رئيسنا غير الواقعي

مقال رأي

حتى قبل أن تبدأ فترة رئاسته، أعرب الرئيس أوباما صراحةً عن سياسةٍ خارجيةٍ تختلف جذريًا عن تلك التي تبناها أسلافه المباشرون. ولم يقدّم نفسه باعتباره النقيض الموضوعي لبوش فحسب، وإنما أشار أيضًا إلى أن إدارته ستتبنى نهجًا مختلفًا في التعامل مع الأمن القومي عن ذاك الذي تبنته إدارة كلينتون. لقد التزم بأن يكون، على حد تعبير مساعديه، "واقعيًا" بما يجعله أقرب في الدرجة لجورج بوش الأب، كما عبّر رام إيمانويل، رئيس موظفي البيت الأبيض السابق، في٢٠١٠ قائلًا  عادةً ما يفصل الجميع بشكلٍ متعنت بين المثاليين والواقعيين. إذا ما كان عليك أن تصنّفه، فربما يمكنك القول أنه سياسيٌ واقعي على غرار بوش الأب." ولم يكن هذا الرأي مقتصرًا فقط على البيت الأبيض؛ فقد سجّل العديد من المعلقين من مختلف ألوان الطيف السياسي أن إدارة أوباما جسدت ما يمكن أن تكون عليه الواقعية على المستوى العملي، كما لو كانت تعمل تحت قيادة رئيسٍ جمهوري.

والآن، ونحن في منتصف الطريق تقريبًا خلال فترته الرئاسية الثانية، قد حان الوقت لنتوقف حيال الأمر. هل الرئيس أوباما واقعيٌ فعلًا؟ الإجابة على هذا السؤال تعني الكثير، لا سيما بالنسبة للجمهوريين والمحافظين، الذين ادعوا دائمًا التزامهم مبدأ الواقعية في التعامل مع الشئون الخارجية. فالآن يبدأ مرشحو الرئاسة المحتملون في ٢٠١٦ التفكير في النهج الذي سيتبنونه في السياسة الخارجية، وفكرة أن استراتيجية أوباما كانت واقعية من شأنها بلا شك أن تؤدي لارتدادٍ كبير عن الواقعية.

ولكن الحقيقة هي أن أوباما ليس واقعيًا. قد يكون الرئيس بدا متحفظًا في الشئون الدولية؛ أو بدا متشككًا بشأن المشروعات الضخمة أو متناقضًا في مسائل تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان أوحتى أكثر ميلا نحو التقشف. ولكن ذلك لا يجعله واقعيًا.

ويساعدنا على الفهم أن يكون لدينا تعريفًا أوضح لمعنى الواقعية. فعلى الرغم من وجود مدرسة محددة ومعروفة بالأفكار التي تندرج تحت هذا المصطلح (أو حتى تحت مصطلح "الواقعية الجديدة")، فإن الواقعية العملية (مثل المحافظة) تشير إلى تصور عام أكثر مما تشير إلى عقيدةٍ واضحة. والواقعية، في جوهرها، هي رؤية الساحة الدولية باعتبارها ساحةً صلبةً ومجالًا للتنافس؛ فالقوة تعني الكثير في العلاقات الخارجية كما أنها عادةً ما تحسم الأمر؛ والبلدان تسعى خلف مصالحها أكثر مما تتبع مبادئها المعلنة؛ فالقوة والردع والضغط، وإن استتبعوا المخاطرة، عناصرٌ أصيلة في السياسة الخارجية ولا يمكن تجاهلها أو القضاء عليها. وفي وصفاتهم السياسية، يميل الواقعيون للتأكيد على الحفاظ على القوة والتفوق، ويعتمدون استراتيجية تبرز نقاط القوة وتخفف من نقاط الضعف، ويتبعون ما يحافظ على الرضا والاستقرار أكثر مما يحافظ على المبادئ، ويشددون على مسلمة أن التحصينات الجيدة تصنع جيرانًا جيدين.

وإذا كان يقترب هذا بدرجةٍ معينة مما يتصوره أغلب الناس بخصوص المحافظة [الفكر المحافظ]، فإن ذلك ليس من قبيل المصادفة. إذ يمكن للمرء أن يحاجج بالبراهين أن الواقعية - بتركيزها البيركي (نسبة إلى إدموند بيرك) على ما يمكن تحقيقه بدلا مما يمكن تغييره وعلى المهارة بدلًا من المبدأ - تعد تقريبًا مرادفًا للمحافظة [للفكر المحافظ].

وبالطبع، لا يعتقد الواقعيون ولا المحافظون أن الواقعية تقدم حلولًا لكل شيءٍ في السياسة الخارجية. فأشد الواقعيين، كأيزنهاور، كانوا أخلاقيين بشكلٍ عميق في انتهاجهم هذه الاستراتيجية. ولكنها منظومة الأخلاق النابعة مما قد يسميه المرء "الواقعية الصالحة،" بتأكيدها على المسئولية وأهمية التعامل معها بدلًا من الركون إلى حسن النية، وهي تختلف عن الغوغائية الذهنية لودرو ويلسون أو مشاعر الضيق والجزع التي تنتاب جيمي كارتر. وعلى سبيل المثال، أظهر جورج بوش الأب، كنموذجٍ قريب للرؤساء الواقعيين، حسًا عميقًا بالمسئولية في الكيفية التي تعامل بها مع انتهاء الحرب الباردة، وفي حنقه الهادئ والموجه لمافعله صدام حسين من غزو الكويت.

ومن المؤكد أن النهج الذي يتبناه أوباما يظهر بعض عناصر الواقعية، أبرزها التحفظ حيال الاستخدام المفرط للقوة. إذ يؤكد الواقعيون أن القوة أداة مكلفة في الأغلب ولا يمكن توقع نتائجها، كما يميلون للاقتصاد في توقعاتهم عن الأمور الجيدة التي يمكن أن تحدث عندما تستخدم الدول بنادقها.

ولكن التحفظ ليس ما يميز الواقعية جوهريًا. فبالعكس من ذلك، يعتقد الواقعيون - إذ غالبًا ما يرون الساحة الدولية كحلبةٍ خطيرةٍ للتنافس - أن القوة لا غنى عنها للسياسة الخارجية الناجحة. ففي الشئون المحلية، لا يرحب الواقعي بتحفظ الشرطة فقط، وإنما بالاستخدام القوي المحسوب لقوات الشرطة أيضًا؛ وبالمثل، يعلم الواقعي، في السياسة الخارجية، أن التحفظ وحده ليس إلا دعوة للفوضى والاضطراب. وبهذا المعيار، أوباما ليس واقعيًا بشكلٍ حقيقي ولا رئيسًا ناجحًا في السياسة الخارجية.

إن مراجعة سجل السياسة الخارجية للرئيس تثبت ذلك. ولنأخذ تردده في فكرة "الخط الأحمر" على سوريا. فليس هناك واقعيٌ يضع خطًا أحمر بهذا النزق، لا سيما عندما لا يعدو الأمر كونه فرعيًا، بل ولا يفعل شيئًا عندما يُنتهك الخط. فلا يوجد واقعيٌ من شأنه أن يسمح للعالم - الصديق والعدو - أن يدرك جيدًا أن تعهدات أمريكا ليست محل ثقة.

كما أن أي "واقعي" لن يتعامل بالاستراتيجية غير المتسقة وغير المتوقعة والمتناقضة، في الأغلب، التي تبنتها هذه الإدارة تجاه "الربيع العربي". فقد بدت استجابة الرئيس للانتفاضات في الشرق الأوسط كما لو كانت تتأرجح بين "المثالية" الغرّة التي تتطلع لثورةٍ ليبرالية وبين المساعي الخرقاء للسياسة الواقعية. ولنأخذ الأهداف الإنسانية على سبيل المثال،؛ لقد تدخلت الإدارة في ليبيا وساعدت على الإطاحة بنظام القذافي؛ ثم لم تفعل شيئًا مؤثرًا للمساعدة في استقرار ليبيا خلال المرحلة الدموية التي تلت ذلك. وبنفس الطريقة، ضغطت الإدارة بشكلٍ علني على مبارك ليتنحى عن السلطة في مصر، وبعد ذلك، قبلت بهدوءٍ حكومة الجنرال السيسي.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب