مشايخ ساندهيرست: لماذا يتلقى العديد من أمراء الخليج تدريبًا عسكريًا في المملكة المتحدة؟

مقال رأي

تعلّمت أجيالٌ من الأمراء الأجانب – لا سيما من الشرق الأوسط – كيف يصبحون قادةً عسكريين في أكاديمية ساندهيرست البريطانية للتدريب العسكري. ولكن ماثيو تيلر يتساءل إذا ما كانت تلك الفكرة لا تزال جيدة أم لا.

لقد أصبحت أكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية، التي تقع على الحدود بين ساري وبيركشاير، منذ عام 1812 المكان الذي يدّرب فيه الجيش البريطاني ضباطه.

حيث أنها توفر دورة تدريبية صارمة تمتد لأربعة وأربعين أسبوعًا تختبر خلالها قدرات الضابط المتدرب البدنية والفكرية وتكسبه قيم الجيش البريطاني. 

وبجانب أولئك الذين يتم إعدادهم ليصبحوا ضباطًا في الجيش البريطاني، فإن ساندهيرست لديها تقليدٌ بجذب الطلاب من الخارج. وقد أرسلت العديد من عائلات النخبة في الشرق الأوسط أبناءهم وبناتهم هناك. ولعل أبرز هؤلاء الملك حسين عاهل الأردن.

فقد تخرج أربعة من ملوك العرب الحاليين في "ساندهيرست" والكليات التابعة لها؛ الملك عبدالله عاهل الأردن والملك حمد عاهل البحرين والشيخ تميم أمير قطر والسلطان قابوس حاكم عمان. ومن بين الملوك السابقين الشيخ سعد أمير الكويت والشيخ حمد أمير قطر.

وقد بدات العلاقات مع "ساندهيرست" واستمرت منذ الوقت الذي كانت فيه بريطانيا هي القوة الاستعمارية الرئيسية في الخليج. 

وتقول حبيبة حامد، المستشارة الاستراتيجية السابقة لحكام دبي وأبو ظبي فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، أن "أفضل ما كان البريطانيون بارعين فيه هو ترسيخ حكمهم من خلال رسم المشهد". وتابعت قائلةً "فالمواكب والاحتفالات وعروض القوة العسكرية واستخدام الصدمة والرعب كلها أمورٌ تنبع من العلاقات البريطانية العسكرية."

 خريجو ساندهيرست: الملك حمد من البحرين والملك عبدالله من الأردن والسلطان قابوس، حاكم عمان

 

ويقول مايكل ستيفنز، نائب مدير المعهد الملكي للخدمات المتحدة بقطر، أنها المكان الذي يتعرف فيه قادة المستقبل على بعضهم البعض. كما أن ساندهيرست تعزز من نفوذ المملكة المتحدة في الخليج.

"فالمملكة المتحدة تحظى بقدرٍ من اهتمام نخب الخليج السياسية، لا تحظى به دولٌ في مثل حجمنا، كفرنسا وغيرها. وهو ما يعطينا قدرةً على فعل ما يبدو أكبر من حجمنا.

"فعندما يقضي الناس جزءًا من وقتهم في بريطانيا، ويتواصلون مع زملائهم ومدرسيهم، فإنهم يصلون إلى درجة من الألفة معك. وهذه الألفة مفيدة جدًا على المستوى السياسي لا سيما في السياق الخليجي."

ويقول العميد بيتر سينكوك، الملحق العسكري السابق في السعودية، أن "البريطانيين عندما يتجولون حول العالم، مثلما فعلت كعسكري، فإنهم يجدون أناسًا تخرجوا في ساندهيرست، وبالتالي تجد أن علاقةً فورية نشأت بينك وبينهم. وأظن أن ذلك مفيدٌ جدًا، على سبيل المثال؛ في مجال الصفقات العسكرية."

الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، أمير دبي، مع ابنه في الزي الرسمي بساندهيرست، عام 2006

حمد بن خليفة آل ثاني، أمير قطر حتى عام 2013، يستعرض الجنود في ساندهيرست، عام 2004

 

ولكن المشاعر لا تحسم الأمور دائمًا. ففي عام 2013، ورغم التدخل الشخصي لديفيد كاميرون، اتخذت دولة الإمارات قرارًا بعدم شراء طائرات "تايفون" البريطانة المقاتلة.

إلا أن مشاعر الزمالة تؤتي ثمارها في مواضعٍ أخرى. فجين كينينمونت، نائبة مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بقسم الشئون الخارجية في مؤسسة "تشاتام هاوس" البحثية، تقول أن "الملكيات الخليجية أصبحت مصدرًا هامًا لرأس المال". وأضافت: "فكما ترى، لقد تم تمويل أطول بناية في لندن من قبل القطريين، كما أن بنية المملكة المتحدة التحتية وتطويرات قطاع النفط يتم تمويلهما من قبل دولة الإمارات. وهناك رغبةٌ – قد تبدو يائسةً – في الحفاظ على وجودهم لأسبابٍ تجارية."

ويقول الدكتور كريستيان كوتس أولريتشسن، الباحث في معهد بيكر في هوستون بتكساس، أن السياسة البريطانية في الخليج في المقام الأول "تجارية". وتأتي التخوفات المتعلقة بحقوق الإنسان والإصلاح في المرتبة الثانية.

برج شارد الذي تم تمويله من قبل مستثمرين قطريين

 

وفي عام 2012، قبلت "ساندهيرست" تبرعًا بقيمة 15 مليون جنيهٍ استرليني من دولة الإمارات لبناء مبنى سكنٍ جديد يُطلق عليه "مبنى زايد" (تحت اسم الحاكم المؤسس للبلاد).

وفي مارس 2013، تم إعادة افتتاح "قاعة مونز بساندهيرست" – المركز الرياضي – تحت اسم "قاعة الملك حمد"، بعدما تلقت تبرعًا من ملك البحرين، الذي درس بإحدى الكليات التابعة لساندهيرست، بقيمة ثلاثة ملايين جنيهٍ استرليني.

وقد كانت إعادة التسمية مثيرةً للجدل؛ من جانبٍ بسبب المشاعر تجاه ضحايا البريطانيين الألف وستمائة الذين لقوا مصرعهم في "معركة مونز" في أغسطس عام 1914، ومن جانبٍ آخر بسبب الطريقة التي تعامل بها حمد وحكومته مع مظاهرات المعارضة في البحرين خلال الثلاثة أعوام الماضية.

وقد لا يلاحظ من يوجّه النقد أن الفصل الدراسي الثالث في دورة ساندهيرست التأهيلية للضبط يشمل تقنيات مكافحة الشغب وطرق التعاطي مع حالات الاضطراب العام. 

فمنذ تصاعد حدة التوتر بين أغلبية سكان البحرين الشيعية والنخبة الحاكمة من الأقلية السنية في 2011، لقي أكثر من ثمانين مدنيًا حتفهم على أيدي قوات الأمن، وفقًا لتقديرات المعارضة، بالرغم من أن الحكومة تشكك في الأرقام. وقد لقي أيضًا ثلاثة عشر شرطيًا مصرعهم أثناء الاشتباكات.

ويقول سنكوك، رئيس منظمة "المجتمع البحريني" التي تعمل على تعزيز علاقات الصداقة بين المملكة المتحدة والبحرين، أن "الملك شعر دائمًا أن ساندهيرست مكانٌ عظيم. فنحو عشرين من أفراد عائلته القريبين درسوا هناك، وهو لم يفهم حقًا لماذا ثارت مثل هذه الاحتجاجات." 

ديفيد  كاميرون في لقاءٍ مع الملك حمد عام 2012...

... بينما كان المتظاهرون بالقرب منهم يعارضون سجل حاكم البحرين في قضايا حقوق الإنسان

 

ويقول كريسبين بلاك، أحد خريجي ساندهيرست ومدرس سابق بها، أنه كان لا يجب على الأكاديمية أن تتقاضى أموالًا. ويضيف قائلًا "أينما تنظر ستجد ما يذكّرك بشيء ما، مبنى أو لوحة تمثل أثرًا يأخذك مباشرة إلى قلب تاريخ الجيش البريطاني. وتسمية هذه القاعة بـ"قاعة الملك حمد" لن تفعل ذلك."

ومن جانبها، فقد قدمت ساندهيرست ردًا مكتوبًا على هذه الانتقادات؛ "تأتي كل التبرعات التي تتلقاها ساندهيرست بالتوافق مع الالتزامات القانونية الدولية والمحلية للمملكة المتحدة. وعلى مدى سنواتٍ، عملت تبرعاتٌ كهذه على توفير قدرٍ كبيرٍ من أموال دافع الضرائب البريطاني."

ولكن ما الذي يحدث عندما يصبح أصدقاء ساندهيرست أعداءًا لها؟ ففي عام 2001، زار رئيس الوزراء السابق "توني بلير" دمشق، في إشارة للعلاقات الحميمية بين المملكة المتحدة وسوريا. وبعدها بقليل، في عام 2003، بدأت ساندهيرست في تدريب ضباط من القوات السورية المسلحة. والآن، بالطبع، سوريا منبوذة دوليًا.

وقد كتب الصحفي "مايكل كوكيريل" عن الفترة التي قضاها الديكتاتور الليبي "العقيد القذافي" بمدرسة التدريب العسكري في بيكونسفيلد عام 1966: "بعد ثلاثة أعوام، اتبع القذافي التقليد المتعارف عليه للضباط الأجانب الذين يتلقون تدريبهم من قبل الجيش البريطاني. فقد استفاد من المعارف الحديثة التي حصل عليها ليستولي على السلطة السياسية في بلاده."

كان أحمد علي الذي تلقى تدريبًا في ساندهيرست أحد اللاعبين الأساسيين في إطاحة الجيش المصري بالرئيس الإسلامي محمد مرسي

 

ويستمر ذلك التقليد. فقد درس العقيد المصري "أحمد علي" في ساندهيرست بالتسعينيات. وفي عام 2013، كان أحد الرموز الأساسية في إطاحة الجيش المصري بالرئيس الإسلامي "محمد مرسي"، والآن تتم مكافأته بتوليه منصبٍ في الدائرة الضيقة لمستشاري الرئيس السيسي.

في نهاية التسعينيات، كانت هناك مساعٍ من قبل الحكومة البريطانية تحت قيادة توني بلير لوقف تدريب ساندهيرست لطلاب أجانب. ويصف اللواء آرثر دينارو، مستشار وزارة الدفاع لشئون الشرق الأوسط والقائد بساندهيرست في أواخر التسعينيات، هذه الفكرة بأنها جزءٌ من "السياسة الخارجية الأخلاقية" التي دعا إليها الراحل روبن كوك، وزير الخارجية آنذاك.

توني بلير وروبن كوك في إحدى الاجتماعات لمناقشة وقف تدريب ساندهيرست للطلاب الأجانب

 

لكن يبدو أن جنازة الملك حسين، عام 1999، أجهضت الخطة.

إذ يقول اللواء دينارو أن "قادة دول العالم – كلهم تقريبًا – قد حضروا تلك الجنازة، قد كان رئيس وزرائنا "توني بلير" من بين الحضور، وقد تصادف أن رآني أتحدث إلى زعماء الدول – سلطان بروناي وسلطان عمان والبحرينيين والسعوديين، فسألني "كيف تعرف كل هؤلاء؟" وكان الجواب بأنهم درسوا في ساندهيرست."

واليوم، كما تقول التقارير الواردة، قد درّبت ساندهيرست طلابًا عسكريين من دولة الإمارات أكثر من أي دولة أخرى باستثناء المملكة المتحدة. وستضم الدفعة الجديدة القادمة في مايو 2014، اثنين وسبيعن طالبًا أجنبيًا، ونحو أربعون بالمائة منهم قدموا من الشرق الأوسط.

وتقول مريم الخواجة، نائبة رئيس مركز البحرين لحقوق الإنسان، "في المستقبل، سيراجع الناس ما حدث ليعلموا إلى أي درجةٍ أفسدت بريطانيا في [الشرق الأوسط] لأنهم أرادوا بيع المزيد من طائرات "تايفون" للبحرين، بدلًا من الوقوف مع قيم حقوق الإنسان والديمقراطية."

وتقول حبيبة حامد "ربما سيقولون أننا نزرع القيم الحميدة، ولكن ذلك لا يحدث،" فساندهيرست هي "أحد مخلفات الماضي الاستعماري. وهم لا [يدرّسون] القيم المدنية التي يجب علينا أن نجدها في القادة المنتخبين ديمقراطيًا."

 

من ذهب أيضًا إلى ساندهيرست؟

(من اليسار إلى اليمين) الأميران ويليا وهاري

السير وينستون تشرتشل

لان فليمنج، مخترع شخصية جيمس بوند (ولكنه لم يكمل تدريبه)

كاتي هوبكينز، نجمة تلفزيون الواقعية

أنطوني بيفور، مؤرخ

جيمس بلانت، مغني وشاعر غنائي

جوش ليوسي، لاعب الرجبي الإنجليزي الحائز على كأس العالم

ديفون هاريس، عضو أول فريق لجاميكا في التزلج

 

وتقول ساندهيرست أن "بناء العلاقات الدولية عن طريق التبادل والتدريب العسكري هو أحد المحاور الرئيسية في استراتيجية المملكة المتحدة للتعاطي مع القضايا الدولية".

وقد تكون ساندهيرست رائعة بالنسبة للمملكة المتحدة، البلد التي يكون الجيش فيها تابعًا للحكومة، ولكنها ترسل أيضًا ضباطًا مدربين إلى ملكيات الشرق الأوسط حيث تتواجد الجيوش، في الأغلب، للدفاع عن العائلة الحاكمة، وليس عن الدولة. 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب