الحرس الوطني في العراق: استراتيجية خطرة لمكافحة الدولة الإسلامية

ورقة بحثية

عتبر إعادة بناء قطاع الأمن العراقي عنصراً حاسماً في الاستراتيجية الأميركية الجديدة لإلحاق الهزيمة بالدولة الإسلامية. إذ أن فشل الجيش العراقي في الدفاع عن الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، ضد هجوم جماعة الدولة الإسلامية المتشددة في صيف٢٠١٤، كان بمثابة إضبارة اتهام كبيرة لجهاز الأمن العراقي بقضه وقضيضه. فعلى رغم عقد كامل من الجهود الأميركية لإعادة تجهيز وتنظيم وتدريب قوات الأمن العراقية، إلا أن معظم وحدات الجيش والشرطة العراقية ظلّت مبتلية بالانقسامات الطائفية والإثنية والقيادة الضعيفة. وبالتالي، إنعاش وتنشيط الأجهزة الأمنية أمر ضروري، لأن القوة الجوية الأميركية يجب أن تترافق في نهاية المطاف مع هجمات برية فعّالة على الأرض، إذا ما أُريد فرض التقهقر والتراجع على الدولة الإسلامية.

أحد أهم عناصر أجندة إصلاح قطاع الأمن، كما روّج لها كلٌ من الرئيس باراك أوباما ووزير الخارجية جون كيري، هو إقامة حرس وطني عراقي جديد سيضم أساساً ميليشيات قبلية سنّية، أي مجموعات مسلّحة تنتظم خارج الجيش والشرطة الرسميين، للعمل كاحتياطي محلي تحت سيطرة حكام المحافظات. بيد أن تفاصيل هذه الخطة لاتزال غامضة وآفاق نجاحها غير مؤكدة. علاوة على ذلك، تبنّي هيكلية عسكرية أكثر لامركزيةً يتنافى مع العوامل المتأصلة في الثقافة العسكرية العراقية، وهي ستتطلّب التزامات من حكومة حيدر العبادي الجديدة تسمح بنقل سلطات سياسية حقيقية إلى المجتمعات المحلية، خاصة منها السنيّة في المحافظات الشمالية والغربية.

والحال أن بلداناً أخرى عاينت في أعقاب الربيع العربي بروز ميليشيات محلية منظّمة كانت، في أحسن الأحوال، تحت السيطرة الشكلية للدولة المركزية. وبالاجمال، كانت محصلات مثل هذا النوع من الانخراط  متباينة، حيث أن جهود الحكومة لشراء ولاء الميليشيات القَبَلٍية والإقليمية والطوائفية بالمال، كانت ذات كلفة باهظة على تماسك الدولة، لابل هي مكّنت في الواقع هذه المجموعات من تحدّي الحكم المركزي. بيد أن المسعى لتكوين حرس وطني في العراق يمثٍّل فرصة لحل بعض المشاكل بين المركز والأطراف.

مع ذلك، تطرح خطة نقل السلطات إلى حكام المحافظات مخاطر جمة. إذ يمكن لحرس وطني يهيمن عليه السنّة أن يرفض أوامر حكومة بغداد الخاضعة إلى السيطرة الشيعية، ماينثر بذور المزيد من الصراعات الداخلية. هذا إضافة إلى أن دول الجوار قد تتعاطى مع الحرس الوطني وميليشات أخرى كقوى تابعة لها، وتستخدم العراق كحلبة صراع بين إيران وقوى سنّية مثل السعودية والأردن والإمارات العربية المتحدة.

لكن من جهة أخرى، يمكن لنقل السلطات أن يساعد كذلك على تخفيف حدة الانقاسمات الطائفية العراقية التي تزداد تفاقما. فالحرس الوطني قد يسمح للحكومة المركزية بالتواصل مع الأقلية السنّية، في الوقت نفسه الذي يتم فيه تزويد السنّة بالضمانات المؤسسية الخاصة بالشمولية والمشاركة في الشأن الوطني وعدم الإقصاء. ولكي يتحقق ذلك، يجب أن تترافق مثل هذه المبادرة مع جهد أوسع لجلب السنّة إلى المجال السياسي كشركاء. كما يجب أن يترافق أيضاً مع جهود دبلوماسية للتأكد من أن جيران العراق لن يستخدموا عملية نقل سلطة القوة العسكرية لخلق مزيد من اللااستقرار في البلاد.

الميليشيات والدولة العراقية

إن فكرة إقامة ميليشيات محلية جنباً إلى جنب مع القوات المسلحة الوطنية ليس لها في الواقع تاريخ ميمون في العراق. فمجموعات على غرار قوات الدفاع الشعبي في عهد رئيس الحكومة السابق عبد الكريم قاسم (١٩٥٨- ١٩٦٣)، والحرس الوطني في عهد النظام البعثي العام١٩٦٣، والجيش الشعبي إبان حكم صدام حسين في السبعينيات والثمانينيات، اكتسبت سمعة سيئة بسبب تعاطيها الوحشي مع المدنيين وعدم انضباطها. وهي بدلاً من أن توفّر دعماً للجيش والشرطة، بُنيت في الواقع لتزويد الحكام السلطويين بقوة تُوازن عدم الولاء في صفوف الجيش والشرطة.

قارب الجيش المحترف هؤلاء المدنيين المتطفلين بالشك، إن لم يكن بالعداء. وقد أدّت مسائل، مثل سلاسل القيادة وما إذا كان مقاتلو الميليشيات يجب أن يتلقوا أوامرهم من ضباط أعلى رتبة في الجيش (أو العكس)، إلى جعل العلاقات متوترة بين هذا الأخير وبين الميليشيات التي افتقدت إلى التدريب وكانت سيئة التنظيم وغالباً ماكانت عبئاً حين تم اختبارها في المعارك ضد قوات حسنة التدريب، الأمر الذي عرّض دفاعات العراق إلى الخطر ضد منافسيه الإقليميين.

مع إطاحة صدّام حسين وتفكك سلطة الدولة الذي تلا حل الولايات المتحدة للجيش العراقي، باتت كل الفصائل السياسية الجديدة والناشئة في العراق في حاجة إلى ميليشيات خاصة بها إذا ما أرادت الحفاظ على البقاء وخوض غمار المنافسة على السلطة. كان لكل من الحزبين الكرديين المهيمنين وحدات بيشماركة خاصة به. وبعض المنظمات مثل فيلق بدر التابع للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق (الذي يُعرف الآن بالمجلس الأعلى الإسلامي العراقي) كان قد شُكٍّل في المنفى وعاد إلى العراق وراء القوات الأميركية المتقدمة. وثمة ميليشيات أخرى برزت بشكل محلي لتوفير الحماية والعضلات السياسية للدفعة الجديدة من ذوي الطموح السياسي. وعلى سبيل المثال، كان جيش المهدي التابع لمقتدى الصدر جزءاً من إعادة إحياء دينية، وأيضاً جزءاً من مهمة حماية وتوفير الأمن، وجباية الضرائب من الأحياء الشيعية الفقيرة في بغداد والجنوب.

مع تدهور الوضع الأمني في الفترة بين٢٠٠٤ و٢٠٠٥، بدأت الولايات المتحدة تروّج لتشكيل مادُعي ميليشيات الصحوة للمساعدة على إلحاق الهزيمة بتنظيم القاعدة في العراق (السلف غير المباشر للدولة الإسلامية). وكان العديد من القبائل، التي اعتبرت الحكومة المشكّلة حديثاً في بغداد جسراً لتحقيق تفوّق الشيعة وهيمنتهم في العراق، قد عمدت في البداية إلى دعم القاعدة في العراق كوسيلة لتثبيط الولايات المتحدة والدفاع عن المصالح السنّية.

تمفصلت الصحوات حول صفقة مساومة دقيقة بين الولايات المتحدة والقبائل: حيث تقوم الأولى بتوفير الأسلحة والوظائف وتمنع قوات الأمن العراقية من دخول المناطق التي يهيمن عليها السنّة في غرب العراق. وفي المقابل، تحكم القبائل عملياً نفسها وتكون مسؤولة عن استئصال التمرد. وقد أثبت دعم الدول الإقليمية السنّية أنه كان حاسماً في هذا الجهد، خاصّة الشراكة بين أجهزة المخابرات الأردنية مع كل شبكاتها في صفوف قبائل محافظة الأنبار؛ وخاصّة أيضاً التمويل السعودي. وقد كان هذا المشروع ناجحاً إلى درجة أنه في نهاية العام ٢٠٠٧ انضممابين ٦٥ ألفاً و٨٠ ألفاً إلى هذه الميليشيات التي امتدت من الأنبار إلى محافظات بابل ونينوى وصلاح الدين وتميم وديالا وبغداد.

كان رئيس الحكومة آنذاك نوري المالكي، مثله مثل ربعه الشيعي، لايثق بالجيش النظامي وبميليشيات الصحوة ويعتبرهم حصناً للبعثية السنّية وأداة لاستمرار التدخل الأميركي. والحال أن فقدان الثقة بين الجيش النظامي العراقي وبين القوات الإضافية المجنّدة محليّاً والمدعومة خارجياً له سوابق نافرة في التاريخ العراقي: فخلال العشرينيات والثلاثينيات، جنّد البريطانيون عناصر أقلية إثنية هم المسيحيون الأشوريون، وشكّلوا منهم قوة عسكرية منفصلة تُدعىLevies . وقد تجاهلت هذه القوة بغداد وخدمت البريطانيين مباشرة، ومالبثت أن تفوقت على الجيش النظامي في الحجم والقدرات، وهي حقيقة أثارت السخط الشديد لدى القوميين السنّة العراقيين، وأدّت إلى مجزرة نفذها الجيش ضد المدنيين الأشوريين في العام ١٩٣٣.

حالما سحبت الولايات المتحدة قواتها من العراق، تحرَّك الملكي لتفكيك الميليشيات السنّية. صحيح أن حفنة من هؤلاء منحوا مناصب في الشرطة والجيش أو في مواقع أخرى في الحكومة، إلا أن معظم عناصر الميليشيات سُرٍّحوا ببساطة، فيما وُجٍّهت إلى بعض القادة البارزين تهم الإرهاب أو التخريب السياسي. بدلاً من هؤلاء، لجأ المالكي إلى مزيج من وحدات النخبة في العمليات الخاصة، التي جُنِّدت من بين صفوف الميليشيات الشيعية ووفرت لها الولايات المتحدة التدريب والأسلحة، وأيضاً من ميليشيات محلية ترتبط مباشرة به من خلال شبكات المحسوبية والقرابة.

ولذلك، حين شنّت الدولة الإسلامية هجومها في صيف  العام ٢٠١٤ في الأنبار ونينوى، لم يكن مفاجئاً أن يكون أداء الجيش العراقي (سيء التدريب والمفتقد إلى التماسك) مدقعاً للغاية. وفي هذه الأثناء، تحرّكت وتعبأت الميليشيات الشيعية ذات العلاقة الضعيفة بالحكومة من خلال الأحزاب الطائفية للدفاع عن سامراء وبغداد. وعلى سبيل المثال، عاد جيش المهدي، الذي كان قد حلّ رسمياً بعد أن اجتاحت القوات الحكومية معقل الصدر في البصرة في آذار/مارس ٢٠٠٨، فجأة إلى الثكنات. وبدعم من الضربات الجوية الأميركية، كانت قوات العمليات الخاصة ووحدات البيشماركة الكردية رأس الحربة في الهجمات المضادة التي شُنَّت ضد مواقع الدولة الإسلامية في آب/أغسطس وأيلول/سبتمبر.

مشروع الحرس الوطني: نحو صحوة ثانية؟

مايعزّز الاندفاع إلى تشكيل حرس وطني جديد في العراق، هو الاعتقاد بأن هذا سيوفّر وسيلة أنجع لادماج وحدات الميليشيا السنّية، وبالتالي لخلق طرف مناهض للدولة الإسلامية في صفوف السنّة، كما حدث خلال الصحوة الأولى. وقد ذُكٍر أن الحكومة العراقية عقدت اجتماعاً مع قادة قبائل الدليم وشمر وعنزة والجبور والبوحمدان والعكيدات للبحث في تشكيل قوات الحرس الوطني.

بيد أن الدعم الفعلي للخطة يتباين تبعاً لمواقع القبائل وحساباتها حيال مروحة من الضغوط المتنافسة المتدفقة من حكومة بغداد ومن الميليشيات الشيعية والأكراد والدولة الإسلامية. ففي الأنبار، على سبيل المثال، التي كانت مركز الصحوة الأولى حيث جهدت الدولة الإسلامية لفرض سيطرتها، بدا أن الإعلان عن الحرس الوطني سرَّع بعض الانشقاقات في صفوف قبائل محلية، خاصّة قرب أربيل. ثم أن هناك أكثر من 20 شيخاً قبليّاً في الأنبار تباحثوا مع مسؤولين أميركيين، بمن فيهم أحمد أبو ريشة الذي تزعَّم صحوة الأنبار غداة اغتيال شقيقه العام ٢٠٠٧، وحامد شوكة (شيخ البوذياب)، ورافع عبد الكريم شيخ البوفهد. وفي كركوك، تطوّع ٥٠٠٠ عنصر قَبَلي للانضمام إلى الحرس الوطني بإشراف  أنور العاصي شيخ قبيلة العبيد.

لكن في نينوى، تواجه الخطة صعوبة في كسب التأييد. فمحافظ نينوى، أثيل النجيفي، يدعم خطة تشكيل الحرس الوطني من حيث المبدأ، لكن بما أن الأكراد والدولة الإسلامية يسيطرون بشكل أساسي على المحافظة، ستكون الجهود الرامية إلى تجنيد عشائر المنطقة في حرس وطني يخضع إلى إشراف مركزي عسيرة. ويبدو أن الاقتراح فشل في استمالة الشخصية البارزة في عشيرة الدليم، علي حاتم، الذي ينبع دعمه للدولة الإسلامية من حجة أنه ينبغي أوّلاً التصدّي إلى التهديد المذهبي المتمثّل في الجيش العراقي والميليشيات الشيعية.

لكن ثمة أيضاً عوامل أوسع تتعلّق بالصراع الدائر اليوم، تجعل من غير المرجّح قيام "صحوة ثانية" واسعة النطاق.

أوّلاً، كانت الصحوة بين عامَي٢٠٠٥-٢٠٠٧ في جوهرها نتاج صفقات ثنائية بين الولايات المتحدة وبين الميليشيات السنيّة. كان الوجود العسكري الأميركي في العراق عنصراً حاسماً، ماسمح للولايات المتحدة بتجاوز بغداد. في العام ٢٠١٤، مع انسحاب الولايات المتحدة من العراق ومع شبه استحالة تنفيذ إعادة انتشار جديدة واسعة النطاق، سيشمل التفاوض بشأن تجنيد الميليشيات السنيّة ودمجها، حكماً الحكومة المركزية التي لاتزال تهيمن عليها الأحزاب السياسية الشيعية. وفي حين أعرب العبادي عن نيّته تشكيل تحالف أكبر من الذي شكّله المالكي، من غير المرجّح أن يُوافق على الحكم الذاتي السياسي وزيادة التمثيل اللذين سيطالب بهما السنّة.

ثانياً، حتى إذا كان العبادي مستعدّاً لقبول هكذا اتفاق، فإن الاستراتيجية السياسية المطلوبة تختلف في بعض جوانبها عن التكتيكات العسكرية الضرورية. استغلّت حركة الصحوة التوتّر والخصومة بين العشائر لتشجيع الفصائل العشائرية الإفرادية على "الانقلاب" والتحرّك ضد المتشدّدين. وقد حوّلت هذه التكتيكات المستندة إلى مبدأ "فرّق تسُد" الولايات المتحدة إلى وسيط نوعاً ما، فوزّعت المكافآت بحكمة على الفصائل التي كانت الأكثر إخلاصاً في خدمتها، بينما أقصت تلك التي تريّثت أو قاومتها. لكن، إذا كانت الحكومة المركزية ستتّسع للسنّة ككل، كما تشير ضمنيّاً استراتيجية الحرس الوطني، فلن تكون هذه التكتيكات مفيدة بالقدر نفسه، نظراً إلى أن الجميع قادرون على الانضمام إلى القوة في آن، وسوف تخسر بغداد نفوذها على وحدات الميليشيا الإفرادية.

هذا الخطر واضح على وجه الخصوص نظراً إلى أنه يُتوقّع أن يزداد عديد الحرس الوطني ليتراوح بين ١٢٠ ألفاً و٢٠٠ ألف رجل، الأمر الذي سوف يجعل هذه القوة أكبر بكثير من الصحوة الأصلية، وتشكّل تهديداً محتملاً  للجيش النظامي والشرطة العراقيين، اللذين بلغ عديدهما حوالى ٧٣٠ ألفاً في بداية العام ٢٠١٤. وقد انخفض هذا العدد منذ ذلك الحين بسبب خسائر المعارك والهرب والانشقاقات. علاوةً على ذلك، وكما بات واضحاً في المعركة ضد الدولة الإسلامية، ثبُت أن قوات الأمن ضعيفة التدريب وسيئة القيادة، ورُتبها مشلولة بسبب المحسوبية والفساد والطائفية.

أخيراً، يزيد التوازن الإقليمي الهش خطة تشكيل الحرس الوطني تعقيداً. إيران هي أقرب حليف إقليمي للعراق بأشواط، كما أن لديها روابط وثيقة مع مختلف الميليشيات الشيعية العاملة في البلاد. وفيما تأرجحت الولايات المتحدة بين معاداة الميليشيات الشيعية في العراق وبين التعاون التكتيكي معها، لطالما كان لدى إيران علاقات إيديولوجية وسياسية وشخصية أوثق بكثير مع هذه الميليشيات. فقد أمضت شخصيات بارزة في حزب الدعوة الإسلامية، الذي ينتمي إليه الكثير من القادة السياسيين الشيعة في العراق، عشرات السنين في المنفى في إيران في الثمانينيات. كان فيلق بدر أساساً اختراعاً إيرانيّاً، وخدم تحت قيادة إيرانية خلال الحرب العراقية الإيرانية. الصدر، الذي كان معادياً لإيران، في البداية على الأرجح، هو الآن مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالفصائل الدينية الإيرانية اليمينية.

لايزال من غير واضح ما إذا كان بإمكان الولايات المتحدة وإيران التعاون ضد الدولة الإسلامية، على الرغم من مصالحهما المشتركة في ذلك. الآن، تأمل واشنطن في التواصل مع الدول العربية السنية، مثل الأردن والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، للمساعدة في تدريب الميليشيات العراقية الجديدة وتشكيل الحرس الوطني. لقد شاركت هذه الدول في برامج تدريب محدودة لقوات الأمن العراقية والأفغانية، لكن قدراتها أضعف بكثير من قوة القدس الإيرانية التي لديها عقود من الخبرة في تدريب مجموعات مثل حزب الله في لبنان.

في الواقع، من المرجح أن تدفع إمكانية تشكيل ميليشيات مسلّحة ومدعومة من الولايات المتحدة والدول العربية السنيّة إيران إلى توسيع نطاق دعمها للميليشيات الشيعية كثقلٍ موازن. ومن شأن هذه الخطوة أن تقلّل احتمال نزع سلاح الميليشيات الشيعية وتقلّص آمال تعزيز قوات الأمن العراقية الرسمية باعتبارها جيشاً وطنيّاً يمثّل العراق كلّه ويبسط سلطته عليها.

دروس من المنطقة

صعود الأمن المحلّي هو جزء من توجّه إقليمي تنكشف معالمه الآن، فيما يؤدّي انهيار السلطة المركزية في عددٍ من الدول العربية المتفكّكة إلى اضطلاع اللاعبين غير الحكوميين بأدوار أكبر. والتهديد الذي يطرحه المتطرّفون السنّة مثل القاعدة والدولة الإسلامية يجعل الاعتماد على الميليشيات الطائفية أكثر أهمية، التي غالباً مايُنظر إلى توجّهاتها المحليّة والعشائرية الصرفة على أنها أفضل حصن منيع ضد الأصولية المستوردة.

السؤال الآن هو كيف يمكن للحكومات التي يُعيد تشكيلها ولداعميها الخارجيين، أن تتبنّى نهجاً تُعطى بموجبه القوى القبلية والطائفية أو الانفصالية الإقليمية أو الإثنية، نفوذاً مسلّحاً في مقابل السلطات المركزية، من دون إثارة المزيد من تفكّك الدول العربية. توفّر هيئة على شكل الحرس الوطني حلّاً وسطاً بين احتكار الدولة العنيف عادةً للقوة العسكرية، وبين نقل السلطة بالكامل إلى أمراء الحرب. لكن إلقاء نظرة خاطفة على حالات عربية أخرى توضح مدى خطورة هذه الاستراتيجية.

في اليمن، شكّل النفوذ القَبَلي القديم حصناً منيعاً لمقاومة تنظيم القاعدة وفروعه في شبه الجزيرة العربية. وقد سعت الحكومة المركزية التي تغشاها المشاكل إلى استخدام هذه المقاومة في محافظة أبين الجنوبية، التي كان قد حاصرها أنصار الشريعة، أحد فروع القاعدة في شبه الجزيرة العربية. ومع أنه يُزعم أن هذه الميليشيات الطائفية، المعروفة باسم "اللجان الشعبية"،  تتألف من عناصر قبلية وغير قبلية، إلّا أنها كانت نظريّاً خاضعة إلى هيكلية القيادة الوطنية في الجيش اليمني. وكانت أساساً عبارة عن محاولة رامية إلى "تفويض" الأجهزة الأمنية المحليّة باستعراض سلطة الحكومة في محافظة لاتتمتع فيها الحكومة بأي سلطة، من خلال حراسة الطرقات والمدارس وسائر المرافق العامة.

وفقاً لبعض التقارير، حقّقت اللجان الشعبية قدراً من النجاح، وكان الشعب ممتنّاً لها إلى حدٍّ ما. لكن سرعان ماتعرّضت اللجان إلى النقد بسبب معاملتها القاسية للمواطنين ومحاصرة شاحنات الوقود لممارسة الضغط على الحكومة. وفي هذه الحالة، كما في حالات أخرى، ما أن نالت هذه اللجان الصلاحيات، أصبح من الصعب والخطير تقليص رواتب أفرادها وإعادة دمجهم في بنية وطنية متماسكة.

في ليبيا في مرحلة مابعد القذافي، واجهت حكومة مركزية ضعيفة التحدي المتمثل في تسريح ودمج الميليشيات القوية في البلاد من دون إكراه – فقد كان الجيش النظامي والشرطة (ولايزالان) عمليّاً غير فعّالين. وُضعت خطة تشكيل الحرس الوطني في نيسان/أبريل ٢٠١٣، وكان هدفها إنشاء قوة عسكرية دائمة تتألف أساساً من مجنّدين من الميليشيات التي ترعاها الدولة – بصفة مؤقّتة نوعاً ما - للقيام بمهام الشرطة على صعيد الوطن، فيما يتوافر الجيش النظامي على التدريب والتجهيز. لكن البرنامج انهار بسبب الاستقطاب السياسي والاعتقاد السائد في صفوف ضباط من عهد القذافي وسياسيين من ذوي توجّه أكثر علمانية، بأن البرنامج من صنع الإسلاميين وهدفه بناء جيش خاص مؤلّف من الميليشيات. على مستويَي الشكل والغاية، بدا أن الحرس الوطني هو استمرارٌ لوحدات قوات درع ليبيا المشوبة بالعيوب – وهيالميليشيات التي تحظى بدعم إقليمي والتي وُضعت تحت سلطة رئيس الأركان الإسمية، بيد أنها عمليّاً كانت حرّة في تطبيق أجندات سياسية وجنائية، شملت محاصرة المؤسسات المنتخبة.

كما في حالة العراق، ألقت الذاكرة التاريخية بثقلها بشكل كبير على المعارضة ضد الحرس الوطني الليبي وقوات درع ليبيا، ونظر النقاد إليهما على أنهما مجرّد تكرار آخر للجان الثورية مرهوبة الجانب – أي القوات شبه العسكرية العنيفة للغاية التي أعطاها القذافي صلاحيات لمواجهة الجيش النظامي الذي لم يكن القذافي يعتدّ بولائه.

في الإجمال، تقدّم الحالتان اليمنية والليبية، إلى جانب تاريخ العراق السابق المحفوف بالجهود الفاشلة لتجنيد الميليشيات، دروساً تحذيرية إلى الولايات المتحدة والحكومة العراقية فيما هما تمضيان قدماً نحو تشكيل قوات الحرس الوطني السنيّة.

مقاربات مستقبلية

الدول القوية التي تتحكّم بشكلٍ فعّال ومسؤول باستخدامات القوة، هي إلى حدٍّ بعيد الضامن الأفضل للسلام والاستقرار. لكن العديد من الدول لاتزال بعيدة عن هذا النهج المثالي. فقد أُخرِج مارد الميليشيات القبلية والطائفية من قمقمه في العراق منذ عقود، في السنوات الأخيرة من نظام صدّام. وأصبحت الميليشيات أكثر ترسّخاً بسبب حل الجيش العراقي في ظل الاحتلال الأميركي. الميليشيات في العراق ودول أخرى هي منابع للعنف وعدم الاستقرار والتهديدات للأمن الإنساني والدولي.

بدلاً من بذل جهود عبثية لمحاولة قلب هذا التوجّه، يقوم مشروع الحرس الوطني باحتضانه، ساعياً إلى استخدامه لزيادة الاستقرار في جميع أنحاء البلاد. لكن ذلك يتطلب مبادرات عدّة على المستويَين المحلَي والدولي: أولاً، ينيغي أن يترافق تشكيل الحرس الوطني مع زخم سياسي أكبر. وينبغي على الحكومة التي يهيمن عليها الشيعة في بغداد أن تجد سبلاً لتقديم ضمانات ذات مصداقية إلى الطائفة السنيّة بأنها ستبقى شريكاً في عملية صنع القرار السياسي. في المقابل، يتعيّن على السنّة أن يضمنوا التزامهم بالدولة العراقية وبحكومتها المنتخبة شرعيّاً، وأن يتحرّكوا ضد الدولة الإسلامية وحلفائها من خلال خدمتهم في الحرس الوطني. وعلى نحو وثيق، ينبغي البت بالمسائل العملاتية مثل الهيكلية التراتبية للقيادة بين الجيش النظامي والحرس الوطني في وقت مبكر، لتفادي عدم الثقة واحتمال الانشقاق أو التمرّد.

يمكن أن يساعد الإشراف الأميركي الفعّال على تدريب الحرس الوطني في الحدّ من التأثيرات النابذة للمركز الحكومي لدى هذه القوى. وعلى الصعيد الإقليمي، ينبغي على واشنطن أن تلتفت إلى حلفائها العرب السنّة وتنسّق معهم، وأيضاً مع إيران، من خلال قنوات خلفية، لمنع دول المنطقة من استخدام الحرس الوطني أو ميليشيات أخرى كموطئ قدم للتدخل في الشؤون العراقية. مامن ضمانات للنجاح في هذا المشروع. لكن، نظراً إلى الخطر الفعلي الذي تطرحه الدولة الإسلامية، يشكّل الحرس الوطني أقل الشرور.

مصدر الترجمة: 
Carnegie Middle East Center