داعش تبعث برسالة

مقال رأي

رجل ملثم يلوح مهددا برأسٍ مقطوعة في إحدى يديه. وفي الأخرى، يرفع السبابة، رمزا يفهم عادة على أنه الرقم واحد.

اسمه عبد الماجد عبد البارى، مغني راب لندني فاشل تحول إلى الجهاد، ليصبح أحد المتطرفين البريطانيين الذين يقاتلون لصالح الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، والمعروفة أيضا باسم الدولة الإسلامية. وتشتبه السلطات البريطانية به في قتل الصحفيين الأمريكيين ستيفن سوتلوف وجيمس فولي. في أغسطس، نشر عبد البارى صورة بشعة، من واقعة قتل أخرى، على حساب "تويتر" الخاص به ليراها العالم.

ولم يكن الغريب هو الرأس التي أمسكها عبد البارى في يده اليسرى – رغم بشاعتها – بل كانت غريبة تلك الإشارة التي قام بها بيده اليمنى. بالنسبة لأتباع داعش، أصبحت إشارة السبابة المرفوعة رمزا لقضيتهم، وقد زاد استخدامها في صور المتشددين. بل إن البعض ذهب الى حد تسمية تلك الإشارة "المعادل الجهادي لإشارة العصابات."

إن الشرق الأوسط واضطراباته ليسا جديدان على الإشارات. خلال العام الماضي، قامت مجموعة متنوعة من الجماعات، بداية من جماعة الإخوان المسلمين في مصر إلى الأكراد في العراق، باستخدام أربعة على الأقل من إشارات اليد المميزة. تحمل هذه الإشارات رسائل سياسية معقدة تجاهلها المراقبون الغربيون إلى حدٍ كبير. وتلك الهفوة مفهومة بالطبع: فبجوار رأس مقطوعة، من السهل أن نغفل الرقم واحد.

إلا أن الإشارات يجب أن تجذب المزيد من الاهتمام، ولا سيما رمز إصبع السبابة الذي تشير به داعش. فهي وسيلة هامة تنقل من خلالها المجموعات الإقليمية رسائلها الأساسية لمشاهديها في الشارع ومراقبيها على بعد آلاف الأميال في أوروبا والولايات المتحدة. لفهم الأيديولوجيات التي تهدف هذه الجماعات لتصديرها، يحتاج المرء لفهم الرموز التي يستخدمونها.

 

 

 

 

 

 

 

 

مقاتلو داعش في سوريا، يوليو 2014. (المصدر: يوتيوب)

 

استخبارات الإشارات

إن الإشارات قديمة قدم السياسة نفسها. لكنها اكتسبت أهمية خاصة مع ظهور وسائل الإعلام في القرن العشرين. تذكر ما قد يكون أفضل مثال معروف: التحية الفاشية لأدولف هتلر. في إشارة واحدة، جَسّد هتلر قوة الاشتراكية القومية، وطاعة الحشود الألمانية، ودوره باعتباره القائد الأعلى. ولأن صوره وهو يؤدي تلك التحية طبعت في الصحف في جميع أنحاء العالم، وصل ذلك الرمز إلى المليارات.

وقد سهلت كل التطورات اللاحقة في تكنولوجيا وسائل الإعلام على الرسائل السياسية الوصول إلى الجماهير. ولكن الإنترنت غير قواعد اللعبة، فجعل عملية صنع الصورة برمتها ديمقراطية. واليوم، أي شخص لديه هاتف خليوي يمكنه بث صورة في لحظة – وهذا بالضبط ما فعله عبد البارى.

عندما يرفع متطرفي داعش إصبع السبابة في أيديهم اليمنى، فهم يشيرون إلى التوحيد، والاعتقاد بوحدانية الله وذلك عنصرٌ أساسي للدين الإسلامي. يشكل التوحيد النصف الأول من الشهادة، والتي هي تأكيد الإيمان، أحد أركان الإسلام الخمسة، وجزء من الصلوات اليومية "لا إله إلا الله، محمد رسول الله".

إذن فليس من المستغرب أن تحتل الشهادة مكانة بارزة في الصورة العامة لداعش. ويحمل علم الجماعة الأسود كلمات الشهادة مكتوبة باللغة العربية باللون الأبيض (كما تفعل حماس، بل وحتى المملكة العربية السعودية). وقد ربط المسلمون منذ فترة طويلة رفع اصبع السبابة بقول الشهادة في مجموعة متنوعة من السياقات، بدءا من الصلوات اليومية إلى الدخول في الإسلام.

ولكن بالنسبة لداعش، فهذا الرمز أكثر شرا من مجرد إعلان التوحيد. مثل السلفيين الجهاديين، فأعضاء الجماعة يلتزمون بالتفسير الأصولي للتوحيد، الذي يرفض الأنظمة غير الأصولية معتبرا اياها وثنية. وبعبارةٍ أخرى، فإن مفهوم التوحيد أمرا أساسيا لوضع داعش العنيف والمتصلب تجاه خصومها، سواء في الشرق الأوسط أو في الغرب.

عندما يرفع متشددي داعش تلك العلامة، كل منهم إلى الآخر أو إلى مصور، فهم يؤكدون مجددا بنشاط تفانيهم لتلك الايديولوجية، التي يطالب مبدأها الأساسي بتدمير الغرب. وإذا كان الجنود العاديين يدركون الآثار اللاهوتية الدقيقة لتلك لعلامة التي يرفعونها – ولن يكون من المفاجي إذا كانوا يدركون ذلك – فسيكون هذا تصريح واضح على معارضتهم العميقة للتعددية.

ولا يقل أهميةً عن ذلك ما تعنيه الإشارة للغربيين، الذين لا يستطيع معظمهم قراءة اللغة العربية. من خلال رفع سبابتهم، يرسل المتشددون رسالة سهلة الفهم بأهداف المجموعة التي تضم التفوق اللاهوتي والهيمنة العسكرية. عندما يرى المجندون المحتملون لداعش في لندن أو نيويورك أو سيدني هذا الرمز على تويتر، يمكنهم فهم حجم طموحات داعش وأهدافها الكامنة. وعلى مستوى غير ظاهر، يفهم المشاهدون الأقل راديكالية أن ذلك يعني الهيمنة.

إذا كانت داعش ترفع إصبعا واحدا، فمعارضيها يرفعون ما يسمى V النصر، وهو رمز يحظى بشعبية كبيرة بين الجنود العراقيين وقوات البيشمركة الكردية. وقد صممته في الأساس هيئة الإذاعة البريطانية BBC كعلامة لقوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية، وقد تم استخدام رمز V في الشرق الأوسط منذ تصميمه في عام 1941. وفي أوقات عدة في التاريخ، خصصت العديد من المجموعات هذا الرمز ليعبر عنها، من بينهم الإرهابيين الفلسطينيين، والإيرانيين الذين شاركوا في "الثورة الخضراء" الفاشلة، والمصريين في ميدان التحرير.

ويشير تنوع رافعي هذه الإشارة إلى أن الـV تحدد أبعاد سياسية أقل صرامة من الاصبع المرفوع. إنها رمز عام للتحدي والاحتجاج، والتعبير عن الذات دون معنى فكري. (في الحقيقة رمز V عام جدا، لدرجة أن أنصار داعش قد رفعوه أيضا في بعض الصور). ولكن بشكل ما، فاستخدام رمز V يصب في جوهر كل ما تعنيه معارضة داعش. فهم مجموعة من الفصائل ذات أهداف ورؤى مختلفة للعالم، لا يربطهم معا سوى الخوف من الدولة الإسلامية. فرغم أن أتباع داعش تربطهم الأفكار الأصولية، فخصومهم ليسوا على نفس درجة الاتحاد.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

امرأة كردية ترفع إشارة النصر في تركيا، ديسمبر 2009. (أوميت بيكتاس / عن رويترز)

 

حرية استخدام الإشارات

إن داعش ومعارضيها ليسا المجموعتان الوحيدتان اللتان تستفيدان من الإشارات في المنطقة. فقد ظهر رمزين أخرين في المنطقة خلال العام الماضي، وهما يوفران سياقين مهمين لإشارة إصبع السبابة التي ترفعها داعش.

ظهر أحدهما عندما خطف نشطاء حماس ثلاثة مراهقين إسرائيليين في يوليو الماضي. احتفل الفلسطينيون بالأخبار عن طريق رفع ثلاثة أصابع في الهواء بمرح، واحد لكل من الرهائن الذين سيجب على اسرائيل أن تفديهم عن طريق الإفراج عن إرهابيين مدانين من السجن. وسميت تلك الإشارة بالـ "ثلاثة شلاليط"، في إشارة إلى جندي جيش الدفاع الإسرائيلي جلعاد شاليط الذي كان محتجزا كرهينة، وسرعان ما انتشر الرمز في جميع أنحاء العالم العربي عبر وسائل الإعلام الاجتماعية، وفي كثير من الحالات كان ذلك لأطفال الصغار يقفون أمام الكاميرا ويرفعون بفخر ثلاثة أصابع.

وكما هو الحال مع إشارة داعش، كانت الرسالة المستهدفة من الرمز الجديد سهلة الفهم: دعم الفلسطينيين العاديين لحماس وتكتيكاتها. وفي مقابل بطء الإعلام الغربي في التعرف على أهمية رمز داعش، فالصحافة الإسرائيلية وبعض وسائل الإعلام الأمريكية أبرزت بسرعة معنى "ثلاثة شلاليط" والآثار المترتبة عليه. على أحد المستويات، فالفرق في رد الفعل ليس مستغربا: ظهر الرمز المؤيد لحماس في الضفة الغربية وكان يشكل مصدر قلق أكثر إلحاحا لإسرائيل، ماديا وسياسيا، أكثر مما يبدو رمز داعش للغرب.

وانتشر الرمز الثاني، الذي أيده الإخوان المسلمون في مصر، على نطاقٍ واسع قبل عام، ولكن بدأ بعدها في الاختفاء. في الصيف الماضي، اشتبك محمد مرسي، الذي كان رئيسا لمصر، مع جيش البلاد في صراع انتهى بسقوطه من السلطة. في حادثة واحدة، قتل الجيش المئات من أتباع مرسي في محيط مسجد رابعة العدوية. كلمة رابعة تعني "أربعة" في مصر، لذا فسرعان ما تبنت جماعة الإخوان إشارة يد ترفع أربع أصابع كرمزٍ لها.

في مسيراتٍ من القاهرة الى إسطنبول، رفع أنصار الإخوان لافتات صفراء عليها إشارة رابعة مطبوعة باللون الأسود، وارتدوا أزرار رابعة، وصنعوا الإشارة بأيديهم. كانت محاولة لتذكير المصريين والعالم بمجزرة الجيش وتحويل الرواية بعيدا عن وعود مرسي الديمقراطية الفاشلة.

منذ خلع الجيش المصري مرسي، عمل بجد لسحق رابعة، فمنع رياضيي البلاد الأولمبيين من رفع الإشارة في سوتشي الشتاء الماضي. بينما حاول أنصار الإخوان المسلمين أن يبقوها حية، فنظموا "يوم رابعة" في جميع أنحاء العالم في شهر أغسطس الماضي. لكن يبدو أن جهود الجيش تؤتي ثمارها، فهذه الإشارة ورسالتها الأساسية في تلاشي نوعا ما عن الساحة الدولية. إذا كانت رابعة هي العلامة للمحافظة على قوام جماعة الإخوان المسلمين، فلا تراهن على عودة الجماعة إلى السلطة في أي وقتٍ قريب.

بالنسبة للحكومات في الغرب، ينبغي لرابعة أن تثير سؤالا مهما: عندما تصل سبابة داعش شواطئها، هل سيتبعوا النموذج المصري للقمع؟ أم أنهم يحترمون مبادئ حرية التعبير؟ ومعضلات حرية التعبير بالطبع ليست شيئا جديدا. وقد تصدت السلطات الأوروبية لسؤالٍ مماثل فيما يتعلق بما يسمى كونيل، وهي إشارة معادية للسامية تشبه تحية هتلر معاكسة. اتخذ المسؤولون الفرنسيون موقفا متشددا، في محاولة لمنع الممثل الكوميدي ديودوني مبالا مبالا، الذي اخترع كونيل، من أدائها في البلاد. وقد عاقبت الرابطة الفرنسية لكرة القدم لاعبي كرة القدم الذين قاموا بإشارة كونيل أثناء المباريات. ولكن يبدو أن محاولة قمع هذه الإشارة ظلت غير فعالة، وتحول ديودون الى شهيد لحرية التعبير.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مؤيد لمرسي يلوح بعلم يحمل إشارة رابعة، مايو 2014. (محمد عبد الغني / من رويترز)

وجدت إشارات الشرق الأوسط طريقها إلى الغرب. واصطدمت بالرقابة في بعض الحالات: أغلق الفيسبوك مجموعة عامة شجعت المستخدمين على تحميل الصور التي تحمل تأييدا لعمليات الخطف التي تقوم بها حماس مع تحية الاصابع الثلاث. إذا كان يجب حظر أي إشارة، فلتكن رفع السبابة، والتي ظهرت بالفعل في مسيرة مؤيدة للداعش في لاهاي في نهاية يوليو. إلا أنه من المرجح أن وجود تدابير لتجريم شعار داعش سيأتي بنتائج عكسية، كما في حالة كونيل، محولةً أنصار داعش إلى ضحايا الرقابة.

على أقل تقدير، يحتاج الغربيون إلى أن يصبحوا أكثر معرفة بما تعنيه هذه الإشارة. ومن المشكوك فيه أن يكون معظم المواطنين الهولنديين قد فهموا الأفكار المتطرفة وراء رفع السبابة في لاهاي، ويمكن للمرء أن يقول الشيء نفسه عن الرأي العام في الدول الغربية الأخرى. فاستمرار جهلهم سيزيد من صعوبة تقييم التهديد الذي تمثله داعش في الشرق الأوسط.

إن الرقم واحد الذي ترفعه داعش، والذي يبدو غير منطقي للوهلة الأولى، هو بيان حول معارضة الجماعة القاطعة للنظام العالمي الليبرالي. واستخدامه يصبح أكثر إثارة للقلق عندما يقوم به الجهاديون الذين ولدوا في الغرب ولديهم جوازات سفر تمكنهم من السفر خارج منطقة الشرق الأوسط. في الواقع، فإن أولئك الذين يقللون من شأن المخاطر التي تمثلها الدولة الإسلامية بحاجة إلى أن ينظروا أبعد من السبابة، مما يجعل طموحات داعش شديدة الوضوح.

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب