لم يعد السعوديون يملكون الحق في زعامة السنة

مقال رأي

عندما ألقى أبو بكر البغدادي - الزعيم الجهادي الذي اجتاحت ميليشياته مساحات شاسعة من شمالي ووسط العراق - خطبته الجوفاء في رمضان بالشهر الماضي بعدما ادعى أنه الخليفة، جعلها مترجمةً إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والتركية والروسية والألبانية. فلماذا تتكبد الدولة الإسلامية في العراق والشام (المعروفة بداعش) - والتي تروّج لنفسها بصلفٍ هائلٍ مدعيةً أنها  “الدولة الإسلامية” - كل هذه المتاعب؟

منذ نهاية الحرب الباردة وفي أعقاب الحروب التي خاضها خلفاء اليوغسلاف، اكتسحت المساجد والمدارس الدينية الوهابية الممولة من السعودية غرب البلقان - لا سيما ألبانيا وكوسوفو والبوسنة ومقدونيا، بل وحتى أجزاءً من بلغاريا. الأمر الذي كان  من شأنه أن يأخذ الثقافة الإسلامية المحلية بعيدًا عن الإسلام الصوفي ذي التوجه التركي نحو التعصب المتطرف للمدرسة الوهابية التي تحتكر الحقيقة، فكل الذي فعلته جماعات كداعش هي أنها مدّت خطها (خط الوهابية) المنطقي على استقامته. حيث مهدت الوهابية الطريق أمام التطلعات الجهادية.   

فالمملكة العربية السعودية لا تصدّر نفطًا فحسب، وإنما أيضًا شاحناتٍ محملةً بالعقيدة الدينية شبه الشمولية وخطوط إمدادٍ من متطوعي الجهاديين، حتى وإن كانت تجاهد كي تحصن نفسها من ردة الفعل العكسية؛ فقد حذّر الملك عبدالله، في نهاية كلمته بمناسبة رمضان، من التطرف “الشيطاني” الذي تتبناه “هذه الجماعات المنحرفة”. فالتطرف الجهادي يمثل تهديدًا للمملكة. ولكن من المنطلق العقدي يصعب أن نرى  كيف “ينحرف” عن المدرسة الوهابية الأورثوذوكسية بتأويلاتها الحرفية والحصرية للإسلام السني. إذ ينفي تفسيرها المتطرف للتوحيد كل منطقٍ عن العقائد الأخرى، لا سيما الممارسات “المفرطة في التقديس” التي يقوم يقوم بها المسيحيون والشيعة المسلمون الذين تعتبرهم [الوهابية] كفارًا أومرتدين. وهو الأمر الذي يوافق عليه الجهاديون بشكلٍ كامل. فالجهادي الحداثي ليس إلا وهابيًا يتعاطى أدويةً منشطة. ومشكلته الأساسية مع آل سعود هي أنهم منحرفون: حيث لا تتسق أفعالهم الماجنة مع كلماتهم الوهابية. 

لقد حظى الملك الراحل فهد - الذي سبق عبدالله - على سبيل المثال، بسمعته باعتباره مستهترًا ومقامرًا في شبابه. وبالرغم من ذلك، فقد بنى - في فترة توليه العرش - ١٣٥٩ مسجدًا في الخارج، بالإضافة إلى ٢٠٢ معهدًا دراسيًا، و٢١٠ مركزًا إسلاميًا وأكثر من ألفي مدرسة، طبقًا للإحصاءات السعودية الرسمية. ويبدو أنه لا توجد أرقامٌ بشأن امتداد النفوذ الوهابي في عهد عبدالله الأكثر تقشفًا وهدوءً. ولكن ما يتم تداوله يؤكد أن بناء المساجد السعودية يمضي قدمًا حيثما وُجد مؤمنون، لا سيما في جنوب ووسط آسيا حيث يعيش حوالي مليار من أصل مليار وستمائة مليون مسلم حول العالم. 

إن دولة آل سعود - التي تواجه احتمالية خلافةٍ ضعيفة لعبدالله المريض في الوقت الذي تنتشر فيه الاضطرابات في أنحاء العالم العربي - تمر بظرفٍ دقيق. فباعتبارها راعية المدينتين المقدستين مكة والمدينة، تُعد المكافيء الحداثي الأقرب لدولة الخلافة الإسلامية القديمة. لذا فإنها تكره النموذج العنيف الذي تطرحه داعش بقدر ما تمقت الطبعة المنافسة للأصولية الإسلامية  القومية التي تمثلها جماعة الإخوان المسلمين. إلا أن المملكة لا تزال تنفث السم العضال الذي يساعد في دعم التعصب الديني. فحماس داعش لتدمير الأضرحة والمساجد ليس إلا استكمالًا لمسيرة قرنين مضوا من التعصب الوهابي. ولا يجب أن ننسى أن دولة آل سعود استغلت المتعصبين الوهابيين كقواتٍ  طليعيةٍ لها في القرن الماضي كي توحّد بالقوة شبه الجزيرة العربية ذات التنوع الديني - فقد انتصرت بالسيف في اثنين وخمسين معركةً خلال ثلاثين عامًا. وليس هناك كنائس في المملكة العربية السعودية، كما أن التصريحات التي تصدر لبناء المساجد الشيعية أكثر ندرةً من أمطار الصحراء.  

وبالرغم من أن السعودية ليست وحدها المسئولة عن النتيجة؛ إذ إن معارك الإسلام الداخلية بين الأغلبية السنية والأقلية الشيعية تلعب دورًا في تصاعد الفكر الجهادي في الشام والخليج وشبه القارة الهندية، إلا أن السعودية هي مصدرٌ رئيسيٌ للتعصب المذهبي، فالكتب المدرسية السعودية تمنع المؤمنين من اعتناق أي مذهبٍ ديني إلا ذلك الخاص بها.

لقد بدأ التصاعد العالمي للمساجد الوهابية كردة فعل على محاولات إيران لتصدير التطرف الشيعي بالتزامن مع ثورتها في ١٩٧٩. كما أن الإطاحة الإنجليزية - الأمريكية بنظام الأقلية السنية الحاكم في العراق بعد غزوها عام ٢٠٠٣ - الأمر الذي أدّى لتثبيت الأغلبية الشيعية في الحكم ونشوب المذابح الطائفية - بالإضافة لإخفاق الغرب في دعم تمرد الأغلبية السنية في سوريا، قد غذيَا إحساس السنة بالمظلومية، وقويا شوكة المحور الشيعي الذي تدعمه إيران في المنطقة. وعلى الرغم من أنه ليس من المؤكد إذا ما كانت السعودية تمول جماعات مثل داعش، فإن مواطنيها يفعلون، ويشجعهم في ذلك الخطاب السني السائد والارتباك التكتيكي لحكامهم، الخائفين من تطويق اليمين الديني لهم. 

لقد أدّى وضع السعودية - كمصدر النفط الأول في العالم، وأحد أهم مشتريي الأسلحة الغربية، والمعادل الموضوعي لإيران في الخليج - إلى تحصينها من توجيه النقد. ولكن في ظل الاضطرابات الحالية في الشرق الأوسط - والتي تتميز بغياب الدولة والمؤسسات، وفقدان سردية وطنية في بلدانٍ قائمة على التنوع كسوريا والعراق، وضعف القوى الكبيرة المؤثرة فيما مضى - يبدو أن هناك افتقارًا إلى قيادةٍ تجمع التيار العام للسنة.

فقد طوّقت دولة البترودولار الدينية في السعودية - في صراعها مع دولة البترودولار الدينية في إيران - الفضاء السني، باستثناء المنطقة التي تبني فيها داعش الآن خلافتها متجاوزة الحدود (الغنية بالنفط أيضًا)، والتي تمتد شرقًا إلى كردستان وغربًا إلى لبنان.

فقد دانت الأجيال السابقة من التيار العام للسنة بالولاء لقادة العرب القوميين مثل جمال عبدالناصر، الذين تم تشويههم من قِبل أنصار الأيديولوجيا الميتة. وتتطلب الكارثة المحتملة التي تواجه العرب الآن جيلًا  جديدًا من قادة السنة القادرين على دحر التطرف من داخل معسكره. فذلك ما لا تستطيع السعودية - التي تعد وهابيتها الإقصائية مكونًا بنيونيًا أساسيًا لجماعاتٍ كداعش - فعله.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب