عقيدة السيسي

مقال رأي

مرةً أخرى، يصل الدبلوماسيون الإسرائيليون والفلسطينيون إلى القاهرة. 

بيد أن الجانبين لن يتحدثا حتى لبعضهما البعض هذه المرة. وبدلًا من ذلك، سيتردد المصريون ذهابًا وإيابًا بين الاجتماعات الفردية، في لعبة المحادثات الهاتفية شديدة الخطورة. ولا توجد خلافاتٌ، في الوقت الراهن، حول هدنة وقف إطلاق النار قصيرة المدى. بينما لا تزال مساعي التوصل إلى هدنةٍعلى المدى الأطول مستمرة.

ومن المرجح أن يُنظر للمصريين باعتبارهم وسيطًا لا يُعتمد عليه. فحتى قبل نشوب الحرب الأخيرة في غزة، أبدت الحكومة الحالية في القاهرة كراهيتها شديدة الوضوح تجاه حماس. إلا أن مصر، في إطار هذه الدائرة المغلقة المتكررة بين وقف إطلاق النار وممارة العنف، لا تزال الخيار الواقعي الوحيدللتوسط. ويبقى التساؤل هو ما إذا كانت أكبر الدول العربية من حيث عدد السكان قادرةً على الاستفادة من الحقائق الجغرافية الثابتة – فمصر لديها حدودٌ مع كلٍ من غزة وإسرائيل – وتحويلها إلى نجاحٍ دبلوماسي طويل الأمد أم لا. ولن يكون هذا أمرًا يسيرًا. إذ سيكون على المصريين أن يتجاوزوا نهجالضغط والإكراه – تكتيكهم المفضل.

فعملية المفاوضات الناجحة لن يكون لها أن تحدث إلا بتخلي مصر وإسرائيل وحماس عن مواقفهم الصفرية. وبالرغم من عداوتها لحماس، فإن مصر لا تزال قادرةً على المساعدة في إتمام هذه العملية طالما كانت على استعدادٍ لاستخدام مصداقيتها لدى إسرائيل بهدف التوصل إلى مجموعةٍ من الترتيباتالواقعية التي من شأنها التخفيف من حدة المخاوف المشروعة المتعلقة بالأمن لكلٍ من مصر وإسرائيل والتعاطي مع الاحتياجات الملحة لسكان غزة. فإذا استطاع المصريون إنجاز ذلك، فإنه سيكون نقطةً مضيئةً في سجل الرئيس عبدالفتاح السيسي و خطوةً إلى الأمام في مصداقيته الدولية وتطلعاتالاستقرار الداخلي في مصر.

كما أن غزة إلى حدٍ بعيدٍ هي أهم نقاط السياسة الخارجية التي يمكن لمصر أن تستغلها وتثبت دورها من خلالها، إلا أن المنطقة تمر بحالة اضطراب واسعة تمتد من ليبيا إلى سوريا والعراق. وبالرغم من تراجع دور القاهرة الإقليمي في السنوات الأخيرة، فإن السيسي أصبح مضطرًا للاستجابة للتحدياتالراهنة: فبعد مرور شهرين على توليه منصب الرئاسة، ينصب التركيز على الخطوط العريضة للسياسة الخارجية المصرية الناشئة، مع مراعاة تشكل سياستها الإقليمية إلى حدٍ كبيرٍ بالتزامن مع تخوفاتها الداخلية فيما يخص الإسلام السياسي والتشدد والإرهاب وعدم الاستقرار. وتساعدنا هذه التخوفاتفي تفسير قسوة مصر تجاه حماس وتصاعد الحس الخطابي في القاهرة بخصوص التهديد الذي تمثله الفوضى في ليبيا. 

كذلك فإن وضع مصر في منطقةٍ مضطربة يردد أصداء الجهود الداخلية التي يبذلها النظام الناشئ سعيًا لتعزيز قوته وإعادة فرض الاستقرار مجددًا باستخدام القمع.

ولكن استراتيجية السيسي ليست جامدةً كما قد يبدو من مجرد النظر إلى غزة. إذ أن النهج المصري في التعامل مع سوريا والعراق شديد التنوع والدقة. ففي الأمور التي لا تتعلق بحدودها أو النفوذ الصارم المفروض على مجالها السياسي الداخلي المحفوف بالمؤامرات، تستطيع مصر تقييم المخاطر بدقةوإيجاد حلول لها. 

في حقيقة الأمر، قد بدت مصر ، كأهم دول المنطقة التي تصب تركيزها بشكل عملي على معاداة التشدد والإسلام السياسي، وترفض تغير النظام في كل صوره، وتتشبث بحزمٍ بوحدة وسلامة أراضي الدول العربية وثبات حدودها. وقد يكون الأكثر إثارةً أن مصر نأت بنفسها عن الصراع السني الشيعيالذي يعمل بازديادٍ كمحورٍ للصراعات في الشرق الأوسط. فعلى الرغم من عدائها طويل الأمد تجاه إيران، والذي لم تظهر أي إشارةٍ على تراجعه، فإن مصر اتبعت بفعالية النهج الدبلوماسي مع حلفاء طهران في العراق وسوريا. ويبدو أن السيسي يولي اهتمامه إلى الاستقرار الأقليمي أكثر مما يوليه إلى الولاء الطائفي. 

* * *

لقد بدأ موقع مصر الإقليمي في التراجع التدريجي منذ عقود، ولكن منذ انسحاب إسرائيل من مستوطناتها في قطاع غزة عام 2005، أصبح دور مصر في التوسط بين إسرائيل وحماس لا غنى عنه. ولم تكن مصر أبدًا – لا تحت قيادة الرئيس السابق حسني مبارك ولا تحت قيادة السيسي الآن – وسيطًاأمينًا، إلا أن معاهدة السلام التي تربطها بإسرائيل وحدودها مع غزة قد جعلتاها خيارًا لا بد منه.

فقد كان موقف العداء الذي لا يتزعزع تجاه حماس هو السمة الثابتة للسياسة المصرية، باستثناء عامٍ واحدٍ فقط بين انتخاب الرئيس الإخواني "محمد مرسي" وعزله من قبل الجيش. وقد تنامى ذلك الموقف العدائي منذ أطاح السيسي بمرسي. فالمؤسسة الأمنية المصرية ترى أن حماس على ارتباطٍ وثيقبمشكلات انعدام الأمن والفوضى في مصر.وقد تجذّرت هذه التصورات بشكلٍ كبيرٍ في خضم حالة الاضطراب التي عمت البلاد وإخفاق مرحلة ما بعد مبارك الانتقالية. وعلى الرغم من ذلك، فمن الصعب أن تميّز – في مصر اليوم – بين التخوفات المشروعة ونظريات المؤامرة التي بدأت تسود الخطابالعام. فحماس لا تمثل تهديدًا للاستقرار في مصر بالقدر الذي يدعيه النظام، ولكن مصر لديها بواعث قلقٍ أمنيةً مشروعة ناجمةً عن الموقف الحالي في غزة؛ فقد أصبحت الحدود التي يسهل اختراقها بين مصر وغزة ممرًا للسلاح والمسلحين منذ فترةٍ طويلة. كما أن الروابط الوثيقة بين حماس وجماعةالإخوان المسلمين المصرية (المحظورة حاليًا) تزيد من تعقيد الموقف المصري. 

وعلى الرغم من الروابط الإيديولوجية والعلاقات الشخصية، فإن مرسي لم يستطع أبدًا تغيير الموقف المصري جذريًا تجاه غزة. وبينما اعتقد قادة حماس أن لديهم راعيًا سياسيًا وسندًا في القاهرة، فقد تأخرت مؤشرات ذلك كثيرًا. لقد كان الافتراض غير المعلن عندما تولى مرسي منصبه أن الإخوانسيغيرون أخيرًا النهج المصري تجاه حماس وغزة، بينما يصبحون أكثر اطمئنانًا للسلطة ويؤكدون تدريجيًا سيطرتهم على قضايا الأمن القومي. وقد كان هذا الافتراض هو القاعدة الضمنية لمعاهدة وقف إطلاق النار عام 2012 بعد الجولة الأخيرة من احتدام الصراع في غزة، فقد تم الاتفاق على وقفإطلاق النار بوساطةٍ من جانب حكومة مرسي، الأمر الذي لفت إليه الأنظار حول العالم. ولكن موقف المؤسسة الأمنية المصرية تجاه غزة لم يتردد أو يتغير أبدًا.

فقد سعت مصر دائمًا لتقويض وإضعاف قوة حماس، ولكنها أيضًا كانت مدركةً لحدود تلك السياسة بسبب التعاطف الشعبي الواسع الذي يكنه المصريون تجاه القضية الفلسطينية، فضلًا عن أن القاهرة كان عليها أن تقبل على مضضٍ التعامل مع حماس باعتبارها السلطة الحاكمة في غزة. إلا أن هذا النهجقد تم تجاوزه في أعقاب الانقلاب العسكري الناجح في يوليو 2013 وتولي السيسي السلطة. ففي السابق، تعاملت مصر مع شبكة أنفاق التهريب بين سيناء وغزة باعتبارها مسألةً إشكاليةً، إلا أنها ضرورية كشريان حياة لسكان القطاع في ضوء الحصار الخانق. ومع ذلك، فمنذ الإطاحة بمرسي، شنّتمصر حملةً شرسة لتدمير أنفاق التهريب في محاولةٍ لعزل حماس أكثر وشل قوتها الاقتصادية وإبطاء حركة تدفق المال والرجال والعتاد.

وقد أصبحت السياسة المصرية تجاه غزة في فترة ما بعد مرسي قاسيةً بوضوح، حيث أصبح هدفها الأساسي تطويع وتركيع حماس سياسيًا في غزة، مستغلةً في تحقيق ذلك حالة الانقسام الداخلي في المنظمة. فمصر تعرف أنها وسيطٌ لا غنى عنه في نهاية المطاف. وقد تعامل السيسي وحكومته مع النزاعالأخير في غزة انطلاقًا من الاعتقاد بأنهم أبدوا مرونةً غير مسبوقة في الإصرار على انتهاج سياساتٍ متعنتة رغم الخسائر البشرية المتزايدة.

وقد ازداد اعتقاد القاهرة رسوخًا بأنها تستطيع أن تجبر حماس على ما التسليم بما تريده بسبب الجهود المخادعة للتوصل إلى اتفاقية وقف إطلاقٍ للنار قبل الاجتياح البري الإسرائيلي في 17 يوليو. وقد رمت الجهود إلى التوصل لصيغة "تهدئةٍ مقابل تهدئةٍ" لإنهاء العنف في غزة، ولكنها لم تقدم لحماس أي تنازلات ملموسة. وقد تم تبني المبادرة دون أي مشاوراتٍ جدية مع حماس، الأمر الذي يكشف أن الجهود المصرية لم تكن سوى لإيقاع إسلاميي غزة في الفخ: إما الموافقة على الاستسلام المهين أو مواجهة عواقب استمرار العدوان الإسرائيلي. وعندما وقع العدوان البري، وجّه العديد من المسئولينالمصريين اللوم المباشر إلى تعنت حماس وإصرارها على التصعيد على الرغم من التكلفة البشرية المروعة لاستمرار الصراع، إذ بلغت نسبة الضحايا بين المدنيين – وفق تقدير الأمم المتحدة – إلى أكثر من 72 بالمائة من إجمالي القتلى.

وبالنسبة للمصريين، فقد كان لمبادرة وقف إطلاق النار الأولى هدفان رئيسيان، لا يتعلق أيٌ منهما بتحقيق السلام في غزة. أولًا، أراد النظام تحصين نفسه من الانتقادات المحتمل توجيهها إليه من قبل وسائل الإعلام المصرية، لا سيما النقد الموجه من مصادرٍ صديقةٍ في العادة. وأرادت الحكومة أيضًاالتمسك بعباءة الوسيط الإقليمي، وإحباط المساعي التركية والقطرية الرامية لبسط نفوذهما، خاصةً وأن مصر تعتبر هذه الدول رعاةً رئيسيين لجماعة الإخوان المسلمين في أنحاء المنطقة.

وبينما استمرت محادثات وقف إطلاق النار، بقيت مصر صامدةً على موقفها، ورفضت تقديم أي تنازلات حقيقية لحماس، معتقدةً أنها ستضعف أكثر جراء العدوان الإسرائيلي، ومبرزةً مطالب حماس بخصوص الرفع الفوري للحصار في خضم الصراع العسكري باعتبار تلك المطالب جزءًا من سياسةالإكراه. وقد أصبحت هذه السياسة السمة الرئيسية لمساعي التوسط المصرية. 

إلا أن الموقف المصري لا يمكن اختزاله أيضًا في العمل على إضعاف حماس وتحصين نفسه من النقد. فالقادة المصريون أيضًا منخرطون في صراعٍ طويل المدى مع إسرائيل حول مصير غزة. إذ من بين تخوفات المؤسسة الأمنية المصرية طويلة المدى أن احتمالية اتخاذ خطواتٍ  من جانبٍ  واحد لفتحالحدود سيكون من شأنه أن يخلق أمرًا واقعًا قد يؤدي في نهاية المطاف إلى أن تصبح غزة مسئوليةً مصرية. وقد تحدث دائمًا المتشددون في إسرائيل عن حل الثلاث دول النظري، إذ تصبح غزة دويلةً معتمدةً في المقام الأول على مصر التي تربطها بالعالم الخارجي. ويشكل هذا النوع من عملية إعادةترسيم الحدود هاجسًا سيئًا لدى النظام الحالي في مصر، الذي لا يرغب – لأسباب مفهومة-  في تحمل من جانبٍ واحد الأعباء السياسية والاقتصادية التي يمثلها قطاع غزة الفقير.

والآن تواجه مصر تحديات الموازنة بين مصالحها الخاصة وبين التوصل إلى ترتيباتٍ دائمةٍ لوقف إطلاق النار. ولفعل ذلك، سيكون عليها أن تنتهج سياسةً أكثر واقعية تجاه غزة، بأن تأخذ بعين الاعتبار مشكلات الأمن المصري مع التهريب، في نفس الوقت الذي تدرك فيه تكاليف الحصار التي يتكبدهاالقطاع، وتنحي جانبًا الآمال غير الواقعية بتدمير حماس.

لقد كانت سياسة مصر تجاه غزة طوال الشهر الماضي مغامرةً محفوفةً بالمخاطر. فقد واجه نظام السيسي احتمالية أن يبدو أمام الرأي العام المصري متواطئًا مع المجازر الإسرائيلية. وتخاطر الحكومة أيضًا بإثارة ردود أفعالٍ أكثر عنفًا من قبل الجماعات المحلية المسلحة. ولكن السيسي أثبت أنه ليسذلك الرجل الذي يخاف من المخاطر. وقد بدأ ذلك بإطاحته بمرسي في يوليو 2013، بالرغم من التحذيرات الأمريكية من عواقب الانقلاب، واستمر في فضه الدموي للمظاهرات التي قادها الإخوان المسلمين لمدة شهرٍ بعد ذلك.

* * *

هناك ما يجعلنا نعتقد أن السياسة المتعنتة التي تتبناها مصر تجاه قضايا أمن الحدود والتهريب والتشدد في غزة يمكنها أن تمتد إلى ليبيا. وقد دعمت تلك التكهنات إلى حد بعيد التصريحات الأخيرة التي أدلى بها عمرو موسى، وهو وزير خارجية مصر السابق واللاعب السياسي الذي يستعيد شبابه وأحد مستشاري السيسي غير الرسميين. في حديثه في مطلع شهر أغسطس عن عدم الاستقرار في ليبيا، دعا موسى إلى "نقاشٍ  عامٍ واسع النطاق لتوعية الرأي العام بالمخاطر الحالية، وكسب الدعم اللازم في حال ما لزم علينا ممارسة حقنا في الدفاع عن النفس." وأوضح وزير الخارجية الحالي، سامح شكري، أنه "لا توجد مباحثات بخصوص تدخل القوات المسلحة في ليبيا. والجيش المصري موكلٌ فقط بحماية حدود الدولة المصرية."

وبالرغم من محاولات خفض النبرة الخطابية، فإنه من الواضح، بحسب التصريحات الرسمية والتسريبات والمحادثات الخاصة مع المسئولين المصريين، أن ليبيا أصبحت على رأس بواعث القلق المصرية. وإن لم يتضح بعد ما الذي يعتقدون أنهم يستطيعون فعله حيالها.

فمصر وليبيا يشتركان في حدودٍ - من السهل اختراقها - يبلغ طولها 745 ميلًا. ومنذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، تدفقت الأسلحة الليبية - بما في ذلك أسلحة متطورة - إلى مصر.  وهو الأمر الذي يخيف مسئولي الأمن المصريين، فضلًا عن خوفهم من تفكك الدولة الليبية وانهيار القانونوالنظام. وقد وجدت الجماعات الإسلامية المتشددة في ليبيا التي ينعدم فيها القانون تربةً خصبةً للعمل، وهي الحقيقة التي تأكدت بانسحاب معظم الدبلوماسيين الغربيين من البلاد خلال الشهر الماضي. وقد قال أحد ضباط أمن الدولة، على الحدود المصرية الليبية لرويترز الشهر الماضي، "إننا على علمٍبوجود ثلاثة معسكرات في صحراء درنة الليبية، القريبة من الحدود المصرية، حيث يُجرى تدريب المئات من المسلحين." ويعتقد المسئولون المصريون أيضًا أن أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، الذين أُلقي القبض عليهم بالمئات داخل مصر، قد سعوا لإيجاد ملجأ في ليبيا.  وسيظل الدور الذي يلعبهالإسلاميون، لاسيما جماعة الإخوان المسلمين، في المستقبل السياسي الليبي مصدرًا لقلق المؤسسة الأمنية المصرية على أسسٍ  أيديولوجيةٍ فحسب. 

إلا أن احتمالية التدخل العسكري المصري المباشر في ليبيا لا تزال بعيدةً. فالجيش المصري يواجه تهديداتٍ تمثلها الجماعات المتشددة في الداخل: فهو منخرطٌ بشدة في مواجهة تمردٍ محدود المدى في سيناء وفي مكافحة الإرهاب في قلب الأراضي المصرية. لذلك فإنه ليس في موقعٍ يسمح له بخوضمغامرةٍ محفوفةٍ بالمخاطر كالتورط في الحرب الأهلية متعددة الأطراف التي تجري في ليبيا.

وأمّا فيما يتجاوز تركيز المؤسسة الأمنية المصرية على أمن الحدود وتتبع ما يجري عليها وفرض حظرٍ على الحدود الليبية، فيبدو أن القاهرة تمضي قدمًا في التدخل في الشئون الليبية الداخلية، من خلال تقوية علاقاتها مع القوى المعادية للإسلاميين ومد جسور التواصل مجددًا مع رموز نظام القذافي.وقد يتضمن ذلك تقديم دعمٍ دبلوماسي لحلفاء مصر في ليبيا وتعزيز التعاون الاستخباراتي مع ميليشياتٍ بعينها وتنسيق العمليات معها. وقد بدأ بالفعل التنسيق المكثف مع الدول الأخرى ومن المرجح أن تتسارع وتيرته. كذلك فإن مصر ستراقب عن كثب سلامة ووضع مئات الآلاف من العاملين المصريينالمقيمين في ليبيا. فبالنسبة لمصر، يتم التعامل مع القضية الليبية، تمامًا كغزة، من منظور ارتباطها بالاستقرار المصري الداخلي. وعلى الأغلب، ستكون الاستراتيجية التي تنتهجها مصر تجاه ليبيا منصبةً على الأمن، إذ أنه في ظل المرحلة الانتقالية الصعبة التي تمر بها مصر، من المستبعد أن يتمالتركيز على السياسة والدبلوماسية البنّاءة.

* * *

وعندما يتعلق الأمر فقط بما لا يمس الحدود المصرية، يتبع النظام المصري استراتيجيةً أكثر توازنًا تؤكد على حفظ الاستقرار من خلال التسوية السياسية. ويبقى وجه الشبه الأساسي بين السياسات التي تنتهجها مصر خارجيًا هو: التمسك بالحفاظ على الوضع القائم. إذ يبدو أن مصر في عهد السيسيتعارض أي تغيرات تطرأ على الأنظمة السياسية أو الحدود – وينطبق ذلك أيضًا على دولٍ ليس من الضروري أن تكون حليفةً لمصر. فهذا الموقف يركز اهتمامه على الاستقرار، وليس على تعزيز أجنداتٍ إقليمية.

ففيما يخص سوريا، بدأت مصر مؤخرًا تبني سياسة أكثر تسامحًا ودبلوماسيةً بعد الإطاحة بمرسي. وفي حديثه في يوليو 2013، أوضح وزير الخارجية السابق "نبيل العربي" أن مصر تعتقد أن "الحل السياسي لا بد منه." ومؤكدًا على التخوفات من التشدد وامتداداته الإقليمية، حاول فهمي أن يضع حدًابين حكومة مرسي وبين السياسات المتشددة التي يتبناها بعض حلفائه، وقال بصراحةٍ أنه "لا توجد أي نيةٍ للجهاد." وقد جاء هذا التعليق الأخير مع تزايد التركيز على المقاتلين المصريين الذين يذهبون للخارج، إذ سافر عشرات الشبان إلى سوريا للمشاركة في الحرب الأهلية الطائفية المستعرة هناك. وقبلالانتخابات الرئاسية السورية في 3 يونية، كرر فهمي تأكيده على دعم مصر "للحل السياسي بين الأطراف المختلفة في سياق مضمون ومبادئ مؤتمر جنيف الثاني، بغض النظر عن الآليات."

وعلى الرغم من أن التصريحات النمطية التي تؤكد على الحاجة للحلول السياسية لإيقاف الحرب الأهلية السورية تصدر من كل أنحاء المنطقة، فإن سياسة مصر الخارجية تجاه سوريا في الشهور الأخيرة تعكس أن ذلك هو هدفها الرئيسي، لا سيما وأن تنظيم "الدولة الإسلامية" قد توسع على جانبيالحدود السورية العراقية. وبالتزامن مع انضمام أعدادٍ من المتشددين المصريين للقتال، فقد كانت مصر حازمةً في النأي بنفسها عن فكرة تغيير النظام في سوريا، بل يذهب البعض في المؤسسة الأمنية بعيدًا إلى حد اعتبار معركة بشار الأسد ضد "الدولة الإسلامية" قضيةً مشتركة.

مصر ليست لاعبًا دبلوماسيًا مركزيًا فيما يحدث في سوريا، ولن تكون كذلك. ولكن دبلوماسيي القاهرة قد سعوا إلى إقحام أنفسهم في مساعٍ دبلوماسيةٍ خلف الكواليس بطرقٍ تتعارض مع أهداف السعودية (أهم داعمي القاهرة). فمن الجدير بالذكر أن مصر قد سعت لتنظيم حوارٍ سري بين رموز المعارضةالمعتدلين والنظام السوري. وقد كان الهدف غير المعلن لهذا الحوار الاتفاق على مرحلةٍ انتقاليةٍ تحافظ على الدولة السورية من خلال تولي رموز المعارضة، المتفق عليهم من أغلب الأطراف، قيادة هذه المرحلة الانتقالية. وقد نبذت مصر صراحةً الأهداف الطائفية في سوريا كما أنها تحرص على الدفعفي مسار إعادة إنتاج "الوضع الأصلي" وهو أمرٌ يختلف كثيرًا عن المصير النهائي الذي ينتظر الأسد.

فإيقاف صعود "الدولة الإسلامية" المستمر له الأولوية على التنافسات الإقليمية وتوازنات القوى الطائفية.

وقد تم التعبير عن الموقف الداعم للوضع الراهن بشكلٍ أكثر صراحةً وعلنيةً عندما تعلّق الأمر بالعراق، البلد الذي نُبذ إلى حدٍ كبير من قبل الدول العربية السنية غير المستعدة للتعامل مع حقيقة النظام السياسي الذي يقوده الشيعة في بغداد. ولكن الموقف المصري لافتٌ للنظر، خاصةً في ضوء الدعمالمالي والدبلوماسي الكبير الذي تلقته البلاد من كلٍ من السعودية والإمارات منذ الإطاحة بمرسي. فحتى في خضم الاضطرابات الواسعة والقلق المشترك إزاء صعود "الدولة الإسلامية"، لم تبذل السعودية ودول الخليج أي جهودٍ لإصلاح العلاقات مع الحكومة العراقية. وبدلًا من ذلك، استمرت العلاقاتتدور في فلك المنظور الطائفي. على النقيض من هذه الاستراتيجية، كانت مواقف مصر غير المعلنة مثيرة للاهتمام. 

فبعد سقوط الموصل في يد "الدولة الإسلامية"، تحدث الرئيس السيسي مباشرةً إلى رئيس الوزراء العراقي "نوري المالكي"، مقدمًا الدعم المصري الكامل. وعقب المحادثة التليفونية، توالت عدة تصريحات رسمية عارض فيها السيسي احتمالية استقلال الأكراد وتقسيم العراق. وقال السيسي أن "الاستفتاءالذي يطالب به الأكراد الآن ليس في واقع الأمر إلا بدايةً لكارثة تقسيم العراق إلى عدة دويلات متنافسة." وأتبع ذلك بإرسال وزير خارجيته إلى بغداد، في إشارةً لمزيدٍ من الدعم. وكان صلب الرسالة التي حملها وزير الخارجية تحذيرًا من التهديد الإقليمي الذي تمثله "المواجهات الطائفية وانتشار التطرفوالإرهاب باسم الدين الإسلامي." وقد أتت هذه المساعي الدبلوماسية في الوقت الذي كانت فيه إيران نفسها تبحث عن بديلٍ للمالكي، الذي قد أصبح خطرًا على الوضع برمته. وبالنظر إلى أيام المالكي المعدودة وتعيين "حيدر العبادي" خلفًا له، قد يمثل انفتاح مصر على العراق مسارًا واعدًا لإصلاحالعلاقات مع العراق والبدء في عملية إعادة اندماج إقليمي.

وتأتي سياسة مصر الإقليمية التي تجدد نشاطها في عين الوقت الذي تمر فيه العلاقات بين القاهرة وواشنطن بتوترٍ لم تشهده منذ عقود. وقد سعت إدارة أوباما، لا سيما وزير الخارجية "جون كيري"، إلى إصلاح العلاقات مع مصر ولكن هذه الجهود لم تُكلل بالنجاح في ضوء تردي المناخ السياسيالمصري. حيث قوبلت أغلب المبادرات الأمريكية لرأب الانقسامات السياسية في مصر بمزيدٍ من القمع السياسي، المتمثل في أحكام الإعدام والسجن على النشطاء السياسيين والصحفيين. الأمر الذي تسبب في إحراج الولايات المتحدة بشكلٍ كبير. 

كذلك فقد سعى السيسي لتهيئة أجواءٍ تتمتع بقدرٍ كبير بالاستقلالية عن الولايات المتحدة، مبدئيًا، من خلال مغازلة روسيا. وقد أفسدت الأحداث الأخيرة تقريبًا العلاقة المصرية الأمريكية، إلا أن حكومة السيسي لا تزال تقدّر الولايات المتحدة. وبالرغم من أن العلاقات ستظل أكثر برودًا واحتقاناً، فإن أيًا منالطرفين ليس على استعدادٍ لأن يشهد قطيعةً كاملة. وكبديلٍ عن ذلك، يبدو أن التركيز الآن ينصب على القضايا التي بإمكان واشنطن والقاهرة الاتفاق عليها بسهولة: مكافحة الإرهاب والتنسيق الأمني.

وستظل المعارك الداخلية في مصر هي الشاغل الأكبر للنظام في المستقبل القريب. ولكن نظام السيسي مضطرٌ لإيجاد استراتيجية خارجية للتعامل مع الكوارث التي تحيق بالمنطقة. بينما تركز السياسة الخارجية الناشئة على قضايا التشدد وزعزعة الاستقرار، وتسعى لاسترجاع "الوضع الأصلي" فيالمنطقة.

وبالرغم من كل هذا، فهناك مفارقةٌ في استراتيجية السيسي. إذ أن الحكومة، فيما لا يتعلق بالوضع المصري الخارجي، قد أظهرت درجة عاليةً من الواقعية، وذلك بالضبط ما تفتقد إليه السياسة الداخلية المصرية منذ انقلاب العام الماضي. فعندما تحدث وزير الخارجية "سامح شكري"  في بغداد في يوليو2014، أكّد على ضرورة أن ينحي القادة العراقيون "انتماءاتهم الحزبية ومصالحهم الشخصية ويتحملوا المسئولية الوطنية التي عٌهد بها إليهم من أجل حماية العراق والحفاظ على وحدة وسلامة أراضيه." وتبدو نصيحة "شكري" للطبقة السياسية في العراق منطقية. ولكن مصر أيضًا عليها أن تنتبهللكلمات التي تنصح بها.​

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب