حصري: لماذا يجب على العسكريين دراسة الاقتصاد السياسي؟

مقال رأي

 

العقيد: أفغانستان قد يكون لديها ما تصل قيمته إلى تريليون دولار من المعادن! هذا شيء عظيم بالنسبة لأفغانستان!

ضابط الأركان: سيدي، نحن بحاجة الى التحدث. . . .

هذا النقاش هو إعادة صياغة لمحادثة متكررة بين معظم ضباط الجيش وبين أولئك الذين يملكون خلفية في الاقتصاد السياسي والتنمية الاقتصادية. تشير الحكمة التقليدية إلى أن الدول الغنية بالمعادن مثل أفغانستان لديها إمكانات تنمية كبرى. فعلى أي حال، إيرادات الحكومة من تنمية الموارد الطبيعية تمول الخدمات الاجتماعية وجهود الحد من الفقر، وتدفع كذلك رواتب موظفي الحكومة (بما في ذلك قوات الأمن). وهذا يساعد بدوره على تحسين الأمن، وإضعاف هياكل السلطة غير المشروعة، وردّ العديد من المظالم التي تتسبب في إذكاء وإطالة أمد النزاع.

السد الطبيعية التي أوجدتها المعادن في المياه على مدى ملايين منذ سنوات في الفرقة الإلكترونية الأمير الحديقة الوطنية، مقاطعة باميان (جيش الولايات المتحدة / كين الندبة)لكن الضباط الدارسين للاقتصاد يعلمون أنه ليس هكذا تجري الأمور؛ فهناك عوامل أخرى في المعادلة. أولا، هناك احتمال "لعنة الموارد"، وهي مشكلة أن الدول التي تفتقر إلى سيادة القانون والمؤسسات المستقرة هي أكثر عرضة لأشكال مختلفة من العنف غير الحكومي ولديها مستويات منخفضة من التنمية الاقتصادية والسياسية بينما يرجح أن تنخرط نخبها ومؤسساتها في السلوك الريعي. ثانيا، التنمية هي في العادة مشروع متعدد الأجيال. في المتوسط، ​​تستغرق الدولة حوالي 40 عاما لتخرج من حالة الدخل المنخفض إلى الدخل المتوسط المنخفض - وهو جدول زمني أبعد بكثير عن اهتمام معظم القوى الخارجية التي تشارك حاليا في أفغانستان، على سبيل المثال.

هذه الأفكار، وغيرها من مفاهيم الاقتصاد السياسي، حيوية لضباط الجيش، طالما كانوا يرغبون في فهم سياق الحروب التي يشاركون فيها. وهي أيضا، وبنفس القدر، حاسمة في تطوير الاستراتيجيات العسكرية التي تستهدف الانتعاش في بيئات ما بعد النزاع. هذا المقال يجادل بأن ضباط الجيش اليوم غير جاهزين لأنواع الحروب التي يقاتلونها حاليا والتي من المرجح أن يقاتلوها في المستقبل. هناك الكثير من البحوث الجديدة التي تدرس تقاطع السياسة والاقتصاد ودورهما في النزاع، وخاصة في الدول الضعيفة، ولكن القليل من هذا يصل إلى معظم ضباط الجيش. في نفس الوقت، يشارك ضباط الجيش في التنمية الاقتصادية والسياسية في الدول الفاشلة والدول الضعيفة أكثر بكثير مما كان عليه الحال في العقود السابقة. وقد تم تسليحهم بأدوات اقتصادية جديدة لـ"محاربة" التمرد وتعزيز الاستقرار ولكنهم لم يتلقوا تعليما أو معلومات كافية عن كيفية استخدام هذه الأدوات. في أحسن الأحوال، كانت النتيجة سوءا في تخصيص الأموال وضياعا للفرص السياسية والاقتصادية. وفي أسوأ الأحوال، ساعد ضباط الجيش الامريكي، عن غير قصد، في نزع الشرعية عن الحكومات، وفي زيادة عدم الاستقرار في أماكن هي عرضة للنزاع بالفعل، وساعدوا على وضع هذه الدول على طريق دورة جديدة من العنف.

لا تكمن المشكلة في عدم مبالاة ضباط الجيش بالقضايا السياسية والاقتصادية في الحرب. فللضباط العسكريين تاريخ طويل من المشاركة في القضايا الاقتصادية، خصوصا في ما يطلق عليه الآن "عمليات الاستقرار" في بيئات ما بعد النزاع. ربما كان أهم مثال على ذلك الجنرال جورج مارشال، الذي ابتكر، كوزير للخارجية، برنامج الانتعاش الأوروبي. ويرجع الفضل إلى حد كبير لما يسمى خطة مارشال في تعزيز استخدام المساعدات الاقتصادية لحكومات أوروبا الغربية الصديقة في مواجهة احتجاجات واسعة وموجة متصاعدة من الجماعات اليسارية. وبالمثل، عالج الجنرال دوجلاس ماك آرثر قضايا الاقتصاد السياسي المتعلقة بإعادة بناء المؤسسات اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية. وبالمثل، يتحلى بعض الجنرالات اليوم بفطنة مثيرة للإعجاب عندما يتعلق الأمر بالآثار الاقتصادية والسياسية للسياسات الاستراتيجية. قال الجنرال ستانلي ماكريستال، في استعراضه المخضرم لسير الحرب الأفغانية في عام 2009، أن الفساد داخل الحكومة الأفغانية كان مصدر قلق كبير. ونشر خليفته الجنرال ديفيد بترايوس، قواعد محددة تحكم سير التعاقد في بيئة مكافحة التمرد، مع اعترافه بأن إنفاق الولايات المتحدة ومنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) على التعاقدات أدى عن غير قصد إلى نزع الشرعية عن جهود الاستقرار في أفغانستان. فهم هؤلاء القادة أن قدرات القوة الخشنة مفيدة ولكن لها حدود - وهو إدراك مهم عند وضع خطط الاستقرار ذات المدى الطويل لمناطق النزاع.

أبرز الرئيس باراك أوباما هذه القضايا في استراتيجيته لمكافحة الارهاب لعام 2013، مشيرا إلى أن "التصدي للمظالم والنزاعات التي تغذي التطرف"، هو أنجح سياسة لـ"التقليل من فرص وقوع هجمات واسعة النطاق على أرض الوطن والتخفيف من التهديدات للأميركيين في الخارج"، ما يحقق هدفي الأمن والاستقرار السياسي بشكل أكثر فعالية من سياسة ترتكز على عدد الجنود. الانتقال من سياسة مرتكزة على الأمن إلى أخرى مرتكزة على التنمية، على حد تعبير الجنرال بترايوس،" سيعيد تحديد شروط التقدم"، وهي تعزيز التنمية الاقتصادية والحد من الفساد كهدفين رئيسيين لدعم الولايات المتحدة. معظم الدراسات الأكاديمية تؤكد على العلاقة بين الإرهاب وبعض الأنشطة الإجرامية وبين التخلف. وفقا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، "ينتج الإرهاب عن الكراهية التي ولدت في ظروف الإقصاء والجهل والتعصب والظلم والتمييز، ومشاعر اليأس والقنوط،" والتي "تستغلها" بعد ذلك القيادات والمنظمات الإرهابية. وبالتالي، في حين لا تتعامل التنمية مع التهديدات الأمنية المباشرة التي تسببها هذه الجماعات، إلا أن معالجة قضايا مثل الفقر والتعليم والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية الأخرى "تحرم الإرهابيين من الدعم الشعبي، وتعالج الظروف التي يتغذي عليها قادة الإرهاب" ويحافظون بها على مصداقيتهم مع السكان المحليين.

ومع ذلك، يعاني معظم ضباط الجيش من نقص في المعرفة عن الاقتصاد السياسي والتنمية الاقتصادية والسياسية والفساد. وهذا في نفس الوقت الذي يتم فيه تمكين الضباط من مجموعة من الأدوات النقدية والتعاقدية لاستخدامها، على ما يبدو، كدعائم اقتصادية للقوة. على سبيل المثال، تشير النتائج المبنية على النماذج الاقتصادية المختلفة وبعض الدراسات المحدودة إلى أن البطالة هي أحد أهم أسباب العنف والنزاع، لأن البطالة تقلل من كلفة الانضمام الى حركة تمرد مقابل البحث عن عن عمل بأجر، وخاصة في المناطق التي تعاني من نقص في فرص العمل. على سبيل المثال، وجد رادها ينجار، وجوناثان منتن، وماثيو هانسون، أن زيادة الإنفاق على مجالات ذات صلة بالعمل بنسبة 10% في عراق ما بعد الحرب أدت إلى تراجع بنسبة 15 إلى 20% في العمالة الكثيفة المتعلقة بأنشطة التمرد، مما يوحي بأن البرامج كثيفة العمالة يمكنها أن تحد من العنف في بيئات التمرد. ونتيجة لذلك، تم منح القادة أدوات جديدة على أمل أن تثبط من عزيمة المتمردين على حمل السلاح ضد قوات التحالف والحكومات المضيفة من خلال مختلف برامج المساعدة الاقتصادية.

وقد كُلف القادة أيضا بمساعدة الحكومة المضيفة في رد مظالم السكان، اعتقادا أن من شأن ذلك إضفاء الشرعية على الحكومة، وبالتالي كسب امتنان ودعم الجمهور. وفقا للدليل الميداني (إف إم) 3-24، قسم مكافحة التمرد:

استخدم الجيش الامريكي على نحو متزايد مشاريع التنمية كسلاح استراتيجي لمكافحة التمرد في أفغانستان والعراق وغيرهما من المناطق. يستند هذا النهج على فرضية أن هذه المشاريع - التي تنفذها في العادة الحكومة المحلية والكيانات المتحالفة وتقدم خدمات أساسية وبنية تحتية - يمكن أن تحسن من الأوضاع الاقتصادية، وأن تبني الدعم للحكومة، وأن تحد من العنف في نهاية المطاف مع تراجع التعاطف مع المتمردين.

كما هو واضح من الاهتمام بها في الدليل الميداني المشار إليه، تشكل هذه الفرضية الآن عنصرا رئيسيا في عقيدة مكافحة التمرد الحالية في الولايات المتحدة. وعلى الرغم من التطبيق المستمر للاستراتيجية، هناك أدلة تجريبية محدودة على فعالية مشاريع التنمية في مواجهة حركات التمرد. تأثرا بالعقيدة التي وضعت لمعالجة الثورات الشيوعية أو المناهضة للاستعمار، يخلص الدليل إلى أن فعالية مكافحة التمرد تتأثر بشدة بطبيعة التفاعل بين الحكومة المحلية والقوات الأجنبية والسكان المدنيين. على وجه التحديد، يمكن للقوات الأجنبية أن تعزز سلطة الحكومة، والتي يُنظر اليها على أنها الممثل الشرعي الذي يمثل صالح سكان البلد، ولكن ما يحدد درجة دعم السكان للتمرد في المقام الأول هو توفير الحكومة للأمن الأساسي والسلع العامة من عدمه.

لذلك، كانت خطة الولايات المتحدة لمكافحة التمرد تعتمد على استخدام "المال كسلاح". مُنح القادة في العراق وأفغانستان سلطات خاصة لتمويل مشاريع توظيف السكان المحليين، خصوصا الذكور في سن العسكرية، ومعالجة الشكاوى من خلال تقديم المساعدة الاقتصادية. وكانت الفكرة أن المساعدة الاقتصادية يمكن أن تستخدم كنوع من أنواع الأسلحة، لإضفاء الشرعية على الحكومة المضيفة، ولشراء دعم السكان المحليين، ولنزع الشرعية عن القوات المتمردة التي لا يمكن أن تنفق أكثر أو تحكم أكثر من الحكومة المضيفة.

وكانت أداة الإنفاق العسكري الأساسية هي "برنامج القائد للاستجابة الطارئة" (سي إي آر بي)، وهو صندوق مالي عسكري تسيطر عليه وزارة الدفاع (دي أو دي) والذي منح القادة السلطة التقديرية في الإنفاق على مشاريع إعادة الإعمار التي يمكن أن "تساعد السكان الأصليين على الفور والتي يمكن للحكومة والسكان المحليين إدامتها". المشروع المثالي المستحق لتمويل برنامج القائد للاستجابة الطارئة هو مشروع يمكن تنفيذه بسرعة، ويوظف ويعود بالنفع على السكان المحليين، ويكون ظاهرا للغاية، ويشمل مناطق التنمية المستهدفة مثل النقل والصرف الصحي والتعليم والري/الزراعة والاتصالات والأعمال المدنية والرعاية الصحية. نشأ البرنامج بعد أن صادرت قوات الولايات المتحدة نحو 900 مليون دولار من مواقع مختلفة خلال غزو العراق. ثم استخدمت هذه الأموال في مشاريع إعادة الإعمار المختلفة، لكن وزارة الدفاع ساهمت في وقت لاحق بأموال إضافية للحفاظ على برنامج القائد للاستجابة الطارئة على مر السنين.

وعلى الرغم من أن البرنامج بدأ لبناء وإصلاح البنية التحتية الاجتماعية والمادية في العراق، إلا أنه نما إلى برنامج إعادة الإعمار الرائد لوزارة الدفاع، وتلقي أكثر من 3.8 مليار دولار من اعتمادات الولايات المتحدة بحلول نهاية عام 2010. ومكن البرنامج قادة الولايات المتحدة من تحسين الظروف المعيشية عن طريق سرعة إصلاح الطرق والجسور وإعادة بناء المدارس وتحسين الرعاية الصحية وإزالة القمامة. ولعب البرنامج دورا هاما ورفيع المستوى في جهود الولايات المتحدة لمكافحة التمرد في كل من العراق وأفغانستان. وتم صرف جزء كبير من هذه المساعدات الاقتصادية من خلال قادة المعارك، وغالبا مع مدخلات من أعضاء "فرق إعادة إعمار المحافظات" (بي آر تي).

في البداية، تم تشكيل فرق إعادة إعمار المحافظات من قبل "ائتلاف قوة المهام المدنية-العسكرية المشتركة" في عام 2002، بهدف تفعيل جهود إعادة الإعمار الغير قتالية في أفغانستان، وبناء على جهود فرق الشؤون المدنية التي سبقتها. كانت مهمتهم الأولى تعزيز قدرة "قوات الأمن الوطني الأفغانية" وفي الوقت نفسه توفير المساعدة الإنسانية، والقيام بإعادة الإعمار، والحفاظ على الحكم المحلي. وقد أدى نجاح هذه الفرق في أفغانستان إلى توسيعها إلى العراق، حيث كان الهدف انتقال الخطوط عملية الحكم والاقتصاد على مستوى المحافظات من الجيش إلى فرق إعادة الإعمار، وتكليف هذه المجموعات بتطوير البيئة السياسية والاقتصادية داخل كل محافظة.

وبمرور الوقت، تعرض برنامج القائد للاستجابة الطارئة للانتقاد على نطاق واسع، وتحديدا بسبب إجراءاته البيروقراطية الهائلة (حجم كتيب إجراءات التشغيل القياسية الجديد يصل إلى 165 صفحة)، والتشكيك في فعاليته. ولكن تقديم المساعدات الاقتصادية من قبل الجيش الأمريكي بصفة عامة كان مثيرا للجدل لأسباب الأخرى. أولا، كان خبراء التنمية قلقين من أن وكالات المعونة المحايدة قد تُربط بالقوات العسكرية التي توزع أيضا مساعدات، وقد يُنظر إليها باعتبارها فرعا عن الجهود العسكرية. وهذا قد يفسد حياد العديد من وكالات المعونة ويضع البعثات وحياة أعضاءها في خطر. ثانيا، نادرا ما كان القادة العسكريون يتمتعون بخلفية اقتصادية، وبالتالي كان ينقصهم معرفة أفضل ممارسات صرف المساعدات ومعرفة الكثير عن البيئة المحلية. ثالثا، كان هناك نقص عام في التنسيق بين مختلف الجهات الدولية المانحة، وخاصة في أفغانستان. وكانت المجتمعات العسكرية والإغاثية تعجّ بقصص المشاريع سيئة التصميم أو التنسيق؛ فقد تستفيد القرى من بناء مدارس متعددة في مساحات صغيرة، على سبيل المثال، ولكن لا يتم تعيين أي معلمين أو تخصيص أي موارد أخرى لتوظيفها والحفاظ عليها.

وقد فاقم هذه الانتقادات وهذا الجدل استراتيجية الولايات المتحدة لمكافحة النمرد المسماة بـ"طهّر-حافظ-ابْنِ"، وهي استراتيجية تقوم فيها قوات الأمن باستعادة منطقة جغرافية من سيطرة المتمردين والفوز بولاء عموم السكان وفي نفس الوقت تأمين الأراضي من هجمات لاحقة قد يشنها المسلحون. كما يتم تعريفها من قبل الجيش الاميركي، تشمل هذه الاستراتيجية حرب معلومات، وعمليات مدنية-عسكرية، وعمليات قتالية؛ وهدفها النهائي هو أن تقوم الشرطة المحلية بالحفاظ على السلطة التي دشنتها القوات المسلحة. هذه الاستراتيجية تركز على استخدام قوات من السكان الأصليين، الذين هم على دراية خاصة بالتضاريس المحلية والذين سوف يتولون في نهاية المطاف مهمة الحفاظ على الأمن في المناطق المتنازع عليها. وسرعان ما أصبحت فعالية استخدام قوات من السكان الأصليين واضحة، وخاصة في المهام الصعبة المتمثلة في الحفاظ والبناء.

المعضلات التي آظهرها استخدام المساعدات الاقتصادية كأداة لتحقيق الاستقرار كثيرة، ولا يزال البحث جاريا عن الاستراتيجية الأكثر فعالية. يعتقد العديد من المحللين أنه لا ينبغي تقديم المساعدات إلا في مناطق أكثر أمنا، باعتبارها مكافأة للجماهير عن ولائها للحكومة وكتدليل على فوائد العمل مع الحكومة المضيفة، على عكس مساندة المتمردين أو العناصر الإجرامية. ولكن المساعدات غالبا ما كانت توزع بالفعل في المناطق الأكثر أمنا. كانت فرضية المحاولة الأولى، والتي تم تنفيذها في مرجة بولاية هلمند في أفغانستان خلال فصلي الشتاء والربيع من عام 2010، أن المنطقة سوف يتم تطهيرها من طالبان لتأتي بعدها "حكومة معلبة". من الناحية النظرية، سيدلل التوفير الفوري للخدمات المحلية على طفرة في الحكم المدني وهو ما سيثبت بدوره للسكان المحليين شرعية الحكومة وفعاليتها. للأسف، لم يكن الوضع الأمني ​​مستقرا أبدا بالشكل المأمول؛ وفي النهاية تم تقديم خدمات قليلة في بيئة غير آمنة إطلاقا. ولم توفر أبدا الحكومة الأفغانية ما يسمى بـ"الحكومة المعلبة"، وكان هناك دائما نقص في العاملين الحكوميين الأكفاء المستعدين للعمل في هذه المناطق. وكانت النتيجة أن وجدت وكالات المعونة المناطق غير آمنة للعمل، وفشلت الحكومة الأفغانية إلى حد كبير في تقديم الخدمات، وتُرك الجيش الأمريكي لتقديم الكثير من المساعدات والإشراف بنفسه.

أفغانستان هي حالة فريدة من نوعها وخاصة لأنها المنطقة الوحيدة التي يخول فيها لوزارة الدفاع صرف أموال وزارة الخارجية. ونتيجة لذلك، تسيطر وزارة الدفاع على ميزانية كبيرة لأغراض "التنمية". ومن الأمثلة على ذلك "صندوق البنية التحتية الأفغاني"، وهو صندوق بقيمة 400 مليون دولار (يتم توفيرها في العادة سنويا) وافق عليها الكونغرس لمشاريع تطوير البنية التحتية واسعة النطاق، بما يشمل استعادة إمدادات الكهرباء وبناء الطرق الكبيرة. مثال آخر هو "صندوق قوات أمن أفغانستان"، والذي يستخدم لتدريب الشرطة الأفغانية كجزء من حملة "طهر-حافظ-ابن"، وهو يحمّل هذه القوات مهمة الحفاظ على الأمن وخاصة حول مشاريع البنية التحتية. استخدمت هذه الأموال ليس فقط في المشاريع الصغيرة مثل تلك التي ينفذها برنامج القائد للاستجابة الطارئة ولكن أيضا في مشاريع البنية التحتية الضخمة مثل مشروع ترميم نفق سالانج عام 2010.

في سبتمبر 2009، كجزء من عملية "جبل بليد"، ساهمت وزارة الدفاع بـ12.1 مليون دولار من أموال برنامج القائد للاستجابة الطارئة للوكالة الأميركية للتنمية الدولية (يو إس إيه آي دي) لبناء الطريق الدائري لأنه كان يعتبر "وصلة حيوية للتبادل التجاري" و"عاملا أساسيا للاستقرار والوحدة في أفغانستان". ونتيجة لذلك، اتسع الاتجاه الذي بدأ في العراق بشكل كبير في أفغانستان. في حين أن التنمية الاقتصادية كانت مهمة منظمات مثل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، ومنظمات غير حكومية مختلفة (إن جي أو)، ومنظمات حكومية دولية مثل بنوك التنمية، كان للجيش الأمريكي دور متزايد في اتخاذ القرار بشأن المشاريع والمصروفات. في عام 2010، كان إجمالي تمويل الحرب في ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية 154 مليار دولار أمريكي (منها 1.2 مليار دولار لبرنامج القائد للاستجابة الطارئة وحده)، وذلك مقارنة بـ9 مليار دولار إجمالي ميزانيتي وزارة الخارجية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية. من عام 2001 إلى عام 2011، أنفقت وزارة الدفاع 757 مليار دولار في العراق و416 مليار في أفغانستان، في حين لم تصل وزارة الخارجية حتى لربع هذا الإنفاق.

كان الجيش الامريكي يعمل في كل شي،ء من المشاريع المحلية الصغيرة لمشاريع البنية التحتية الرئيسية. ونظرا لسوء الأوضاع الأمنية، وجد أفراد الجيش أنفسهم يقومون بشكل متزايد بدور استشاري في حكومات المحافظات والمقاطعات وفي مجموعة من الوزارات على المستوى الوطني. على سبيل المثال، تم تكليف ليس فقط فرق إعادة الإعمار ولكن أيضا مجموعة متنوعة من وزارات غير أمنية مثل وزارة المناجم ووزارة المالية ووزارة الطاقة والمياه بتنفيذ مبادرات مثل "برنامج الأيدي الأفغانية"، والذي سعى إلى استخدام الأفراد العسكريين المجهزين بلغة إضافية وبالتاريخ وبالتدريب على مكافحة التمرد "ووضعهم في مواقع استراتيجية حيث يمكن أن يكون لهم تأثير فوري". في حين كان أحد أدوارهم أن يمثلوا حلقة وصل حيوية وقناة معلومات بين قوات الناتو وهذه الوزارات، وكان دورهم الآخر تقديم المساعدة التقنية لتلك الوزارات.

مع التوسع في الأدوات العسكرية، مثل استراتيجية المال كسلاح وصناديق برنامج القائد للاستجابة السريعة والزيادة في عدد الموظفين العسكريين المعينين في مناصب استشارية لمؤسسات الحكومة المحلية، تزايدت الحاجة إلى المهارات السياسية والاقتصادية. وكانت النتيجة أيضا أن أصبح نجاح الجيش، من حيث نتائج حملاته بداية من المستوى التكتيكي وحتى المستوى الاستراتيجي، مرتبطا إلى حد كبير بالقضايا الاقتصادية والإنمائية . وأصبح القادة العسكريون في كثير من الأحيان صناعا رئيسيين للقرارات المتعلقة بمشاريع البنية التحتية بقيمة مليارات الدولارات، ليس فقط بالنسبة للقضايا الأمنية التي تتعلق بهذه المشاريع ولكن أيضا من منظور الحوكمة. كلما أدرك الجيش العلاقة بين الاقتصاد والأمن المستدامين، كلما أدرك أنه كان مضطرا للقيام بدور في التنمية الاقتصادية.

الأبحاث الحديثة

رغم ازدياد دور القادة العسكريين في التنمية الاقتصادية، يبقى معظمهم غير مدركين للأبحاث المتطورة التي تنتقد نهج الجيش في حروب أفغانستان والعراق. وتقدم هذه الأبحاث، علاوة على ذلك، معلومات هامة فضلا عن أدوات مفيدة. وقد ظهرت خلال العقد الماضي الكثير من الأبحاث التي تتناول التقاطع بين الاقتصاد والنزاعات المعاصرة. ما يلي هو خلاصة هذه البحوث.

على مدى عقود، ركزت دراسات التمرد والعصيان بشكل كبير على دور المظالم في تعزيز ظروف التمرد. جادل علماء مرموقون مثل تيد روبرت جور بأن الشعور بالحرمان النسبي والإقصاء العرقي أو العنصري والتفاوت في الثروة تعتبر أهم أسباب التمرد. وقاد هذا الافتراض، بأن الثورات الداخلية هي نتيجة للمظالم، إلى تدشين العقيدة العسكرية الأمريكية التي يركز أفرادها على تعزيز قدرات الحكومة المضيفة على تقديم الخدمات بصفة خاصة. الافتراض الهام الآخر في عقيدة الولايات المتحدة للاستقرار ومكافحة التمرد هو أن الحكومة المضيفة في بيئات تحقيق الاستقرار وبيئات النزاع وما بعد النزاع ترغب في إضفاء الشرعية على نفسها ولكنها فقط تفتقر إلى الأدوات والقدرات والموارد لتحقيق الحكم الرشيد لشعبها ولرد مظالمهم بما فيه الكفاية. هذا الافتراض لم يكن فقط محور تركيز عقيدة مكافحة التمرد وتحقيق الاستقرار، بل كان أيضا إلى حد كبير الافتراض الضمني في الكثير من دراسات التنمية الاقتصادية الأكاديمية بشكل عام.

ولئن كنا لا نقلل من أهمية المظالم في تعزيز التمرد، إلا أن الدروس المستفادة من التدخلات العسكرية المختلفة، وكذلك الأبحاث الاقتصادية الحديثة، تضيف أسبابا أخرى للتمرد. أحد هذه الأسباب تتمثل في الفرصة التي يوفرها التمرد، وهي ما يوصف أحيانا بـ"الجشع". نظرية جشع النزاع تؤكد أن الأطراف التي تلجأ للعنف (المتمردين، على سبيل المثال) تتحرك بدافع تحقيق مكاسب اقتصادية شخصية وتسعى إلى الاستيلاء على الموارد المادية التي تسيطر عليها الحكومة. وفي هذا الإطار، لا يحارب سماسرة القوة بالضرورة لتخفيف المظالم، بل لأن الحرب تعود عليها بفوائد كبيرة، أهمها المال والسلطة. وبالتالي، حتى لو ردت الحكومة جميع المظالم سيظل المتمردون متحفزين للقتال، يعززهم عدم الاستقرار، وبالقطع، تضر البيئة المستقرة بمصالحهم.

وتشمل النظريات الفرعية التي تركز على الاقتصاد بدلا من المظالم السياسية كلا من النهج المسمى "نموذج المساومة"، ونظرية النزاع المسماة "تكلفة الفرصة". نموذج المساومة يبنِي على نظرية الجشع ويفترض أن الكسب المادي هو الدافع الأساسي لنشاط المتمردين، ولكنه يدعي أن العنف يحدث فقط عندما تفشل الأطراف المتنازعة في التفاوض على التقسيم السلمي للموارد. وبالتالي، يمكن لعدم تماثل المعلومات، الذي قد ينتج عن تغير موازين القوى بين الأطراف المتنازعة أو عن التغيرات في قيمة الموارد المتنازع عليها، أن يثير النزاع. ويركز نموذج تكلفة الفرصة على تكاليف التورط في النزاع، بدلا من فوائده. ويتوقع هذا النموذج أن أي زيادة في دخل السكان ترفع تكلفة فرصة التورط في النزاع.

وركزت الدراسات الأحدث على مصالح النخب الحاكمة، معترفة بأن مصلحة بعض النخب الحاكمة في تعزيز عدم الاستقرار قد تكون على نفس درجتها عند من يفترض أنهم أعداؤهم من المتمردين. وبناء على إشارة كروجر إلى الدور الذي تلعبه الإيجارات لصالح بعض الحكومات والنخب والدور الذي تقوم به بعض المؤسسات في توجيه تلك الإيجارات، ركزت دراسات جديدة على حقيقة أن بعض النخب الحاكمة قد لا تبالي بالضرورة بمصالح البلاد. على العكس، كما لاحظ بول كولير، قد تكون ديناميكيات بعض البلدان أقرب لـ"البقاء للأكثر بدانة" منها للبقاء للأصلح، حيث يكون سماسرة القوة الذين يستطيعون جمع أكبر تمويل للحرب وأوسع شبكات للمحسوبية الأقدر على إدارة الحكومات. يركز سماسرة القوة هؤلاء على جمع الإيجارات لأنفسهم وأتباعهم. لا تقوم الحكومات في هذه الحالة بدور المحكم المحايد الذي يعمل للصالح العام بل تبحث بدلا من ذلك عن أكبر انتفاع يعود عليها من الثروة القومية في أسرع وقت ممكن. ولا يمثل الفوز في الانتخابات بالضرورة فرصة لإثبات أن الحزب والأشخاص قادرون على الحكم، بل يمثل الفوز بدلا من ذلك، اقتباسا من عنوان كتاب ميشيلا رنج، أنه "جاء دورنا في النهب"، أما خسارة الانتخابات فتعني الاستبعاد أو ما هو أسوأ منه.

تجدر الإشارة هنا إلى عدد من الكّتّاب الذين توفر كتاباتهم رؤى يمكن أن تطبقها الجهات الفاعلة التي تسعى إلى تحسين الحكم في العالم النامي وتلافي الآثار الأمنية التي تسببها الأنظمة الحالية في العالم النامي. ولعل أبرزهم دوجلاس نورث، وجون واليس، وباري وينجاست، الذي فرق في كتابه "العنف والنظام الاجتماعي" بين نوعين من الدول: الدول الطبيعية والدول الحديثة. تحدّ الدول الطبيعية من العنف من خلال التلاعب السياسي بالاقتصاد لصالح الأفراد المتميزين، وهو ما يعوق التنمية الاقتصادية والسياسية. وعلى العكس، تتيح الدول الحديثة الوصول المنفتح للمنظمات الاقتصادية والسياسية، وهو ما يعزز المنافسة وينعكس إيجابيا على الأوضاع الاقتصادية والسياسية. يرى هذا الكتاب، بناء على عقود من العمل الذي قام به كل من مؤلفيه في مجالات الاقتصاد والديمقراطية والتنمية، أن السياسة والاقتصاد هي ظواهر مترابطة في الأنظمة الحاكمة. ولسوء الحظ،، يكتب هؤلاء المؤلفون حصريا لجمهور الأكاديميين. ولذلك، ربما تكون كتاباتهم أبعد من متناول العديد من الضباط العسكريين حتى المتعلمين منهم جيدا.

لكن، لحسن الحظ، يوفر كتّاب آخرون إصدارات سهلة المنال لأبحاثهم. ولعل الكتاب الأكثر شيوعا بين جماهير العسكريين هو "مليار القاع" لمؤلفه بول كولير، والذي يلخص عقودا من عمله على نظرية الفرصة مقابل نظرية المظالم ودورهما في التحريض على النزاع وإدامته، بأسلوب سهل المنال ومدعم بأمثلة واقعية ومعاصرة. ويخلص كولير إلى أن هناك أربعة أفخاخ تتسبب في إبقاء البلدان فقيرة ومتخلفة: الموارد الطبيعية، والجغرافيا، وسوء الإدارة، والنزاع، والأخير هو الأكثر أهمية بالنسبة لجمهور العسكريين. ويتضمن الكتاب أيضا توصيات لتفادي هذه الأفخاخ.

ويطرح الأنثروبولوجي روبرت بيتس أيضا تحليلا ثاقبا لأسباب فشل بعض الدول ونجاح البعض الآخر. يستكشف كتابه "الازدهار والعنف" العلاقة بين النظام السياسي والنمو الاقتصادي، ويصل إلى نتيجة مفادها أنه على الرغم من أن الهياكل السياسية يمكن استخدامها لأغراض تدميرية، إلا أنها تظل مهمة لضمان السلام اللازم لتحقيق الازدهار. ويحقق كتابه التالي، "عندما تداعى كل شيء"، في أصول العنف السياسي "في القمة". وبدلا من التحقيق في دوافع المتمردين، يسأل الكتاب عن أسباب اعتماد الحكومات سياسات إفقار مواطنيها، ويتتبع علاقة الاضطراب السياسي بالأزمات في الإيرادات العامة.

يرفض ديفيد ليتون وجيمس فيرون، في مقالهم "العرق والتمرد والحرب الأهلية" التفسيرات التقليدية للحروب الأهلية التي نشبت بعد انتهاء الحرب الباردة، مثل التغيرات في البيئة الدولية، وتعاظم التنوع العرقي أو الديني، وازدياد المظالم السياسية. وبدلا من ذلك، يجادلون بأن أسباب الحرب الأهلية تكمن في نظرية التمرد - أي ضعف الحكومات، ووعورة التضاريس، وزيادة السكان، وإتاحة الفرصة للمتمردين للحصول على الأسلحة والدعم. ويستنتجون في النهاية أن الفرصة السياسية هي أهم مؤشر على التمرد.

كتاب دارون أسيموجلو وجيمس روبنسون، "لماذا فشلت الأمم"، هو كتاب حديث آخر تجدر الإشارة إليه. بينما جادل نورث وواليس ووينجسات بأن السياسة والاقتصاد يتشابكان بعمق لإنجاح أو إفشال عملية بناء مؤسسات الدولة، يفترض أسيموجلو وروبنسون أن المسئولية تقع بكاملها على المؤسسات السياسية، وأن النجاح أو الفشل الاقتصاديين هما متغيران تابعان وليسوا مستقلين.

يجادل "لماذا فشلت الأمم" بأن فقر الدول لا يرجع إلى أسباب جغرافية أو ثقافية، ولكن إلى مجموعة صغيرة من النخب التي نظمت المجتمع لمصلحتها الخاصة على حساب بقية أعضائه. ومثلما فعل كولير، قضى أسيموجلو وروبنسون سنوات في عمل علمي جاد حتى أعادوا كتابة كتابهم بطريقة سهلة المنال للقراء الأكثر ذكاء، ودعموه بوفرة من الأمثلة التاريخية. في حين أن الكتاب مثير للجدل بالتأكيد، إلا أنه لا شك في أن بعض التوجهات التي يصفها تترك أثرا مقنعا جدا على الضباط الذين عملوا في الدول الهشة التي تعاني من النزاع.

وقد تم تجميع العديد من أفكار هذه الدراسات في "تقرير التنمية في العالم: النزاع والأمن والتنمية"، والذي أصدره البنك الدولي في عام 2011. يستخلص هذا التقرير بوضوح الدروس المستفادة من الدراسات المذكورة أعلاه، وكذلك التحليلات الإحصائية الوفيرة وأفضل الممارسات في مجالي التنمية وحل النزاعات. ويدرس التقرير تأثير النزاع على السياسة والاقتصاد في المجتمعات، مع التركيز بصفة خاصة على أسباب معاناة معظم البلدان التي مرت بفترات طويلة من الحرب الأهلية أو الإجرام من حلقات مفرغة من العنف، في حين أن تلك البلدان التي لم تشهد نزاعات في العقود الماضية لا يتوقع لها أبدا أن تشهد نزاعا في المستقبل. ويختم التقرير بطرح رؤية لدور المنظمات الدولية، بما في ذلك القوات العسكرية، في وضع هذه البلدان على طريق التنمية والمؤسسية القوية.

ينتمي العديد من هذه الدراسات إلى مجالات التنمية الاقتصادية والاقتصاد السياسي وعلم الاجتماع وليس إلى مجالات مكافحة التمرد أو التاريخ العسكري. كما أن تركيزها على بناء الدولة بدلا من القتال في الحروب يؤدي إلى قلة عدد الدارسين العسكريين الذين هم على دراية بهذه المواضيع. ومع ذلك، هي توفر نظرة مهمة في القضايا التي يواجهها ضباط الجيش اليوم، ليس فقط فيما يتعلق بتحولات حلف شمال الاطلسي في أفغانستان في عام 2014، ولكن أيضا فيما يتعلق بالنزاعات الجارية أو المحتملة في مالي وسوريا وليبيا ومصر، وحتى كوريا الشمالية. إنها توفر فهما جديدا لما يغذي العديد من النزاعات الجارية والأنظمة غير المستقرة التي تساعد على إدامة هذه الأوضاع. كما تقدم هذه الدراسات توصيات سياسة إضافية لتخفيف حالة عدم الاستقرار التي يتسبب فيها فاعلون معينون أو أوضاع معينة. دون التعرض لهذه المجالات من الدراسة، فإن ضباط الجيش يصيغون استراتيجيات ويقاتلون حروبا حديثة وإحدى ذراعيهم مكبلة خلف ظهورهم.

لماذا يجب على الضباط العسكريين دراسة الاقتصاد السياسي

سيؤثر الجيش بشكل طبيعي على الأمن والحكم والاقتصاد. بل إن العقيدة الحالية توحي بأن الجيش يجب أن يتعمد التخطيط لتعزيز النمو الاقتصادي. كتيب العمليات إف إم 3-0 المؤرخ فبراير 2008، يشير إلى "الاقتصاد" أكثر من 50 مرة ويناقش العوامل الحاسمة للنظر في التخطيط الاقتصادي. وبالمثل، يحتوي كتيب إف إم 3-24 على إرشادات حول المكون الاقتصادي لمكافحة التمرد، وكذلك حول دمج المنظمات المدنية في هذه العمليات. لكنه، مع ذلك، لا يشرح للقادة العسكريين كيف يمكنهم، على المستوى التكتيكي أو التشغيلي أو حتى الاستراتيجي، محاولة التأثير على التنمية الاقتصادية لمجتمع ما بعد النزاع.

وقد مُنح ضباط الجيش الأمريكي سلطة تقديرية واسعة في صرف المساعدات العسكرية وفي التخطيط لمشاريع إعادة الإعمار المعقدة في أفغانستان والعراق، لكن التدريبات التي تلقوها ضئيلة أو معدومة. كما هو الحال مع نظام الأسلحة التقليدية، فإن توفير الموارد والتدريب على سلاح ما يمكّن القوات من الاستفادة منه لصالحها ضد العدو. وعلى العكس، لا يمكن للقوات ضعيفة الموارد والتدريب على سلاح جديد أن تستفيد من قدراته بالكامل. بل قد يطلقون النار من السلاح على أقدامهم دون قصد أو يكونون من الحمق بحيث يصبح السلاح عبئا عليهم بدلا من ميزة لهم. لا يختلف مفهوم المال كسلاح عن ذلك. فعند استخدامه بشكل صحيح، يوفر المال والنفوذ الذي يأتي معه إمكانات كبيرة. ولتحقيق إمكاناته بشكل كامل، لا بد من فهم آليات هذا السلاح ومزاياه عيوبه وخاصياته غير المكتوبة والبيئة التي سوف يعمل فيها. يجب على المرء أن يفهم كيف يمكن استخدام المال بشكل جيد، وعلى العكس، كيف يمكن استخدامه بشكل سيئ. يجب على المرء أن يفهم الضرر الذي يمكن يؤدي إليه سوء الاستخدام، وأن يتمكن كذلك من تقييم فعالية استخدامه من عدمها. يجب أن نفهم مخاطر استخدام المال كسلاح، ويجب أن نطور استراتيجيات تلافي هذه المخاطر. وبالمثل، يجب على المرء أن يدرك متى لا ينبغي استخدام السلاح. مجرد التسليح لا يبرر بالضرورة استخدام السلاح. ما لم يراعى كل ذلك، سيكتشف القادة، في أي مستوى من المستويات، أن خططهم تؤدي لنتائج مفزعة، كما رأينا في العراق وأفغانستان. والأسوأ من ذلك، أن وصفاتهم لإصلاح المشاكل قد تؤدي، عن غير قصد، إلى زيادة الطين بلة.

يجري حاليا تطوير عدد من الأدوات الإضافية للقادة العسكريين. على سبيل المثال، طور معهد الولايات المتحدة للسلام كتيبات للعاملين في مثل هذه البيئات. وشارك في تأليف العديد من هذه الكتيبات الإرشادية قادة عسكريون أو كتاب ضليعون في القضايا العسكرية. ونشرت أيضا منظمات أخرى، مثل مؤسسة راند، وجامعة الدفاع الوطني، ومؤسسة كلية القيادة والأركان العامة، كتيبات مفيدة تتمحور حول الممارسين.

ونشرت مؤسسة آسيا ورقة ممتازة عن ديناميكيات التسويات السياسية بين النخب في المجتمعات المعرضة للنزاع بعنوان "التسويات السياسية: الآثار المترتبة على سياسة التنمية الدولية وممارستها". يجادل المؤلفون أن الأطراف الفاعلة في حالات النزاع تخلق تسويات سياسية للحد من العنف ولصرف الإيجارات لمختلف سماسرة القوة. في مثل هذه البيئات، هناك انعدام للثقة، وبسبب ذلك، تستمر كل الفصائل الرئيسية في التسلح. المؤسسات في هذه البلدان طيِّعة وتعكس مصالح سماسرة القوة بدلا من أن تكون جهات فاعلة مستقلة أو أن تمثل المصلحة الوطنية بشكل عام. فشلت العديد من استراتيجيات التنمية، يقول المؤلفون، لأنها تسعى إلى إضعاف سماسرة القوة والذين يعتبرون في حد ذاتهم بالغي الأهمية للتسوية السياسية الأولية. هذه الورقة بالذات جديرة بالذكر لأنها تسدي النصيحة للممارسين بشأن كيفية رسم خريطة الشبكات المختلفة التي تُبقي هذه الجهات الفاعلة في السلطة، وكذلك استراتيجيات تهميشها ووضع الفاعلين الإصلاحيين في الصدارة.

وبالمثل، توفر المنظمات غير الحكومية بعض الموارد، ومنها ما هو مخصص للمحترفين في مجال الأمن. على سبيل المثال، نشرت المنظمة غير الحكومية جلوبال ويتنس منذ فترة طويلة دراسات حول الكيفية التي تؤثر بها الموارد على النزاعات، وقدمت توصيات سياسية عملية. ولمنظمة الشفافية الدولية برنامج لدراسات الدفاع مقره في لندن، وهو برنامج يقوم بتدريب ضباط مختارين من حلف شمال الأطلسي قبل نشرهم في أفغانستان. كما تصدر المنظمة كتيبات عن فهم وتقييم الفساد داخل وزارات الدفاع والصناعات الدفاعية. في أكتوبر 2013، نشرت المنظمة كتيبا موجها لكبار القادة العسكريين عنوانه "الفساد وحفظ السلام: تعزيز حفظ السلام والأمم المتحدة"، يتحدث عن كيفية تأثير الفساد على عمليات حفظ السلام. وهناك كتيب على وشك الصدور موجّه للضباط العسكريين الميدانيين عن كيفية تأثير الفساد على عمليات الاستقرار وكيف يمكن للمحترفين في مجال الأمن أن يخففوا من هذا التأثير.

لحسن الحظ، اعترف الجيش الأميركي أن بعض عمليات تحقيق الاستقرار تتطلب مجموعات من المهارات الخاصة، وقام على إثر ذلك بتأسيس بعض المنظمات والبرامج لمواجهة التحديات الكامنة في العمليات المعقدة. على سبيل المثال، في عام 2006، أنشأ نائب وزير الدفاع فرقة عمل مختصة بعمليات التجارة والاستقرار في العراق. في البداية، ركزت فرقة العمل على العراق فقط، ولكن مع مرور الوقت، توسعت مهمتها لتشمل أفغانستان. مع تركيزها على تنمية القطاع الخاص، منحت فرقة العمل الأولوية للاستثمار المستدام والتنمية والنفط والتعدين في أفغانستان.

وجنبا إلى جنب، سعت مبادرات مثل أفغانستان أولا إلى جلب المقاولين المحليين من ذوي السمعة الحسنة ومنحهم تعاقدات مع الحكومة الأمريكية في أفغانستان على أمل أن يؤدي ذلك إلى تمكين فاعلين اقتصاديين جدد وتحفيز الاقتصاد. وبالمثل، في عام 2010، تم إنشاء "فريق عمل شفافيات" (وهي تعني شفافية في اللغتين الدرية والبشتوية) لمواجهة الفساد المستشري والذي أصبح يهدد الحكومة الأفغانية واقتصادها بل وشرعية مهمة الناتو عموما. وفي أعقاب فضيحة بنك كابول الكبيرة، أصبحت دراسة التفاعل بين شبكات الاقتصاد والمحسوبية واحدة من مهام هذا الفريق. وكذلك، أنشأت منظمة حلف شمال الأطلسي وظيفة جديدة لضابط لعام بنجمتين في قوة المساعدة الأمنية الدولية، سمته "نائب رئيس هيئة الأركان للاستقرار"، وألقت على عاتقه مسئولية التركيز على الجوانب غير العسكرية للحملة في أفغانستان. شمل ذلك التنسيق مع المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية وكذلك وزارات الحكومة الأفغانية مثل وزارات المالية والتعدين والأشغال العامة والتجارة والصناعة.

خارج مناطق الانتشار، تنشر بعض المؤسسات، مثل مؤسسة حفظ السلام والاستقرار التابعة لكلية الحرب التابعة بدورها للجيش الأمريكي، دراسات وعقائد مخصصة لبيئات ما بعد النزاع والتي من المرجح أن يعمل بها أفراد الجيش الأمريكي. وقد أُُنشأت هذه المؤسسة عام 1993، وكان أحد مجالات تركيزها عمليات حفظ السلام والاستقرار في الحرب على مستويي الاستراتيجية والتشغيل. ويشمل ذلك تعزيز التكامل بين المدنيين والعسكريين وجمع الدروس المستفادة. وبالمثل، يعمل مركز العمليات المعقدة بجامعة الدفاع الوطني مع مجموعة متنوعة من المنظمات غير الحكومية والوكالات الحكومية الأمريكية والخبراء الأجانب لجلب أحدث المفاهيم وأفضل الممارسات الدولية إلى محترفي العسكرية.

منهج لمزيد من الدراسة

في حين تبنت بعض عناصر وزارة الدفاع دور الاقتصاد السياسي والتنمية الاقتصادية، إلا أنه من المهم أن تلتحق العقيدة والتعليم بركب العمليات التي يتولاها المهنيون العسكريون. يرى البعض أن الدروس المستفادة من العمل في الدول الضعيفة والفاشلة ستنتهي أهميتها بالنسبة للجيش الأمريكي فيما بعد أفغانستان. ستؤدي التخفيضات في الميزانية وكذلك إرهاق الرأي العام إلى ابتعاد الجيش الأمريكي عن مهمة بناء الأمم في المستقبل. ومن المرجح للتغيير الأخير في ترتيب أولويات الأمن القومي، الذي يوجه التركيز نحو آسيا، أن يؤكد على الحرب التقليدية، على عكس طبيعة التحديات في أفغانستان والعراق والبلقان والصومال. ولكن، يبدو أن النقاد نسوا مقولة أن "للعدو حق التصويت". يكفي للمرء أن ينظر إلى النزاعات الكبيرة الجارية ليفهم الدور الذي من المرجح أن يلعبه الاقتصاد السياسي. وقد أدى الربيع العربي إلى نزاع طائفي في سوريا ومصر وليبيا. وكانت كلها دول ذات حكومات فساد ونهب بدرجة أو بأخرى، وجميعها الأن تعمل بشكل متزايد على شكل ما من أشكال اقتصاد الحرب. لا يمكن للمرء أن يعمل في مثل هذه البيئات أو أن يصيغ الاستراتيجيات العسكرية المستدامة دون أن يفهم الدور الذي يلعبه سماسرة القوة من النخبة وكيف يمكنهم القيام بدور المفسد لأي حل مستقبلي للنزاع.

قضايا الاقتصاد السياسي لا تقل أهمية عن النزاع التقليدي الذي تقف فيه دولة في مواجهة دولة. على سبيل المثال، طالما كان ينظر إلى النزاع مع كوريا الشمالية على أنه نزاع دول تقليدي. ومع ذلك، تكشف الدراسات الحالية عن الدور الضخم الذي تلعبه مختلف الأسر الكبيرة في الحفاظ على النظام الكوري الشمالي، وتقدم تقديرات أفضل لما قد يحدث عندما ينهار هذا النظام في نهاية المطاف. وبالتالي، حتى تهديدات الأمن القومي التقليدية ليست محصنة من الدروس المستفادة من النزاعات الأخيرة في أفغانستان أو العراق.

ونظرا لمركزية قضايا الاقتصاد السياسي للنزاعات المعاصرة، نقترح أن يركز ضباط الجيش طوال حياتهم المهنية على المجالات التالية.

المجال الأول هو فهم أساسيات الاقتصاد السياسي، بما يتجاوز منحنيات العرض والطلب القياسية التي تدرس في برامج البكالوريوس. في حين أن هذه المنحنيات مهمة، إلا أن دراسة دور الاقتصاد في النزاعات تحمل نفس القدر من الأهمية. وينبغي لهذا الفهم أن يمتد إلى ما بعد الدراسة التقليدية لدور الاقتصاد في تعزيز المجمع الصناعي العسكري. في العديد من الدول التي خاضت الولايات المتحدة فيها حروبا أو ستخوض، لا توجد مجمعات صناعية، وقد لا يكون الجيش الرسمي أكثر بكثير من مجرد ميليشيا تحمل اسم الجيش. وبالتالي، ينبغي دراسة الاقتصاد السياسي للنزاعات في البلدان النامية أيضا.

ثانيا، ينبغي أن يدرس ضباط الجيش التمويل والموارد التي ترتبط بمختلف الجهات الفاعلة غير المشروعة. لا يشمل هذا المسلحين فقط، ولكن أيضا المنظمات الإجرامية وأمراء الحرب والعصابات. فمن الجدير بالذكر أن الإجرام لا يتوقف عن التطور. ما كان يعتقد في السابق أنه مشكلة في إنفاذ القانون يظهر على نحو متزايد على أنه مشكلة عسكرية، في ما يطلق عليه البعض التمرد الإجرامي. على سبيل المثال، تستخدم المنظمات الإجرامية اليوم في أمريكا الوسطى والمكسيك أساليب وتكتيكات مشابهة لحركات التمرد، ليس بالضرورة لتحقيق مكاسب سياسية، ولكن للحفاظ على حريتهم في الحركة لأغراض الكسب المادي. حركات التمرد الجنائية هذه تحقق الآن مستويات عنف وأعداد قتلى تنافس نظيراتها في التمرد والحروب الأهلية. في العادة لا تستطيع وكالات إنفاذ القانون التعامل مع هذه الأزمات دون مساعدة من القوات العسكرية. ينبغي إعداد قادتنا العسكريين لهذه الحالات الطارئة.

وبالمثل، ينبغي تزويد الضباط بالمعلومات الأساسية عن أفضل الممارسات الحالية في مجال التنمية الاقتصادية، سواء على المستوى الجزئي أو المستوى الكلي. والهدف هنا ليس تحويل الضباط العسكريين إلى خبراء في التنمية - فلا ينبغي أبدا أن تصبح التنمية وظيفة أساسية للجيش الامريكي. لكن يجب أن يكون ضباط الجيش قادرين على فهم قضايا الاقتصاد السياسي المتعلقة بالتنمية وتطبيقها على الاستراتيجيات والتكتيكات. ينبغي أيضا أن يتمتعوا بالخلفية التعليمية التي تؤهلهم للتنسيق الفعال مع هيئات التنمية. وعليهم ان يفهموا التداعيات الأمنية لاستراتيجيات التنمية المختلفة بحيث يمكنهم التعرف على هذه القضايا الأمنية والتخطيط لها بدلا من الاستجابة لها بطريقة غير محسوبة.

وبالإضافة إلى التعليم، يجب تعديل العقيدة لتعكس العالم الذي يعمل فيه قادتنا العسكريون في الوقت الحالي. على سبيل المثال، يعتبر إف إم 3-24 دليلا عظيما للدروس المستفادة من تاريخ عمليات مكافحة التمرد. بل هو أيضا علامة مميزة على التعاون بين العسكرية والأكاديمية، وتحديدا مركز بلفر بجامعة هارفارد. لكن نقطة ضعفه الكبيرة بالنسبة للنزاعات الحالية هي أنه يفترض، في بيئة مكافحة التمرد، أن الحكومة المضيفة تريد إضفاء الشرعية على نفسها. في حين يناقش الدليل قضايا مثل الفساد، إلا أنه ينظر إلى الحكومة المضيفة كحالة يقف فيها الفساد في طريق التنمية والأمن. لكن الدروس المستفادة من مجموعة متنوعة من نماذج البلدان النامية تشير إلى أن العديد من النخب، للأسف، لا يعبأون بإضفاء الشرعية على أنفسهم أكثر من الحد الأدنى الضروري، كما ينصب اهتمامهم على محافظ نقودهم وقوتهم بدلا من تلك الخاصة بدولهم. لا يذكر إف إم 3-24 حتى مجرد وجود مثل هذه الحكومات، وبالتالي لا يوفر للعسكري المحترف أفكارا حول كيفية التعرف على مثل هذه البيئة أو كيفية التعامل معها. ويصدق الشيء نفسه على العقائد مثل إف إم 3-07، قسم عمليات الاستقرار، والذي يذكر الكثير عن إجراءات الشراكة بين الوكالات ويقدم القليل عن كيفية العمل في البيئات التي تكون فيها الحكومة المضيفة مفترسة وفاسدة للغاية. تحتاج هذه العقيدة إلى التعديل للتأكيد على تقنين الدروس المستفادة من أكثر من عقد من الحروب حتى يمكن الاستفادة منها في المستقبل.

فهم القادة العسكريون من أمثال جورج مارشال ودوجلاس ماك آرثر أهمية قضايا الاقتصاد السياسي لمهنتهم العسكرية. هذا الواقع لا يختلف اليوم. يستمر ضباط الجيش في مواجهة القضايا التي يتقاطع عندها السياسي والاقتصادي، بينما يعملون في هذا العالم. حتى يكونوا بحق وكلاء صالحين في إدارة الموارد الأميركية، هناك احتياج إلى مزيد من التكامل بين هذه المجالات في العقيدة والتعليم العسكريين.

 
 
مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب