تفوقٌ بأي ثمن؟ العواقب السياسية لاستراتيجية التعويض الأولى

مقال رأي

تعمل الاستراتيجيات العسكرية على خدمة غاياتٍ سياسية، ولا يمكن فصل الحكم على فعالية تلك الاستراتيجيات عن السياقين التاريخي والجيو سياسي الذين تُتخذ فيهما. لقد حققت استراتيجية التعويض الأولى التي اتخذتها الولايات المتحدة متطلبات المنافسة الاستراتيجية، ولكنها فشلت، في سياقها السياسي، في نواحٍ بالغة الأهمية. ولذلك فإن أي محاولة لتكرار هذا "النجاح" من المرجح أن تكون ذات قيمة، ولكنها أيضَا محفوفةٌ بالمخاطر. ومن المنطقي، بالنظر إلى الاتجاهات الناشئة في البيئة الأمنية العالمية، أن تبحث الولايات المتحدة عن سبلٍ لتعويض نقاط ضعفها الاستراتيجية. ولكن أثناء قيامها بذلك، ينبغي عليها أن تكون أمينةً بشأن ما لم يؤت ثماره من استراتيجيات الماضي التعويضية.

يرتكز بحث البنتاجون عن "التفوق التكنولوجي" والاستراتيجية التعويضية الثالثة، بوضوحٍ، على النجاحات المُتصورة لاستراتيجيتي التعويض السابقتين – الردع النووي في خمسينيات القرن الماضي، ونظام الذخائر الموجهة في سبعينيات القرن نفسه. ويبدو أن النجاح الذي يريد البنتاجون تكراره واضحٌ بجلاء: تفوقٌ تكنولوجي-عسكري في المنافسة مع أي خصمٍ محتمل على المدى الطويل. ويُعد هذا السعي منطقيًا وجديرًا بالثناء، فحتى أولئك الذين يتعاملون مع السياسة الدولية باعتبارها شيئًا أوسع من التنافس على القوة العسكرية يُقدّرون بالتأكيد القيود الاستراتيجية المفروضة على صانع القرار بشأن الموارد التكنولوجية والمالية. ومع ذلك، فإن أخطاء الاستراتيجية التعويضية الأولى تستحق النظر إليها بعين الاهتمام أيضًا، على الأقل، كي نتجنب تكرارها.

التداعيات السياسية للاستراتيجية النووية

في خمسينيات القرن الماضي، أطلق أيزنهاور ما أسماه "نيو لوك،" الذي مثّل تحولًا  في الاستراتيجية التقنية العسكرية لتنتقل من الحرب الميكانيكية المعتمدة على أعداد المقاتلين وقدرتهم على المناورة إلى تلك القائمة على الردع من خلال تفوق الولايات المتحدة النووي. وقد كان المنطق الذي قامت على أساسه "نيو لوك"، والعقيدة المصاحبة لها والمعروفة بـ"الانتقام الهائل،" أن تفوق الولايات المتحدة التقني في الأسلحة النووية من شأنه تعويض ما خطط له أيزنهاور من تقليص بنية القوة الأمريكية التقليدية، وتخفيض أعداد القوات البرية. وتتخلص حجة أيزنهاور في أن أعدادًا أقل من القوات والمعدات من شأنها أن تكون كافيةً لمواجهة قوات الخصم التقليدية إذا ما استطاع التلويح بشن هجمةٍ نوويةٍ كاسحة القيام بردع وإرهاب الخصم.

وبالرغم من كل ما للفكرة من معقوليةٍ ومنطقة، فقد نجمت هذه الاستراتيجية التعويضية القائمة على السلاح النووي عن العديد من العواقب السياسية والعسكرية المتشابكة: حيث أدركت الولايات المتحدة أنها استراتيجيةٌ قائمةٌ على "الأصول المهدرة،" وانتشار الأسلحة النووية – التي حفزت الضربة السوفيتية الأولى – والمصداقية المشكوك فيها والخيارات السياسية المحدودة في التعامل أزمات العالم الحقيقي.

وحتى مع دفاع إدارة أيزنهاور على الاستراتيجية النووية، فقد علم المخططون العسكريون أن الأسلحة النووية كانت "أصولًا مهدرة،" بما يعني أن القيمة السياسية والاستراتيجية للسلاح النووي الأمريكي كانت مهددةً بتطوير الآخرين لسلاحٍ نووي. واستندت قدرة الولايات المتحدة على إكراه الآخرين منطقيًا باستخدام ترسانتها النووية – التفكير الذي كان شائعًأ في ذلك الوقت – على التفوق الأمريكي النووي، الذي كان يتآكل بسرعة. وقد دفع ذلك العديد من المسئولين الأمريكيين إلى الاعتقاد بنشوء "نافذةٍ للضعف" – ذلك أن الولايات المتحدة كان من شأنها أن تصبح قريبًا عرضةً لأسلحة الخصوم النووية، إذا ما لم تشن هجماتٍ وقائية لمنع التكافؤ النووي – الأمر الذي أدّى، بشكلٍ منطقي، إلى دعوة العديد من الرموز في الحكومة الأمريكية إلى توجيه ضرباتٍ نوويةٍ استباقية إلى الخصوم الراغبين في تطوير سلاحٍ نووي، بما في ذلك الاتحاد السوفييتي والصين. 

وبالإضافة إلى إنتاج خطابٍ أمريكيٍ داخلي يدعم توجيه ضربات نووية استباقية، فإن الاستراتيجية التي ارتكزت على "الأصول المهدرة" شجعت على انتشار الأسلحة النووية وعززت دوافع الضربة السوفيتية الأولى. ولم يؤد السلاح النووي الأمريكي والتهديد باستخدامه إلى انطلاق سباق تسليحٍ مع السوفييت فحسب، وإنما إنتاج الصين للسلاح النووي أيضًا، ثم كوريا الشمالية بنهاية المطاف، حيث خلص كلٌ منهم إلى أن مساعي الولايات المتحدة لاستخدام السلاح النووي في الضغط على خصومها توجب عليهم بدء برامجهم النووية الخاصة. وبالنسبة للسوفييت، فإن الفكرة القاضية بأن أي صراعٍ مباشر مع الولايات المتحدة سيؤدي بالضرورة إلى انتقامٍ هائل أعطت الاتحاد السوفيتي حافزًا قويًا للقيام بأولى ضرباته النووية في أفضل فرصه للنجاة، خاصة وأنهم – السوفييت – ظنوا أن الصراع كان وشيكًا.

كما نجمت الاستراتيجية الملزمة بالتفوق النووي عن نتيجةٍ ثالثة: لقد أعاقت قدرة واشنطن على إدارة الصراعات والأزمات في العالم السياسي القائم على السياسة الخارجية، المقابل لعالم التخطيط والبرمجة الدفاعية الغامض والهام. حيث استتبع "الانتقام الهائل" مشكلات كبيرة لصانعي السياسات الأمريكيين تتعلق بالمصداقية وإدارة الأزمات. فالتهديد باستخدام القوة التدميرية الهائلة لأي سببٍ من الأسباب، باستثناء مواجهة تهديد وجودي مباشر، كان ببساطة يفتقد إلى المصداقية. الأمر الذي جعل ترجمة التفوق النووي إلى قوةٍ ضاغطة مسألة خطيرة ومستحيلة تقريبًا.

وقد كان لهذه الاستراتيجية أيضًا أثرٌ على تقييد الخيارات السياسية المتاحة لصامعي القرار الأمريكيين – بمن فيهم أيزنهاور نفسه. فعلى سبيل المثال، خلال أزمات "كويموي-ماتسو" مع الصين في الأعوام 1954 و55 و58، كانت الاستجابة التي فضلها أيزنهاور، ردًا على استيلاء جمهورية الصين الشعبية على "جزر داتشن" التي تدعي تايوان أنها تابعة لها، التهديد بالسلاح النووي، ولكن عقيدة إدارته "الانتقام الهائل" لم تردع الصين. وفي نهاية المطاف، ألحقت الجمهورية الصينية الشعبية بالقوات الأمريكية والتايوانية كمًا أكبر من الخسائر واحتلت "جزر داتشن" واستخدمت التهديدات التي وُجهت إليها للحصول على دعمٍ سياسي داخلي. فالتهديدات غير المؤكدة بالانتقام النووي، رغم وضعها في الاعتبار، لم تكن مناسبةً للظروف الجيوسياسية أو متطلبات الأزمة.

تققيم إخفاقات الاستراتيجية التعويضية الأولى

لماذا ترتبت هذه النتائج عن الاستراتيجية التعويضية الأولى؟ حدث ذلك لثلاثة أسباب.

السبب الأول هو الفجوة بين احتياجات صانعي السياسات، الذين يتعاملون مع الحقائق والمستجدات السياسية الراهنة، ومخططي الدفاع الذين، كما بدا، لم يضعوا الغايات السياسية على رأس أولوياتهم – بغض النظر عن حقيقة أن أيزنهاور نفسه كان يزاوج بين كونه أحد صانعي السياسات والمخطط العسكري العام للقوات المسلحة. لقد كان صانعو السياسات الأمريكيون، بمن فيهم أيزنهاور، مقيدين، فيما يخص الكيفية التي تعاملوا بها مع أزمات العالم الحقيقي، بالتزاماتهم المسبقة التي وُضعت في إطار الاستراتيجية التعويضية الأولى، فالأسلحة النووية كانت الأداة المثلى في التعامل مع العالم كما كان قبل ذلك، ولكن الأمر تغير. 

أما السبب الثاني فهو قانون العواقب غير المقصودة: كان صانعو القرار الأمريكيون في غفلةٍ تامة عن المعضلات الأمنية للاستراتيجية، وأخفقوا في تقدير كيف أن الاعتماده على الضغط من خلال التهديد النووي من شأنه أن يحفز الآخرين مباشرةً على السعي لامتلاك أسلحة نووية، كما فشلوا في تفهم دوافع السوفييت في توجيه ضربةٍ استباقية للولايات المتحدة. ورغم أنه من غير المنصف أن ننتقد إدارة أيزنهاور لعدم توقعها كل آثار الدرجة الثانية والثالثة للاستراتيجية، فإن النهج البسيط "لوضع أنفسنا محل العدو" – أو ربما التعاطف مع الخصم – كان من شأنه جعل هذه العواقب متوقعة.

السبب الثالث، وربما الأهم، لفهم استحقاقات الاستراتيجية التعويضية الأولى، هو المركزية التي أولتها هذه الاستراتيجية لما بات يُعرف على نطاق واسع في دوائر مخططي الدفاع الأمريكيين بـ "الأصول المهدرة." فحتى لو كانت ترجمة التفوق النووي إلى نفوذٍ سياسي في مواجهة الخصوم مهمةً بسيطة (وهي لم تكن كذلك)، فإن قيام الاستراتيجية الموجهة للتخطيط الدفاعي – الذي ينطوي بطبيعته على جداول زمنية طويلة المدى – على تقنية محددة، بالضرورة، ذات مدى قصير يبدو، عند مراجعتنا للأمر، قرارًا غير حكيم.

الدروس المستفادة من أجل استراتيجية التعويض الجديدة

على الصعيد المبدئي، يمكن الزعم بأن الاستراتيجية التعويضية الأولى حققت ما تم وضعها لأجله: تحقيق التوازن من خلال ميزة الولايات المتحدة النوعية بامتلاكها لتقنية السلاح النووي في مقابل تقليص حجم الجيش، وعدم الاضطرار لإغراق أوروبا بقواتٍ برية تقليدية لا تمتلكها الويات المتحدة أصلًا. ولكن المناقشة الواردة أعلاه توضح أيضًا الثمن – المحتمل والواقعي – لاستراتيجية التعويض تلك. ومن هنا، يمكننا استخلاص درسين.

الدرس الأول هو أن اعتماد أمن البلاد على تقنية محددة كان أمرًا إشكاليًا، في السابق كما هو الآن. ولا يتعلق ذلك فقط بأن هاتيك استراتيجية تخلق حوافزًا قوية للتنافس الدولي – ومن ثم سباق التسليح – ولا أن هكذا حلًا تقنيًا يوضح ببساطةٍ للخصوم ماهية التهديد، ومن ثم ما يجب عليهم القيام به لمواجهته. فعلاوة على كل ذلك، كان الإشكال أن الميزة التنافسية، التي قدمتها تقنية السلاح النووي، مؤقتة ومرحلية، وقد أدرك صانعو القرار الأمريكيون ذلك مما جعلهم يشعرون بالضعف، ويتأكدون من ضآلة احتمالات استمرار الاستراتيجية على المدى الطويل، وحتى في أفضل الأحوال، فقد جعلت هذه الاستراتيجية سباق التسليح أمرًا لا مناص منه. واليوم، يعد تراجع التفوق التقني – الميزة التقليدية للولايات المتحدة – سببًا أساسيًا لدفع قيادة البنتاجون إلى البحث عن استراتيجية تعويضية ثالثة. ولكن حتى إذا ما كان الحل التقني لاستراتيجية التعويض الثالثة ممكنًا في عالم اليوم، فإنه لا يستطيع البقاء على المدى الطويل بسبب تسارع معدلات التغير التكنولوجي وانتشار التكنولوجيا.   

أما الدرس الآخر بالغ الأهمية الذي ينبع من تحليل الاستراتيجية التعويضية الأولى في سياقها السياسي هو أن الهدف الواضح للاستراتيجية التقنية العسكرية ينبغي أن يكون تحسين موقف صانعي السياسات في الحفاظ على مصالح الولايات المتحدة والتعاطي مع البيئة الأمنية الحالية والمستقبلية. لم يكن الهدف أبدًا أن نخوض حربًا نوويةً وننتصر فيها؛ بل كان تزويد صانعي السياسات المعاصرين والمستقبليين بالقدرة على السيطرة على الموقف إذا ما وقع أمرٌ غير متوقع. وبمد الخط على استقامته، فإن فحوى الفكرة الرئيسية أن التخطيط الدفاعي والقرارات المتعلقة ببنية الجيش ينبغي أن يعملا على تحسين الخيارات المتاحة لصانعي السياسات الحاليين والمستقبليين، لا تقييدهم. من المؤكد أن الاستراتيجية هدفها اتخاذ القرارات وتحديد الأولويات، ولكن معيار تقييم تلك القرارات ينبغي أن يكون المدى الذي تزود به الاستراتيجية البلاد بما يلزم للتعامل مع العالم كما هو الآن، وكما يُرجح أن يكون في المستقبل.

لا يهدف النقاش السابق إلى الزعم بأن السلاح النووي لم يكن له قيمة خلال الحرب الباردة. ولكن التعامل معه – مع السلاح النووي – كأساس لاستراتيجية تعويض الميزات التقليدية للخصم، لم يكن كافيًا لمهمة تلبية الاحتياجات الاستراتيجية والسياسية في ذلك الوقت. رغم ذلك، فقد كان هناك ميل – كما هو مترسخٌ في الثقافة العسكرية للولايات المتحدة بشكلٍ عام - إلى التعامل مع التكنولوجيا باعتبارها 

في عصرٍ تتشكل السياسة الخارجية فيه وفقًا للأزمة، تستحق قيادة البنتاجون الثناء على سعيها لتبني استراتيجية قادرة على التغلب على نقاط الضعف طويلة المدى، فإيجاد استراتيجية تعويضية ثالثة أمرٌ حيوي لأن الهدف بالغ الأهمية. ومع ذلك، فإن تحقيق هذا الهدف يتطلب ما هو أكثر من مجرد تكرار استراتيجيات الماضي التعويضية، كما يحذرنا تاريخ الاستراتيجية التعويضية الأولى.

إن التفوق التكنولوجي أمرًا هامًا عندما يكون ممكنًا، والتكنولوجيا قد تكون ضرورية للردع والدفاع. فبينما يسعى البنتاجون لإيجاد استراتيجية تعويضٍ ثالثة، من المهم بمكان أن توضع التكنولوجيا في سياقها السياسي، وأن نكون على قدرٍ من الحساسية تجاه حقيقة أن أي استراتيجية تقنية عسكرية سوف يكون لها متطلبات واستحقاقات سياسية. وتحديد هذه المتطلبات وتوقع تلك العواقب من شأنهما أن يصنعا الفارق بين النجاح والفشل.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب