تحدي السيسي الاقتصادي: "توسيع" الطبقة الوسطى

El Sisi عبد الفتاح السيسي

مقال رأي

 عدت مؤخرًا من القاهرة بشعورٍ مفاده أن المصريين يحتاجون لمن يذكّرهم بتعريف أينشتاين للجنون على أنه "فعل نفس الشيء مرارًا وتكرارًا، وتوقع نتائج مختلفة." فاتباع نفس السياسات الاقتصادية، التي ساهمت في سقوط نظام مبارك، مرةً أخرى، قد يتسبب في حالةٍ من السخط وعدم الاستقرار السياسي، وربما في ثورةٍ أخرى بكل التكاليف البشرية والاقتصادية التي تتكبدها هذه الثورة. من المهم أن تتبنى إدارة السيسي استراتيجية اقتصادية جديدة تعطي المصريين أملًا في مستقبلٍ أفضل، وتتجنب تكرار أخطاء الماضي.

يظهر استطلاع للرأي أعده "مركز بيو" مؤخرًا أن 82 بالمائة من المصريين يعتقدون أن "تحسين الاقتصاد مهم جدًا لمستقبل مصر،" وهم أكثر من ضعف هؤلاء الذين قالوا نفس الشيء عن الحرية الدينية أو الحق في التظاهر السلمي أو السيطرة المدنية على الجيش. لا يعني هذا بالضرورة أن تلك القضايا الأخرى ليست مهمة للمصريين. إذ يوضح نفس الاستطلاع أن غالبية المصريين لا تزال تؤمن بأن الديمقراطية هي أفضل أشكال الحكم. بيد أن هذه النتيجة تعني أن إصلاح الاقتصاد هو أولوية قصوى للمصريين على المدى القصير.

من المشروع أن نسأل: وما الخطأ بالعودة إلى السياسات الاقتصادية لعهد مبارك؟ ففي نهاية المطاف، كان الاقتصاد المصري، خلال فترة العشرة أعوام التي أدّت لثورة الخامس والعشرين من يناير 2011، على ما يرام. فقد كان إجمالي الناتج المحلي ينمو بنسبة 5 إلى 7 بالمائة كل عام، في حين أن الحساب الجاري كان تحت السيطرة، والاحتياطيات الأجنبية كانت عالية. واستمر هذا الأداء القوي حتى أثناء الأزمة المالية العالمية. ولكن هذا النمو أقل من أن يعطينا صورةً كاملةً للحقيقة. فقد وسّعت السياسات الاقتصادية في عهد مبارك الهوة بين طبقةٍ وسطى تعاني وبين النخبة.

حدد بحثٌ1 أُجري مؤخرًا 469 شركةً مملوكةً بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر لرجال أعمال قريبين من نظام مبارك. وقد استطاعت تلك الشركات المترابطة سياسيًا أن تسيطر على جزءٍ كبير من القطاع الخاص الرسمي في مصر. حيث مثلت عائداتهم، قبل ثورة 2011، حوالي 55 بالمائة من إجمالي عائدات القطاع الخاص، بينما مثّل العاملين لديهم 11 بالمائة فقط من إجمالي العاملين بالقطاع الخاص.

نمت هذه الشركات المترابطة سياسيًا بمعدلٍ أسرع من الشركات الأخرى وأصبحت أكبر بكثير (كان متوسط عائداتهم أربعة أضعاف متوسط عائدات القطاع)، حيث أنها كانت قادرةً على كسب حماية ومساعدات الحكومة –علمًا بأن العديد منها كان يعمل في قطاعاتٍ شديدة الاستهلاك للطاقة. سُمِح لهذه الشركات بزيادة أسهمها في السوق مقارنةً بمنافسيها، وباستغلال نفوذها مع قدرتها المهيمنة للوصول إلى سوق رأس المال. جاء نمو تلك الشركات المترابطة سياسيًا على حساب مشاريعٍ صغيرة ومتوسطة، وبالتالي على حساب الطبقة الوسطى.

لم تتسع الطبقة الوسطى المصرية بسرعةٍ كافية خلال الفترة بين عامي 2000 و2010، العقد الأخير لنظام مبارك. فوفقًا لتقديرات معهد بروكينغز2، ارتفع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت مستوى الطبقة الوسطى (وبالتالي يمكن اعتبارهم فقراء) من 60 مليون في 2000 إلى 63 مليون في 2010. علاوةً على ذلك، تم حصر جزءٌ كبيرٌ من الطبقة الوسطى في الشريحة الدنيا منها، التي تعيش قريبًا جدًا من خط الفقر.

اتسمت "مصر ما قبل 2011"، مقارنة بالدول النامية الناجحة، بفشل الأداء الاقتصادي في رفع مستويات معيشة الفقراء، لا سيما الشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى. وتُظهر بيانات البنك الدولي أن نسبة المصريين الذين يعيشون بأقل من خمسة دولارات في اليوم ظلت ثابتة بنسبة 85 بالمائة تقريبًا خلال العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، كما ارتفع عددهم المطلق من 57 إلى 66 مليون. قلّصت البرازيل خلال نفس الفترة النسبة من 52 إلى 36 بالمائة، والصين من 93 إلى 72 بالمائة، وجنوب أفريقيا من 72 إلى 62 بالمائة. وهبط العدد المطلق للأشخاص الذين يعيشون بأقل من خمسة دولارات في اليوم من 92 إلى 72 مليون في البرازيل، ومن 1,1 مليار إلى 950 مليون في الصين، ومن 32 إلى 30 مليون في جنوب أفريقيا.

قد يفسر لنا بقاء 85 بالمائة من المصريين محاصرين في الفقر أو في وضع الشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى (تعيش بأقل من خمسة دولارات في اليوم)، على الأقل جزئيًا، لماذا كان أغلب المصريين ساخطين رغم النمو الاقتصادي. فقد رأوا مجموعة صغيرة مترابطة سياسيًا تستفيد من النمو الاقتصادي، بينما ظل هم، تحت شتى الظروف، فقراء.

بالطبع يمكن أن يقال أنه بإعطاء وقتٍ كافٍ، كان من شأن منافع النمو أن "تتسرب هابطةً" للشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى وللفقراء. وبغض النظر عما إذا كان هذا "التسرُّب" ممكنًا فعلًا أم لا، فلا يبدو أنه بديل معقول من الناحية السياسية. إذ لا يبدو أن الناس على استعدادٍ للانتظار. فهم يريدون أن تتحسن ظروفهم المعيشية الآن. 

كل هذا يعني أن إدارة السيسي المنتخبة حديثًا عليها أن تضع "توسيع" الطبقة الوسطى، وإلغاء السياسات المتحيزة ضد المشاريع الصغيرة والمتوسطة، على جدول أولوياتها. من المؤكد أنها مهمةٌ صعبة ستستغرق وقتًا، إذ تنطوي على إجراء إصلاحات قانونية وتنظيمية، فضلًا عن إحداث تنمية مؤسسية وسيطرة على الفساد.

لا يمكن تنفيذ هذا البرنامج إذا استمرت الشركات الكبيرة في احتكار النقاش السياسي والوصول إلى صناع القرار. بالتالي، يجب –كخطوةٍ أولى– تطوير سبلٍ لإعطاء الشركات الصغيرة وممثلي الطبقة الوسطى الآخرين صوتًا حتى يتمكنوا من المشاركة الكاملة في النقاشات المتعلقة بالسياسة العامة. لن يؤدي إعطاء هذه المجموعات صوتًا، وحده، إلى نموٍ شاملٍ و"توسيع" للطبقة الوسطى، ولكنه سيكون بدايةً جيدة للإدارة الجديدة، حيث أنها ستقدم بذلك إشارةً قوية على رغبتها في تغيير مسار الاقتصاد المصري.

 [1]  انظر Diwan I., Keefer P., and Schiffbauer, M. (2013), The Effect of Cronyism on Private Sector Growth in Egypt, Mimeo, The World Bank:  Washington DC.

[2] للمزيد من التقديرات المختلفة المتعلقة بالطبقة الوسطى في مصر وتطورها عبر الزمن، انظرGhanem, H. (2013), The role of Micro and Small Enterprises in Egypt’s Economic Transition. The Brookings Institution: Washington DC.

 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب