لمواجهة الدولة الإسلامية، التمسوا هدنة في سورية

فيما يستعدّ التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة لمواجهة الدولة الإسلامية في العراق، ثمّة فرصة نادرة لترتيب اتفاق هدنة في سورية. فنظام الأسد والثوار المسلحون "المعتدلون" المحتشدون ضده مستنفَدون ومستنزَفون وفي موقف معرَّض إلى التراجع. الطرفان لايزالان بعيدين عن التفاوض للتوصل إلى حلّ سياسي للصراع، مثلما كانا على الدوام، ولكن التوقيت مناسب. فإن لدى كل منهم أسبابه الذاتية لوقف العمليات العسكرية ضد الآخر لمواجهة التهديد الوشيك القادم من الشرق. 

فيقوم كل طرف بالالتزام بهدنة أحادية من جانبه، فيما يقوم الطرف الآخر بعملٍ منفصلٍ ولكن مماثل بالتوازي. هذه المقاربة لاتتطلّب اتفاقاً دبلوماسياً رسمياً، بل مجرّد تأييد قوي وتنسيق دقيق ولكن غير مباشر من قبل الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وإيران – أي القوى الخارجية الأكثر انغماساً في العراق والداعمة للطرفَين السوريَّين – والتي تتقاطع بحذر على الهدف المشترك المتمثّل في القضاء على الدولة الإسلامية.

فلو ثبتت الهدنة بين النظام والثوار في سورية، فإنها ستشجع وتمكّن المجتمعات المدنية في كلا الجانبين والتي هي في أمسّ   الحاجة إلى متنفّس، مايجعل أكثر صعوبة على زعمائها السياسيين وقادتها العسكريين إصدار الأوامر بالعودة إلى الصراع المسلح. عندها قد تنشأ على الأرض ديناميكيات وقوى قاعدية وشعبية جديدة تتجاوز الخطوط الفاصلة، ماقد يمهّد الطريق لبدء حوار سياسي بنّاء للمرة الأولى منذ العام 2011. 

لاتوجد استراتيجية لسورية 

التوصّل إلى هدنة في سورية سيتماشى مع المقاربة التي حدّدها الرئيس الأميركي باراك أوباما في خطابه يوم 10 أيلول/سبتمبر لتقويض الدولة الإسلامية والقضاء عليها. والواقع أن الهدنة ستسمح بحصول تحسّن واضح على مايعتبره كثيرون أفضل من لاشيء، ولكنه أقلّ من استراتيجية

بيد أن العيب الواضح في مقاربة أوباما يكمن في أنها تحيل التعاطي مع الصراع في سورية بين نظام الأسد والثوار إلى مرحلة لاحقة، ولاتوفّر أي تفاصيل بشأن مايمكن القيام به هناك في هذه الأثناء. وكما أشار النقاد، فإن ذلك قد يحدّ كثيراً من تأثير الحملة ضد الدولة الإسلامية ويسمح لها بإعادة تنظيم صفوفها والعودة إلى الهجوم. 

إن دعوة أوباما يوم 10 أيلول/سبتمبر ليمنحه الكونغرس "سلطات وموارد إضافية لتدريب وتجهيز" الثوار في سورية، قدّمت للمعارضة السورية بعض العزاء ولكنها لم تنطوِ على جديد من الناحية الجوهرية. ولاتبدو التقارير التي تقول إن السعودية وحلفاءها العرب قد يستضيفون مايصل إلى ستة آلاف ثائر لتدريبهم مشجّعة أكثر: فقد تحدث مسؤولون كبار ومستشارون سعوديون بصورة مبالغ فيها قبل عام عن إنفاق المليارات لبناء جيش جديد للمعارضة السورية، ولكن هذا الكلام ذهب أدراج الرياح.

حتى لو توفّرت الموارد اللازمة، ستستغرق إعادة بناء التمرد المسلح المعتدل في سورية بعض الوقت. غير أن الوقت ليس متاحاً. وكما تكشف تقارير ميدانية مقلقة من حلب، فإن المدينة والمناطق المجاورة – والتي  قالت مجموعة الأزمات الدولية مؤخراً إنها "الأكثر قيمة وأهمية بين الأصول الآخذة في التلاشي لدى المعارضة" – قد تسقط قريباً في أيدي قوات النظام. ومن الواضح أن الدولة الإسلامية تعتزم استعادة بلدة اعزاز الحدودية شمال حلب ومعبر باب الهوى القريب على الحدود التركية؛ وفي حال نجاحها فإن من المحتمل أن تسعى إلى الاستيلاء على معبر باب السلامة (أطمه) الحدودي في محافظة إدلب المجاورة، أو تمنع استخدامه، وهو المعبر الآخر الوحيد المتبقّي في يد الثوار في الشمال الغربي. فهذه المعابر حيوية لتزويد الثوار بالسلاح وتدريبهم؛ وتدفّق السلع والمساعدات الإنسانية؛ وعمل المجالس الإدارية المحلية، والحكومة المؤقّتة التابعة للمعارضة السورية، والوكالات الدولية في المناطق المحرّرة.

الثوار يقاتلون على جبهتين في الشمال الغربي، وهم مشدودون أكثر فأكثر في اتجاهات عدة. من شأن هدنة مع النظام أن تتيح لهم إعادة التجمّع لتركيز قواهم في مواجهة الدولة الإسلامية، كي لايؤدّي بهم هجومها المرتقب إلى نقطة الانكسار.

النظام معرَّض أيضاً

لايمكن أن يجني نظام الأسد سوى ارتياح محدود من المأزق الذي يواجه الثوار. فهو الآخر سيواجه صعوبات حقيقية إذا اضطرته هجمات جديدة للدولة الإسلامية على توزيع قواته بانتشار أوسع – وهي مشدودة أصلاً.

وفقاً لتقديرات معقولة من المعارضة، ارتفعت خسائر النظام في تموز/يوليو 2014 لتصل إلى 1100 قتيل. شمل هذا العدد 250-300 من العسكريين والفنيين المدنيين الذين قتلوا في الهجمات التي شنّتها الدولة الإسلامية على حقول ومنشآت الغاز في جبل الشاعر والفرقلس إلى الشرق من حمص. وخسر النظام أكثر من 700 جندي آخرين عندما سقط مطار الطبقة العسكري في محافظة الرقة في أيدي الدولة الإسلامية في 24 آب/أغسطس الماضي.

يستمر النظام في التكيّف والتأقلم عسكرياً، ولم تنفد احتياطياته. لكن عدد القتلى محسوس تماماً بين حاضنته الاجتماعية الأساسية، العلويين، الذين عانوا على نحو غير متناسب. وقد بدأت عمليات النزوح من القرى العلوية المعزولة، ويُقال إن الطائفة تفضّل بصورة متزايدة الانكفاء من أنحاء سورية الأخرى للدفاع عن مناطقها. 

ومع توجيه الدولة الإسلامية بنادقها نحو آخر مواقع النظام المتبقية في مدينة دير الزور، واستمرارها في الضغط شرق تدمر، ربما يزداد استياء العلويين. كما أن القلق من احتمال أن تشنّ الدولة الإسلامية هجوماً قد يبطئ أو يوقف الحملة المستمرة من جانب قوات النظام والرامية إلى قطع آخر خط إمداد للثوار في النصف الشرقي شبه المحاصر من حلب.

علاوة على ذلك، تتزامن التوترات التي تشهدها علاقة النظام مع حاضنته الاجتماعية مع تنامي الضغوط المالية التي يتعرّض إليها. فإضافة إلى الأضرار المادية التي أوقعتها، أدّت الهجمات التي شنتها الدولة الإسلامية على جبل الشاعر والفرقلس إلى قطع إنتاج الغاز والإيرادات. وتشكو حكومة دمشق بصورة متكرّرة من انخفاض العائدات الضريبية، ومنذ تموز/يوليو أصدرت قرارات تضمّنت زيادات كبيرة في أسعار سلّة من السلع والخدمات، بما فيها السكر والأرز والماء والكهرباء، والأهم من ذلك، الخبز، الذي ارتفع سعره بنسبة تصل إلى حوالي 67 في المئة. كما أعلنت الحكومة أنها تسعى إلى الحصول على قرض جديد من إيران لتمويل الواردات. ومما يعكس الضغوط المتزايدة التي تتعرّض إليها، فقدت الليرة السورية 10 في المئة من قيمتها مقابل الدولار بحلول منتصف أيلول/سبتمبر، ليصل سعر الدولار إلى 182 ليرة سورية ارتفاعاً من65 1 ليرة في الشهر السابق.

مزايا الهدنات الأحادية الموازية 

نظراً إلى هذه الضغوط والتحديات كافة، فإن لدى نظام الأسد والتمرّد المسلح أسباباً وجيهة كي يستعدا لمواجهة ظروف صعبة حيث أمكنهما ذلك. وبما أن الدولة الإسلامية تدقّ على باب كل منهما، فتزداد المخاطر والحوافز. ولاريب أن هذا لايكفي لضمان أن يوقف الطرفان إطلاق النار ضد بعضهما، بيد أن التوقيت ملائم لمحاولة ذلك. 

كما أن لدى الداعمين الخارجيين للطرفين دوراً حاسماً يؤدونه، وحافزاً قوياً للقيام بذلك الدور طالما يواجهون مجتمعين خطر الدولة الإسلامية. اللحظة الحالية سانحة لكي يقوم كلٌّ من إيران والولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، على وجه الخصوص، بالضغط على النظام والثوار على حدٍّ سواء للالتزام بهدنة منفصلة من كل جانب، وتنسيق العملية بصورة غير مباشرة لضمان التنفيذ الموازي.

تتمثّل ميزة رئيسة لهذه المقاربة في أنها تتجنّب المناقشات المضنية حول الشروط السياسية المسبقة ومكانة الأطراف السورية، من النوع الذي جعل بيان جنيف 1 الصادر في حزيران/يونيو 2012، والجدير من حيث المبدأ، يولد ميتاً.

عندما استبعد أوباما الاعتماد على نظام الأسد في محاربة الدولة الإسلامية في خطابه يوم 10 أيلول/سبتمبر، أشار أيضاً إلى الحاجة للاستمرار في "السعي إلى لتوصّل إلى الحلّ السياسي الضروري لحلّ الأزمة السورية نهائياً وعلى نحو حاسم". لكن ليس ثمّة احتمال لأن يحدث ذلك. فقد ماتت الدبلوماسيةمع انهيار محادثات جنيف 2 في شباط/فبراير الماضي، ونظام الأسد ليس مستعداً الآن أكثر مما كان آنذاك لتقاسم السلطة الفعلية. 

بيد أن صعود الدولة الإسلامية يعني أن ثمّة مجالاً لعقد هدنة تستند إلى المصلحة الذاتية. يحتاج كلٌّ من الطرفَين المتحاربَين إلى إعادة تجميع صفوفها والاستعداد لمواجهة هجمات الدولة الإسلامية شبه الحتمية.

الوضوح والبساطة مفتاح التوصل إلى هدنة في هذه المرحلة. فالهدنة تعني الوقف الكامل لإطلاق النار في جميع المناطق الخاضعة إلى سيطرة النظام والثوار؛ والانتقال الحرّ وغير المقيّد للغذاء والدواء والوقود؛ وإعادة إمدادات المياه والكهرباء؛ وإنهاء ممارسة التعذيب ضد الأسرى والمعتقلين. ويشمل ذلك أيضاً رفع الحصار الذي تتعرّض إليه مناطق – مثل الغوطة الشرقية والزبداني قرب دمشق التي يسيطر عليها الثوار، ونبل والزهراء المواليتين للنظام قرب حلب، على سبيل المثال – وفتح معابر الحدود البرية للتجارة وتدفّق المساعدات الإنسانية. وهذا سيحدث فرقاً هائلاً بالنسبة لغالبية السوريين. كما أنه، إذا تم تحقيق هذه الأهداف الأولية، فسوف يصبح من الأسهل معالجة مسألة إطلاق سراح عشرات آلاف السجناء السياسيين في معتقلات النظام في مراحل لاحقة.

السياسة 

من الواضح أن هذا النوع من الهدنة يختلف جوهرياً عن استراتيجية التهدئة القسرية التي اتبعها النظام في مناطق مختلفة منذ مطلع العام 2014. وقد تم فرض اتفاقات الهدنة غير المتكافئة بالقوة، والتي يصفها النظام في الكثير من الأحيان بـ"المصالحة الوطنية"، على المجتمعات المحلية بعد حصار شديد تمثّل بمنع الغذاء والدواء ومواصلة القصف طوال أشهر. ولاشكّ أن النظام سيحاول أن يقايض حين يشجّعه داعموه الخارجيون على الالتزام بهدنة أحادية. على سبيل المثال، قد يصرّ على تطبيق هدنة على بعض الجبهات فقط مع الاستمرار في الضغط العسكري والحصار في الأماكن التي يتمتّع فيها بالأفضلية. وقد يطالب برفع العقوبات الاقتصادية وحظر السفر المفروض عليه مقابل وقف إطلاق النار ورفع الحصار الذي يفرضه على مناطق مختلفة.

بالفعل، فقد سارع نظام الأسد ليحاول إقناع التحالف المناهض للدولة الإسلامية علناً "بالعمل مع الرئيس الأسد"، كما قال نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد في منتصف تموز/يوليو. وبعد شهرين كرّر المقداد القول إن "العنوان الحقيقي لمكافحة الإرهاب هو دمشق"، مايشير إلى استمرار أمل النظام بأن حاجة التحالف لتعاون أمني ضمني على الأقل يمكن أن يكون مقدمة لإعادة تأهيله سياسياً. وقد ادّعت وسائل الإعلام الإسرائيلية وأخرى مرتبطة بالنظام بأن الولايات المتحدة تقدّم لنظام الأسد، بصورة غير مباشرة، معلومات استخباراتية دقيقة حول الأهداف التابعة للدولة الإسلامية في سورية.

غير أن النظام في موقف ضعيف ولايستطيع فرض شروط. بادئ ذي بدء، هو يخاطر بتأجيج مشاعر الاستياء العميقة لدى مقاتليه وحاضنته الاجتماعية اذا رفض قبول هدنة دون قيد أو شرط، ولاسيما هدنة  تأتي من دون شروط سياسية مسبقة خاصة بها. 

ولذا سيكون التدخّل السياسي الإيراني الصريح لدعم القبول بهدنة أمراً حيوياً لترجيح الكفّة، وخاصة عند النظر إلى الازدياد الحاد في اعتماد النظام على إيران مالياً.

بطبيعة الحال لن يكون الأسد هو العائق الوحيد؛ فقد يعارض العديد من الثوار السوريين الهدنة الأحادية أيضاً. وسوف يمتعضون بشكل خاص من هدنة لاتنطوي على تنازلات مسبقة من جانب النظام بشأن المطالب الرئيسة، منها التزام الأسد بتقاسم السلطة، كما اقترح العديد من المعلقين، وإطلاق سراح السجناء السياسيين. 

قد تشجّع التحركات التي تقوم بها الولايات المتحدة ودول أخرى في التحالف المناهض للدولة الإسلامية لزيادة المساعدات والتدريب للثوار بعض هؤلاء على الاعتقاد بأنهم قادرون على الصمود في مواجهة النظام والدولة الإسلامية، بيد أن هذا أمر غير مؤكَّد في أحسن الأحوال ووهم في أسوأها. صحيح أن الثوار حقّقوا مكاسب في شمال محافظتي حماة وحمص منذ حزيران/يونيو، غير أن النظام حقق هو الآخر مكاسب فيهما. وتؤكد وسائل إعلام المعارضة أنها بالإضافة إلى ذلك انتزعت السيطرة على كامل الريف الغربي في حماة في منتصف أيلول/سبتمبر. واستولت جبهة النصرة على القنيطرة ومواقع النظام المحيطة بها في جنوب سورية في أيلول/سبتمبر، إلا أن النظام كان قد حقّق فوزاً أهم ميدانياً حين استولى، في آب/أغسطس، على المْليحة في منطقة الغوطة الشرقية بدمشق، بعد حصار طويل.

ومع ذلك، لن يكون من السهل تأمين دعم الثوار للهدنة، وخاصة إذا لم تترافق مع إطلاق سراح الأسرى والسجناء. ولكن الثوار، مثلهم مثل النظام، يواجهون أيضاً مواطنين أنهكتهم الحرب، وبالتالي سيتعرّضون إلى ضغط شعبي كبير كي يستجيبوا كما ينبغي في حال أصبحت الهدنة العامة احتمالاً يمكن تنفيذه بنجاح.  

سعت بعض جماعات المجتمع المدني إلى التوسّط في عقد هدنات محلية في أنحاء مختلفة من سورية منذ أوائل العام 2014. ففي حادثة وقعت أواخر آب/أغسطس، اعتقل جيش الإسلام، الذي يشكّل جزءاً من الجبهة الإسلامية التي تتلقى دعماً متواضعاً من بعض بلدان مجموعة أصدقاء سورية، خمسة عشر ناشطاً محلياً بتهمة السعي إلى عقد هدنة مع النظام في قريتين بالغوطة الشرقية. 

قد تشكّل جبهة النصرة تحدّياً خاصّاً، إذ إنها الأكثر ترجيحاً لرفض وقف إطلاق النار ضد النظام. وقد اصطدمت منذ آب/أغسطس مع جبهة ثوار سورية، التي تتلقى الدعم من الولايات المتحدة، كما انسحبت من الهيئة الشرعية المشتركة في حلب، وربما تخطط للسيطرة على المعابر الحدودية مع تركيا.

بيد أن لديها من الأسباب مايدعوها كغيرها إلى القلق من الدولة الإسلامية. وهي بحاجة أيضاً إلى أن تستجيب لرغبة المواطنين في الحصول على متنفّس، وذلك لتأكيد أنها حقاً تنظيم سوري أولاً وقبل كل شيء، يضع مصالح المجتمعات التي يعمل وسطها بمرتبة الأولوية قبل مصالح الجهاد العالمي.

بالنسبة إلى معسكر الثوّار "المعتدل"، فإن الالتزام بهدنة لن يطلق اتجاهات سلبية داخل التمرّد ليست جارية بالفعل. فالجماعات السلفية إمّا بايعت الدولة الإسلامية، أو هي في تراجع. لواء داوود، على سبيل المثال، انشق وانضم إلى الدولة الإسلامية في تموز/يوليو، بينما ابتدأ تراجع وضع حركة أحرار الشام حتى قبل الانفجار يوم 9 أيلول/سبتمبر الذي قضى على معظم قيادتها. وفي المقابل، قامت الجماعات السلفية الأكثر اعتدالاً كجيش الإسلام وصقور الشام بتخفيف خطابها الإسلامي. فقامت في 4 آب/أغسطس بتشكيل إطار قيادي مشترك أطلق عليه اسم "واعتصموا" مع جماعات "علمانية" كجبهة ثوار سورية وحركة حزم، والتحقت بهم لاحقاً حركة أحرار الشام.

يترتب على داعمي المعارضة الخارجيين أن يكتسبوا الصدقية والثقة لدى الثوار لكي يقنعوهم بوقف إطلاق النار ضد النظام، الأمر الذي يمكن تحقيقه جزئياً عن طريق زيادة المساعدة المادية والتدريب لتمكينهم من مواجهة الدولة الإسلامية. ولذا يجب على المملكة العربية السعودية وقطر، على وجه الخصوص، أن تستخدما نفوذهما لتحييد أو تخفيف المعارضة النشطة من جانب الجماعات السلفية، وربما حتى من جبهة النصرة.

غير أن بناء الدعم الشعبي للهدنة يعني أيضاً تشجيع الثوار على احترام سلطة المجالس الإدارية المحلية للمعارضة على الشؤون المدنية. وفي مقدمتها الشرطة والقضاء، إذ إنهما الأكثر تأثيراً على أمن المجتمع المحلّي، بيد أنهما يشهدان كذلك التدخّل الأكبر من قبل الجماعات المسلّحة. وفي موازاة ذلك، فإن زيادة المساعدات من خلال تلك المجالس من أجل الإغاثة الإنسانية والبنية التحتية ومشاريع التنمية المحلية سوف تساعد في دعمها سياسياً ويجعلها بديلاً جذاباً وموثوقاً عن الدولة الإسلامية.

تجنّب التهاون

هزيمة الدولة الإسلامية في العراق ستستغرق وقتاً. إذ يقال إن مخطّطي وزارة الدفاع الأميركية يقدّرون أن يستغرق هذا الأمر فترة تصل إلى ثلاث سنوات. وحتى في هذه الحالة، سيعتمد النجاح على قدرة – ورغبة – حكومة بغداد في إجراء عملية إدماج سياسي حقيقي للطائفة السنّية، وإصلاح الجيش والشرطة والمالية العامة، وتحسين تقديم الخدمات العامة الأساسية.

لن تبقى الدولة الإسلامية في موقف دفاعي في هذه الأثناء. ففي العراق، تقوم بعملية إعادة تجميع وتعزيز، وذلك جزئياً عبر استيعاب المنافسين والشركاء السابقين داخل المعسكر السنّي،  أو القضاء عليهم. كما تنشط في عمليات التجنيد والتدريب في سورية، حيث أفادت المعارضة أن الدولة الإسلامية أخضعت 6300 متطوّع جديد للتدريب في شهر تموز/يوليو وحده. وفي منتصف أيلول/سبتمبر أشارت تقديرات وكالة المخابرات المركزية الأميركية إلى أن الدولة الإسلامية لديها مايصل إلى31500 مقاتل في العراق وسورية، أي ثلاثة أضعاف التقديرات السابقة.

مع تصاعد الضغط العسكري عليها في العراق، من المرجّح أن تردّ الدولة الإسلامية بالتحوّل إلى الهجوم في مكان آخر. وهذا يعني استهداف معاقل الثوار في شمال غرب سورية، ولكن يمكن للدولة الإسلامية أيضاً أن تتقدم من دير الزور عبر البادية لتظهر إلى الشرق من دمشق، وحتى جنوباً إلى أطراف محافظة السويداء، التي نجت حتى الآن من الحرب إلى حدّ كبير. وتشكل الدولة الإسلامية بالفعل تهديداً خطيراً ووشيكاً للبنان، علماً أن امتدادها إلى جنوب سورية – لو حصل – سيضعها مباشرة على الحدود الشمالية للأردن، مايشكّل تهديداً للمملكة أيضاً. مثل هذه الخطوة من شأنها تمكين الدولة الإسلامية من تهديد سيطرة الثوار في منطقة درعا وحوران، حيث الجماعة المسلّحة الأقوى حالياً هي جبهة النصرة، الشقيقة السابقة للدولة الإسلامية والتابعة لتنظيم القاعدة.

إذا حقّقت الدولة الإسلامية تقدماً كبيراً في سورية، وخاصة ضد المعارضة الأكثر اعتدالاً، فإن هذا سيمنحها فرصة إضافية للحياة ويقوّض المكاسب التي قد تحقّق ضدها في العراق. وبالتالي يجب احتواء ودحر الدولة الإسلامية في سورية في موازاة ذلك، ولكن بطرق لاتقوّض المعارضة السورية والجماعات المسلحة المرتبطة بها ولاتمكّن نظام الأسد. التوصل إلى هدنة عامة يمكن أن يحقق هذا الغرض.

تغيير ديناميّات  الصراع 

ستعارض أصوات قوية في جانبَي النزاع السوري أي نوع من الهدنة، أو تصرّ على شروط مسبقة تعجيزية. ويدلّ تكثيف الهجمات بمادة "الكلورين" والضربات الجوية على مناطق سيطرة المعارضة ومقرّات الجماعات المسلحة المعتدلة مؤخراً، على محاولة "صقور" النظام استباق إمكانية الوصول إلى أي نوع من التعايش المؤقّت. ولكن مع انفتاح المجال أمام التهدئة والمقايضات على جبهات عدّة بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وإيران، أصبح بالإمكان تغيير حسابات الربح والخسارة لدى أطراف الصراع في سورية. ويجب أن يفعلوا ذلك، بعد أن وصل عدد القتلى إلى قرابة 200 ألف، والمهجّرين داخلياً إلى 6.5 ملايين، واللاجئين إلى الدول المجاورة أكثر من ثلاثة ملايين.

قبل كل شيء، يمكن للهدنة أن تغيّر ديناميّات الصراع في سورية من خلال خلق فرصة  للشعب السوري كي يجعل تفضيلاته محسوسة. ربما لايظهر "معسكر سلام" مشترك على جانبَي الصراع، غير أنه قد يتم تمكين المطالبين بمقاربات سياسية مختلفة وشكل من أشكال المساءلة عن الخسائر و والمحن التي اضطروا لتحمّلها.

لقد انطلقت كل مبادرة دبلوماسية لإعادة السلام إلى سورية مند العام 2011 تحقيق وقف عام لإطلاق النار شرطاً ضرورياً لأي عملية تؤدي إلى حل سياسي. ليس مفاجئاً أن نظام الأسد، الذي توجه إلى عسكرة  الصراع عمداً، لم يكن معنياً بإنجاح هذا الشرط، ولكن المعارضة فشلت أيضاً في تحويله إلى أداة سياسية قوية في يدها. ويمكن لهدنة أحادية غير مشروطة تتم بالتوازي أن تغير ديناميّات الصراع، من خلال فصل وقف إطلاق النار عن الحل السياسي. من يمسك بالفرصة أولاً – المعارضة السورية ومؤيدوها، أم الأسد – سيجعل من المكلف للآخر أن يرفضها.

مصدر الترجمة: 
Carnegie Middle East Center