خطأ أمريكا الفادح في حربها ضد داعش

مقال رأي

يفضل المسئولون الأمريكيون والغربيون تصوير الحملة الهادفة لدحر داعش بأنها صراع بين العالم المتحضر وبين منظمة إرهابية وحشية. وكما هو الحال مع معظم روايات وقت الحرب على مدار التاريخ، فإن هذا التصوير يختزل الأمر إلى حد كبير. فالحرب ضد داعش تنطوي في الواقع على العديد من الفصائل، وكل منها لديه أجندته السياسية الخاصة. ويحتاج الشعب الأمريكي أن يفهم تلك الدرجة من التعقيد، كيلا تنجرف الولايات المتحدة في حرب لانهاية لها بغير هدف متماسك يمكن بلوغه. ويجب أن تصبح تحذيرات القادة العسكريين والسياسيين الأمريكيين من أن مهمة مواجهة داعش ستكون طويلة المدى – ربما تستمر ثلاثة عقود أو أكثر من ذلك – بمثابة ناقوس خطر بخصوص ما قد تفضي إليه هذه السياسة.

إن العامل المهم على وجه خاص هو الحاجة لفهم عدد اللاعبين في هذا الصراع وأجنداتهم المتعارضة. إذ تتجاهل محاولة واشنطن لإقامة تحالف دوليٍ واسع ضد داعش ذلك العامل إلى حد كبير – الأمر الذي قد يكون خطأ فادحا. فبالإضافة إلى الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، هناك، على الأقل، خمسة فصائل أساسية منخرطة في حالة الفوضى التي تمر بها سوريا والعراق.

الإسلاميون السنة المتطرفون

تمثل داعش القلب من هذا الفصيل، ولكن المنظمة لديها أيضا حلفاء مهمون في كل من العراق وسوريا. وليس من قبيل المصادفة أن داعش أصبحت الأقوى في معاقل السنة في كلا البلدين. وفي الواقع، بدون مساعدة القبائل السنية في العراق (لا سيما في محافظة الأنبار)، لكان من الصعب بمكان على المتمردين أن يحققوا مثل هذا النجاح العسكري، الذي مكنهم الآن من بلوغ ضواحي بغداد الخارجية. وليس من المستغرب أن معظم المناطق العراقية التي وقعت تحت سيطرة داعش خلال هجومها الحالي هي نفس المناطق التي انتفضت ضد حكومة بغداد أثناء ذروة أحداث العنف الطائفي بين السنة والشيعة خلال عامي٢٠٠٦ و٢٠٠٧. وقد ساعدت سياسة الجنرال ديفيد بيترايوس بمنح القبائل السنية مساعداتٍ مالية سخية على دفعهم إلى إيقاف التمرد مؤقتا، الأمر الذي منح العراق هدنة طويلة من ذلك العنف.

وينطبق الأمر نفسه على الموقف في سوريا، حيث تتركز قوة داعش الأساسية في المناطق ذات الأغلبية السنية في البلاد. وكثير ممن يفترض كونهم عناصر "معتدلة" في التمرد ضد بشار الأسد - بما في ذلك أجزاء من الجيش السوري الحر المدعوم من الولايات المتحدة – تبين أنهم مقاتلين في داعش أو على الأقل متعاطفين معها. والهدف الرئيسي لداعش وحلفائها السنة هو إسقاط حكومتي دمشق وبغداد، أو - إذا ما اتضح أن ذلك الهدف بعيد المنال - إقامة دولة جديدة (الخلافة) تتكون بالأساس من المناطق السنية في سوريا والعراق. 

التحالف الشيعي

خصوم إسلاميي السنة الأكثر وضوحا وحماسة هم الحكام والحركات الشيعية. ففي سوريا، الأسد (زعيم العلويين، أحد الأجنحة الشيعية) هو الهدف الأوضح لداعش، ولكن النظام الذي يقوده الشيعة في بغداد وحزب الله في لبنان يشكلا أهدافا ظاهرة أيضا. ويأتي في الخلفية النظام الديني الشيعي في إيران كراع أساسي. وفي اللحظة الحالية، تميل أجندة الفصيل الشيعة لأن تكون دفاعيةً أكثر منها هجومية، نظرا لطبيعة قوة الخصم التي ظهرت في المنطقة. ولم يمض وقت طويل عندما كانت إيران على خط الهجوم، تحاول بقوة تصدير عقيدتها الدينية للدول الإسلامية الأخرى. وبدرجة ما، لا تزال طهران تحاول فعل ذل، لا سيما من خلال دعم إخوانها في العقيدة في لبنان والبحرين. ولكن مع ظهور داعش في المشهد، يركز القادة الشيعة جل اهتمامهم على الإبقاء الأنظمة المحاصرة حاليا في دمشق وبغداد، فكلاهما شديد الأهمية بالنسبة للزعماء الإيرانيين. إذ أن إسقاط الأسد سيكون من شأنه القضاء على حليف طهران الأساسي في الشرق الأوسط، كما أن هزيمة الحكومة الحالية في بغداد من شأنها التراجع في كل المكاسب التي تحققت عندما أطاحت الولايات المتحدة متفضلةً بعدو إيران الرئيسي، نظام صدام حسين الاستبدادي.

ولكن هناك ثغرةٌ هامة في التحالف الشيعي, وهي أنه ليس كتلة صلبة وإنما تجمعا فضفاضا لأعضائه الذين يبتغون أهدافا متعارضة. فالتكاتف العقائدي الشيعي ليس كافيا، على سبيل المثال، لتبديد التوتر التاريخي بين الفرس والعرب بشكل كامل. وهو ما يجعل الحكومتين السورية والعراقية شركاءا حذرين بشكل ما تجاه رعاتهم الإيرانيين.  

القوى السنية التقليدية

يتكون هذا الفصيل بالأساس من تركيا ومصر والمملكة العربية السعودية وحلفائها الخليجيين. وتعد الرغبة في الحد من نفوذ إيران الإقليمي بمثابة المصدر الأساسي لتماسك تلك الدول. ومع ذلك، فإن المناورة لأجل الزعامه داخل هذا الفصيل تسير بنفس حدة العداء الموجه لإيران وشركائها الشيعة. فمصر، على وجه الخصوص، ترى نفسها بمثابة الزعيم الشرعي للعالم العرب، كما أنها مرتابةٌ بدرجة ليست بسيطة حيال طموحات المملكة العربية السعودية. وتركيا تحاول بشكلٍ عام تقديم المصالح السنية، ولكن الهدف الأساسي لأنقرة هو تعزيز المصالح التركية الوطنية (وربما يشتمل ذلك على العمل من أجل إقامة دولة عازلة موالية شمالي سوريا) وعدم التورط في العديد من الخلافات العربية الداخلية.

وقد دفعت مشاعر الخوف والعداء تجاه إيران القوى السنية التقليدية لدعم الفصائل المتقبلة ظاهريا في سوريا والعراق. ولكن اتضح أن ذلك كان خطأ كبيرا في الحسابات، فبدلا من أن يصبحوا عملاءا طيعين، اتخذت العديد من القوى السنية في سوريا والعراق طريقا متطرفًا لتصبح القلب الصلب لداعش. والآن تدرك المملكة العربية السعودية وعملاؤها الخليجيون بوضوح أنهم قد خلقوا الوحش، وهو الأمر الذي قد تعترف به تركيا - ربما متأخرا - في نهاية المطاف. وبالرغم من ذلك، فمن المهم أن يفهم الزعماء الغربيون أن القوى السنية التقليدية عندما تكثف جهودها ضد داعش، فإن هدفها الأساسي يظل تدمير نفوذ طهران في المنطقة. الأمر الذي يجعل من أولئك المشتركين الجدد في المعركة ضد داعش يعملون لخدمة مصالحهم الذاتية فلا يمكن الوثوق بهم. 

 

الأكراد

وبالنسبة للسكان الأكراد في المنطقة، خلق صعود داعش وتزامنه مع زعزعة الاستقرار في سوريا والعراق فرصا وتهديدات بنفس القدر تقريبا. فالأكراد العراقيون كانوا قد أسسوا بالفعل منطقة حكم ذاتي مستقلة عن الدولة في كل شيء سوى الاسم. فالحكومة الكردية الإقليمية تمتلك علمها الخاص وتتحكم في العملة والسياسات الاقتصادية والقوات العسكرية. فالالتزام تجاه بغداد ليس أكثر من مسألة شكلية. ولقد قدم تفكك سوريا للفصائل الكردية شمالي وشمال شرقي البلاد فرصةً (وإن لم يكن الأمر بشكلٍ رسمي) لمحاكاة أبناء عمومتهم العراقيين. فقد صار حلم كردستان الموحدة المستقلة - التي تضم غالبية المناطق الكردية في سوريا والعراق، وتركيا أيضا بنهاية المطاف - أقرب من أي وقت آخر منذ نهاية الحرب العالمية الأولى.

ولكن القوة المذهلة لداعش لا تهدد الحلم فحسب، وإنما تهدد استمرار الوجود الفعلي لكردستان العراق المستقلة. فقد وجدت الحكومة الكردية الإقليمية نفسها محاصرة في عاصمتها، إربيل، ومضطرة للاستنجاد بالولايات المتحدة كي تشن غارات جوية لصد هجوم داعش. وفي سوريا، صارت الأمور مروعةً بشكل أكبر، حيث اجتاحت داعش عددا من القرى الكردية وكانت قاب قوسين أو أدنى من الاستيلاء على مدينة "كوباني".

والسكان الأكراد علمانيون وموالون للغرب، لذلك فإنهم أعداء شرسون لداعش، الجماعة التي يعتبرونها تهديدا قاتلا لكل ما يقدرونه. ولكن الزعماء الغربيون أيضا بحاجة لأن يكونوا واعين أن الهدف الكردي الرئيسي هو تأسيس كردستان الكبرى – وإن لزم الأمر، فلتقم على أنقاض الدولتية العراقية والسورية. ويخلق ذلك تعارضا واضحا مع السياسة الغربية المعلنة بالحفاظ على سلامة أرض كلتا الدوليتين.

إسرائيل

يشعركل من القادة الإسرائيليون وسكان البلاد بالقلق المتفهم إزاء احتمالية انتصار داعش. ولكنهم أيضًا يرون عددا قليلا من الحلفاء المحتملين في المنطقة، مع احتمالية إقصاء الأكراد من المعادلة. حتى العلاقة البناءة التي ربطتها يوما بتركيا توترت بشدة في السنوات الأخيرة. وفي الحين الذي لا يريد فيه الإسرائيليون بالتأكيد رؤية داعش منتصرة في الحرب السورية الأهلية، فإنهم لا يريدون أيضا أن يروا خصمهم القديم، الأسد، باقيا على قيد الحياة. وبالتأكيد، فإنهم لا يريدون أن يظل حليف الأسد - حزب الله - قويا، نظرا لما تسببت فيه الحركة المسلحة من صداع لإسرائيل على مدار سنوات. كما توجد معضلةٌ مماثلة تتعلق بالصراعات الإقليمية الأكبر. فالإسرائيليون يستحوذ عليهم هاجس الحد من النفوذ الإيراني، ولكنهم لا يثقون في السعوديين ولا عملائهم السنة كذلك. ومن وجهة نظر حكومة نتنياهو، فإن أفضل نتيجة ممكنة قد تكون استمرار الانقسام والاضراب بين مختلف الفصائل الإسلامية، الأمر الذي يضمن بقاءهم في حالة ضعف كافية لئلا يستطيعوا تشكيل خطر على المصالح الإسرائيلية. 

بالنظر إلى الدوافع المتفاوتة لمختلف الأطراف، فإن من غير الحكمة أن يظهر المسئولون الأمريكيون المعركة ضد داعش وكأنها صراع مطلق بين الخير والشر. إذ أن الحقيقة أنه صراع إقليمي معقد ومتعدد الأطراف على السلطة، قاعدته هي التحالفات الضبابية والأهداف المريبة، إن لم تكن غير الأخلاقية. فالزعماء الأمريكيون بحاجة للتفكير في الخيارات بعناية شديدة، لأن واشنطن تقتحم حقل ألغام جيوسياسي مع احتمالية عالية لإخفاق وإحباط السياسة. فالحمقى يملؤون الأماكن التي تخشى الملائكة المرور بها. 

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب