لماذا يقف قادة أمريكا اللاتينية في وجه إسرائيل؟

منذ بدء الهجوم الإسرائيلي على غزة، أدت صور الأطفال الفلسطينيين الذين قتلوا في منازلهم ومدارسهم وصور القنابل التي تنفجر في الأحياء السكنية إلى اشتعال غضب الناس في جميع أنحاء العالم. وقد اتبعت العديد من الحكومات سياسة الولايات المتحدة، التي قالت تصريحات فارغة ضد العنف، وكأن مقدار الموت كان على قدم المساواة، وليست الأغلبية الساحقة هي من المدنيين الفلسطينيين الذين قتلتهم القنابل والرصاص الإسرائيلي. 

ولكن مثلما تتراجع الحكومة الأمريكية للتوفيق بين دعمها غير المشروط لإسرائيل وبين المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان وبينما تدردش أوروبا ، تبرز منطقة واحدة في معارضتها للحصار المفروض على غزة، وهي أمريكا اللاتينية. أدان زعماء من مختلف أنحاء المنطقة هجمات جيش الدفاع الإسرائيلي على غزة قائلين أنها مفرطة وغير عادلة. 

 قالت الرئيسة البرازيلية ديلما روسيف لصحيفة فولها دي ساو باولو "أعتقد أن ما يحدث في قطاع غزة أمر خطير،" وأضافت: "أنا لا أعتقد أنها إبادة جماعية، ولكني اعتقد أنها مجزرة". 

أما شيلي، وهي حاليا عضو في مجلس الأمن الدولي، صرحت أن الحكومة الإسرائيلية "لا تحترم المعايير الأساسية للقانون الإنساني الدولي." 

أدان رئيس اوروجواي خوسيه موخيكا الهجمات في برنامج إذاعي أسبوعي، قائلًا: "إن فقدان المنظور في الرد يقوض هيبة إسرائيل، وأعتقد أنه يلطخ التاريخ الرائع للشعب اليهودي. لا تعمل الكراهية والانتقام لبناء الحضارة ". أما أيفو موراليس رئيس بوليفيا، فقد ذهب أبعد من ذلك، قائلا: "إن إسرائيل لا تضمن مبدأ احترام الحياة والحق الأساسي في العيش في وئام وسلام في المجتمع الدولي"، مضيفا أن إسرائيل "مرت على قائمة الدول الإرهابية". 

انضم الرئيس الاكوادوري رافائيل كوريا للانتقادات، وألغى زيارة رسمية مقررة لاسرائيل في وقت لاحق هذا العام. 

بالإضافة إلى ذلك، خلال الاجتماع الأخير للكتلة الاقليمية ميركوسور أصدروا بيانًا يشجب "الاستخدام غير المتناسب للقوة من جانب القوات المسلحة الإسرائيلية في قطاع غزة، القوة التي أثرت بشكل حصري تقريبًا على المدنيين، بما في ذلك الكثير من النساء والأطفال"، في حين انتقدوا هجمات حماس على المدنيين الإسرائيليين. وحثت ميركوسور "على الرفع الفوري للحصار الذي يؤثر على سكان غزة، حتى تضمن حرية تنقل الأشخاص والغذاء والدواء وحتى تتدفق المساعدات الإنسانية بحرية عند الدخول أوالخروج، سواء عن طريق البر أوالبحر،" فضلًا عن "وقف فوري ودائم لإطلاق النار." 

بصوت أعلى من الكلمات 

لم يقل الأعلان ما يعنيه صراحة. ولكن ما لفت الانتباه حقا إلى موقف المنطقة كان تصرفات حكوماتهم. فقد سحبت البرازيل وتشيلي والاكوادور والسلفادور وبيرو سفرائهم من إسرائيل حتى الآن، وعلقت فنزويلا العلاقات الدبلوماسية. 

أشعل هذا غضب المسؤولين الاسرائيليين. واتهمت الحكومة البرازيل بقيادة الحركة ودعت الزعيمة الإقليمية لأمريكا الجنوبية "قزم دبلوماسي." وبدأ رد الفعل الإسرائيلي يبدو وكأنه سلوك فتوة في المدرسة عندما أضاف المتحدث باسم وزارة الخارجية ايجال بالمور أن البرازيل كان " شريك دبلوماسية غير ذي صلة، من النوع الذي يخلق المشاكل بدلا من أن يساهم في الحلول " ومن خلال تصريح أخرق غير ذو أهمية، أشار إلى خسارة الفريق الوطني 7-1 في كأس العالم، في حال أن الإهانات السابقة لا تجرح بما فيه الكفاية.

لكن موقف أمريكا اللاتينية ليس من المستغرب تمامًا. فقد أظهرت دول امريكا اللاتينية تاريخيًا دعمهم للفلسطينيين. في مقال نشر مؤخرًا في جريدة البايس، يشير الكاتب البيروفي دييغو جارسيا سايان إلى أن أمريكا اللاتينية قد دافعت عن الفلسطينيين في لحظات مهمة في التاريخ. ويلاحظ أن دول أمريكا اللاتينية دعت إلى الانسحاب من الأراضي المحتلة في حرب الأيام الستة عام 1967 ووضعت ما سيصبح لاحقًا القرار رقم 242. وفي السنوات الأخيرة، اعترفت كل أمريكا اللاتينية تقريبًا بالدولة الفلسطينية. 

ومن العوامل الرئيسية في اللهجة الصريحة التي تتسم بها الانتقادات الموجهة لإسرائيل حاليًا، هي استقلال أمريكا اللاتينية الحديثا نسبيًا عن السياسة الخارجية الأميركية. للمرة الأولى، فإن غالبية القارة ليست خائفة من الإساءة إلى جارتها الشمالية. 

من بد إلى بلد، لا تزال أمريكا اللاتينية تكسر خطوط الصدع الجيوسياسية في القضية الفلسطينية، مثلما تفعل في معظم قضايا السياسة الخارجية الأخرى. على سبيل المثال، فالبلاد الأكثر ارتباطًا بالولايات المتحدة - المكسيك وكولومبيا - كانت ردود فعلها صامتة، بينما ظهرت قوة حكومات وسط اليسار في معارضة القصف الإسرائيلي واحتلال غزة.

قائمة دول أمريكا اللاتينية التي ترفض الاعتراف بالدولة الفلسطينية هي نفس قائمة الدول التي تتمتع بأقوى العلاقات العسكرية والاقتصادية مع الولايات المتحدة، وهم كولومبيا والمكسيك وبنما. هذه الدول تتلقى كميات كبيرة من الأسلحة الإسرائيلية، والتي وصلت إلى 107 مليون دولار على الأقل في المبيعات إلى المنطقة عام 2012، غالبا بفضل المعونة الأمريكية. وفي التصويت الذي جرى في نوفمبر 2012 لقبول فلسطين في الأمم المتحدة كدولة مراقب غير عضو، صوتت بنما لا، وامتنع وباراغواي وكولومبيا وجواتيمالا عن التصويت. 

إن الحركات المضادة للهيمنة اليوم، وهي منظمات إقليمية جديدة، مثل اتحاد دول أمريكا الجنوبية ومجموعة دول أمريكا اللاتينية والكاريبي ، التي لا تشمل الولايات المتحدة، فضلًا عن النضوج الذي شهدته الشؤون العالمية، قد تضافرت لجعل أمريكا اللاتينية صوتا قياديا. ويضاف على ذلك حقيقة أنها كانت واحدة من أكثر المناطق ديناميكية اقتصاديا - بوجود اقتصادات ناشئة، وعضوية بريكس ومعدلات نمو تقارن إيجابيًا جدًا مع البلدان المتقدمة المقيدة الأزمة.

لهذا السبب ثارت الحكومة الإسرائيلية في ردها على انسحاب سفراء أمريكا اللاتينية. فقد ضربت هذه الخطوة مثالا خطيرًا. فقد خرجت بلدان الجنوب من الحدود التاريخية والأيديولوجية التي تصور أن أي انتقاد لإسرائيل على أنه اعتداء على حقها في الوجود وإهانة للولايات المتحدة، وتصرفت على أساس حقوق الإنسان والقانون الدولي. بذلك، أرسلت أمريكا اللاتينية رسالة مزدوجة: أنها تدعم الفلسطينيين، وأنها لن تعد لتقديم تحية دبلوماسية للولايات المتحدة. 

وكون أمريكا لاتينية قد تحررت من إملاءات الولايات المتحدة يجعل لديها القدرة- إن لم يكن لعزل دولة ضالة- فعلى الأقل لإرسال رسالة قوية من الازدراء. 

ونأمل أن دولا أخرى ترى ذلك المثال وتحذو حذوهم.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب