كيف صنعت أمريكا داعش؟

barack-obama-bush

مقال رأي

 

أيًا ما يكون توجهك السياسي، فمن المرجح أنك تشعر بسوء الوضع في الولايات المتحدة حاليًا. فبعد كل شيءٍ، هناك فيرجسون (حيث كان العالم بأسره يراقب ما يحدث!)، وهناك رئيس يفقد شعبيته بشكلٍ  متزايد، وكونجرس يتمتع بنسبة شعبية أسوأ بكثير مما يجعل الرئيس يبدو كأحد نجوم الروك، وهناك أيضَا فقرٌ متنامٍ  وتدنٍ في الأجور وفجوة تتسع بين الفقراء والأغنياء... كل هذا ليس إلا مقدمةً لقائمةٍ  طويلة.  وفي الخارج، بدايةً بليبيا وأوكرانيا ووصولًا إلى العراق وبحر الصين الجنوبي، لا شيء يحدث في صالح الولايات المتحدة. وتعكس استطلاعات الرأي مناخًا عامًا من الكآبة التي تسيطر على المجتمع الأمريكي، فحوالي ٧١ بالمائة من الجمهور يعتقدون أن البلاد "تسير على الطريق الخاطيء". أجل، لقد تغيرت النظرة القديمة للقوى العظمى والفضل في ذلك يرجع إلى حظنا العاثر.

ولا يحتاج الأمريكيون إلا دفعةً بسيطة كي يشعروا بالتحسن... في الواقع، دفعةٌ واحدةُ كافيةٌ لإشعارنا أننا لم نزل بخير. وبالتأكيد ما يحتاجه مسئولو واشنطن في هذه الأوقات الصعبة هو عدوٌ واضحٌ  يمثل الشر المطلق، عدوٌ وحشي وهمجي ولا إنساني. إذ قد يمكننا، على النقيض منه، أن نؤمن بالضرورة الحقيقية والمعنى الاستثنائي لوجودنا على هذا الكوكب.   

وفي الوقت المناسب تمامًا، بينما نحاول إنقاذ الأمر، إذا بشيءٍ  جديدٍ يأخذ موقعه تحت الشمس: الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، والتي تغير اسمها مؤخرًا ليصبح "الدولة الإسلامية". وهي تنظيمٌ  شديد التطرف للدرجة التي تجعل "القاعدة" نفسها ترفضه؛ شديد الوحشية إذ أعاد ذكرى الصلب والذبح والإيهام بالغرق وبتر الأطراف؛ شديد التعصب وعلى استعدادٍ لاضطهاد أي طائفة دينية طالما وقعت على مرمى سلاحه؛ شديد التجهم ويعتمد منظومةً أخلاقيةً تقّر بذبح مواطنٍ أمريكيٍ  بريْ لمجرد الدعاية العالمية. خلاصة القول هي أنك إذا أردت أن تصم شيئًا بأنه سيءٌ، سيءٌ بالفعل، ويمكن مقارنته بالإبادة الجماعية والتطهير العرقي، فإن هذا "الشيء" بإمكانه أن يكون الأفعال التي تقوم بها "داعش".

وقد أثبت هذا التنظيم أيضًا أن قوته المتواضعة المؤلفة من مقاتلين جهاديين استطاعوا إيقاع الهزيمة بالجيشين السوري والعراقي، فضلًا  عن ميليشيا البشمرجية الكردية، ليسيطر بذلك على رقعةٍ من الأرض تتجاوز مساحتها تلك التي لبريطانيا العظمى في قلب الشرق الأوسط. واليوم، فإنه يحكم على الأقل أربعة ملايين شخص، ويتحكم فيما تحت يديه من حقول نفطٍ  ومعامل تكريرٍ (وبالطبع ما تدره عليه من عائداتٍ، علاوةً على المبالغ النقدية التي يتحصل عليها من البنوك المنهوبة وفديات الخطف ورعاته من الدول الخليجية). وبرغم المعارضة التي يواجهها، يبدو أنه لا يزال يتوسع ويدعي أنه أقام دولة الخلافة.

إنها قوى الشر المطلق، فلتفعل شيئًا

عندما تواجه هذا النوع من الشر المطلق الخالص، قد تنتابك قشعريرة الخوف، حتى لو كنت أحد المسئولين الأمنيين أو العسكريين الكبار، ولكنك على الأغلب ستشعر أنك بخيرٍ أيضًا. إذ لا يمكنك كل يومٍ أن تواجه عدوًا يطلق عليه رئيسك "سرطان"؛ ويسميه وزير خارجيتك "وجه الشر القبيح والوحشي وغير المبرر والعدمي ومنزوع القيمة" والذي "يجب أن يُدمّر"؛ ويندد به وزير دفاعك قائلًا  أنه "همجي" ويفتقد إلى "أدنى معايير اللياقة التي تميز السلوك الإنساني المسئول... وهو تهديدً وشيكٌ  لكل مصالحنا سواءًا في العراق أو في أي مكانٍ آخر"؛ ويصفه رئيس هيئة الأركان المشتركة بأنه "تنظيمٌ ذو رؤية استراتيجية عدميةٍ ومروعة، ويجب أن يُهزم في نهاية المطاف"؛ ويصمه أحد قادة القوات الأمريكية في أفغانستان المتقاعدين قائلًا "يجب التخلص من هذا الوباء الذي يخرج حامله من الإنسانية." 

فلنتجاوز إذن الحديث عن المشاعر الإيجابية والسلبية لقيادة قوةٍ عظمى قد شهدت أيامًا أفضل! لا شك أن هذا الشر شديد الخطورة يستوجب أمرًا واحدًا فقط: تدخل الولايات المتحدة. إنه يوجِب على إدارة أوباما أن ترسل القاذفات والطائرات (بدون طيّار) لتشن حربًا جويةً تدريجية في العراق وآجلًا   أم عاجلًا، في سوريا. كما أنه يلقي على عاتق واشنطن مسئوليةتكوين "تحالف جديدٍ للفرقاء" من بين مختلف الداعمين والمعارضين لنظام الأسد في سوريا، ومن بين أولئك الذين موّلوا وسلّحوا حركات التمرد المتطرفة في تلك البلاد، ومن بين الطوائف الدينية والعرقية في العراق القديم، ومن بين مختلف البلدان في حلف شمال الأطلنطي (النيتو). إنه يوجِب على واشنطن تغيير القيادة العراقية (العملية التي لم تعد تسمى "تغيير النظام") ودعم رجلٍ جديدٍ قادرٍ على توحيد الشيعة والسنة والأكراد في أمةٍ واحدةٍ تتحرك على قلب رجلٍ واحدٍ لردع المد المتطرف. وإن لم تكن "البيّادات الأمريكية" هي التي تطأ "الأرض هناك"، فلتكن بيّادات الوكلاء من مختلف المشارب، وبالطبع سيشارك معهم الجيش الأمريكي بتوفير ما يحتاجونه من تدريبٍ  وتسليحٍ وتمويلٍ واستشارةٍ. ما هو الخيار الآخر الذي نملكه لمواجهة مثل هذا الشر؟

وإذا كان كل ما سبق يبدو مألوفًا للغاية، فإن عليه أن يكون كذلك. إذ أنه باستثناء غزوين، فإن كل الخطوات المقرر اتخاذها أو التي دخلت بالفعل في طور التنفيذ لمواجهة "الخطر الذي تمثله داعش" تعد خلاصةً منطقيةً لما كان يعرف خلال الثلاثة عشر عامًا الماضية بالحرب العالمية على الإرهاب، والآن ليس له اسمٌ على الإطلاق. رغم كون جديدٌ "داعش" جديدةً، إلا أنه يجب سرد بعض الحقائق التاريخية، إذ يعد هذا التنظيم، على الأقل بشكل جزئي، ميراث الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. 

ودعونا لا نغبط "أسامة بن لادن" حقه، ففي نهاية المطاف، لقد ساعد في وضعنا في طريقٍ كانت "داعش" نهايته. صحيحٌ  أنه وتنظيمه المتشدد لم يستطعا أن يؤسسا دولة الخلافة التي حلما بها ولم يستطيعا تحقيق أغلب أهدافهما. إلا أنه أدرك أن استفزاز واشنطن إلى ما يمكن أن يكون شبيهًا بالحرب الصليبية ضد العالم الإسلامي من شأنه أن يكون وسيلةً فعالة تقود إلى تلك الوجهة.

بكلماتٍ  أخرى، قد تكون مراجعةٌ متواضعة لما حدث بعد الحادي عشر من سبتمبر، قبل أن تجمع واشنطن كامل قواتها للإجهاز على مشروع الخلافة الجديد، أمرًا مفيدًا. فلنبدأ إذن باللحظة التي سقط فيها هذان البرجان في نيويورك على أيدي مجموعةٍ صغيرة من خاطفي الطائرات (معظمهم سعوديون)، ليموت جراء ذلك حوالي ثلاثة آلاف شخصٍ   تحت الأنقاض. في ذلك الوقت، لم يكن من الصعب أن تقنع الأمريكيين أنه لا يوجد ما هو أسوأ – بمعايير الشر المحض – من أسامة بن لادن والقاعدة. 

تأسيس خلافةٍ أمريكية

عندما واجهت الولايات المتحدة هذا الشر الذي لا نظير له، خاضت رسميًا حربًا كتلك التي قد تخوضها ضد قوةٍ عسكريةٍ معادية. وتحت شعار الحرب العالمية على الإرهاب، أطلقت إدارة أوباما العنان لقوة الجيش الأمريكي التي لا نظير لها، فضلًا  عن الأجهزة الاستخباراتية التابعة له، ضد... حسنًا، ضد ماذا؟ بالرغم من مقاطع الفيديو الدرامية التي تم تسجيلها لمعسكرات القاعدة التدريبية في أفغانستان، فإن ذلك التنظيم لم يكن لديه "قوة عسكرية" تستحق الاسم، وبالرغم مما رأيته على أرض الوطن، فلا توجد خلايا نائمة تابعةٌ له في الولايات المتحدة أيضًا، كما أنه لم يكن قادرًا على تنفيذ عملياتٍ تأكيدية متوالية على المدى القريب.

وبتعبيرٍ آخر؛ في حين تحدثت إدارة بوش عن "تجفيف مستنقعات" الجماعات الإرهابية فيما يصل إلى ستين دولة، فقد تم إرسال الجيش الأمريكي ليحارب "كائنات  فضائيةوهمية"، لا تمثل، إلى حد كبير، سوى الهواجس والتخوفات التي انتابت واشنطن. لقد تم إرسال الجيش الأمريكي ليحارب مجموعاتٍ  غير منتظمة - في الأغلب - من المتطرفين الإسلاميين المنتشرين في عدد قليلٍ من المناطق القروية في أفغانستان وباكستان، وبالطبع، قوات طالبان العسكرية البدائية.

لقد كان الأمر - إذا استخدمنا الكلمة التي أفلتها جورج دبليو بوش مرةً واحدة من فمه- شبيهًا بـ"حربٍ  صليبية"، وهي شيء يشبه الحرب الدينية، إن لم تكن ضد الإسلام نفسه – وهو ما قد عبّر عنه المسئولون الأمريكيون مرارًا وتكرارًا وبكل وضوح – فإنها حرب ضد فكرة عدوٍ مسلم، إذ تم شنها على القاعدة وطالبان في أفغانستان، وصدام حسين في العراق، ومعمر القذافي في ليبيا لاحقًا. وفي كل حالةٍ، سعت واشنطن لبناء تحالفًا من بين أصدقائها الذين يتراوحون بين دولٍ عربيةٍ وجنوب ووسط آسيوية وبين أخرى أوروبية، وأرسلت قواتها الجوية وأتبعتها مرتين بقواتٍ  للغزو والاحتلال واسعي النطاق، وحشدت الساسة المحليين الذين يقومون بعمليات "بناء الدولة" وسط الدعاية الذاتية التي تروج للديمقراطية، وأنشأت العديد من الأجهزة الأمنية والعسكرية في هذه البلاد، ومدتها بمليارات الدولارات في صورة تدريبٍ وسلاح.

وبالنظر للوراء، من الصعب ألّا  نفكر في كل هذا باعتباره شكلًا  من أشكال "الفكر الجهادي" الأمريكي، ومحاولةً لتأسيس ما قد يمكن اعتباره خلافةً أمريكيةً في المنطقة (رغم أن واشنطن لديها مصطلحات ألطف لوصف الأمر). وخلال هذه العملية، عملت الولايات المتحدة بفعالية على تفكيك وتدمير سلطة الدولة في كل واحدةٍ من الدول الثلاث التي تدخلت فيها، مع التأكيد على زعزعة الاستقرار في الدول المجاورة، ثم في المنطقة بأسرها في نهاية المطاف. 

لقد خلّفت الولايات المتحدة، في هذه الرقعة الإسلامية الكبيرة من العالم، سجلًا   كئيبًا نميل في هذه البلاد بشكلٍ عامٍ  أن نتجاهله أو ننساه عندما نندد بهمجية الآخرين. نحن نركز الآن على رعبنا من مقطع الفيديو الذي نشرته داعش لقتل الصحفي جيمس فولي، كوسيلةٍ  للدعاية المعدة بوضوح من أجل دفع واشنطن إلى التدخل والتعبير عن معارضتها لذلك التنظيم بشكلٍ أكثر فعالية. 

ولكننا، مع ذلك، نتجاهل مكتبةً افتراضية كاملة من مقاطع الفيديو وغيرها من الصور التي أصدرتها الولايات المتحدة، الصور التي عُرِضت (أو سُمِع بها أو نوقشت) على مستوى واسعٍ وأثارت في العالم الإسلامي رعبًا لا يقل عن ذلك الذي تثيره صور داعش هنا. فكبداية، لنتذكر صور "شاشة التوقف" سيئة السمعة التي تم التحصل عليها مباشرةً من "الماركيز دي ساد" [إشارةً إلى الجندي السادي] من سجن أبو غريب. فقد عذّب الأمريكيون وانتهكوا هناك السجناء العراقيين، في الوقت الذي كانوا يلتقطون فيه صورهم الأيقونية الخاصة لعمليات "الصلب." وبعد ذلك، كانت هناك مقاطع الفيديو التي لم يرها أحد (بخلاف من كانوا في الداخل)، ولكن الجميع سمع بها. والصور الأخرى التي التقطتها وكالة المخابرات المركزية (CIA) أثناء تعذيب وانتهاك كرامة المشتبه بانتمائهم لتنظيم القاعدة في "المواقع السوداء". وعام ٢٠٠٥، قام أحد المسئولين بذلك الجهاز بتدميرها والتخلص منها، خشية أن يتم عرضها يومًا أمام محكمةٍ أمريكية. وهناك أيضًا مقطع الفيديو الذي نشرته "ويكيليكس" لمروحية الأباتشي التي قصف طياروها الأمريكيون المدنيين العراقيين في شوارع بغداد (بما في ذلك اثنين من مراسلي رويترز)، بينما يظهر المقطع الصوتي للفيديو أفراد طاقم الطائرة وهم يهنئون بعضهم البعض. وهناك أيضًا مقطع الفيديو الذي يتبول فيه الجنود الأمريكيون على جثث الموتى من مقاتلي طالبان في أفغانستان. وهناك الصور التذكارية التي التقطها الجنود الأمريكيون للأجزاء المقتطعة من الأجساد والتي جلبوها معهم إلى الوطن. وهناك كذلك أفلام القتل المسجلة لضحايا حملات الاغتيال الجوية التي كانت واشنطن تشنها على المناطق القبلية بهذا الكوكب (أو "الجراثيم" كما اعتاد الطيارون تسمية القتلى الذين يسقطون جراء هذه الهجمات) ، وغيرها من اللقطات المشابهةٌ التي تم التقاطها من المروحيات الحربية. كان هناك أيضًا مقطع الفيديو لقتل بن لادن خلال الغارة الجوية على أبوت آباد في باكستان، والتي قيل أن الرئيس أوباما شاهدها خلال البث الحي. وكل ذلك ليس أكثر من بدايةٍ للتحدث عن مكتبة الصور التي أنتجتها الولايات المتحدة لمغامراتها في الشرق الأوسط الكبير منذ سبتمبر ٢٠٠١. 

وفي المحصلة، لم تؤدِ كل عمليات الغزو والاحتلال وشن الحملات الجوية على أراضٍ    عديدة وسقوط القتلى الذين بلغت أعدادهم مئات الآلاف وتهجير ملايين البشر عن أوطانهم ليستقر بهم الحال في منفى خارجي أو داخلي وإنفاق تريليونات الدولارات، سوى لتعزيز المشهد الذي كان يحلم به بن لادن. لقد كان من شأن ذلك كله أن يؤكد قدرات الجهاديين التجنيدية الممتازة. 

وعندما أنجزت الولايات المتحدة مهمتها، كانت قد دشّنت العملية التي أدت إلى حركات التمرد والحروب الأهلية وتزايد ميليشيات المتطرفين وانهيار بنى الدولة، وكانت قد هيأت الظروف المناسبة أيضًا لظهور شيءٍ جديدٍ على كوكب الأرض: داعش - فضلًا  عن غيرها من الجماعات المتطرفة بدايةً بطالبان الباكستانية؛ التي تمثل تحديًا للدولة في مناطقٍ بعينها، وحتى أنصار الشريعة في ليبيا والقاعدة في اليمن وشبه الجزيرة العربية.

ورغم أن الأمر سيكون بلا شكٍ مرعبًا بالنسبة لمتطرفي داعش عندما يفكرون فيه، ولكنهم في الحقيقة ليسوا سوى حصيلة ما اقترفته واشنطن. فقد لعبت ثلاثة عشر عامًا من الحرب الإقليمية والاحتلال والتدخل دورًا كبيرًا في تمهيد الأرض لهم. ربما يكونون هم أسوأ كوابيسنا (حتى الآن)، إلا أنهم أيضًا ميراثنا - ليس فقط لأن العديد من قادتهم أتوا من الجيش العراقي الذي عملنا على تفكيكه، ولكن أيضًا لأن مهاراتهم ومعتقداتهم قد شُحِذت في السجون التي أودعناهم فيها (إذ يبدو أن "معسكر بوكو" [معسكر اعتقال جنوبي العراق] كان بمثابة "ويست بوينت" [أكاديمية التدريب العسكري] بالنسبة للمتطرفين العراقيين)، وأنهم قد اكتسبوا خبراتهم أثناء مواجهة عمليات مكافحة الإرهاب الأمريكية التي استمرت على مدار السنوات "المتزايدة" للاحتلال. وفي الواقع، فإن كل شيْ فعلناه في الحرب على "الإرهاب" لم يساعد إلا على تصاعده. فبنهاية المطاف، لقد فككنا الجيش العراقي وأعدنا بناء آخر كان من شأنه أن يفر بمجرد رؤية الطلائع الأولي من مقاتلي داعش، مخلّفًا وراءه مخازن الأسلحة الضخمة التي منحته واشنطن إياها. لقد كنا من دمّر الدولة العراقية بشكلٍ أساسي عندما دعمنا قائدًا شيعيًا ليضطهد السنة بشتى السبل الكافية لخلق موقفٍ   تكون داعش فيه موضع ترحيبٍ   أو تسامح في العديد من المناطق الهامة في البلاد.

حماقات التصعيد

عندما تفكر في الأمر، ستجد أنه بدايةً من اللحظة التي بدأت القذائف فيها تسقط على أفغانستان في أكتوبر ٢٠٠١ وحتى الآن، لم يحقق تدخلٌ عسكريٌ واحدٌ للولايات المتحدة أيًا من أهدافه المعلنة. وعلى النقيض، فقد أثبت كل واحدٍ، بمرور الوقت، أنه أدى إلى كارثةٍ بشكلٍ ما، من خلال توفير تربةٍ خصبةٍ للتطرف، وإنتاج مجموعة جديدة من الوسائل الدعائية التي تروج لمجموعةٍ جديدة من الحركات الجهادية. وإذا ما نظرنا بعيونٍ متجردة، سنجد أن هذا ما يبدو أن أي تدخلٍ عسكريٍ أمريكي قد قدمه للجماعات المتطرفة - وداعش تعلم ذلك. 

ليس علينا أن نعتقد أن مقطع الفيديو الهازئ لإعدام جيمس فولي ما هو إلا فعلٌ قامت به مجموعةٌ نزقة من المجانين الذين يستعدون عليهم القوة التدميرية لآخر قوة عظمى في العالم. فعلى العكس تمامًا، إن هذا الفعل وراؤه حساباتٌ   عقلانية. فمن المؤكد أن قادة داعش يعرفون أن القوة الجوية الأمريكية من شأنها أن تلحق ضررَا بهم، ولكنهم علموا أيضًا – مثلما هو الأمر في فنون القتال الآسيوية التي تستخدم فيها قوة الخصم ضده - أن تورط واشنطن على نطاقٍ واسع سيهب حركتهم قوةً أكبر حجمًا. (وقد كان هذا أهم تبصرٍ لأسامة بن لادن.)

إذ أن ذلك من شأنه أن يجعل "داعش" العدو الأساسي؛ الأمر الذي يعني أن تكتسب مكانةً هائلة في عالمها. حيث يستدعي ذلك ذكريات كل التدخلات العسكرية الماضية، وكل مقاطع الفيديو التي تسجل عمليات القتل والصور المروعة. وسيساعد كذلك في تأجيج المشاعر ومن ثم جذب أعضاءٍ ومقاتلين جدد، كما سيمنح مبرر الوجود الأساسي لحركة أقلية دينية، قد تبدو - إن لم يحدث التدخل - أقل تماسكًأ وأكثر عرضة للتحلل على المدى الطويل. ولكن التدخل العسكري من شأنه أن يهب تلك الحركة حقوق التفاخر التي  يستمر أثرها حتى المستقبل البعيد.

ليس هناك شكٌ أن ما يدفع داعش لهذه الأفعال هو الرغبة في استدراج إدارة أوباما لتدخلٍ عسكريٍ كبير. وقد تثبت نجاحها في ذلك. إذ نشاهد الآن - بعد كل شيءٍ - نسخةً مألوفةً من حماقات التصعيد تحدث في واشنطن. فأوباما وكبار موظفيه يصعدون خطابهم بشكلٍ ملحوظ. ولكن في أروقة المكتب البيضاوي، يبدو أن الرئيس مترددٌ على نحوٍ ظاهر، فهو بلا شكٍ  لا يرغب في خوض حربٍ  كبيرةٍ في العراق (التي يفتخر أنه سحب القوات الأمريكية منها عام ٢٠١١ وهم "مرفوعي الرأس") ولا في سوريا (حيث تجنب إرسال القاذفات والصواريخ إليها عام ٢٠١٣).

وعلى العكس من الرئيس السابق وكبار موظفيه - الذين كانوا على قدرٍ هائل من الثقة في أنفسهم وفي خططهم الرامية إلى نشر حالة السلام الأمريكي "باكس أمريكانا" في الشرق الأوسط الكبير - فإن هذا الرئيس وفريق السياسة الخارجية التابع له جاءوا إلى مناصبهم وهم عاقدون العزم على تفكيك الموقف العالمي الذي ورثوه. فقد كانت خطة الرئيس أوباما الوحيدة - هكذا كانت - هي الخروج من حرب العراق (على طول الجبهات التي فتحتها إدارة بوش). وقد كان من اللافت للانتباه فيما بعد، أنه من أجل فعل هذا، قد شعر بضرورة "زياة" القوات الأمريكية في أفغانستان. وبعد خمسة أعوامٍ  ونصف، يبدو أنه لا يزال هو وموظفوه الرئيسيون يفتقدون إلى خطةٍ حقيقية، إذ يبدون كمجموعة من المديرين (المحبطين حاليًا) الذين تورطوا في صراعٍ عليهم أن يفضوه بأيديهم في الشرق الأوسط الكبير حيث تسود حالة الفوضى وعدم الاستقرار (بل ويتفاقم الأمر أيضًا في أفريقيا والأراضي الحدودية الأوروبية). 

بعد خمسة أعوامٍ ونصف، يتعرض الرئيس مجددًا لضغطٍ  كبير وتُوجه له الانتقادات من قبل المحافظين الجدد ومؤيدي ماكين  ويبدو هذه المرة أن القيادة العسكرية العليا راغبة في أن تُطلق يدها مجددًا للتخلص من الهمجية العالمية - تطلعًا لخسارةٍ جديدة. ومثلما كان الأمر عام ٢٠٠٩، فإنه اليوم يقدم تنازلاتٍ  بطيئة، ولكن مؤكدة. فالآن تجري عملية "تداعي المهمة" - المصطلح الذي رفضته إدارة أوباما بشدة - على قدمٍ وساق.

لقد بدأت المسألة ببطءٍ مع انهيار الجيش العراقي (المدرّب والمجهّز من قبل الولايات المتحدة) في الموصل وغيرها من مدن شمال العراق عند مواجهته للهجمات التي شنتها داعش. وفي منتصف يونية، تم إرسال حاملة الطائرات USS H.W. Bush  مع أكثر من مائة طائرة إلى الخليج الفارسي، وقد أمر الرئيس بإرسال مئاتٍ  من الجنود على متنها، بما في ذلك مستشاري القوات الخاصة (على الرغم من أن الموقف الرسمي كان ألا تطأ "أقدام الجنود الأرض"). وقد وافق أيضًا على ذهاب الطائرات الحربية وطائرات الاستطلاع إلى المناطق التي استولت عليها داعش، كتجهيزٍ واضحٍ لحملات قصف مستقبلية. وكان يحدث كل هذا قبل حادثة الأيزيديين – وهي طائفة دينية صغيرة تم تدمير مجتمعاتها بشكلٍ وحشي على أيدي مقاتلي داعش - التي أصبحت سببًا رسميًا لشن حملة قصفٍ   محدودة وإحالتها إلى "الأزمة الإنسانية".

وعندما حاولت داعش - مدججةً بالأسلحة الأمريكية الثقيلة التي استولت عليها من الجيش العراقي - دحر ميليشيا البشمرجية الكردية، لتمثل بذلك تهديدًا على عاصمة المنطقة الكردية في العراق إذا استولت على سد الموصل بالغ الأهمية، تم التوسع في عمليات القصف. وأُرسِل المزيد من الجنود والمستشارين، وبدأت الأسلحة في التدفق على الأكراد، مع وعودٍ بدعم الجنوب أيضًا بمجرد تشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة ففي بغداد. وأوضح الرئيس عملية التوسع في القصف بعزوها إلى خطر تفجير داعش لسد الموصل وإغراق مناطق النهر الدنيا، وهو الأمر الذي يُفترض بالتالي أنه يشكل خطرًا على السفارة الأمريكية في بغداد البعيدة. (وقد كان ذلك مبررًا أحمق لما يفترضه حول أن داعش كانت لتغرق أجزاءًا من أرض "خلافتها" في هذه العملية.) 

إذا، لقد قدّم فيديو "الذبح" ذريعةً لوضع احتمالية قصف سوريا على جدول الأعمال. ومرةً أخرى قدّم الرئيس المتردد تنازلاتٍ  جديدة، وأذن بتحليق طائرات الاستطلاع فوق أجزاءٍ من سوريا، في إطار التحضير للغارات الجوية المحتملة والتي قد لا ننتظرها لفترةٍ طويلة.

النهج التدريجي للرئيس المتردد

وإذا أخذنا هذا النهج التدريجي للرئيس المتردد - الواقع تحت الضغط المعتاد الذي تمارسه واشنطن "المعسكَرَة" والراغبة في إطلاق العنان لكلاب الحرب - في الاعتبار، فإن المكان الوحيد الذي يقود إليه كل هذا هو مستنقعٌ من التناقضات الغريبة، بمافي ذلك الموقف السياسي تجاه سوريا. فأي قصفٍ   لتلك الدولة بالضرورة سيحتوي ضمنيًا، إن لم يكن صراحةً، على دعمٍ  لنظام بشار الأسد المجرم، فضلًا  عما بقي بالكاد من حركات تمردٍ "معتدلة" تعارض نظامه، وقد تكون واشنطن تمدها بالمزيد من السلاح حتى الآن. ومن ناحيةٍ أخرى، فإن هذا يعني إيصال المزيد من الأسلحة، بشكلٍ غير مباشر، لداعش. إذا ما أضفت كل هذه الأشياء لبعضها البعض، ستجد أن واشنطن تبدو كما لو كانت تسير على الطريق الذي وضعتها داعش عليه.

يفضل الأمريكيون الاعتقاد بأن لكل مشكلةٍ حل. ومع ذلك، قد لا يكون هناك حلٌ واضحٌ، أو على الأقل فوريٌ، عندما يتعلق الأمر بداعش (تنظيمٌ يقوم بالأساس على الإقصاء والتقسيم في منطقةٍ لا تحتمل المزيد من التقسيم)، وعلى الجانب الآخر، فإنها كحركة أقليةٍ منبوذةٍ من قبل أطرافٍ  عديدةٍ في المنطقة، من الوارد أنها لو تُركت للوقت، فإنها ستحترق وتنهار ببساطةٍ من تلقاء نفسها. نحن لا نعرف، ولا يمكننا أن نعرف. إلا أن لدينا إشاراتٍ  منطقيةً - من الثلاثة عشر عامًا الماضية - لما يمكن أن يؤدي إليه تصعيد التدخل الأمريكي العسكري: ليس ما تريده واشنطن دائمًا يحدث.

ولنضع أمرًا واحدًا في أذهاننا: إذا كانت الولايات المتحدة بالفعل قادرةً على تدمير وسحق داعش، كما يؤكد وزير خارجيتنا وآخرون غيره، فإن ذلك قد يعني أي شيءٍ إلا أن يكون أمرًا جيدًا. فبنهاية المطاف، كان من السهل بمكانٍ أن تعتقد - كما فعل الأمريكيون بعد الحادي عشر من سبتمبر - أن القاعدة كانت أسوأ ما يمكن لعالم التطرف الإسلامي تقديمه. وقد عُرض علينا مقتل أسامة بن لادن باعتباره الانتصار النهائي على الإرهاب الإسلامي. ولكن داعش الآن تحيا وتتنفس وتنمو، وعلى امتداد الشرق الأوسط الكبير، هناك العديد من التنظيمات المتطرفة التي تجند أناسًا جدد وتحظى بجاذبيةٍ من شأنها أن توضح ما الذي أوصلتنا إليه الحرب على الإرهاب بالفعل. فحقيقة أننا لا نستطيع الآن تصور ما قد يكون أسوأ من داعش لا تعني أي شيء، فلا أحد في عالمنا استطاع تصور داعش قبل أن تخرج إلى الوجود.

إن السجل الأمريكي خلال الثلاثة عشر عامًا الماضية سجلٌ من العار. ولا يجب أن يكون تكرار ذلك أحد خياراتنا.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب