القوة الجوية الحديثة في مواجهة محاربي القبائل

REUTERS/U.S. Air Force/Senior Airman Matthew Bruch/Handout

مقال رأي

لا تضم السجلات الحربية الكثير من الصراعات غير المتكافئة كتلك التي تشنها الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة تنظيم "الدولة الإسلامية"، حيث تتخندق قوةٌ عالميةٌ عظمى على رأس تحالفٍ   دولي ضد جماعةٍ إرهابيةٍ متوحشةٍ وطموحة.

وقد تم في الأيام الأخيرة التأكيد على تلك الديناميكية للصراعٍ بين القوي في مواجهة من يبدو ضعيفًا، عندما استغل الرئيس أوباما زخم انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة لحشد المجتمع الدولي في مواجهة تنظيم المتطرفين المدفوعين أيديولوجيًا.

فبعد ترأسه اجتماعٍ استثنائي لمجلس الأمن الدولي لمناقشة تنظيم "الدولة الإسلامية" (والمعروف أيضًا بـ"داعش")، كان أوباما واضحًا، على غير العادة، في وصف طبيعة التحدي الذي ينتظرنا، حيث قال في خطابه أن "اللغة الوحيدة التي يفهمها قتلةٌ كهؤلاء هي لغة القوة،" وتابع قائلًا؛ "لذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تعمل مع تحالفٍ   واسع على تفكيك شبكة الموت هذه."

وكما لو كان تنظيم "الدولة الإسلامية" يقصد دعم فكرة أوباما، فإنه حاول إظهار تحالف حرب خاص به: حيث أصدر المتشددون الإسلاميون الموالون لتنظيم "الدولة الإسلامية" في الجزائر مقطع فيديو يصورون فيه ذبح رهينةٍ فرنسية باعتباره انتقامٍ صريح لمشاركة فرنسا في الحملة الجوية التي قادتها الولايات المتحدة.

وبينما قد تبدو الحرب التي تضع قوةً عالميةً عظمى في مواجهة جماعة إرهابية غير متوازنة، فإن التاريخ الأمريكي الحديث و "الحرب العالمية على الإرهاب" التي استهدفت القاعدة تعطينا دروسًا تحذيرية. وأول هذه الدروس ألا تتورط في حربٍ  قبل فهم الطبيعة الحقيقية لعدوك.

عندما شن قائد تنظيم "الدولة الإسلامية"، أبو بكر البغدادي، الهجوم الذي اكتسح أربع فرقٍ من الجيش العراقي الصيف الماضي وأتى بجيشه المؤلف من المتطرفين متشحي السواد إلى ضواحي بغداد، على سبيل المثال، فإنه أذهل المجتمع الاستخباراتي في الولايات المتحدة وأخذه على حين غرة. إذ ليس من المفترض أن تحرز  الجماعات الإرهابية، حتى تلك المنخرطة في حربٍ أهليةٍ طائفية وتفتخر بانتسابها للـ "الدولة الإسلامية" (القاعدة في العراق سابقًا)، انتصاراتٍ  على تشكيلات الجيش الأساسية في الجبهات المتقدمة، ولا من المفترض أن تسيطر على رقعات شاسعة من الأرض في هجومٍ من النوع الخاطف.

ومع ذلك، فمنذ ذلك الهجوم الذي شنه مقاتلو "الدولة الإسلامية" في الصيف، فإنهم قد استمروا في محاولاتهم لتوسيع حدود خلافتهم الأصولية في الأراضي ذات الأغلبية السنية على كلا جانبي الحدود السورية-العراقية. ورغم أنهم قد خسروا بعض الأراضي شمالي العراق لصالح قوات البشمركة الكردية، فإنهم قد أحرزوا، في الأسابيع الأخيرة فقط، انتصاراتٍ  تكتيكية غربي العراق وشمالي سوريا.

 فهذه العملية من الاستيلاء وإحكام السيطرة على الأرض لا تشير إلى الاستراتيجية غير المتكافئة التقليدية للمقاتل الضعيف. وإذا أردنا فهم الأمر، فإن البغدادي يعتمد على اتصالٍ وفهمٍ  عميق للقبائل والجماعات السنية المتشددة والساخطة التي نهضت لتبني رايته السوداء. فعندما زحف مقاتلو "الدولة الإسلامية" من سوريا إلى العراق، فقد بدا ذلك وكأنه مناورةٌ عسكريةٌ متهورة، إلا أن الأمر كان أقرب لكونه صعودًا عضويًا لمرض فيروسي بين السكان المحليين، وكان "تويتر" هو الوسيلة التي وقع الاختيار عليها للاتصالات التكتيكية.

"مثلما تصدرت ‘القاعدة في العراق’ عناوين الصحف أثناء حرب العراق، رغم أنها كانت تمثل بالكاد 20 بالمائة فقط من التمرد السني الذي قاتلناه، فإن داعش تفعل الشيء نفسه اليوم،" هكذا قال الكولونيل العسكري جويل رايبيرن - مؤلف الكتاب الذي صدر مؤخرًا تحت عنوان "العراق بعد أمريكا: الرجال الأقوياء، الطائفيون، المقاومة" - متحدثًا هذا الأسبوع في "مؤسسة أمريكا الجديدة".

لقد توافدت الجماعات المتطرفة ومتشددو السنة على "الدولة الإسلامية" مبدئيًا بسبب كراهيتهم لحكومة بغداد التي يسيطر عليها الشيعة، ولكن أيضًا بسبب خزائن الجماعة المكتظة وهالة النصر التي تحيط بها. كذلك فإن البغدادي كان قد التقى بالعديد من قادة السنة المتشددين في السجن بعد اعتقاله من قبل القوات الأمريكية في العراق، وكان سببًا في إطلاق سراحهم مؤخرًا خلال عملية اقتحام "الدولة الإسلامية" الجريئة للسجون، الأمر الذي أكسبه ولاءهم.

وتابع رايبيرن قائلًا  أن كلمة السر في استراتيجية البغدادي غير المتكافئة الآن هي إبقاء القبائل السنية موحدة - ليس فقط من خلال إغرائهم بالغنائم، وإنما أيضًا من خلال الترهيب الذي لا يرحم، إذ يسجل رايبيرن أن مقاتلو "الدولة الإسلامية" قاموا بذبح حوالي سبعمائة شخص من أفراد قبيلة واحدةٍ حاولت الانفصال. وأضاف أنه "حتى لو قُتل كل المقاتلين الأساسيين في داعش اليوم، فإنني أتوقع أن تستمر الحرب [بين السنة والشيعة] في العراق وسوريا لفترةٍ طويلة." 

ومن خلال الوابل الكثيف من صواريخ كروز والقنابل الموجهة بدقة نحو أهداف "الدولة الإسلامية" هذا الأسبوع في سوريا، فقد تبنت إدارة أوباما استراتيجيتها غير المتكافئة والتي تقوم على تشتيت وإيقاع الهزيمة بـ"الدولة الإسلامية" من خلال الاعتماد بشكلٍ كبير على القوة الجوية الحديثة وبغير وجودٍ كبير "لقوات بريةٍ على الأرض." ورغم قصور تلك الاستراتيجية، فإنها تسعى لحرمان "الدولة الإسلامية" من قدرتها على  إلحاق خسائرٍ بالقوات الأمريكية، مما يعمل على تآكل دعم الجيش الأمريكي في الوطن.

ويقول جنرال القوات الجوية المتقاعد "ديفيد ديبتولا"، الذي أدار العمليات الجوية خلال "عملية الحرية الدائمة" في أفغانستان عام ٢٠٠١ وكان المخطط الجوي الرئيسي في "عملية عاصفة الصحراء" عام 1991، أن "الرئيس أوباما اتخذ القرار الصحيح بالاعتماد على القوة الجوية، إذ أن آخر ما تود فعله هو السماح لداعش بدفعنا لنشر أعدادٍ كبيرة من القوات البرية التي تستطيع إلحاق خسائرٍ بها."

وقد بدأ المتطرفون الإسلاميون يخشون القوة الجوية الأمريكية بعد أعوامٍ  عديدة من الاختباء من طائرات بدون طيار من نوع بريديتور وريبر الفتاكة بعيدة المنال رغم تحليقها فوق الرؤوس، إلا أنهم قد اتخذوا تدابيرًا مضادة. حيث يستخدمون المدنيين كدروعٍ بشرية مما يكسبهم ميزةً في الدعاية خلال الهجمات الصاروخية.

وقال ديبتولا أن "العدو سينشر معلوماتٍ  مضللة على أمل أن يحقق الإعلام ما لم يستطع تحقيقه من وضع قيودٍ وحدودٍ على استخدامنا للقوة الجوية." وأضاف أن "داعش تعرف أنها تمتلك ميزةً نوعيةً غير متكافئة على الأرض، ولكننا نمتلك ميزتنا النوعية غير المتكافئة أيضًا: يمكننا أن نمارس القوة من الجو بدون إظهار مواطن الضعف."

وقد كان الغرض من استهداف مراكز "الدولة الإسلامية" التشغيلية في سوريا - بما فيها مرافق القيادة والتحكم ومستودعات الأسلحة وثكنات الأفراد - خلال الجولة الأولى من غارات هذا الأسبوع، هو إيقاف تقدم قوات "الدولة الإسلامية" في العراق وسوريا ودفع قادتها على الاختباء حيث يكونون أقل قدرةً على الاتصال بفعالية. ومثلما تعلم الجيش الأمريكي في الحرب الجوية على كوسوفو عام ١٩٩٩، فإن كلمة السر في المضي قدمًا هي الغارات الجوية المستمرة التي من شأنها تفكيك قدرات "الدولة الإسلامية" واستهداف حلفائها والوصول إلى عقول قادة القبائل السنية الذين قد يعيدون التفكير في تحالفهم مع التنظيم.

وقال ديبتيولا أن "كلمة السر تكمن في استخدام تفوقنا في القوة الجوية التي تمثل ضغطًا قاسيًا على داعش وحلفائها نفسيًا وماديًا، حيث أن ساحة المعركة  في عمليات القرن الحادي والعشرين العسكرية هي عقل خصمك،" وتابع قائلا أننا "الآن نحتاج أن نواصل شن غاراتٍ  جوية على مدار الساعة. فالوصول إلى الحد الأقصى من التأثير يستوجب أن تُستخدم القوة الجوية الحديثة بما يشبه عاصفةً رعديةً مستمرة لا سحابة مطرٍ عرضية."

ولكن نقطة ضعف الاستراتيجية غير المتكافئة للجيش الأمريكي والتي تهدف إلى "تفكيك وتدمير" الدولة الإسلامية من الجو هي الافتقار إلى قوات حليفة يمكن الاعتماد عليها على الأرض. إذ أن الهدف الوحيد الذي لا يمكن للقوة الجوية تحقيقه هو استعادة والحفاظ على الأراضي التي استولى التنظيم عليها  في سوريا و - خصوصًا - في العراق حيث لا يزال يسيطر على مدنٍ كبيرة مثل الفلوجة وتكريت والموصل. وقد تحرك البنتاجون لسد هذه الثغرة بالقيام بمهام "تدريب وتجهيز ومساعدة" قوات الأمن العراقية وقوات البشمركة الكردية والمتمردين السوريين الأكثر اعتدالًا الذين سيتلقون تدريبًا في إحدى القواعد بالمملكة العربية السعودية. إلا أن تلك المهام لا تزال في حاجةٍ لوقتٍ طويل، ومع ذلك فإنها ضرورية على المدى الطويل.

وفي نفس الوقت، فإن استراتيجية البغدادي غير المتكافئة التي تقوم على محاربة خصمٍ  أقوى بكثير تعاني من نقطة ضعفٍ   هامة، بدايةً بطموح الصعود الذي أذهل محللي الاستخبارات الأمريكية في بادئ الأمر. فقادة القاعدة وطالبان تعلموا في ٢٠٠١ كيف يكون من الصعب أن تحتفظ بالأرض وتصد في الوقت نفسه هجوم خصمٍ - وإن كان ضعيفًا - على الأرض في ظل القوة الجوية الأمريكية الدقيقة والكاسحة. وقد استطاع أسامة بن لادن وقادته الرئيسيون البقاء على قيد الحياة بالاختباء في ظل أو إيجاد ملاذٍ في المناطق القبلية الباكستانية التي لا تخضع لسيطرة الحكومة. وقد جعل مخططو الحرب الأمريكيون، من خلال الهجمات الجوية المبدئية، الأمر واضحًا جليًا، فالدولة الإسلامية لن تتمتع بوجود ملاذٍ لها في سوريا، كما أن قادتها الذين يتبوأون مناصبًا في العراق عرضةٌ للخطر بشكلٍ كبير.

"يجب أن تتركز الجهود الرئيسية التي من شأنها أن تثمر على مساعدة قوات الأمن العراقية على استعادة الأراضي التي فقدتها وإعادة السيطرة على مدنٍ كالموصل، ويبدو أن تلك المهمة ستكون قاسيةً ومحفوفةً بالمخاطر،" كما قال الجنرال المتقاعد ديفيد بارنو، القائد الأعلى السابق للقوات الأمريكية في أفغانستان والذي يعمل حاليًا كعضوٍ بارز في "مركز الأمن الأمريكي الجديد". وأضاف أيضًا؛ "طالما قلت ذلك، فمن الجدير بالذكر أنه على عكس التنظيمات الإرهابية التي تعمل تحت الأرض ومن الصعب استهدافها كالقاعدة، فإن داعش الآن ‘فوق الأرض’ حرفيًا ومجازيًا، وطالما أنها تستولي على أراضٍ جديدة وتحاول السيطرة على مدنٍ والعمل على مساحاتٍ  شاسعة، فإن قواتها وخطوط [إمدادها] أكثر عرضةً للتأثر بالهجمات الجوية."

وربما تكون نقطة الضعف الأبرز في استراتيجية البغدادي هي اعتماده على الوحشية المتطرفة لتعزيز الولاء والانضباط وإرهاب الخصوم. فهكذا تكتيكات متطرفة دفعت القبائل السنية في نهاية المطاف بمحاربة التنظيم خلال عامي ٢٠٠٦ و٢٠٠٧ فيما عُرف بـ"صحوة الأنبار." وحقيقة أن المملكة العربية السعودية وأربعة دول أخرى تحت قيادة السنة في منطقة الخليج الفارسي قد انضموا بالفعل للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لشن غاراتٍ جوية تشير إلى التآكل الفعلي في الكتلة السنية الصامدة التي يعتمد عليها متشددو الدولة الإسلامية. وكل مقطع فيديو جديد يصور الذبح السادي لرهينةٍ غربية لا يؤدي سوى إلى تعزيز الحل الغربي.

فكما صرّح أوباما في الأمم المتحدة، مثل هؤلاء الرجال لا يفهمون إلا لغةً واحدة. والرسالة التي ترسلها الولايات المتحدة وحلفاؤها من الجو لا تحتاج إلى ترجمة.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب