هل باراك أوباما أكثر واقعية مني؟

مقال رأي

توارد لي خاطر غريب نهاية الأسبوع الماضي، بينما أحادث زميلًا  عن المناطق الساخنة التي تهيمن علي الأخبار وتتداخل مع إجازة رئيس الولايات المتحدة باراك أوباما. تسائلت، هل من ممكن أن يكون أوباما أكثر مكرًا وقسوة مما تصورت؟ لقد خاب ظني بسبب الكثير من قراراته بشأن السياسة الخارجية، لكن هل استهنت به؟ بعيدًا عن كونه غير حازم أو سهل التوجيه من مستشاريه المتشددين، هل يمكن أن يكون حتي أكثر واقعية مني؟

إشارة مبكرة حدثت في حملة عام ٢٠٠٨ الإنتخابية، عندما تم سؤال أوباما عن فيلمه المفضل. كانت إجابته "الأب الروحي". ثاني أكثر فيلم مفضل؟ "الأب الروحي، الجزء الثاني". لقد كانت لحظة كاشفة، تؤكدها الأحداث اللاحقة. لقد اتبع نصيحة الأب الروحي عندما عين هيلاري كلينتون وزيرةً للخارجية ("ابق أصدقائك قريبين، لكن أعدائك أقرب")، وأسلوبه كرئيس يشبه مارلون براندو في دوره "دون كورليون" وآلبتشينو في دوره "مايكل كورليون" بعدة طرق. إنهم لا يهددون كثيرًا، لا يثرثرون أبدًا، ونادرًا ما يرفعون أصواتهم. لكن في الوقت المناسب، يقتلون خصومهم بلامبالاة خإلىة من الشفقة ولا ينتبهون كثيرًا لمن قد يتعرض للأذي أثناء العملية. "ليس أمرًا شخصيًا، بل دواعي العمل فحسب."

للوهلة الأولي، قد لا تري هذا الأسلوب في أماكن مثل أوكرانيا أوسوريا أوالعراق أوأفغانستان أوغزة أو شرق أسيا. يرى بعض المعلقين أن الاضطرابات العديدة والمواجهات في هذه الأماكن هي علامات أن سياسة أمريكية المقيدة بشدة قد فتحت الباب لعدم الاستقرار، بل والفوضي. إن النقاد وصانعوا السياسة من روجر كوهين إلى فرانك براني ودايفيد بروكس وروبرت كاجان وميشيل فلورنوي وريتشارد فونتاين يتحسرون الآن علي الشعور الأمريكي بالضيق ويتذمرون أن البندول تجاه الانسحاب يتحرك بعيدًا جدًا. ما يفتقده هؤلاء النقاد، بالتأكيد، هو شرح مقنع لكيفية أن فعل المزيد في كل هذه المناطق المضطربة سيجعل الأمريكيين أكثر أمانًا وازدهارًا.

في الحقيقة، لأن الولايات المتحدة بالفعل قوية جدًا وآمنة جدًا، يوجد القليل نسبيًا لتجنيه الولايات المتحدة في معظم هذه المواقف، حتي وإن هذا القليل أمرًا جيدًا. علاوة علي ذلك، الغوص مجددًا في الرمال المتحركة قد يجعلهم أسوء بسهولة. مثلما غرد إيان بريمير من مجموعة أوراسيا في ١٢ أغسطس، "إذا أعطت الولايات المتحدة أسلحة أكثر للثوار السوريين، لكانت النتيجة أن تصبح داعش أقوي." 

ومن المهم بنفس القدر أن أسلوب أوباما يسبب مشاكل أكثر لخصوم أمريكا المتعددين (ولبعض حلفائها الأقل تعاونًا) أكثر مما يسبب للولايات المتحدة، وبتكلفة منخفضة نوعًا ما للولايات المتحدة نفسها. هذا ليس تعريفًا سيئًا لسياسة خارجية ناجحة: إذا استطعت أن تزعج الخصوم بدون فعل الكثير، فما المشكلة؟ الجانب السلبي الوحيد هو الأطراف الثالثة البريئة التي في نهاية المطاف تتحمل معظم العبء، والذي يؤكد فحسب لأي درجة يصبح أسلوب أوباما مبنيًا علي السياسة الواقعية الفاترة.

لنبدأ بروسيا وإيران. تتحمل الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيون (وإن لم يكونوا الوحيدين) مسؤولية كبيرة عن التسبب في الأزمة في البداية، لكن الولايات المتحدة هربت من أي ضرر حقيقي حتي الآن. بدلًا من ذلك، يتحمل الشعب الأوكراني الضرر المباشرة بشكل رئيسي. ألحقت المواجهة المتصاعدة أيضًا ألم حقيقي بروسيا والاتحاد الأوروبي، والذينتعرض تعافيهم الهش للخطر بفعل العقوبات المفروضة من الغرب. عانت سمعة الرئيس الروسي فلاديمير بوتن في الخارج بشكل كبير (مع بعض التبرير)، لكن التكإلىف قصيرة الأجل للولايات المتحدة وأوباما نفسه كانت ضئيلة.

لنكن واضحين: مازلت أظن أن الجميع سيكون أفضل حالًا إذا كانت الولايات المتحدة تدفع بشكل أقوي في اتجاه صفقة تضمن حالة أوكرانيا كدولة عازلة محايدة، كما أن المواجهة تصعّب من جلب التعاون الروسي في أمور أخري. لكن علي المدي القصير، نجح أوباما في إلقاء كل اللوم علي بوتين، ويتحمل الروسيون والأوكرانيون والأوروبيون أغلب الضررخلال ذلك.

تإلىا، ضع في الإعتبار كيف يتعامل أوباما مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. تولي أوباما الرئاسة عام ٢٠٠٩ آملًا أن يحقق حل الدولتين بعيد المنال، والذي اعتقد أنه ضروري لضمان مستقبل إسرائيل طويل الأمد. بينما يدفع في اتجاه إنهاء سياسة إسرائيل في الاستيطان والتي تهزمها ذاتيًا. ولقد أكد أيضًا دعم الولايات المتحدة لإسرائيل بطرق كثيرة ومال إلى الوراء ليكون داعمًا. ما هي جائزته لجهوده؟ تمت إهانته بشكل متكرر من نتنياهو، ومساعداته تمت مهاجمتها علنًا من قبل مسؤولون إسرائيليون. ولم يجن مبعوثوه الدبلوماسيون (جورج ميتشل، جون كيري، إلخ.) أي شئٍ مقابل جهودهم المستهلكة للوقت لتقدم قضية السلام.

إذن فماذا يفعل أوباما الآن؟ إنه يدع نتنياهو يفعل ما يشاء بشكل كبير – وضمن ذلك ضرب غزة بلا هدف حقيقي – حتي عندما تضر هذه الأفعال بشرعية إسرائيل وتعجل بوصول حل الدولة الواحدة الذي يعارضه معظم الإسرائيليين. بعبارة أخري، يبدو أن أوباما ينوي بشكل متزايد أن يشاهد إسرائيل تقود نفسها إلى الهاوية، رغم أن هذه السياسة تنطوي بالضرورة علي المزيد من المعاناة لسكان غزة. يجب عليه أن يدعي التعاطف مع محنة إسرائيل من أجل استرضاء فريق ضغطها في الولايات المتحدة، لكنني أتسائل إذا ما كان ما يحدث بالفعل هو صورة من الدهاء الشيطاني للانتقام. إذا كان الأمر كذلك، علي الأرجح سيوافق عليه دون كورليون.

وهو ما يأخذنا إلى الدولة الإسلامية (المعروفة سابقًا باسم داعش). خلافًا لمضخمي التهديدات المنعكسين الذين يسيطرون علي مؤسسة السياسة الخارجية للولايات المتحدة، لم يهلع أوباما بسبب بزوغ هذه المجموعة خفيفة التسليح من الراديكاليين ذوي العقلية الدموية الذين تتوسع "خلافتهم" الجديدة علي الكثير من الأراضي الخالية غالبًا. لقد أدرك أن هذه المجموعة وحشية وأن تقدماتها الأخيرة تحتاج أن تتوقف، لكنه عرف أيضًا أنها ليست تجسيدًا جديدًا للإمبراطورية السوفيتية أو ألمانيا النازية أو حتي عراق البعث. تحديدًا، فهم أوباما أن التهديد الذي تمثله الجماعة للولايات المتحدة نفسها لم يكن كبيرًا ولا وشيكًا وأن الحل الدائم للمشكلة سيتطلب ممثلين محليين للتصعيد. بدلًا من تنفيذ خطة "ماكين كاملةً" والغوص مجددًا في الرمال المتحركة، فعل أوباما ما هو كافٍ فحسب لإعطاء الأكراد والحكومة العراقية الفرصة لاحتواء المشكلة بأنفسهم.

وكذلك، لم يبق الولايات المتحدة بعيدًا عن المنحدر الزلق – علي الأقل حتي الآن –  فحسب، لكن هذه السياسة أقنعت العراقيين بأن يتخلصوا بأنفسهم من رئيس الوزراء المسبب للشقاق نوري المالكي وأن يختاروا أحدًا قد يحكم بفاعلية أكثر. مثلما فعل من قبل، كان أوباما باختصار ينقل الحِمل، وهو تكتيك عريق وواقعي. استفادت استجابته الموزونة من وحشية الدولة الإسلامية وطموحها المتعجرف، وهو ما أقنع الممثلين المحليين بالكثير من الاستثمار الخطر في اللعبة ليكونوا جادين في التعامل مع المشكلة.

يمكننا أن نري عناصر من هذا الأسلوب في تعامل أوباما مع الصين. لقد شدد بشكل متكرر علي أهمية آسيا للولايات المتحدة، كان "إعادة التوازن" المعلن عنه بشدة بشكل واضح مقصودًا للإشارة لشركاء أمريكا الأسياويين أنها لن تهجر المنطقة. عزز أوباما هذه الموضوعات أثناء زيارته لآسيا في أبريل، لكن الإدارة حققت هذه السياسة بسرعة محسوبة، سعداء لترك تأكيد الذات المتنامي الخاص بالصين يقوم بالعمل عننا. المبالغة ستنبه القوي المحلية وتدعهم يستمرون في الركوب مجانًا، بينما الحديث بلطف يجعل حلفاء الحاضر والماضي أكثر توقًا للمساعدة وأكثر إستعدادًا لفعل ما تريد أمريكا الحصول عليه.

الخيط المشترك بين هذه الإستجابات المتعددة هو تقدير ليس فقط لحدود قوة الولايات المتحدة، لكن أيضًا للحاجة المحدودة لاستخدامها. ولا تعني "محدودة" أنها منعدمة، ولهذا يعارض العقلاء العودة لسياسة الانعزال بأسلوب القرن التاسع عشر. لكن هذا الأسلوب يتبع فلسلفة أن الأغلبية الساحقة من المشكلات في العالم لا تهدد الولايات المتحدة بشكل مباشر وبالتإلى فإنها لا تتطلب إستجابة فورية وقوية، وغالبًا مكلفة للولايات المتحدة.

كما يحب أندرو سوليفان أن يقول، كانت أعظم موهبة سياسية لأوباما قدرته الشبيهة بشخصية "رود رنر" الكرتونية علي ترك الأعداء يهزمون أنفسهم. بل سيكون ذلك أسهل لو لم يكن الحزب الجمهوري والنخبة وبعض أعضاء إدارته يضغطون عليه باستمرار للمخاطرة في الخارج بحثًا عن وحوش لتدمريها. لكنني قد بدأت أشك أن أوباما يفهم موقع أمريكا الدولي المتميز أفضل منهم وأنه أيضًا لديه فهم أفضل لموقع الجمهور من هذه المشكلات. إنه لا يمارس سياسة خارجية سامية بشكل خاص، لكن من منظور أناني بشدة للولايات المتحدة، قد تكون فعالة أكثر مما اعتدت أن أظن.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب