من فاز بحرب غزة؟

A leader from Hamas - قيادي من حماس
 

يقول المثل الأفريقي القديم، عندما تتصارع الفيلة، فإن العشب هو من يعاني. 

أعتقد أن يمكننا أن نحدد بشكل جيد الآن من هو الخاسر الأكبر في حرب غزة الثالثة: إنهم الفلسطينيون قاطني غزة الذين يبلغ عددهم 1.8 مليون نسمة (53 في المئة منهم تحت سن 18). سوف يستغرق الأمر سنوات لإعادة بناء قطاع غزة المُدَمّر. عند سرد الحقائق نجد أن قتل 1800 من الأبرياء والمقاتلين، وجرح الآلاف، وتشريد عشرات الآلاف، والأضرار التي لحقت بالمنازل والبنية التحتية، يجعل الرهان واضحًا، أن سكان غزة هم الذين خسروا المعركة. 

ولكن من الذي كسب؟ لن يتضح جواب ذلك إلا في الأسابيع المقبلة. هل سيكون هناك اتفاق سلام دائم يجلب المزيد من الازدهار الاقتصادي لغزة. ويخلق مزيدًا من الأمن لإسرائيل، ويحقق حتى شكلًا من أشكال نزع السلاح المحدود، ويعيد قدرًا من السلطة في غزة إلى السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس – أتلك حقيقية أو خيال؟ 

ما زال من المبكر جدًا حسم ذلك الأمر، لكن في الوقت الحالي، ذلك تقييمي لأداء الأطراف الرئيسية الخمسة لهذه الأزمة: إسرائيل وحماس والسلطة الفلسطينية ومصر والولايات المتحدة. 

إسرائيل: تقدير B+ 

على المستوى التكتيكي، قص الإسرائيليون العشب (مرة أخرى). بل وقطعوه بشكل حاد جدًا هذه المرة. تشير تقديرات جيش الدفاع الإسرائيلي أنه بالإضافة إلى 900 من مقاتلي حماس الذين قتلوا في المعارك، فقد دُمِّر 3 آلاف صاروخ. أطلقت حماس 3300 صارخ دون تأثير كبير، وبقى 3 آلاف آخرون. تم تدمير اثنين وثلاثين من الأنفاق المعروفة، على الرغم من أن الجيش الإسرائيلي يعترف بأن تسعة من أنفاق الخروج الـ 12 المؤدية الى اسرائيل لم تجدها المخابرات في وقت بداية الصراع. عملت القبة الحديدية بكفائة ممتازة. لم يُقتَل سوى ثلاثة مدنيين إسرائيليين، وتكبدت إسرائيل الحد الأدنى من الأضرار الاقتصادية، وبقيت الجبهة الداخلية مرنة ونشطة. وعلاوة على ذلك، ظلت مصر على وفاق، أما بقية العالم العربي فقد حَمَل معطف إسرائيل بينما تشمر عن أكمامها لتجتاح حماس. وأخيرًا، هناك دعم متزايد لفكرة "نزع سلاح" قطاع غزة، وهو عمل لم يكن ليؤخذ على محمل الجد قبل شهرين. 

على الجانب السلبي، اسودت صورة إسرائيل العالمية، وشهدت العلاقات مع الولايات المتحدة بعض التوتر، ولكن لا يكاد الأمر يوصف بأنه ضغط حقيقي. الديناميكية الرئيسية التي من شأنها الحفاظ على فوز إسرائيل هي ما إذا كان وقف إطلاق النار سيؤدي إلى ترتيبات دائمة تضعف حماس بشكل أساسي. اذا صار رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو قادرًا على قول أنه قصم ظهر حماس كما قصم ارييل شارون ظهر الإرهاب الانتحاري في الانتفاضة الثانية، سيكون قد أنجز شيئًا - على الأقل بين المواطنين المحليين. وبين اليمينيين المتحمسين، قد تتوقف شعبية ومستقبل نتنياهو السياسي على ذلك، لكنه أمرًا من الصعب تحقيقه. 

 

حماس: تقدير C-

إن موافقة حماس على اتفاقية وقف إطلاق النار لها نفس الشروط الأساسية التي رفضتها قبل ثلاثة أسابيع، توحي بشدة بأنها قد تعرضت لهزيمة موجعة. ولكن علينا تَذَكُّر: هذا صراع غير متكافئ في فلسطين، حيث تمتزج السياسة، والتهديد، والخيال، والواقع بسلاسة. لقد فازت حماس بشيء ما لمجرد عدم تدميرها تمامًا. ظلت القيادة العسكرية سليمة؛ وكانت قادرة على اطلاق صواريخ على إسرائيل حتى وقف إطلاق النار؛ ودفعت مطار بن غوريون أن يغلق أبوابه مؤقتًا. كما تمكنت من قتل ستة أضعاف عدد جنود جيش الدفاع الإسرائيلي الذين قُتِلوا في الجولتين السابقتين مجتمعين. وهزت أعصاب وأمن إسرائيل من خلال إطلاق العديد من عمليات التسلل عبر الأنفاق خلال المواجهات. فاز الفلسطينيون بلعبة القلوب والعقول. كان ينظر لحماس على أنها الجهة التي تقود المقاومة ضد إسرائيل في حين جلست السلطة الفلسطينية على الهامش. في الواقع، إنه لأمر لافت جدًا أن حماس الآن للمرة الأولى لديها مقعدًا على طاولة المفاوضات في القاهرة، في اطار ما يسمى بحكومة الوحدة الوطنية. 

مشكلة حماس ليست الأسابيع الأربعة الماضية، بل ما ينتظرها في المستقبل. فهي تعاني عزلة شديدة وسط العالم العربي، وبشكل خاص، فهي تعتمد على مصر، التي تخنقها في نفس الوقت. إلى جانب ذلك، فإن حماس عليها أن تجد وسيلة لتبرير، وشرح، وتعويض سكان غزة عن الواقع المؤلم في أن صواريخها قد أتت بكل هذا الموت والدمار. كانت قد بدأت بتوقعات عالية – إنها ستنهي الحصار – وهو أمر لم تستطع أن تلبيه وحدها. لا يمكن لحماس أن تحكم غزة دون مساعدة؛ فهي يحتاج كلًا من السلطة الفلسطينية ومصر. وهذا يعني أنها ستدخل المفاوضات في موقف ضعف. السؤال هو: ما هو مقدار النفوذ الذي تستعد حماس للتنازل عنه للسلطة الفلسطينية وأي نوع من القيود ستتقبلها على أنشطتها ؟ بالنسبة لمنظمة يديرها جناح عسكري شديد، لن يكون الأمر سهلا. 

السلطة الفلسطينية: تقدير C+

مرة أخرى، كانت حماس هي من تسيطر على الأحداث وليس عباس. في الواقع، نجحت حماس - على الأقل مؤقتا - في توحيد الصف الفلسطيني. وإذا أعتقد عباس بأن حماس سوف تتلفت، بعد أن قامت بالقتال في غزة، وتسمح لحركة فتح بالسيطرة على قطاع غزة، فإنه لا يفكر بوضوح. ومع ذلك، فمن المرجح أن يستفيد عباس من الوضع. هناك مجموعة متزايدة من القوى تقف معًا ضد حماس - السعوديين، والإمارات العربية المتحدة ومصر والأردن – وهم من سيدفعون لتمكين عباس على حساب حماس. ستكون إسرائيل حاسمة في هذا الصدد. على افتراض أن نتنياهو على استعداد الآن لفعل شيء كان مترددًا في القيام به – وهو الرهان على عباس - يمكن أن تكون مكاسب حركة فتح كبيرة جدًا. أما الآن فقد تحولت اللعبة من المواجهة إلى الدبلوماسية، يجب على عباس أن يحقق نتائج أفضل. ولكن في النهاية، فإن نجاح عباس يعتمد على مستقبل عملية السلام الاسرائيلية الفلسطينية المتوقفة. لكن الرهان على ذلك الآن ستواجهه احتمالات شتى طويلة جدًا. 

مصر: تقدير A-

خرجت الحكومة المصرية الجديدة بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي من هذه الجولة وقد كسبت أكثر من أي جهة أخرى، وأحد أسباب ذلك أنها كانت مشتركة في الأمر بشكل جزئي فقط. لم يكن لدى المصريون أية أوهام حول هذا الصراع. كانوا يريدون تقليص حجم حماس، والابقاء على القطريون والأتراك خارج المعادلة، وتهميش وزير الخارجية الامريكية جون كيري أيضًا في تلك المسألة. في الواقع، كانت مصر هي من رعت وقف إطلاق النار الذي يبدو أنه سيكون ناجحًا. وستكون القاهرة الآن هي مكان انعقاد المفاوضات اللاحقة للاتفاقات على المدى الطويل. أثبتت مصر مرة أخرى كونها محورية في السياسة العربية الإسرائيلية من خلال الحفاظ على علاقات جيدة مع نتنياهو والسلطة الفلسطينية. حتى حماس تفهم أنها بحاجة إلى مساعدة القاهرة للحفاظ على سيطرتها على غزة. ومع ذلك، إذا تعثرت المحادثات في القاهرة ودخلت غزة مرة أخرى إلى نطاق الصراع، يمكن لمصر أن تفقد بعض هيبتها. لكن سيظل السيسي وقد عزز العلاقات الإقليمية الرئيسية مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، ومع الإسرائيليين. وقد يؤدي نجاح ذلك إلى تحسين العلاقات الحساسة مع واشنطن أيضًا. 

الولايات المتحدة: تقدير C 

تظهر واشنطن الآن بعد أزمة النزاع في غزة بصورة ضعيفة جدًا وغير كفء. كان لدى كيري اعتقادًا مفهومًا - ولكنه خاطئ - أن الوقت قد حان لعقد المحاولتين السابقتين لابرام اتفاق وقف إطلاق النار. لكن الوقت لم يكن مناسبًا. ولكن في محاولة لوقف الصراع في وقت مبكر، وضع نفسه في الموقف الذي يجعل من  اشتراك القطريون والأتراك في العبة مؤديًا لنفور الإسرائيليين - والذين انتقدوه بدورهم، وإن كان ربما انتقادًا غير عادل. ولم يقدم قلق الرئيس باراك أوباما على الضحايا المدنيين كثيرًا لتعميق الثقة المحطمة بينه وبين نتنياهو. سيكون هناك احتياج لعلاقة عمل جيدة حتي يصبح لآمال كيري لإحياء عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية أي فرصة خلال الفترة المتبقية من ولايته التي تقل عن الألف يوم. يمكن لهذا أن يتغير بطبيعة الحال اذا تمكنت واشنطن من لعب دور فاعل في تسهيل أو التوسط في مجموعة مستمرة من ترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار أو تمكنت بطريقة ما من دفع السلطة الفلسطينية للعودة الى طاولة السلام. ولكن تظل الحقيقة أن الأسابيع الأربعة الأخيرة لم تكن واحدة من أروع لحظات أميركا في دبلوماسية الشرق الأوسط.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب