داعش تمثل "لحظة حقيقة" حتمية

مقال رأي

لقد صُدمت أمريكا بحقٍ بالعملية الوحشية المسجلة على شريط فيديو لقتل الصحفي الأمريكي جيمس فولي.

ولكن لم يكن علينا أن نندهش. فالدولة الإسلامية - كما تسمي الجماعة الجهادية نفسها - قد قتلت واغتصبت واعتدت في طريقها عبر الحدود في الشرق الأوسط متصدرةً بذلك عناوين الصحف كأحدث عدوٍ إرهابي في المنطقة.

ولا يضع قتل فولي "داعش" في موقعها الإرهابي المناسب فحسب، ولكنه أيضًا إن استطاع أن يجر القوات الأمريكية البرية للقتال، فإنه سيمنح داعش ميزةً نوعية على مستوى التجنيد. لذلك لا يستوجب رد الفعل الأمريكي شن مجموعة من الغارات الجوية فقط، وإنما حساباتٍ  استراتيجية جادة. إذ ينبغي على الولايات المتحدة أن تعمل على إيجاد صيغة تعاون إقليمية للاستجابة مع الأمر - صيغة دبلوماسية واقتصادية وعسكرية - بمساعدة القوات البرية لحلفائنا وأصدقائنا الإقليميين، وبتقديم الدعم الأمريكي الممكن من خلال الأجهزة الاستخباراتية والخدمات اللوجيستية والغارات الجوية. ولكننا لا نستطيع أن نخوض هذه الحرب من أجل أصدقائنا الإسلاميين في المنطقة. 

وعلى الرغم من ادعاءاتها، فإن داعش لم تصبح دولةً حتى الآن. لقد كانت في البدء جماعةً من المقاتلين الممولين والمسلحين والمدعومين من قبل قوى وحكومات معارضة للرئيس السوري بشار الأسد. إلا أن دعوتها لدولة الخلافة التي تحكمها التأويلات المتطرفة للشريعة الإسلامية تجد بالضبط صداها لدى المدرسة الوهابية السعودية، كما أن هذه الدعوة جذابة للشباب الساخط والضعيف. فداعش لديها حتى الآن ما يُقدّر بحوالي عشرين إلى أربعين ألف مقاتل وبعض المعدات الثقيلة والأموال النقدية والنفط وقطاعات من السكان المذهولين والمقموعين الذين تُقدّر أعدادهم ببضعة ملايين، ويعانون الآن في ظل التطبيق المتطرف لقوانين الشريعة. فهي لا تمثل - عند هذه النقطة - تهديدًا وجوديًا عسكريًا لبغداد المتأهبة، والمدعومة من إيران (والولايات المتحدة)، أوللأكراد المدعومين بالقوات الجوية الأمريكية. 

وبالرغم من أنها تشكل تحديًا لقوات الأسد في سوريا، فإنها تركز أكثر على تدعيم وجودها والحفاظ على الأراضي التي استولت عليها في شمالي سوريا، وزعزعة الاستقرار في لبنان، وربما التحضير لتحركاتٍ  أكبر ضد الدول الأخرى في المنطقة، كالأردن.

يمثل مقاتلو داعش - بما في ذلك ربما بضعة آلاف من الشباب المغترب من أوروبا والقوقاز وأمريكا الشمالية - تهديدًا يتجاوز الأراضي التي تستولي عليها داعش. لذلك تفحص الحكومات بقلقٍ المسافرين وتتطلع لمنع أو حجز أو أي طريقة أخرى لعزل هؤلاء الإرهابيين المحتملين عندما يغادرون سوريا. وبالرغم من صعوبة ذلك، فإن تدابير أمننا الوطني الآن أفضل بكثير مما كانت عليه العقد الماضي. فالولايات المتحدة، على الأقل، ينبغي عليها أن تكون قادرةً على التعاطي مع هذا التهديد شديد الخطورة.

ولكن إذا ما سٌمح لداعش بتعزيز مكتسباتها، وبناء قواتها، ونشب مخالبها المتمثلة في الإرهاب والتخريب، فإنها سوف تمثل خطرًا حقيقيًا على لبنان والأردن والدول السنية الرئيسية في المنطقة، لا سيما السعودية.

ينبغي على السعودية أن تعرف أنها ستصبح في نهاية المطاف الهدف الرئيسي لداعش. فهي تسيطر على معظم الأماكن المقدسة في الإسلام، ولقربها (من) وتعزيزها وتصديرها للتأويلات المتطرفة للإسلام، فإن السعودية على وجه التحديد هي الأكثر عرضة للتأثر بمنطلقات داعش الأخلاقية.

كذلك فإن الصفقات الضخمة لشراء الأسلحة الغربية ستساعد فقط إذا ما بقيت القوات المسلحة والجماهير السعودية على ولائها للحكومة. فبالنسبة للسعودية، في هذا الوقت لا توجد ضمانة في تعهد الآخرين من خارج المنطقة بتقديم خدماتهم. فبشكلٍ أساسي، سيكون على السعوديين أنفسهم القيام بذلك؛ العائلة المالكة ورجال الدين الذين يسعون الآن لدحر الخطر الداعشي. 

عليهم ألا يرتكبوا أخطاء: فالتهديد الكامن هو إمكانية سيطرة داعش على السعودية بكل ما لديها من نفطٍ  وعائدات وأسلحة حديثة.

وبالتالي، فإن اتخاذ الإجراءات التنسيقية لمواجهة داعش أمرٌ عاجل. ولكن بالنظر إلى أن القوة الدافعة لداعش دينية في المقام الأول، وإلى أن القوات المسلحة الأمريكية ليست لغويًا ولا ثقافيًا أفضل من يمكنه الدخول في قتالٍ مستمرٍ في المنطقة، فينبغي علينا أن نكون حذرين بشأن توريط قوات برية كبيرة.   

لقد تعلمت الولايات المتحدة بصعوبة درس أن الجيوش الغربية تثير المتطرفين وتكون بمثابة مغناطيسًا للإرهابيين. فبدلًا  من ذلك، يجب على البلدان الأخرى، لا سيما السعودية وغيرها من الدول السنية، أن تضع جنودها في المقدمة، وتتحمل وطأة القتال. ويمكن للولايات المتحدة أن تقدم لهم الدعم الدبلوماسي والمساعدات الاقتصادية، كما أنها تستطيع توجيه ضرباتٍ  باستخدام سلاح الطيران، أو القوات الخاصة، كي نعزز جهود حلفاءنا، ولكننا لا نستطيع أن نخوض حربًا دينية بالوكالة عن أصدقائنا الإسلاميين في المنطقة.

إن الشرق الأوسط يقترب الآن من لحظة الحقيقة الخاصة به، وخصوصًا السعودية. فلكونها كانت من يصدر ويدعم الإيديلوجية الدينية السنية المتطرفة، يجب على السعودية الآن أن تواجه الخطر الذي صنعته بنفسها، حتى وإن تجسّد في سلالةٍ أكثر تطرفًا. يجب عليها أن تستجمع شجاعتها اللازمة لاتخاذ موقف حاسم، قبل أن تصبح داعش أكثر قوة.

وبالنسبة للولايات المتحدة، ليس هناك ما يمكن الحصول عليه بالتباطؤ. علينا العمل بأسرع ما يمكن - من وراء الكواليس - لتكوين ردة فعلٍ إقليمية فعالة، من خلال التنسيق مع أصدقائنا وحلفائنا، الآن.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب