خيار تركيا الصعب: أيهما تواجه داعش أم حزب العمال الكردستاني؟

مقال رأي

 تركيا في موقفٍ   حرج، فلديها الخطر الذي يمثله مقاتلو داعش على مدينة "كوباني" الواقعة على الحدود السورية، ليقتربوا من مواجهةٍ مع قوات الأمن التركية أكثر من أي وقتٍ مضى. وعلاوةً على ذلك، فهناك آلاف الأكراد السوريين الذين فروا من هجمات داعش محتشدين على حدودها، ومضيفين المزيد إلى متاعب أنقرة.

وفي خضم الضغط المتزايد عليها كي تصبح أكثر فعاليةً في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد داعش، فقد أذن البرلمان التركي الأسبوع الماضي بأغلبيةٍ كبيرة للجيش أن يقوم بعملياتٍ داخل سوريا والعراق؛ وأن يسمح أيضًا للقوات الأجنبية بالعمل من القواعد التركية. وقد قوبلت هذه الخطوة في العواصم الغربية بترحيبٍ  كبير باعتبارها إشارة إلى أن تركيا أصبحت أخيرًا جزءًا من التحالف المعادي لداعش بشكلٍ كامل.

إلا أن الإجراءات التي اتخذها البرلمان التركي لا تبشر بانقلابٍ  كاملٍ للسياسة تجاه سوريا ولا بفعلٍ عسكريٍ  فوري ضد داعش. وفي الواقع، قد تكون أسباب تركيا للاشتراك في الحرب متعلقةً برغبتها في قمع الانفصاليين الأكراد والتخلص من نظام الأسد أكثر منها راجعةً إلى الرغبة في القضاء على الجماعة الجهادية.

فإسقاط القيادة في دمشق وإبقاء الأكراد السوريين الذين تربطهم علاقاتٍ وثيقة بحزب العمال الكردستاني (PKK) تحت المراقبة قد باتا منذ فترةٍ طويلة أهم أولويات أنقرة في سوريا.

فصياغة القرار البرلماني الذي اُتخِذ الأسبوع الماضي - والذي ينص على أن "العناصر الإرهابية لحزب العمال الكردستاني المحظور قانونيًا لا تزال متواجدةً شمالي العراق" – تشير إلى أن الانفصاليين الأكراد لا يزالون الشاغل الأكبر للحكومة التركية.

ولا يشير التصويت على القرار إلى تدخلٍ قريبٍ  ضد داعش: رغم آلاف اللاجئين من الأكراد السوريين وتقدم داعش السريع نحو الحدود التركية الجنوبية، فإن أنقرة تبدو غير مستعدةٍ للتدخل. حيث قال وزير الدفاع التركي "عصمت يلماز" "لا تتوقع اتخاذ خطوة فورية بعد الموافقة على طلب الإذن."

وبدلًا من ذلك، فمن المرجح أن تبدي الحكومة التركية تعاونها الكامل مع الحملة ضد داعش حتى تستطيع تأمين اتفاقيةٍ تدعمها الولايات المتحدة لفرض منطقة حظرٍ جوي في سوريا: إذ تعتقد أنقرة أن ذلك من شأنه أن يقضي على كل تخوفاتها.

حيث تظن تركيا أن قدرة نظام الأسد على شن هجماتٍ  جويةٍ على التيار العريض من قوات المعارضة قد عززت من قوة داعش، وترتب عليها فرار الجيش السوري الحر والسماح للمتشددين الإسلاميين بالاستيلاء على الأراضي الخاوية. وفرض منطقة حظرٍ جويٍ في سوريا من شأنه أن يثبط قوة الأسد الجوية ويدعم قوات المعارضة لإسقاطه: ويمكنها أيضًا خلق وجودٍ للجيش التركي يعمل على إخلاء شمال سوريا من المقاتلين الأكراد المرتبطين بحزب العمال الكردستاني ومن ثم خنق منطقة الحكم الذاتي الكردية. فقد أصبحت تركيا غير مرتاحةٍ بشكلٍ متزايد لنشوء كيانٍ كرديٍ  جديد على حدودها بعدما أعلنت الجماعات الكردية السورية التابعة لحزب العمال الكردستاني منطقة حكمٍ ذاتي شمالي سوريا.

وكذلك فقد زاد الدعم الدبلوماسي والعسكري الذي تلقاه حزب العمال الكردستاني خلال قتاله الفعال ضد داعش الموقف سوءًا بالنسبة لأنقرة. فردًا على تنامي الخطر الداعشي، شكّل كلٌ من حزب العمال الكردستاني وقوات البشمركة ووحدة حماية الشعب (ميليشيا عسكرية على علاقة بحزب العمال الكردستاني تقاتل في سوريا) جبهةً كرديةً موحدة، من خلال تحرك مقاتلي حزب العمال الكردستاني لمساعدة مقاتلي البشمركة وإيقاف تقدم الجماعة الجهادية نحو منطقة الحكم الذاتي شمالي العراق. وكانت وحدة حماية الشعب القوة الأساسية التي تحارب داعش، وقد ساعدت آلاف الأزيديين على الهرب من المنطقة الغربية عندما هاجمتها داعش.

لقد أصبح حزب العمال الكردستاني بوضوح أهم أملٍ للغرب فيما يتعلق بالقوات البرية، الأمر الذي جعله يحظى بتعليقاتٍ إيجابية في وسائل الإعلام الغربية. فمنذ بدأ الحزب هجومه على داعش شمالي العراق، ثار الكثير من الجدل في العواصم الغربية بشأن رفع حزب العمال الكردستاني من قائمة الإرهاب.

 وقد عززت المعركة ضد داعش أيضًا من القدرات العسكرية لحزب العمال الكردستاني: تركيا يساورها القلق إزاء فكرة أن الأسلحة التي أُرسِلت إلى قوات البشمركة قد تصل بنهاية المطاف لأيدي حزب العمال في الوقت الذي تمضي فيه أنقرة قدمًا لإتمام اتفاقٍ من شأنه نزع سلاح الحزب. وتلقي الحكومة التركية اللوم في ذلك على الغرب ولكن محاولات أنقرة للانفتاح على أقليتها الكردية قد تعثرت في الأغلب بسبب سياستها قصيرة النظر في سوريا.

وقد أبرز الصراع الجاري في كوباني العديد من التحديات التي تمثلها الحرب السورية أمام عملية السلام التي بدأتها أنقرة عام ٢٠١٢ في مساعٍ لإنهاء ثلاثين عامًا هي عمر التمرد الكردي. فالقصف المكثف في كوباني أغضب الأكراد داخل الحدود التركية حيث وجهوا اللوم للحكومة التركية بسبب سماحها بنمو داعش وتقاعسها عن القيام بما يكفي لإيقاف هجومها على الأكراد.

إن تردد تركيا في الانخراط خوفًا من تعزيز قوة المسلحين الأكراد في تركيا يساهم الآن في تفاقم الشقاق بين الأكراد والحكومة. فالأسبوع الماضي، بعدما وردت تقاريرٌ تفيد أن تركيا أغلقت معابرها الحدودية لتمنع دخول الأكراد الفارين من كوباني، حذّر عبدالله أوجلان، الزعيم المسجون لحزب العمال الكردستاني، من أنه إذا قامت داعش بـ"مجزرةٍ" في كوباني، فإن ذلك من شأنه إنهاء عملية السلام مع حزب العمال الكردستاني.  

لوكانت أنقرة قد تدخلت منذ البداية، كان ممكنًا أن تصبح المجموعات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني في سوريا جزءًا من المعارضة السورية المعتدلة وقوةً قتاليةً فعالة ضد نظام الأسد. ولكن خطاب الحكومة التركية الصدامي بشكلٍ متزايدٍ ضد الحزب جعل مثل هذا التحول في طريقة تفكير أنقرة غير ممكنٍ. والأسبوع الماضي، قال إردوغان أنه "بينما تتسبب منظمة داعش الإرهابية الآن في حالة من الاضطراب في الشرق الأوسط، فقد استمر إرهاب حزب العمال الكردستاني دائرًا على مدار الاثنين والثلاثين عامًا الماضية في بلادي، ولم يكن لدى العالم مشكلة في ذلك أبدًا. لماذا؟ لأن هذه المنظمة الإرهابية لا تحمل اسم ‘الإسلام.’"

وإذا كانت تركيا لا تزال ترى حزب العمال الكردستاني يمثل خطرًا أكبر من نشاطات داعش في سوريا، فمن غير المرجح إذن أن يؤدي التشريع الذي تمت الموافقة عليه الأسبوع الماضي إلى انخراطٍ تركيا بشكل أكبر في الحرب ضد الجماعة الجهادية.  

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب