تركيا تدعو إلى إقامة ملاذات آمنة ومناطق لحظر الطيران في سوريا: خمسة أمور تحتاج إلى معرفتها عن خطط أنقرة ودوافعها

منذ بدء المرحلة المسلحة للثورة ضد بشار الأسد في صيف عام 2011، كانت تركيا عازمة على إقامة ملاذات آمنة إلى جانب مناطق حظر الطيران في شمال سوريا لحماية المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. وفيما يلي خمسة أمور تحتاج إلى معرفتها عن خطط أنقرة ودوافعها:

1. السبب الرئيسي لدعوة تركيا لإقامة منطقة عازلة هو حماية نفسها من عدم الاستقرار في سوريا. وقد أثارت القضية مرة أخرى أيضاً لأن قوات الأسد أحرزت مؤخراً تقدماً في الشمال على حساب الثوار، شملت المناطق المحيطة بحلب - أكبر مدينة في البلاد. وتأمل أنقرة إقامة ملاذات آمنة تكون محمية من قبل الجيش التركي، فضلاً عن مناطق حظر الطيران تكون متداخلة مع تلك التي فرضتها القوات الجوية التركية وتلك التابعة لـ "حلف شمال الأطلسي" ("الناتو") والدول العربية [المشاركة في الحملة ضد تنظيم «داعش»]. وتؤمن تركيا أنه بدون اتخاذ مثل هذه التدابير، قد [ينجح] نظام الأسد قريباً بطرد الثوار.

2. في غياب مناطق حظر الطيران - التي تشكل تعهد عسكري صعب قد يتطلب التعاون من قبل الولايات المتحدة وغيرها من أعضاء حلف "الناتو" - فإن أنقرة عازمة على إقامة ملاذات آمنة في سوريا كوسيلة لإدارة أزمة اللاجئين. وتستضيف تركيا حالياً نحو 1.5 مليون نازح سوري، لن يعود الكثير منهم إلى بلدهم على المدى القصير إلى المتوسط في الوقت الذي تبقى فيه سوريا دولة ممزقة بسبب الحرب. إن قيام ملاذ آمن في سوريا سوف يشكل منطقة عازلة بالنسبة لتركيا تعمل ضد تدفق المزيد من اللاجئين.

3. بالنسبة لأنقرة، إن الأمر الأكثر قلقاً على المدى البعيد هو التطرف المحتمل المرتبط باللاجئين. فعلى غرار الأفغان الذين فروا من الحروب في بلادهم في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي وبقوا في النهاية في باكستان لعقود من الزمن، ما من شك بأن العديد من اللاجئين السوريين سوف يبقون في تركيا. ومثلهم مثل اللاجئين الأفغان الذين كانوا يشكلون حزام ناقل للتطرف داخل باكستان، فإن بعض اللاجئين الحاليين في تركيا يمكن أن ينقلوا معهم المشاكل القائمة في سوريا، من بينها شبكات مرتبطة بـ تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش»)/«الدولة الإسلامية»، والعنف الطائفي، والفكر الجهادي. وتؤمن أنقرة أن قيام ملاذات آمنة في شمال سوريا من شأنها أن تساعد على معالجة هذه المخاطر من خلال تحفيز النقل التدريجي للاجئين ثانية إلى بلادهم.

4. تسعى تركيا إلى إقامة الملاذات في قطع صغيرة من الأراضي السورية عبر الحدود، والتركيز على نقاط العبور التي يتجمع فيها معظم اللاجئين، وعلى مناطق يسيطر عليها «حزب العمال الكردستاني» وفرعه السوري «حزب الاتحاد الديمقراطي» - بغض النظر إذا فعلت ذلك بواسطة جوانب متعددة الأطراف أو من جانب واحد. ويبدو أن تركيا تتمتع بالقدرة العسكرية لحماية أي ملاذات صغيرة، كان قد تم الإعلان عنها من جانب واحد. وقد قامت أنقرة بالفعل بنشر مدفعيتها على طول الحدود، وبإمكان هذه الوحدات الدفاع عن منطقة ضيقة تمتد إلى مسافة خمسة وعشرين ميلاً داخل سوريا، وفقاً لما تمليه التضاريس. كما قد تعتمد أنقرة على حلفائها في سوريا، من بينهم جماعة الثوار المعروفة باسم كتائب «أحرار الشام»، للمساعدة في حماية محيط هذه الملاذات.

وفي المقابل، قد يتمكن الأكراد السوريون من مساعدة جهود أنقرة أو تعقيدها اعتماداً على كيفية تطور الأحداث. فتركيا كانت قد حاربت «حزب العمال الكردستاني» منذ ما يقرب من أربعة عقود، وبدأت مؤخراً بإجراء محادثات سلام رسمية مع التنظيم، لذلك ما زالت علاقتهما دقيقة. ومن جانبه، سيطر «حزب الاتحاد الديمقراطي» على مناطق كردية في شمال سوريا في تموز/يوليو 2012، وأعلن عنها مقاطعات مستقلة. وحالياً، بإمكان الملاذات الآمنة المحمية من قبل تركيا أن تستوعب هذه المقاطعات الكردية وتساعد في الدفاع عنها ضد تنظيم «داعش». بيد، سيعارض «حزب العمال الكردستاني/«حزب الاتحاد الديمقراطي» بشدة مثل هذا الترتيب لأنه قد يفرض سيطرة عسكرية تركية فعالة على أنشطتهما في سوريا. وبالطبع، يشن تنظيم «الدولة الإسلامية» حالياً هجمات على كوباني، التي هي إحدى هذه المقاطعات - وإذا ما هيمن التنظيم هناك وهاجم المقاطعتان الأخريتان [عفرين والجزيرة]، قد يضطر «حزب العمال الكردستاني»/«حزب الاتحاد الديمقراطي» إلى اختيار ملاذات آمنة تركية كملجأ أخير. وفي الوقت نفسه، إذا سمحت أنقرة بسقوط كوباني، فسوف تتنامى مشاعر الاستياء ضد تركيا على المدى البعيد في صفوف العديد من الأكراد الذين يعيشون في الملاذات المستقبلية، حتى إذا وافقوا على قبول حمايتها ضد «داعش» على المدى القريب.

5. رفض البيت الأبيض باستمرار قبول دعوات لإقامة مناطق حظر جوي أو مناطق عازلة في سوريا، وكان رفضه يأتي مباشرة بعد موافقه كبار المسؤولين الأمريكيين وتأكيدهم بأن الموضوع قيد النظر، الأمر الذي أثار استياء أنقرة إلى حد كبير؛ ومن بين أولئك المسؤولين وزير الدفاع تشاك هيغل ووزير الخارجية جون كيري ورئيس هيئة الأركان المشتركة مارتن ديمبسي. ويشكّل ذلك الاستياء جزء من القلق الأوسع بكثير القائم بين حلفاء واشنطن الإقليميين والأوروبيين ألا وهو: أنه يجري شن الغارات الجوية ضد «الدولة الإسلامية» دون وجود أي استراتيجية تعود بالفائدة على المعارضة السورية المعتدلة، التي تعهدت الولايات المتحدة ودول أخرى بتدريبها وتجهيزها. ويشعر الحلفاء بالقلق من أن نهج واشنطن "الضيق الحدود" هو وصفة لتقسيم سوريا وإضفاء الشرعية على سيطرة الأسد على جزء منها على الأقل، وإدامة الصراع في جميع أنحاء البلاد وحولها لسنوات مقبلة. ومثل هذه المخاوف يمكن أن تؤدي حتى إلى حل الائتلاف الوليد المناهض لـ «داعش»، وتزيد من احتمالية قيام حاجة لنشر قوات أمريكية على أرض المعركة لتدمير تنظيم «الدولة الإسلامية».