الحُجّة ضد قطر

مقال رأي

 خلف المراكز التجاري اللامع القريب من وسط المدينة بالدوحة، يجلس حسام في المطعم الهادئ حيث اعتاد أن يدير الكتيبة السورية المتمردة الذي يقودها. في ذروة القتال عامي 2012 و2013، كان لديه ثلاثة عشر ألف رجلًا تحت قيادته بالقرب من شرقي مدينة دير الزور. قال وهو يحتسي الشاي المحلى إلى جانب الحلوى المسكرة هذا الربيع: إنهم "جزءٌ من الجيش السوري الحر، ولكنهم يدينون بالولاء لي"، وأضاف "كان لدي فريقٌ  جيدٌ للقتال."

يمتلك حسام – وهو مغترب سوري في منتصف العمر - عدة مطاعمٍ تنتشر في الدوحة بقطر، وتستقبل في الأغلب أبناء الطبقة العليا للبلاد. الأطعمة ممتازةٌ، وفي المساء تعج الطاولات بالقطريين والغربيين والعرب حسني الهندام. ولا يزال جزءٌ من عائداته يذهب لدعم الكتائب المسلحة والمدنيين في صورة مساعدات إنسانية -- كالبطاطين والأغذية وحتى السجائر.

ويصر حسام على أنه توقف الآن عن إرسال أموالٍ للقتال. ويقول أن الأموال التي كانت تتلقاها كتيبته، على الأقل جزئيًا، كانت تأتي من قطر تحت رعاية وزير الدولة الأسبق للشئون الخارجية خالد بن محمد العطية. ولكن ضخ الأموال النقدية كان لغرضٍ محدد: فقد تلقت العشرات من الكتائب، مثل كتيبته، تمويلًا مبدئيًا للانطلاق، ولكن البعض فقط استمروا في تلقي الدعم القطري لشهورٍ متتابعة. ويشرح ذلك قائلًا "يلعب المال دورًا كبيرًا في الجيش السوري الحر، ونحن ليس لدينا ما يكفي على هذه الجبهة." 

حسام هو شخصية هامشية في شبكة قطر الواسعة من الوكلاء ذوي الميول الإسلامية الذين يتراوحون بين ضباط سابقين في الجيش السوري ومسلحين من طالبان وإسلاميين صوماليين ومتمردين سودانيين. لقد ترك وطنه عام ١٩٩٦ بعد أكثر من عشرة أعوامٍ قضاها تحت ضغط النظام السوري بسبب تعاطفه مع الإخوان المسلمين. حيث أن العديد من أصدقائه قُتلوا في مذبحة الجماعة في محافظة حماة عام ١٩٨٢ على يد الرئيس الراحل حافظ الأسد. وقد وجد أخيرًا في قطر ملجأً له واستطاع ببطءٍ تأسيس عمله وعلاقاته. وعلى الأغلب، لم يكن له وضعٌ متميز، فقد اعتادت الدوحة أن تكون مرحبةً بشدة بالرئيس الشاب بشار الأسد وزوجته الأنيقة، اللذان كانا عادةً ما يُريان في محلات الأزياء رفيعة المستوى، قبل أن تندلع الثورة في ٢٠١١. 

وعندما نشبت الحرب السورية وتخلت قطر عن الأسد، انضم حسام لدائرةٍ متسعةٍ من الوسطاء الذين دعتهم الدوحة لتنفيذ سياستها الخارجية بدعم المعارضة السورية. ولأنه لم تكن توجد حركات تمرد منظمة عندما بدأت الانتفاضة، فقد ساندت قطر الخطط الابتدائية التي وضعها مغتربون ورجال أعمال وعدوا بأن ينظِّموا المقاتلين والسلاح. وحسام، مثل عديدين ممن دعموا التمرد في البداية، كان قد خطط أن يخصص مدخراته الخاصة لمساندة المعارضة، ولكن التبرعات القطرية جعلته قادرًا على التفكير فيما هو أكبر من ذلك.

وفي الشهور الأخيرة، اتضح أن شبكة قطر من الوسطاء، مثل حسام، هي نعمةٌ ونقمةٌ بالنسبة للولايات المتحدة. فمن ناحيةٍ؛ لم تستحِ واشنطن من استدعاء اتصالات الدوحة عندما احتاجتها: وقد رتّبت قطر صفقة تبادل الأسرى التي أدّت إلى إطلاق سراح الجندي الأمريكي "بو بيرجدال" بتبادله مع خمسة من معتقلي طالبان في جوانتانامو. كما أنها أدارت المفاوضات مع جبهة النصرة، التابعة لتنظيم القاعدة، والتي ترتّب عليها إطلاق سراح الكاتب الأمريكي "بيتر ثيو كورتيس" في أغسطس. وورد أن رئيس المخابرات القطرية "غانم خليفة الكبيسي" بعث رسالة للشخص الذي كان يتواصل معه: "تمت" - مضيفًا تعبير الاستحسان برفع الإبهام - بعدما أُنجزت عملية إطلاق السراح.

إلا أن نفس الشبكة القطرية أيضًا قد لعبت دورًا أساسيًا في زعزعة الاستقرار، تقريبًا، في كل بقاع المنطقة التي تواجه تحدياتٍ، كما سرّعت من معدل نمو الفصائل الجهادية والمتطرفة. وقد تراوحت النتائج بين "سيئٍ" و"كارثي" في البلاد التي استفادت من المساعدات القطرية: فليبيا غارقةٌ في حربٍ بين ميليشيات الوكلاء الممولين، والمعارضة السورية أُنهكت بسبب الاقتتال الداخلي الذي كان في صالح المتطرفين، وقد ساعد تعنت حماس في إطالة أمد الأزمة الإنسانية في قطاع غزة. 

على مدار سنواتٍ، كان المسئولون الأمريكيون على استعدادٍ لغض الطرف عن شبكة وكلاء الدوحة، بل وحتى الاستفادة منها من وقتٍ لآخر. إلا أن جيران قطر لم يفعلوا ذلك. فخلال الأعوام الماضية، أدانت الدول الخليجية المجاورة، المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ودولة البحرين، قطر علنيًا بسبب دعمها للإسلاميين في كل أنحاء المنطقة. وقد هددت هذه الدول بغلق الحدود البرية أو تعليق عضوية قطر في مجلس التعاون الخليجي إن لم تتراجع البلاد عن دعمها لهم. وبعد حوالي عامٍ من الضغط، أبدت قطر أول إشارةٍ للتنازل في الثالث عشر من سبتمبر الماضي، عندما غادر سبعةٌ من قيادات الإخوان المسلمين المصريين الدوحة بناءًا على طلب الحكومة القطرية.

كلٌ من قطر ونقادها يسعون إلى أن تقف واشنطن بجانبهم في الصراع الدائر بين الدول الخليجية. والأمر الذي على المحك هو مستقبل الاتجاه السياسي للمنطقة، ودورهم في قيادته.  

بنهاية الأسبوع الماضي، في الخامس والعشرين من سبتمبر، وثّقت "ذا إنترسبت" (التابعة لـ"جلين جرينوالد") كيف أجرت شركةٌ إماراتية مقرها في واشنطن اتصالاتٍ  مع صحفيين لحثهم على كتابة مقالاتٍ تتناول بالتفصيل كيف أن ممولي جماعاتٍ  مثل جبهة النصرة وحماس يعملون بحريةٍ في الدوحة، العاصمة القطرية. وقد حصلت "فورين بوليسي" أيضًا على وثائق من مجموعة "كامستول"، التي يديرها المسئول السابق في وزارة المالية الأمريكية "ماثيو إيشتاين". ورغم أن بعض هذه المعلومات (المسموح بتبادلها الحر) يُشار إليها في هذا المقال، فإن الغالبية العظمى من التقارير تأتي كحصيلة بحثٍ استمر لأشهرٍ في المنطقة.

وبعد عدة أسابيعٍ من الصحافة المهاجمة لقطر، بدأت الإمارة أيضًا في شن هجومها. ففي الخامس والعشرين من سبتمبر، قال الأمير تميم بن حمد آل ثاني، في أول حوارٍ له كزعيم قطر، لمحاورة السي إن إن "كريستان أمانبور": "نحن لا نموّل المتطرفين". وقبل أسبوعٍ واحدٍ من ذلك، أصدرت قطر قانونًا جديدًا لتنظيم التبرعات الخيرية ومنعها من التورط في السياسة. وفي الخامس عشر من سبتمبر، وقعت الدوحة عقدًا جديدًا يستمر لستة أشهرٍ مع إحدى شركات الضغط السياسي في واشنطن "بوتلاند للعلاقات العامة"، وهو ما قد يتضمن ضغطًا سياسيًا على الكونجرس وإعلام الصحفيين بما يجري.

وحتى الآن، يبدو أن واشنطن غير مستعدة لمواجهة قطر بشكلٍ مباشر. فبغض النظر عن وزارة المالية الأمريكية، التي أدانت مواطنًا قطريًا آخر بسبب دعمه للقاعدة في سوريا ومناطق أخرى، فإن أيًا من مسئولي الإدارة الأمريكية الكبار لم يصدر أي تصريحاتٍ علنية تدين الدوحة بسبب عملائها الذين يثيرون المتاعب. 

ومن جانبها، فقد قالت وزارة الخارجية أنه لا يوجد لديها من هو متاحٌ للإدلاء بتصريحاتٍ لهذا المقال، ولكنها في السادس والعشرين من أغسطس أصدرت "بيان حقائق" يصف قطر بأنها "شريكٌ مهم للولايات المتحدة" ويمدحها بالقول أنها "تلعب دورًا حيويًا في المنطقة خلال فترةٍ من التحولات الكبيرة."

 ويقول "جان- لويس بروجويير"، الرئيس الأسبق لـ"برنامج تتبع تمويل الإرهابيين" المشترك بين وزارة المالية الأمريكية والاتحاد الأوروبي، ومقره الآن في باريس، أن السؤال هو: ما الذي تُعِد الولايات المتحدة لفعله مع قطر إذا ما أخفقت الأخيرة في منع مواطنيها من دعم الجماعات المتطرفة؟ وقد قال "لفورين بوليسي" عبر الهاتف أن "الولايات المتحدة لديها وسائلٌ لمراقبة تحويلات الدول المالية للجماعات المتطرفة، ولكن النشاط الاستخباراتي جزءٌ من الأمر، والجزء الآخر هو كيف سترد على ذلك"، وأضاف متسائلًا "ما هي نوعية القرار السياسي الذي يمكن للولايات المتحدة اتخاذه بالفعل لمجابهة الدول التي تمول الإرهاب؟"

أصدقاء قطر

ولا توجد إشارةٌ أكثر وضوحًا على طموح قطر من حقيقة أن سائقي سيارات الأجرة دائمًا ما يضلون طريقهم. فبالتزامن مع الإنشاءات التي تجري في كل مكان - كجزءٍ من خطة البنية التحتية التي تتكلف مائة مليار دولار للتحضير لاستضافة كأس العالم عام ٢٠٢٢ - يزداد البناء ويتم افتتاح مشاريعٍ جديدة تغير معالم المدينة بسرعةٍ لا يستطيع سائقو سيارات الأجرة التماشي معها.  

وعلى أرض الواقع، فإن قطر لا ترى دورها مبالغًا. فتحت الأسقف المزخرفة العالية لردهات فنادق الدوحة الخمس نجوم، تعرض الوفود الطامحة من كل أنحاء العالم قضاياها للحصول على الدعم. فالحكومات والأحزاب السياسية والشركات والجماعات المتمردة تهرول ذهابًا وإيابًا بشكلٍ عصبي، لتنتظر وهي تتناول الشاي الساخن لتعرف رأي السلطات القطرية المختصة في مقترحاتها. ويشير الفندق الذي يقيم فيه الزائرون إلى احتمالات الحصول على الدعم. فالفور سيزونس وريتز- كارلتون هما المفضلان منذ وقتٍ بعيد؛ حيث أقام زعيم حماس "خالد مشعل" سابقًا، وقادة المعارضة السورية لاحقًا. وW Hotel مخصص للوافدين الجدد رفيعي المستوى، إذ يستضيف في الأغلب الوفود الأوروبية التي تسعى للحصول على استثماراتٍ  أو غاز طبيعي. أما الشيراتون، أحد أوائل فنادق الدوحة، فقد عفى عليه الزمن؛ هناك أقام متمردو دارفور أثناء المفاوضات مع الحكومة السودانية. الجميع يريدون أن يدخلوا في الشبكة، فكما عبّر أحد السوريين عن الأمر، "قطر لديها المال، وتستطيع توظيفه." 

وقد كان الفائزون في هذا الزحام هم غالبًا أولئك الذين لديهم علاقاتٌ  أطول مع الدولة الصغيرة الغنية بالغاز – وهم مجموعة أباطرة من قيادات جماعة الإخوان المسلمين العالمية. فلقد أصبحت الدوحة بالفعل مركزًا للمتطرفين منذ بدايات الألفية الثالثة، عندما ظهرت مراكز البحوث والجامعات الممولة من قبل الحكومة والمكتظة بالمفكرين الإسلاميين. وقد كانت "الجزيرة" الممولة من الحكومة تنمو وتنتشر في كل أنحاء المنطقة، موليةً اهتمامًا إعلاميًا خاصًا برموز الإخوان المسلمين في الشرق الأوسط، كما أن العديد من مستشاري العائلة المالكة الكبار كانوا مغتربين ذوي علاقاتٍ مع الإخوان -- رجال مثل عالم الدين المصري المثير للجدل يوسف القرضاوي، الذي يرأس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين من الدوحة.

الأمر الذي رأته الدوحة في جماعة الإخوان المسلمين كان أنها تمثل مزجًا من التدين والكفاءة بدا متوافقًا مع طموحاتها. وعلاوةً على ذلك، فقد سعت العائلة المالكة القطرية إلى تمييز نفسها عن الملكيتين المتنافستين "المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة"، إذ أن كليهما تجهما في وجه الإسلام السياسي الذي اعتبراه قوةً خطيرة تسعى إلى السلطة. لقد كانت استراتيجةً برجماتية، كما يقول صلاح الدين الزين، رئيس مركز الجزيرة للأبحاث (مركز بحثي مرتبط بشبكة فضائية الجزيرة المملوكة لقطر). "أتى الإسلاميون [إلى المنطقة] في ثمانينيات القرن الماضي، وكانت قطر تحاول أن تقيم تحالفًا مع القوى التي اعتقدت أنها الأقرب لأن تكون القوى المهيمنة في المستقبل." 

ولكن جماعة الإخوان المسلمين العالمية ليست محصورةً في شبكة قطر فحسب، بل إنها حتى ليست أهم شبكاتها. كما أن العائلة المالكة لا تشارك الإخوان نفس الأفكار بالضبط. وما يتم التغافل عنه هو الشق الآخر الأقرب للتعاطف الرسمي: الحركة السلفية.

فالنشطاء السلفيون الذين ظهروا في تسعينيات القرن الماضي خلطوا بين الأيديولوجيا المتشددة لرجال الدين السعوديين وبين الأهداف السياسية لجماعة الإخوان المسلمين. وسيصبح بعض هؤلاء المفكرين الملهمين الأوائل للقاعدة، بينما سيجد آخرون موطئ قدمٍ  لهم في الكويت المحررة، حيث تم تأسيس أول حزب سياسي سلفي فعال.

أمّا قطر فقد كانت المكان الذي وجد فيه نشطاء السلفيين ممولهم الرئيسي. وعلى مدار الخمسة عشر عامًا الماضية، على وجه الخصوص، أصبحت الدوحة المركز الفعلي لمجتمع السلفيين المترابط بعمق، ليس فقط في قطر، وإنما أيضًا في المملكة العربية السعودية والكويت والبحرين وأماكن أخرى. وقد استضافت الوزارات المختلفة رجال الدين ودعتهم للتحدث بشأن الأحداث الهامة. واستثمرت الجمعيات الخيرية في القضية، فجمعياتٌ مثل جمعية الشيخ عيد بن محمد آل ثاني، التي ترعاها وزارة العمل والشئون الاجتماعية القطرية، تعد "ربما أكبر وأوسع منظمات الإغاثة المدارة من قبل نشطاءٍ سلفيين نفوذًا في العالم"، بحسب تقرير حديث أعدته مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي.  

منذ عام ٢٠٠٣، أدرك الكونجرس الأمريكي أن الجمعيات الخيرية القطرية كانت تساعد في نقل وغسيل أموال مرتبط بالقاعدة، وتوفر للشخصيات الهامة في هذه العملية الوظائف والأوراق الرسمية اللازمة. وفي الوقت نفسه، كان النفوذ القطري يتزايد: حيث بدأت الخطوط الجوية القطرية المدعومة من الدولة، عام ٢٠٠٧، في الإسراف في شراء طائراتٍ تعزز توسعها الكبير، لتربط الإمارة البعيدة للمرة الأولي بكل جزءٍ في العالم. وبحلول عام ٢٠١٠، تطورت الجزيرة لتصبح وسيلة الإعلام الأوسع نفوذًا في العالم العربي، مدعومةًبميزانية سنويةٍ ضخمة تبلغ ٦٥٠ مليون دولار.

وبينما ساعد فيها الربيع العربي في تنشيط حركات المعارضة في الشرق الأوسط، فقد عمل أيضًا على تحفيز شبكة قطر من العملاء السياسيين. 

دعم القوة بواسطة الوكلاء

كانت قطر هي الدولة الخليجية الوحيدة التي لم تنظر إلى التغيرات التي طرأت على العالم العربي بدءًا من ٢٠١١ بخوفٍ  وارتياب. فقد ارتعدت المملكة العربية السعودية بسبب السرعة التي تخلت بها واشنطن عن حليفها لعقودٍ طويلة في مصر، حسني مبارك. وانتفضت البحرين عندما خرجت الأغلبية الشيعية للمطالبة بنفوذٍ سياسيٍ أوسع. وبرغم انضمام الإمارات لقطر في دعم غارات النيتو على ليبيا، فقد كانت أكثر تحفظًا بشأن صعود الإخوان المسلمين هناك وفي مصر، خوفًا من أن تعمل الجماعة على تحفيز المتعاطفين مع الإسلاميين بين سكانها.

وفي هذه الغضون، وضعت قطر رهانًا كبيرًا على أن الإسلام السياسي هو الشيء الكبير المقبل والذي من شأنه أن يؤتي ثماره. ويقول المحلل السياسي الكويتي، عبدالله الشايجي، أن "قطر تعتقد في أمرين. أولًا، لا تريد الدوحة أن يكون السعوديون هم اللاعبين الرئيسيين أو الوحيدين في المنطقة السنية من الشرق الأوسط. وثانيًا، فإن قطر تريد أن يكون لها دورٌ تلعبه كقوةٍ رئيسية في المنطقة."

بيد أن سياسة قطر الخارجية، بما لا يتماشى مع طموحاتها الكبيرة، توجه عقبةً أساسية. فالبلاد تعد الوطن الأم لأقل من ثلاثمائة ألف مواطن، ويتركز اتخاذ القرارات الحكومية في أيدي عددٍ قليل من المسئولين. وبسبب افتقارها للبنية التحتية، فقد سعت قطر لتوسيع دائرة نفوذها بالعمل من خلال شبكة حلفائها من الإخوان المسلمين والسلفيين. 

ويقول أندرياز كريج، الأستاذ المساعد في كوليدج لندن الملكية وأحد مستشاري الجيش القطري، أن "القطريين عادةً يعملون من خلال إيجاد الأشخاص الذين يعتقدون أنهم متوافقون معهم من الناحية الأيديولوجية. ولا توجد عمليةٌ قائمةٌ بذاتها من أجل التدقيق؛ بل (يقولون) ‘هؤلاء هم الأشخاص الذين يمكننا الوثوق بهم.’" 

كان أول اختبارٍ عسكري لسلسلة وكلاء قطر في ليبيا، حيث كان هناك إجماعٌ إقليميٌ واسع – علاوةً على الدعم الأمريكي – للإطاحة بالزعيم الراحل معمر القذافي. وقد شاركت قطر، جنبًا إلى جنبٍ مع الإمارات، في الغارات الجوية الغربية التي تم شنها على النظام. ولكن الدوحة أرادت أيضًا أن تساعد في تعزيز قدرات المتمردين على الأرض.

ويقول كريج: "لقد كان عليهم حرفيًا أن يراجعوا سجل العناوين لديهم ويسألوا ‘من الذي نعرفه في ليبيا؟’"، ويضيف: "هكذا تعاملوا مع العملية في ليبيا." لقد حشدت الدوحة مجموعةً من رجال الأعمال والأصدقاء القدامى من الإخوان والمنشقين عنهم وإن شاركوهم نفس الانحيازات الأيديولوجية، وأغرقتهم بعشرات الملايين من الدولارات وعشرين ألف طن من الأسلحة، كما قدّرت صحيفة "وول ستريت جورنال" لاحقًا. وبعد حربٍ  استغرقت شهور، استولى المتمردون على طرابلس وقُتِل القذافي. ووجد عملاء الدوحة أنفسهم بين أوسع الوسطاء السياسيين نفوذًا في ليبيا الجديدة. وبعد فترةٍ طويلة من انتهاء غارات النيتو، استمرت بعض الميليشيات المدعومة من قطر في تلقي الدعم، كما يقول بروجييري.

وفي خضم النشوة الأولية للربيع العربي، توقّع البعض أن تؤدي احتجاجات الصيف الوليدة في سوريا إلى إسقاط نظام الأسد سريعًا. فقد استغرق الأمر أسابيعٌ قليلة حتى يتنحَ رئيسا تونس ومصر، وبعد كل شيء، فقد ضغط العالم بشدة من أجل الإطاحة بالقذافي الأكثر ثباتًا. وفي أغسطس، دعت واشنطن الأسد أن يتنحَ بدوره. وبعد ذلك بفترةٍ قصيرة، بدأت قطر عمليتها في سوريا، على غرار المغامرة الليبية.

ومثل مناقصةٍ على صفقةٍ ما، أطلقت الدوحة دعوةً لكل من لديه استعدادٌ على المساعدة في إسقاط النظام. ويتذكر حسام، مالك المطعم السوري، قائلًا: "عندما بدأت العمليات العسكرية [عام 2012]، قال القطريون ‘أعطنا قائمةً بالأعضاء لديك، وقائمةً بما تريده؛ أي الرواتب وما تحتاجه من دعم’". فهو والعشرات غيره كان مفترضًا أن يكونوا قادة التمرد الذين من شأنهم النزول إلى أرض الملعب. لم يقل حسام كم من المال تلقت كتيبته، ولكنه قال أن مساعيه الخاصة الرامية لإيجاد مصادر تمويلٍ للاحتياجات الإنسانية قد أسفرت عن مئات الآلاف من الريالات.

وقد كان أصدقاء قطر في الخارج أيضًا في عملٍ مستمر. فخلال عام ٢٠١٢ وحتى بواكير ٢٠١٣، تعاون نشطاء السلفيين في الكويت مع المغتربين السوريين لتأسيس وتمويل ودعم كتائب عسكريةٍ متشددة، وهي التي ستصبح بنهاية المطاف جماعاتٍ  كـ"جبهة النصرة" وحليفتها المقربة "أحرار الشام". وباستخدام وسائل الإعلام الاجتماعية للترويج لقضيتهم، إلى جانب سجل الاتصالات الكبير الذي يشمل رجال أعمالٍ ودعاة دينيين وغيرهم من الشخصيات البارزة في الكويت، استطاعوا جمع ملايين الدولارات لصالح عملائهم. وقد كانوا قادرين على العمل الحر بلا عقبات بفضل تراخي قوانين مكافحة الإرهاب فيما يتعلق بالتمويل في الكويت، علاوةً على الحريات التي تتيحها في التعبير وفي تأسيس الجمعيات.

وكان أحد أولئك المتبرعين الداعية السلفي الكويتي الشاب "حجاج العجمي"، الذي تم اتهامه في السادس من أغسطس من قبل وزارة المالية الأمريكية بأنه أحد ممولي الإرهاب بسبب دعمه لجبهة النصرة. ويدير العجمي ما يدعى "اللجنة الشعبية لدعم الثورة السورية"، وتتحدث العديد من منشورات حملتها على تويتر عن العمل الخيري – التبرع بالطعام والأدوية للمحتاجين والمتشردين. ولكن إذا عدنا إلى ٢٠١٢، سنجد أن وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية القطرية قد دعت الداعية للتحدث في مدينة الخور الساحلية، ثلاثين ميلًا من الدوحة، وهناك قال أن الدعم الإنساني وحده لا يكفي أبدًا لإسقاط النظام السوري.

"هل تعلمون أن إسقاط دمشق لن يتكلف أكثر من عشرة ملايين دولار؟"، هكذا ردد العجمي وهو يشير بإصبعه من على كرسيه المقابل للعلم السوري القديم الذي تبناه الثوار. "الأولوية لدعم الجهاديين وتسليحهم."

وفي الأشهر التي تلت ذلك، كانت العديد من حملات العجمي في الكويت تسير متوازيةً  مع عدة مجموعاتٍ في قطر. ونُظمت التبرعات من خلال ممثلٍ يدعى "مبارك العجي"، وفقًا لمنشورات الحملة، التي تؤكد أنه يعمل تحت "إشراف" العجمي. ويصف العجي نفسه، في التعريف الشخصي الذي نشره حسابه على تويتر، بأنه محب للجهاديين السنة الذين يكرهون "الشيعة والكافرين." وتمتلئ صفحته الشخصية بمدح أسامة بن لادن.

كما استخدم أيضًا أحد زملاء العجمي الكويتيين - داعية اسمه محمد العويهان - قطر كقاعدةٍ له، مطلقًا عليها "بلده الثاني" في إحدى تغريداته على تويتر في أغسطس. ومؤخرًا في أبريل، حشد العويهان القطريين للمساعدة في تجهيز المقاتلين للمعركة على الساحل السوري، قائلًا في إحدى منشوراته: "جهادنا جهاد بالمال في سوريا"، وقدّم أرقام التواصل في الكويت وقطر.

وقد اتخذت جهود جمع التبرعات شكل مناشداتٍ جيدةٍ وفعّالة، فعلى سبيل المثال، تم وضع المتبرعين في فئاتٍ خاصة وفقًا لمقدار تبرعاتهم. فالهدية "الذهبية" كانت عشرة آلاف ريال قطري (٢٧٥٠ دولار)، بينما كان التبرع "الفضي" خمسة آلاف ريال. وعندما كانت تصل تبرعاتٌ  كبيرة، كان العجي وآخرون يحتفون بها على تويتر؛ على سبيل المثال، نشر صور المجوهرات التي تم التبرع بها لدعم القضية. 

وقد كانت جماعة "أحرار الشام" - جماعة سلفية اعتبرت أحد الناشطين بـ"القاعدة" واحدًا من كبار قادتها حتى قُتل هذا العام - من بين ألوية التمرد العسكرية التي نشرت مقطع فيديو تشكر فيه الداعية الكويتي العويهان: "يا أهل قطر، يا أهل الخليج، أموالكم قد وصلت،" هكذا يقولون في مقطع الفيديو الذي تم نشره في أكتوبر ٢٠١٣. وقد افتخر العجمي بقربه من أحرار الشام في تغريدةٍ، نُشرت بتاريخ التاسع من سبتمبر على تويتر، تظهر رسالة إلكترونية خاصة أرسلها له قائد الجماعة عندما اتُهِم الداعية الكويتي ووُقعّت عليه عقوباتٌ  من قبل وزارة المالية الأمريكية.

لقد نُظِمت كل هذه الأنشطة لجمع التبرعات من قبل أفرادٍ – وليس الحكومة – كما ذكرت قطر في دفاعها عن نفسها في الأسابيع الأخيرة. إلا أن ذلك أيضًا هو النقطة المحورية بالضبط: فباعتمادها على الوسطاء، لا تصدّر الدوحة كل النشاط إلى الخارج فحسب، ولكنها أيضًا تخلي ساحتها من المسئولية. وحتى إن لم تكن متورطةً بشكلٍ مباشر، فإن هذا لا يعني أن قطر لم تكن واعية بما يجري في شبكتها.

وقد كان العديد من دعاة الحركة السلفية النشطة، كالعجمي، صرحاء في دعمهم لجماعاتٍ كجبهة النصرة في سوريا، وقد لاقت هذه الآراء جمهورًا مرحبًا بين المنظمات المدعومة من قبل الحكومة في الدوحة. وفي مارس ٢٠١٢ ويناير ٢٠١٤، دعت وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية القطرية الداعية السعودي "محمد العريفي"، الذي قد دعا إلى تسليح الجهاديين في سوريا وفلسطين، لإلقاء خطبة الجمعة ومحاضرةً في المسجد الكبير بقطر. وقد كان الداعية السلفي الكويتي "نبيل العوضي" – وهو أحد جامعي التبرعات المشهورين لصالح جماعاتٍ قريبة من جبهة النصرة – محاضرًا مميزًا في قطر خلال المهرجان الرمضاني الذي نُظِّم بتاريخ ٤ يوليو ٢٠١٤، واستضافته مؤسسة للمساعدات والأعمال الخيرية على صلةٍ وثيقةٍ بالحكومة.  

رهينةً للوكلاء

بدأت الاستراتيجية القطرية للربيع العربي تخفق في المكان الذي تم تصورها فيه، وسط جموع المتظاهرين في ميدان التحرير بالقاهرة. وفي الثالث من يوليو عام ٢٠١٣، دعا المتظاهرون الجيش المصري إلى الإطاحة بالزعيم الإسلامي محمد مرسي، الذي دعمت قطر حكومته بما تُقدّر قيمته بخمسة مليارات دولار. وخلال أيام، رحبت كلٌ من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت بالحكومة الجديدة التي يدعمها الجيش، وبلغت القيمة الكلية للتعهدات بتقديم مساعداتٍ ثلاثة عشر مليار دولار. وبعد ذلك بأيام، فرضت المملكة العربية السعودية سيطرتها على الدعم الموجه للمعارضة السورية من خلال تعيين القادة السياسيين المرغوبين من قبلها. وبحلول الخريف، سقطت ليبيا في حالةٍ من الفوضى المطلقة، والتي وصلت إلى حد اختطاف رئيس وزراء البلاد بشكلٍ مؤقت في أكتوبر ٢٠١٣. واضطرت الدوحة - التي شهدت صعود الأمير الجديد البالغ من العمر ثلاثة وثلاثين عامًا - إلى التعهد بأن تركز اهتمامها على الشئون الداخلية.

ويقول حسين عبيش، العضو البارز في فريق العمل الأمريكي من أجل فلسطين، أن "أحد الأشياء التي تميز السياسة الخارجية لقطر أنه بالرغم من الدرجة التي بلغتها حالة الفشل الكامل والكلي، خلال سلسلةٍ من الكوارث المتواصلة تقريبًا، فقد حدث كل شيءٍ بالوكالة، لذلك لا يوجد أمرٌ سيئٌ أبدًا من شأنه أن يلحق الضرر بها." 

في كلٍ من ليبيا وسوريا، ساعدت قطر في تمويل جماعاتٍ متحالفة مدعومة دوليًا، ولكنها أيضًا قدّمت الدعم للأفراد والميليشيات بشكلٍ مباشر. ففي ليبيا، على سبيل المثال، كان الداعية علي الصلابي، المستقر في الدوحة، أحد أهم القنوات التي استفادت منها قطر للوصول إلى المتمردين، وقد اشتبك الصلابي بشراسةٍ مع محمود جبريل، رئيس الوزراء المؤقت المدعوم غربيًا والذي استقال في أكتوبر ٢٠١١، محذرًا من "الفوضى" حيث تتصارع العديد من الفصائل على النفوذ. واليوم، يبدو أن ذلك التحذير كان صحيحًا، فليبيا الآن غارقةٌ في حربٍ متسارعة بين العديد من الميليشيات المتنافسة والمنقسمة على طول خطوطٍ إقليمية وأيديولوجية. وقد بدأت الإمارات العربية المتحدة، كما ورد، منذ منتصف أغسطس في شن عدة غارات جوية لدحر الإسلاميين الممولين من قطر، مستخدمةً طائرات أمريكية الصنع تطلقها من مصر.

ولكن سوريا كانت المكان الذي تكبّدت فيه الشبكة القطرية خسائرها الأكبر. فقد أضعفت المنافسة بين العملاء القطريين والسعوديين المعارضة السورية وجعلتها بلا أسنان، حيث بات يُنظر إليها على الأرض باعتبارها قواتٍ تابعة لقوى أجنبية. وفي غضون ذلك خلال عامي ٢٠١٢ و٢٠١٣، غذّى انتشار وازدياد الجماعات المتمردة الجديدة نيران المنافسة على التمويل. وأصبح بعض عملاء قطر كتائب عسكريةً رئيسية، مثل لواء التوحيد، الذي وحّد قائده المتمردين في معركةٍ عنيفة للسيطرة على حلب. ومع ذلك، فإن الكتائب الأخرى، مثل تلك الذي تزعمها حسام، كانت تتراجع ببطءٍ، مركّزةً على أفكارها وأهدافها الخاصة.

وبعبارةٍ أخرى، لم يكن هناك فائزٌ بعينه. فقد دعمت قطر والقوى الدولية الأخرى الكتائب المختلفة بشكلٍ عشوائي، وتركتهم يتقاتلون على من سيحظى بالنصيب الأكبر من التمويل. ولم يكن لديهم العديد من المحفزات التي تدفعهم للتنسيق خلال العمليات، ناهيك عن التنسيق الاستراتيجي. كما أن داعميهم لم يكن لديهم أي حافزٍ لحثهم على التوحد، لأن ذلك كان من شأنه أن يضعف نفوذهم على المتمردين.

وسرعان ما دفع نظام المناقصات القطري إلى الفساد، حيث بدأ الوسطاء يبالغون في التحدث عن قدراتهم وعلاقاتهم على الأرض مع المتبرعين في الدوحة. ويقول حسام، مالك المطعم، أن "الجماعات، عادةً، ما تقدم حوالي ثلاثة آلاف اسم، بينما في الواقع ربما لا يوجد ما هو أكثر من ثلاثمائة أو أربعمائة شخص، ويذهب المال الفائض في الاتجاه الخاطئ. ويفعلون الأمر نفسه فيما يخص العمليات العسكرية, فإذا ما كانت الاحتياجات تقدر بمليون دولار، ربما يطلبون خمسة ملايين. وبعد ذلك تختفي الأربعة ملايين الأخرى."

وقد ساعدت هذه الفوضى على دفع المقاتلين بشكلٍ متزايدٍ للالتحاق ببعض الجماعات التي بدا أنها أقدر على الحصول على التمويل، وأكثر راديكالية في أهدافها – جماعات مثل جبهة النصرة و"الدولة الإسلامية" لاحقًا، والتي انشقت عن تنظيم القاعدة في بدايات ٢٠١٤. وقد شهد العام الماضي سلسلة من الانشقاقات من الجماعات الأكثر اعتدالًا لصالح هذه التنظيمات المتطرفة. ففي ديسمبر 2013، على سبيل المثال، أعلن القائد العسكري السابق في الجيش السوري الحر "صدام الجمال"، والذي كان يسيطر على مدينة دير الزور، خلال مقطع فيديو أنه انضم إلى الدولة الإسلامية لأنه "مع مرور الأيام، أدرك أن [الجيش السوري الحر] كان مشروعًا تم تمويله من قبل دولٍ أجنبية، لا سيما قطر،" كما قال.

ومن غير المرجح أن الحكومة القطرية – أو أي حكومة خليجية – قد دعمت، في أي وقت من الأوقات الدولة الإسلامية، وهو التنظيم الذي يستهدف اليوم كل ملكيات شبه الجزيرة العربية المتحالفة مع الولايات المتحدة، والعكس صحيح. ولكن مثلما كان الأمر في حالة جمال، فإن بعض الأفراد الذين استفادوا من الأموال القطرية قاموا بالانضمام إلى الكتائب العسكرية الأشد تطرفًا، آخذين معهم كل الخبرات القتالية التي اكتسبوها والأسلحة التي حصلوا عليها بالدعم الخليجي.

"فقد طوّرت قطر في وقتٍ مبكر علاقاتٍ  مع الجماعات المتمردة التي اتجهت إلى التطرف لاحقًا، والتحقت بعالم السلفية الجهادية، بما في ذلك جبهة النصرة وربما [الدولة الإسلامية]،" كما يوضح إميل الحكيم، العضو البارز في برنامج الأمن في الشرق الأوسط بالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية. "فقد خلقت الطبيعة المتطورة للتمرد السوري، بشكلٍ غير مقصودٍ على الأغلب، تشابكاتٍ إشكالية، حتى وإن كانت مفيدةً في وقت تكوينها."

وحتى عندما بدأت المعارضة السورية تبدي ميلًا نحو التطرف، فقد جادلت قطر في نهايات عام ٢٠١٢ بأن العالم عليه أن يشعر بالقلق إزاء المتطرفين لاحقًا. حيث قال خالد بن محمد العطية، وزير البلاد الأسبق للشئون الخارجية، في مؤتمرٍ حول الأمن انعقد في ديسمبر من ذلك العام، "إنني أعارض بشدة إقصاء أي طرف في هذه المرحلة، أو نعتهم بالإرهابيين أو تصنيفهم كتابعين للقاعدة." 

وقد تكرر التعبير عن هذا الشعور في الحوار الذي أجرته "سي إن إن" مع الأمير تميم الأسبوع الماضي، حيث قال أنه سيكون "خطًأ كبيرًا" أن نضع كل الجماعات ذات الميول الإسلامية في سوريا في سلةٍ واحدة باعتبارهم متطرفين. وفي الحقيقة، فإن الدوحة، في كل تصريحاتها الأخيرة التي تدين التطرف، قد أشارت إلى "الدولة الإسلامية"، ولكنها لم تشر أبدًا إلى "جبهة النصرة" بالاسم.

ويدافع الزين، من مركز الجزيرة للدراسات، عن موقف قطر بدعم الإسلاميين في كل أنحاء الشرق الأوسط. ويصف الخلاف بين الدوحة والملكيات الخليجية الأخرى بأنه صراعٌ "بين القوى التي تريد الحفاظ على الوضع الراهن وتلك التي تريد التغيير، حيث اتخذت قطر موقعًا في صف التغيير في المنطقة."

ويقول أن " أثارت سياسة قطر الخارجية الكثير من الجدل، ولكن ربما كان ذلك جزءًا من طبيعتها الخاصة،" وتابع قائلًا، "فعندما تحاول أن تقوم بفعل شيءٍ جديد في منطقةٍ معروفة بأنها شديدة المحافظة، فإن ذلك يرتبط بأن تُقابل بنوعٍ من النقد وسوء الفهم."

وفي الواقع، لا يمكننا القول بأن قطر هي الدولة الخليجية الوحيدة التي كان لدورها في سوريا والأماكن الأخرى تبعات سلبية. فقد دعمت المملكة العربية السعودية أيضًا أفرادًا وجماعاتٍ متمردة متباينة في سوريا، ووقفت دولة الإمارات بجانب ميليشياتٍ بعينها في ليبيا. وفي مصر، أشرفت الحكومة المدعومة من كلا الدولتين على انتهاكاتٍ شديدةٍ لحقوق الإنسان، بحجة أنها في معركةٍ لدحر الإخوان المسلمين.

إلا أنه لا يزال صعبًا أن نرى الأمر الذي غيّرته قطر إلى الأفضل. فبالرغم من أن نواياها في مساعدة الشعب السوري كانت صادقةً على الأغلب، فقد ساعد مزيج الأساليب العشوائية ودعم الوكلاء الأيديولوجيين على دفع المعارضة نحو التطرف والفوضى.

واشنطن والدوحة

لقد كان لدى قطر مطلق الحرية في إدارة شبكتها خلال الأعوام الثلاثة الماضية، حيث أن الولايات المتحدة كانت تركز اهتمامها على أمورٍ أخرى. وفي الحقيقة، في عام 2011، أطلقت الولايات المتحدة للدوحة العنان لتفعل ما لم تكن هي مستعدةً لفعله في الشرق الأوسط: التدخل في شئون الدول الأخرى.

كانت ليبيا مثالًا على ذلك. فعندما بدأت إدارة الرئيس باراك أوباما في بناء تحالف لشن الغارات الجوية في ربيع ٢٠١١، فقد انتهجت استراتيجية، عُرفت لاحقًا بـ"القيادة من الخلف": حيث تولت فرنسا وبريطانيا مهمة فرض منطقة حظر جوي، بينما أظهر تورط قطر والإمارات الدعم العربي. وعندما مضت الدوحة قدمًا في مساعدة وتنظيم المتمردين، فقد لاقت ترحيبًا واسعًا من قبل الولايات المتحدة، كما قال أحد المسئولين الأمريكيين في حوارٍ أجرته "فورين بوليسي".

ونفس الشيء ينطبق على سوريا. وعلى الرغم من التكتم بين جيوب محددة في الحكومة الأمريكية، لا سيما أولئك الذين قد عملوا في ليبيا، فقد كانت لا تزال أقل الخيارات سوءًا: فقطر، حليفة الولايات المتحدة، كان بإمكانها أن تساعد في تقديمم حلٍ إقليمي لصراعٍ لم يكن البيت الأبيض راغبًا في التورط فيه. كل ما في الأمر أن واشنطن طلبت ببساطةٍ من الدوحة ألا ترسل صواريخ مضادة للطائرات والدبابات للمتمردين، وهو الأمر الذي فعلته أحيانًا على أي حال.

وقد كانت سهولة العمل مع القطريين من الناحية اللوجيستية أحد أهم أسباب الارتياح السياسي للتعامل معهم. فالدوحة تتخذ قراراتها بسرعة، كما أنها مستعدةٌ للمخاطرة. وفي حين كان السعوديون يتحركون ببطءٍ في إرسال الأسلحة لسوريا، فإن القطريين أرسلوا طائراتٍ تحمل ما يُقدّر بحوالي 3500 طن من المعدات العسكرية خلال عامي ٢٠١٢ و٢٠١٣، وقد ورد أن ذلك كان بدعمٍ من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA). "وكان يعمل في تسهيل الإجراءات بين الوكالات ثلاثة أشخاصٍ،" كما قال أحد المسئولين الأمريكيين السابقين.

ولنفس الأسباب، لجأت واشنطن إلى الدوحة عندما أرادت إجراء اتصالات بمنظمة طالبان الأفغانية عامي 2011 و2012. وكان الهدف هو تسهيل خروج قوات النيتو من أفغانستان بإيجاد حلٍ سياسي. وقد جرى فتح وغلق قنوات الاتصال دائمًا بشكلٍ غير مباشر من خلال القطريين، ووافقت طالبان على التفاوض، إلا أنهم طلبوا أولًا أن يكون لهم مكتب. وفي يونية عام ٢٠١٣، حصلوا على ما أرادوه: فيلا كبيرة في منطقة السفارات بالدوحة، بالقرب من الدائرة المرورية المزدحمة المعروفة بـ"قوس قزح".

إلا أن المميزات التي كانت توفرها قطر قد تحولت إلى التزامات بعد فترةٍ قصيرة. فبينما كانت الدوحة تتحرك من أزمةٍ لأخرى، أظهر القطريون قدرةً محدودةً على اختيار وكلاءٍ يمكن الثقة بهم أو السيطرة عليهم بعدما يتم ضخ الموارد التي يحتاجونها. "في رأيي؛ كان صانع القرار القطري من الهواة. فقد أظهر القطريون، عندما تمتعوا بالقوة، عدم قدرتهم على الحفاظ عليها،" هكذا قال مسئولٌ أمريكيٌ سابق.

وفي حالة طالبان، أثبتت الدوحة عدم قدرتها أو عدم رغبتها في منع المتشددين الأفغان من التجرأ على رفع علمهم على الفيلا القطرية الجديدة – وهو الفعل الدبلوماسي الرمزي الذي أثار غضب كابول وأجهض المباحثات قبل أن تبدأ. وكل ما أمكن التحصل عليه من هذه العملية، كما اتضح الأمر بعد مرور عام، كان عملية تبادل للأسرى أدّت لإطلاق سراح الرقيب الأمريكي "بو بيرجدال" مقابل الإفراج عن خمسة من كبار قادة طالبان المحتجزين في خليجي جوانتانامو. وقد تعهدت قطر بأن يظل الخمسة المفرج عنهم تحت مراقبة الدوحة-- إلا أنه بالنظر إلى تاريخ البلاد، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أنهم لن يؤثروا على ساحة القتال في أفغانستان. 

وفي هذه الأثناء، حتى قبل أن تصبح "الدولة الإسلامية" في سوريا بالأهمية التي جعلت واشنطن تهب وتلاحظ خطرها فيما بعد، اتخذ ديفيد كوهين، وكيل وزارة المالية للإرهاب والاستخبارات المالية، في مارس، خطوةً غير مسبوقة بالقول العلني أن القطريين يشكلون "بيئةً متساهلةً مع تمويل الإرهاب." وعادةً ما يتم توجيه هذه الانتقادات الصارخة، كما يقول خبراء مكافحة الإرهاب، في الاجتماعات المغلقة. إلا أن هذا النقد العلني على الأغلب كان يشير إلى عدم استجابة الدوحة لطلبات واشنطن الخاصة. 

وهذا الصيف، ألقى الصراع بين إسرائيل وحماس أيضًا ضوءًا جديدًا على علاقات قطر بالمتطرفين في فلسطين. فقائد حماس "خالد مشعل" يقيم في الدوحة منذ إعلان القطيعة مع النظام السوري عام ٢٠١٢، وقد عملت قطر على إعادة تأهيل التنظيم سياسيًا وماليًا منذ ذلك الحين. وفي أكتوبر من العام نفسه، زار الأمير القطري بنفسه قطاع غزة، وتعهد بتقديم ٤٠٠ مليون دولار في صورة مساعدات.

قبل وأثناء حرب غزة الأخيرة، بدأت الدول الخليجية المجاورة تحشد في واشنطن من أجل الضغط على قطر. وفي عام ٢٠١٣، أنفقت الإمارات العربية المتحدة ١٤ مليون دولار – أكثر من أي دولة أخرى – على الحشد والضغط السياسي في واشنطن، وفقًا للمعلومات التي حصلت عليها "مؤسسة صنلايت". وقد أبرمت "مجموعة كامستول"، التي لها علاقةبالتغطية الإعلامية المؤخرة، عقدًا منذ عام 2012 تشير الوثائق المكشوف عنها أنه كان يمثل مدفوعات تبلغ أربعمائة ألف دولار شهريًا. وفي النصف الأول من عام ٢٠١٣، حققت المجموعة أرباحًا بقيمة ٤.٣ مليون دولار من أنشطةٍ تصفها الوثائق المكشوف عنها بأنها استشاراتٌ في أمورٍ تتعلق بـ "أنشطةٍ ماليةٍ غير مشروعة." (إيضاح: يقوم ببرنامج "الفورين بوليسي" [بيسجيم Peacegame]، بالتعاون مع المعهد الأمريكي للسلام، في جزءٍ منه من خلال منحةٍ مقدمةٍ من سفارة الإمارات العربية المتحدة. ولكن كل المحتوى التحريري للفورين بوليسي، على الرغم من ذلك، يتمتع باستقلاليةٍ كاملة.)

وبدأ القادة في واشنطن في القيام بذلك. ففي جلسة استماع مجلس النواب الأمريكي في التاسع من سبتمبر، اقترح الشهود ورجال الكونجرس اتخاذ تدابيرٍ تعيد تشكيل العلاقة جذريًا بين واشنطن والدوحة. واقترح جوناثان شانزر، نائب رئيس البحوث في مؤسسة الدفاع عن النظم الديمقراطية، في شهادته، تدابيرًا من شأنها "توجيه ضرباتٍ للنظام المالي القطري": توجيه اتهاماتٍ لجمعيات الخيرية وأفراد في قطر، وتعليق صفقة الأسلحة المقدرة بـ ١١ مليار دولار، بل وحتى فتح نقاشِ حول تقدير تكلفة نقل القاعدة الأمريكية العسكرية من الإمارة.

"أفكارٌ ممتازة،" هكذا علق رئيس جلسة الاستماع النائب تيد بو (تكساس) في رده على الشهود. "يجب علينا أن نأخذ بها جميعًا، وننفذ منها ما نستطيع تنفيذه."

وتكثف وزارة المالية الأمريكية أيضًا جهودها لمحاربة تمويل القاعدة و"الدولة الإسلامية"؛ ففي الرابع والعشرين من سبتمبر، وجهت اتهاماتٍ لأفرادٍ عديدين لهم علاقاتٌ مع قطر. وبالإضافة إلى المواطن القطري الذي يُتهم بنقل أموال من متبرعين خليجيين إلى أفغانستان، تشمل الاتهامات طارق بن الطاهر بن الفالح العونى الحرزي، الذي جمع مساعداتٍ من قطر، يقال أنها كانت لحساب "الدولة الإسلامية"، "ليتلقى حوالي ٢ مليون دولار من أحد الداعمين الماليين [للدولة الإسلامية] المقيمين في قطر، وقد طلب أن يستخدم الحرزي هذه الأموال في العمليات العسكرية فقط،" كما تقول الاتهامات.

ولم يكن رد الدوحة في المقابل سوى تكرارٍ جديد للمنافسة طويلة الأمد بين الدول الخليجية على كسب الحظوة لدى واشنطن. فقد زادت قطر من حضورها في واشنطن خلال السنوات الأخيرة، مبرمةً عقودًا فعّالة مع مجموعات الضغط السياسي باتون بوجس وباربور جريفيث وروجرز و "بي جي آر للشئون الحكومية". ومن خلال أسلحتها المتعددة في التمويل والعمل الخيري، دعمت كل شيءٍ بدايةً من برامج التبادل الطلابي وحتى لعبة البيسبول التي ينظمها الكونجرس لأهدافٍ خيرية. ومنذ الأزمة المالية العالمية، توجهت العديد من رؤوس الأموال القطرية للاستثمار العقاري في واشنطن وشيكاغو وغيرهما.

ويعمل المال القطري بشكلٍ غير مباشر أيضًا، خلال عشرات الشركات الاستشارية ورجال الأعمال والمسئولين السابقين الذين توظفهم في أوقاتٍ مختلفة. ولنأخذ "مجموعة صوفان" على سبيل المثال، وهي شركة ذات سمعةٍ جيدة في تقديم استشارات تتعلق بمكافحة الإرهاب والعمل الاستخباراتي. ويعمل مؤسسها، علي صوفان، أيضًا كمديرٍ تنفيذي لأكاديمية قطر الدولية للدراسات الأمنية (QIASS) في الدوحة، وهي مركز تموله الحكومة ويقدم دورات تديبية تستمر لعدة أسابيع للموظفين الحكوميين والعسكريين، كذلك فإن العديد من الموظفين العاملين بمجموعة صوفان مدرجون كموظفين في هذا المركز أيضًا -- وهو انتماءٌ نادرًا ما يكشف عنه في الحوارات مع وسائل الإعلام الأمريكية. وقد قالت ليلى غوش، مسئولة الاتصالات بالمجموعة، خلال اتصال هاتفي أجرته معها "فورين بوليسي"، أن المؤسسة لا تقوم بأي أعمالٍ لحساب قطر من الولايات المتحدة.

ويبدو أيضًا أن أكاديمية قطر الدولية للدراسات الأمنية (QIASS) قد كلفت مجموعة العلاقات العامة "وكالة إنسيت" التي أسسها روبرت جيبس، المتحدث الرسمي السابق للبيت الأبيض في إدارة أوباما، بواحدةٍ من أولى مهامها. فبعد أسابيع قليلة تلت افتتاحها، تعاملت "إنسيت" مع ردودٍ على دعواتٍ لحدثٍ تمت استضافته بشكلٍ مشترك من قبل مجموعة صوفان وأكاديمية قطر الدولية للدراسات الأمنية (QIASS) بخصوص "مكافحة التطرف العنيف". ولم ترد "وكالة إنسيت" على الاتصالات المتكررة من "فورين بوليسي" لتوضيح علاقتها مع أكاديمية قطر الدولية للدراسات الأمنية (QIASS).

إلا أن السبب الأهم الذي يرجح أن تبقى قطر في علاقاتٍ جيدةٍ مع واشنطن ليس المال ولا النفوذ، وإنما الضرورة. ففي الوقت الذي ترتب فيه الولايات المتحدة لتحالفٍ ضد مسلحي "الدولة الإسلامية"، فإنها ستكون، أولًا وأخيرًا، في حاجةٍ لقاعدتها الجوية في قطر، والتي تعد بمثابة مركزًا لقيادة العمليات – ومرةً ثانية، من أجل الحصول على غطاءٍ من الدعم العربي.

وبوضع حالة الفوضى التي تعم سوريا والعراق في الاعتبار، فإن كلا البلدين مكتظان بمجموعةٍ كبيرة من الفاعلين المتطرفين الذين لا تريد واشنطن التفاوض معهم. والدوحة مستعدة للقيام بهذه المهمة. فمؤخرًا جدًا، تم استدعاء قطر للمساعدة في التفاوض على إطلاق سراح خمسة وأربعين من قوات حفظ السلام الدولي الذين وقعوا في أسر جبهة النصرة، وفي الثاني عشر من سبتمبر، أعلنت قطر أن عملية إطلاق سراح الجنود تمت بنجاح. وتصر قطر أن الفدية لم تُدفع؛ وربما منحت شبكة الممولين المستقرة في الدوحة الحكومة نفوذًا ما على التنظيم. أو قد يكون التنظيم التابع للقاعدة راغبًا فيما هو أهم من ذلك.

ويقول كريج: "أظن أن ما تستطيع قطر تقديمه لهم هو الشرعية". فجبهة النصرة، في مطالبها الرسمية المتعلقة برهائن قوات حفظ السلام، كانت قد طلبت، على سبيل المثال، أن يُرفع اسمها من قائمة عقوبات الأمم المتحدة. "النصرة تريد أن يُنظر إليها باعتبارها شريكًا شرعيًا في التحالف ضد [الدولة الإسلامية]؛ وربما تكون قطر قادرةً على توفير منصة لهم في المستقبل،" كما يتابع كريج قائلًا.

وهذا بالأساس ما كانت قطر تقدمه دائمًا لأصدقائها: منصة، من خلال توفير المال والإعلام ورأس المال السياسي. وقد تماشت واشنطن مع الأمر حتى الآن، ولكن يبقى التساؤل إذا ما كانت الولايات المتحدة يتم اللعب بها.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب