباراتي لصحيفة شبيجل أن جزءًا كبيرًا من هذه النقاشات، التي تجاوزت البث عبر الأقمار الصناعية، تم التنصت عليه بواسطة جهازين استخباراتيين على الأقل، واحد منهما هو الاستخبارات الإسرائيلية. ومن المحتمل أن الصينيين والروس أيضًا كانوا يراقبون المحادثات. وبالتالي، كان الإسرائيليون غالبًا يعلمون بالضبط ما الذي قد ناقشه كيري مع الطرف الآخر. كان كيري يعرف المخاطرة، ولكنه أراد التوصل إلى نتائج، وقد كانت المحادثات أكثر أهميةً بالنسبة له من تخوفات رجال أمنه. وعلى أية حالٍ، لن يعلق الإسرائيليون ولا وزارة الخارجية على مراقبة هاتفه.

سمحت التسجيلات للإسرائيليين أن يروا أداء التوازن الدبلوماسي الذي يقوم به كيري. وكلما مر الوقت على عمله كوسيطٍ، كلما أصبحت هجماتهم أكثر عنفًا. قال وزير الدفاع موشيه يعلون ساخرًا في بداية هذا العام أن كيري لديه "هاجسٌ غامضٌ وحسٌ تبشيري، وأن الشيء الوحيد الذي كان بإمكانه إنقاذنا هو أن يفوز كيري بجائزة نوبل ويتركنا وشأنا".

يقول دانيال هاميلتون، من جامعة جون هوبكينز في واشنطن، أن السياسة الخارجية الفعالة تنطوي على مزيجٍ بارعٍ من "القوة الناعمة" و"القوة الصلبة." ويتابع أن بيل كلينتون أظهر هذه البراعة في فترة التسعينيات، ولكن كيري يعيش في خطته ويقضي معظم وقته ساعيًا لحل الأزمات العاجلة. "فالذي يفتقده هو الرؤية الاستراتيجية. كما أنه يعمل مع رئيسٍ يركّز بشكلٍ أساسي على القضايا الداخلية".

فكيري وزير خارجيةٍ من المدرسة القديمة، يرى أن دور الولايات المتحدة يتمثل في كونها قوة مهيمنة ووسيطًا عالميًا، وفي بعض الأحيان أيضًا تكون شرطيًا عالميًا. ولكن أوباما لديه رؤيةٌ مختلفة للعالم. إذ أنه لا يريد التدخل في كل مكانٍ في العالم ويفضّل التركيز على المشاكل الأقرب للوطن.

لقد أظهرت الأزمة السورية، على وجه الخصوص، تباين رؤاهما العالمية بشكلٍ صارخ. ففي يوم الجمعة بنهايات أغسطس عام 2013، ألقى كيري خطابًا حماسيًا من وزارة الخارجية ضد استخدام سوريا للأسلحة الكيماوية. وقال أنه يعرف أن الأمريكيين تعبوا من الحرب، ولكن "التعب لا يعفينا من مسؤوليتنا." وتابع قائلًا أن ذلك يتعلق بحفظ الوعد الذي قطعناه بأن "الأسلحة الأكثر بشاعةً لا يجب أن تُستخدم ثانيةً ضد أكثر الأشخاص ضعفًا في العالم." لقد كانت كلمات قائدٍ عسكريٍ؛ وبدا كما لو أن كيري قد أصدر لتوه أمرًا بإطلاق وابل من الصواريخ متوسطة المدى.  

خيبة أملٍ عميقة

ذلك المساء، دعا أوباما مستشاريه للمكتب البيضاوي وقال لهم أنه لن يتم شن غاراتٍ جوية بدون موافقة الكونجرس، وبالتالي تم استبعاد الخيار العسكري من على الطاولة. جعل هذا الإعلان كيري يبدو في موقفٍ سيئ. كما أن أوباما لم يستشره قبل التوصل إلى حكمه؛ وأخبره بالكاد بقراره. على الرغم من ذلك، دافع كيري عن موقف أوباما فيما بعد كما لو كان موقفه الخاص.

وفقًا لمستشار أوباما بن رودس، فإن الرجلين على "علاقةٍ وثيقة"، ولكن بالنسبة للمراقبين، فإنه من الجليِّ أنها ليست علاقة صداقة، رغم أن كليهما يعرف أحدهما الآخر منذ وقتٍ طويل. وفي الحقيقة، نستطيع القول بأن كيري هو من اكتشف أوباما. فعندما كان كيري مرشحًا للرئاسة قبل عشرة أعوام، طلب من السياسي الديمقراطي بولاية إلينوي، والذي لم يكن معروفًا على نطاقٍ واسعٍ ذلك الحين، أن يلقي كلمةً في المؤتمر الوطني الديمقراطي. وقد جعل هذا الظهور أوباما مشهورًا حول العالم، بينما كانت خسارة كيري للانتخابات ذلك العام أمرًا شديد الصعوبة بالنسبة له. وكما يقول ديفيد ماكين، إن وصفنا لما حدث بأنه "خيبة أملٍ عميقة أقل من أن يعبر عن الحقيقة".

وبالرغم من أن أوباما توجه بالشكر لكيري على إتاحة هذه الفرصه له ليتحدث في المؤتمر، فقد جعل هيلاري كلينتون وزيرة خارجيته الأولى، وكان يتمنى أن تحل سوزان رايس محلها. كان تقلّد كيري للمنصب فقط بسبب التصريحات المضللة التي أدلت بها رايس حول الهجوم على السفارة الأمريكية في ليبيا عام 2012، الأمر الذي جعلها غير مقبولة سياسيًا.

ويمكن أن تُلخّص العلاقة بين الرجلين في اللقاء الذي جمعهما في أكتوبر 2012. كان ذلك الوقت هو ذروة حملة الانتخابات الرئاسية، وأراد أوباما أن يساعده كيري في التدريب على مناظرةٍ حاسمة. كان من المفترض أن يلعب كيري دور ميت رومني، منافس أوباما الجمهوري، في محاكاة للمناظرة تم عقدها بفندقٍ في فيرجينيا. وقد طلب مستشارو أوباما من كيري أن يضايق أوباما بقدر ما يستطيع أثناء حديثه.

فناظر كيري بدهاءٍ، ودفع الرئيس في جميع الأنحاء وقاطعه عدة مراتٍ مما ضايق أوباما وجعله يزمجر قائلًا أنه لم يرِد أن تتم مقاطعته بشكلٍ مستمر. في نهاية المطاف، نهض أوباما وغادر القاعة، موضحّا بجلاء أنه اعتقد أن سلوك كيري كان وقحًا. يقوم كيري بأداء وظيفته مع أوباما، ولكنه ليس جزءًا من دائرة الرئيس المقربة.

بسبب الأزمة في الشرق الأوسط، لم يكن لدى كيري الوقت ليجري لقاءًا مع شبيجل، لكنه اقترح أن يجيب على الأسئلة كتابيًا. أحد هذه الأسئلة كان عن احتمالية وجود عالمٍ تلعب فيه قوة أخرى، كالصين، دور الولايات المتحدة.

"أكثر اشتباكًا، وليس أقل"

"أبدًا،" هكذا أجاب وزير الخارجية، "وليس هناك من يتخيل أن تقوم الولايات المتحدة بأي شيء غير القيادة." كما أنه قارن الموقف الراهن بسقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفييتي، قائلًا: "بالعودة إلى ذلك الوقت، فإن كثيرًا من الناس اعتقدوا أن أمريكا عليها أن تأخذ حصتها بسلامٍ وتنسحب من العالم." ولكنها كانت اللحظة –يتابع– التي تطلبت وجود أمريكا في موقع القيادة. وهو يظن أن الموقف الراهن مشابهٌ إلى حدٍ بعيد –فنحن في وقتٍ أصبح العالم فيه "معقدًا للغاية"، لذلك يجب على الولايات المتحدة أن تكون "أكثر اشتباكًا، وليس أقل".

هل أضعف نبذ القوة العسكرية من النفوذ الأمريكي الدولي؟ يرفض كيري هذه الفرضية: ويقول أن الولايات المتحدة لا تزال تستخدم القوة كتهديدٍ، مشيرًا إلى اتفاقية الأسلحة الكيماوية السورية وقصف ليبيا لإنقاذ الليبيين من القتل على يد النظام، كأمثلةٍ تؤيد فكرته.  

إن السياسة الأمريكية تشبه فيلمًا لهوليوود: فالتاريخ يُكتب وفقًا للنتائج، وهناك دومًا فائزٌ وخاسر. فإن استطاع كيري أن يصل إلى اتفاقٍ مع إيران، أو أن يتوسط لإتمام صفقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، فإن التاريخ سيعتبره بطلًا. ولكن إن لم يستطع إنجاز أي شيء، قد يصبح رمزًا لتراجع الولايات المتحدة السياسي. من المحتمل أن يكون العصر الذهبي للهيمنة الأمريكية قد أشرف على الانتهاء، وأن هناك فصلًا جديدًا من الجغرافيا السياسية على وشك البدء –الاحتمال الذي يخشاه المحافظون أنفسهم.

أثناء ظهور كيري أمام لجنة العلاقات الخارجية، كانت تتم مساءلته من قبل الجمهوريين لمدة ساعة، ولكنه ظل هادئًا. في النهاية تحوّل إلى الجانب الأيمن ونظر مباشرةً إلى جون ماكين. فكلاهما قد عرف الآخر منذ ثلاثين عامًا، وكلاهما حارب في فيتنام، وكلاهما خاض الانتخابات الرئاسية وأخفق في الفوز بها.

قال كيري لماكين أن "صديقك تيدي روزفلت قال أيضًا أن الفضل يعود للأشخاص الذين يحاولون أن ينجزوا الأمور من داخل الحلبة."

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب