غزة ليست على وشك أن تصبح دولة إسلامية

نأمل أن يبقى وقف إطلاق النار الحالي في غزة ساري المفعول وأن يأتي الحل الدبلوماسي لهذه الأزمة الأخيرة - وإن لم يكن للنزاع بأسره - ليحل محل القتال الذي دار في الأسابيع القليلة الماضية بين إسرائيل و «حماس». فحتى الآن، إن كل اتفاقٍ لوقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بشق الأنفس قد تداعى في بدايته، مسبباً تفاقم حدة القتال دون أي بصيص أمل بانتهائه في الأفق. وبينما كانت تُطلق الصواريخ، حاول قلةٌ من الناس النظر إلى أبعد من النزاع والتطلع نحو المرحلة المقبلة. ومن بين القليلين الذين حاولوا، خشي البعض أن تُستبدل «حماس» بما هو أسوأ: أي دولة سلفية جهادية على غرار ما يسمى بـ «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش») [أو «الدولة الإسلامية»].

وقد تنامى هذا الموقف حين صرّح الجنرال في الجيش الأمريكي ومدير وكالة الاستخبارات الدفاعية مايكل فلين خلال مؤتمر في آسبن: "إذا تم القضاء على «حماس» وزالت الحركة من الوجود، سينتهي بنا الأمر على الأرجح مع شيءٍ أسوأ بكثير. سينتهي الأمر بالمنطقة إلى ما هو أسوأ بكثير... فتهديد أسوأ قد يستحوذ على النظام البيئي هناك...شيءٌ مماثل لتنظيم «داعش»."

لحسن الحظ أنّ الجنرال على خطأ.

ففي النهاية، سينجح وقف إطلاق النار وستجد «حماس» نفسها في مأزق. ذلك أن «حماس» تعاني أصلاً من الإفلاس وتفتقر إلى الحلفاء الإقليميين باستثناء إيران، لذا سيصعب عليها إعادة تسليح غزة حتى وإن فشلت مساعي نزع السلاح من هذا القطاع الفقير. كما أنّ مكانة «حماس» كانت قد تراجعت في غزة قبل أن تشنّ جولة القتال الراهنة. علينا أن نتصوّر مثلاً أن استطلاعاً موثوقاً للرأي أجري قبل الأزمة كشف أن نسبة 88 في المئة من سكان غزة المشاركين في البحث أيّدوا العبارة القائلة، "يجب على [السلطة الفلسطينية]  إرسال مسؤولين وضباط أمن إلى غزة لتولي الإدارة هناك."  

ويبدو ذلك بالفعل الهدف الذي تسعى إليه جميع الجهات الفاعلة الأخرى تقريباً باستثناء «حماس». فحين لم تتمكن السلطة الفلسطينية من العودة إلى قطاع غزة على متن دبابة إسرائيلية، بدأ الدبلوماسيون يبحثون عن آلية محنكة تتيح للسلطة الفلسطينية العودة إلى غزة وتحمّل مسؤولية الحكم والأمن هناك، فضلاً عن الإشراف على جهود دولية مكثفة لإعادة إعمار القطاع.    

ولا تنطبق هنا الحالة القائلة بأنه في حال القضاء على «حماس» (وهذا أمر غير محتمل بحد ذاته لأن «حماس» هي حركة تشمل أكثر من مجرد عناصرها الإرهابية والميليشياوية) أو إضعافها بشكل كبير، ستكون النتيجة نوعاً من الفراغ الذي تنمو فيها الجماعات السلفية الجهادية. فبخلاف «حماس»، لا تملك هذه الجماعات المسلحة الصغيرة بنية تحتية أوسع وأعمق داخل المجتمع الفلسطيني. 

وفي الواقع، نمت أهم الجماعات السلفية الجهادية، من جماعات مثل «حماس». وفي عام 2009، كتب يورام كوهين، الذي أصبح فيما بعد مدير جهاز الأمن الداخلي الاسرائيلي "شين بيت"، أن الجماعات السلفية الجهادية الأكثر شهرة في ذلك الوقت في غزة كانت "جيش الإسلام" بقيادة الزعيم العشائري القوي "ممتاز دغمش" (مجرم معروف منذ فترة طويلة كان قد انضم إلى الإسلام المتطرف)، و "فتح الإسلام" بقيادة "سليمان أبو لافي" و "رفيق أبو عكر". و "جيش الأمة" الذي يسيطر عليه "إسماعيل حامد" .. وأضاف، "لقد انشق هؤلاء القادة عن جماعات إسلامية أخرى رافضة [لعملية السلام] مثل «حماس» و "الجهاد الإسلامي الفلسطيني"، معتبرين إياها غير عنيفة بما فيه الكفاية لشن هجمات إرهابية".

وعلى الرغم من أن «حماس» أساءت لاحقاً إدارة شؤون الحكم وفقدت نسبة كبيرة من الدعم، إلا أنها نالت تأييد نسبة مهمة من الناخبين الفلسطينيين حين أطاحت بحركة «فتح» الحاكمة عام 2007. وسرعان ما استحوذت «حماس» على قطاع غزة بقوة السلاح وأدت إلى انقسامٍ دام سبع سنوات بين الضفة الغربية والقطاع. وبصفتها حركة عسكرية مستلهمة من جماعة «الإخوان المسلمين»، امتلكت «حماس» أجهزة المجتمع المدني اللازمة والوجود السياسي المناسب لتحاول على الأقل ممارسة شؤون الحكم. فمنذ تأسيسها عام 1987، أصبحت «حماس» أكثر من مجرد حركة؛ فقد أصبحت جزءاً من نسيج المجتمع الفلسطيني.  

أما الجماعات السلفية الجهادية المتطرفة فتتواجد في المقابل على هامش المجتمع الفلسطيني. ولهذا السبب ستجد صعوبة أكبر بكثير في الاستحواذ على السلطة من حكمها للقطاع إذا ما وصلت إلى السلطة. وهذه الجماعات - بدءاً من «أنصار بيت المقدس» وحتى «جيش الإسلام» ومجموعة من جماعات أصغر حجماً -  تفتقر إلى أسس الخدمات السياسية والخيرية والاجتماعية التي تشكل قوام حركة «حماس». وثمة أمرٌ آخر لا ينطبق على الجماعات السلفية الجهادية الصغيرة في غزة، وهو أن «حماس» لا تتكون من الخلايا الإرهابية والميليشيات فحسب. فمن الدوريات الرياضية والمخيمات الصيفية إلى دور الأيتام والعيادات الطبية، تدير «حماس» برامج دعوية موسعة تؤمّن الخدمات لأنصار الحركة من المهد إلى اللحد.

بيد أن الجهاديين السلفيين في غزة لا يميلون إلى القيام بأي أمور مشابهة. فهم أكثر اهتماماً بالأساليب العنيفة لبناء دولة إسلامية تتخطى الحدود الوطنية، ولا يملكون الموارد ولا الرغبة لإنشاء مطابخ لإطعام الفقراء. [ومن منطلق صفتهم الجهادية] كسلفيين، يرفضون تمسّك «حماس» بقضية قومية، وإن كانت جهادية. لكن بغض النظر عن الإيديولوجية، تفتقر هذه الجماعات - غير الموحدة - إلى أعداد أعضاء «حماس» وأنصارها. فإحدى أبرز المعضلات التي واجهتها «حماس» وحظيت بتغطية إعلامية واسعة خلال الأشهر القليلة الماضية هي عجز الحركة عن دفع الرواتب المستحقة لأربعين ألف موظف تابع لها في القطاع العام؛ أما الجماعات السلفية الجهادية فلا تتكون من أكثر من بضع عشرات من المقاتلين. وفي الواقع ثمة عدة جماعات تشترك في عضويات متداخلة، في حين أن بعضها الآخر موجود بالاسم فقط. وصحيحٌ تم الإبلاغ عن ذهاب نحو 30 سلفياً جهادياً للقتال في سوريا، وبدء عدد صغير من الفلسطينيين المتطرفين بالإنضمام إلى الجماعات السلفية الجهادية في السنوات القليلة الماضية، بدافع السير على خطى تنظيم «القاعدة» وجهاده العالمي أكثر من السير بخطى القومية الفلسطينية، إلا أن أيّاً منها لم يتبلور إلى حركة ذات أهمية، الأمر الذي يدفع للتشكيك في قدرة أيٍّ من هذه التنظيمات المتطرفة على الحلول محل «حماس».

وفي الواقع، وخلال تقرير صدر في كانون الثاني/يناير، قدّرت خلية تفكير إسرائيلية أن «حماس» تشجّع ضمنياً السلفيين الجهاديين على الذهاب إلى سوريا، على افتراض أنّ "«حماس» تريد ' تصدير ' معارضيها المحتملين إلى مناطق النزاع الخارجية"، بالإضافة إلى كراهيتها لنظام بشار الأسد في سوريا. كذلك أشار التقرير إلى أن مقاتلي غزة كانوا عادة من عناصر الشباب الذين "اضطُهدوا من قبل قوات الأمن التابعة لـ «حماس»". وبالفعل، قامت «حماس» بصفتها القوة الحاكمة في قطاع غزة، حتى النزاع الراهن، بمنع السلفيين الجهاديين والجماعات المتطرفة الأخرى إلى حد كبير من إطلاق الصواريخ على إسرائيل متى ما شاؤوا. فوحدات «حماس» المضادة للصواريخ كانت تضيق الخناق على الأطراف المحاربة أمثال «حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين» و«لجان المقاومة الشعبية» والمزيج المتنوع من الجماعات السلفية الجهادية في غزة. واليوم هناك مصلحة مشتركة للسلطة الفلسطينية و «حماس» في السيطرة على السلفيين الجهاديين والمتطرفين الآخرين من أجل ضمان هيمنتهما على مراكز السلطة في غزة فضلاً عن ضمان عملية إعادة الإعمار الواسعة التي يحتاجها القطاع أمسّ الحاجة.

وهذه الأهداف محرّمة بالنسبة للسفليين الجهاديين الذين يعتبرون أن الهدف الوحيد الذي يستحق السعي إليه هو الجهاد المسلح في جميع الأوقات وبأي ثمن. ويضع هذا نواةً صغيرة نسبياً من السلفيين الجهاديين المتطرفين في موقف متعارض مع مصالح معظم سكان غزة. وهناك عدد قليل من سكان القطاع الذين يؤيدون نوع "الخلافة" الذي تطبقه «داعش» اليوم في سوريا والعراق.

وبالفعل، ركزت «حماس» جهودها عن وعي على إقامة دولة فلسطينية ذات طبيعة إسلامية، وليس خلافة تتخطى حدود الدول، الأمر الذي أثار استياء زعماء «القاعدة» أمثال أيمن الظواهري. فمنذ عام 2006، كافحت «حماس» لتحقيق توازن بين هويتها الجهادية والتزامها بالمقاومة العنيفة وبين الحاجة إلى ممارسة الحكم وبسط سيطرتها [على غزة]. ونتيجة لذلك انشق بعض نشطاء «حماس» المتشددين والمتطرفين إيديولوجياً عن الحركة وانضموا إلى الجماعات السلفية الجهادية التي تبنت مبدأ "المقاومة الخالصة"، أو أسسوا جماعات سرية - مثل "جلجلت" (وتعني "البركان والزلزال الهائج الثائر") - يديرونها في المساء فيما يواصلون العمل لصالح «حماس»، أو غادروا حتى إلى سوريا. 

لكن بغض النظر كيف ستنتهي هذه الأزمة، فسيكون ذلك مع خروج «حماس» من السلطة - ومع تحررها من أعباء الحكم على الصعيد العسكري. ومن المحتمل أن تبرز «حماس» أقل قوة من حيث [امتلاكها لـ ] الأسلحة والأموال، ولكنها ستكون أكثر تشدداً وأقل تقيداً. ويقوض ذلك أيضاً احتمال نمو الجماعات السلفية الجهادية في غزة. وفي الواقع، من المحتمل أن يعود بعضها إلى الاندماج في «حماس».

لقد تكبدت «حماس» الهزيمة من قبل ووافقت على اتفاقات وقف إطلاق النار التي حثّت السلفيين الجهاديين على مواصلة اعتداءاتهم ضد إسرائيل. وفي حين أنه من المؤكد أن الأحداث الراهنة ستثير سخط السلفيين الجهاديين مرة أخرى وتلهمهم بشن الاعتداءات ومحاولة استغلال المعاناة الأخيرة لتجنيد المزيد من الأفراد، إلا أنه  لن تكون لديهم الوسائل الكافية ليشكلوا تهديداً من ذلك النوع الذي يشكله تنظيم «داعش» في سوريا والعراق. فقد نما تنظيم «الدولة الإسلامية» وسط فراغ سياسي وفي ظل انقسامات طائفية ومجتمعية حادة. لكن هذه الأخيرة ليست قائمة في غزة. فطالما لا تُترك غزة كجرح نازف وفراغ سياسي، لا يوجد سبب يدعو إلى التنبؤات الهستيرية بقيام دولة إسلامية في غزة.

وعلى العكس من ذلك، إذا أحسن الدبلوماسيون صنعاً هذه المرة وكانوا محقين، قد تتيح مأساة الأسابيع الماضية إعادة توحيد المجتمع الفلسطيني - أي الضفة الغربية وقطاع غزة - بقيادة السلطة الفلسطينية. وقد يؤدي ذلك إلى إتفاق يتم بموجبه تدفق أموال ضخمة لإعادة إعمار غزة طالما تُمنع «حماس» والجماعات الأخرى من إعادة التسلح هناك (كما فعل «حزب الله» بعد حرب تموز/يوليو 1996). وعلى المدى البعيد، يمكن أن يؤدي الاتفاق أيضاً إلى تحسين ظروف محادثات السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين من خلال توحيد المجتمع الفلسطيني تحت راية قيادة معتدلة في وقت تعاني فيه «حماس» من ضعفٍ   شديد.

مصدر الترجمة: 
Washington Institute for Near East Policy