سياسة عزل الولايات المتحدة سيئة، حتى لو قال الأمريكيون أنهم يريدونها

مقال رأي

نشهد حاليًا دليلا جديدا على ما قد يترتب عن السياسة الخارجية التي تدار من خلال تصويت الأغلبية،  والتي كادت تؤدي من قبل إلى سقوط لندن في أيدي النازيين.

في٢٠١٣، وافق ٥٢ بالمائة من الأمريكيين على أن بلادهم يجب "ألا تهتم سوى بشئونها على المستوى الدولي." (في ١٩٦٤، كانت النسبة عشرين بالمائة.) بعد فترة قصيرة من هذه الموافقة الكبيرة على عدم التدخل، توسعت "الدولة الإسلامية" بشكل سريع في الفضاء الذي ترك في غفلة من الولايات المتحدة. كما انتشر في غرب أفريقيا فيرس إيبولا الذي كانت تجب مواجهته قبل شهورٍ بمخصصات أكبر.

في الأعوام الأخيرة، اعتاد الأمريكيون على الحصول على ما يريدون في قضايا السياسة الخارجية، وهم الآن يعاقبون بلا رحمة أولئك الذين أنفذوا إرادتهم. فقد جائت ننتيجة استطلاع رأي أجري مؤخرًا لتقول أن نسبة تأييد سياسة باراك أوباما الأجنبية قد وصلت عند 34 في المائة فقط. فقد يشيد الأمريكيون لـ"بناء الدولة على أرض الوطن،" ولكنهم، في نهاية المطاف، يبنون أحكامهم استنادا على مآلات الأمور في الموصل ومونروفيا. وهذا أمر عادل، فالقائد العام ليس عليه أن يعكس ما تجمع عليه الجماهير، وإنما ينبغي عليه الدفاع عن البلاد والدستور.

وقد صبّ  هذا التفاعل - بين الجمهور المتردد عادة والرئيس التنفيذي الذي يسعى جاهدا لحماية مصالح الدولة - في صالح البلاد بشكلٍ عام. فقد امتلك الرؤساء منذ الحرب العالمية الثانية سلطات واسعة لبسط النفوذ الأمريكي على الساحة العالمية – إعلان السياسات الاستراتيجية وفرض "الخطوط الحمراء" وتسليح الوكلاء وإرسال المساعدات الطارئة وشن هجمات جوية على الأعداء – وكانوا يسعون في الوقت نفسه إلى إقناع الكونجرس بتقديم الدعم المالي لهذه الجهود وتحفيز الأمريكيين على دعمهم.

ويعد هذا دورا مختلفا لرئيس الولايات المتحدة عن ذلك الذي ساد في جمهورية جيفرسون القديمة. ولكن نشوء هذا الدور الجديد كان له أسبابه المنطقية. فقد قال الفيلسوف الألماني "كارل جاسبرز" أن التاريخ قبل الحرب العالمية الثانية قد كان "مجالا متقطعا من المشاريع غير المترابطة." وأصبح، مع الحرب، "كلا مترابطا، وقد عد ذلك بمثابة مشكلته ومهمته." فقد امتلك العالم، لأول مرة، تاريخا موحدا له معنى. وبنهاية المطاف، أصبحت مجموعة من التحديات – التخصيب النووي والتدهور البيئي والإرهاب – عالمية الطابع. كما حظت بعض المشكلات القديمة، كالأمراض المتوطنة، بسرعة الطيران الجوي والانتشار الكبير، الأمر الذي جمع سكان العالم في إطار واحد مكدّس.    

وقد أصبحت الولايات المتحدة، منذ الحرب العالمية الثانية، الدولة الوحيدة التي تمتلك ما يكفي من الرغبة والقدرة والمسئولية للحفاظ على شكل شبه متوازنٍ من النظام. فالدول المنقسمة في أوروبا ستنضم أحيانا للتحالف ولكنها نادرا ما ستقوده. وروسيا والصين تظلان منخرطتين في ألعاب القوى العظمى. والمؤسسات الدولية ضعيفة في أحسن الأحوال. ورغم أن الولايات المتحدة قد عززت إمكانات الفاعلين المسئولين بشكل ثابت، فإن الأسطول الأمريكي السابع لا يزال ينتشر بالقرب من اليابان؛ وفرقة المشاة الثانية لا تزال واقفة لحراسة المنطقة الكورية معزولة السلاح؛ ولا تزال القيادة المركزية الأمريكية تقوم بمعظم الهجمات الجوية في العراق وسوريا.

ويشكو البعض بالطبع من هذه الأعباء. ولكن لو لم تكن الولايات المتحدة قد أخذتها على عاتقيها، لكانت أهوال القرن العشرين أكثر رعبا بدرجة غير محدودة. فمعسكرات الموت ما كانت لتخل بطريقة إنسانية، وأوروبا كان من شأنها أن تتوحد تحت حكم الاتحاد السوفيتي، مع انتشار معسكرات اعتقال على حدود برلين وباريس.

لقد تغيرت التهديدات التي تتعرض لها الولايات المتحدة – أو ربما صارت أكثر تنوعا. فقد نشأت هجمات الحادي عشر من سبتمبر في دولة أفغانستان الفاشلة والبعيدة. وبعد ذلك، جادل الأكاديميون أن هذه الحالة كانت فريدة من نوعها وأن "إشكالية الدول الفاشلة" تم المبالغة فيها. والآن تتغذى "الدولة الإسلامية" على فشل الحكم في دولتين، وينتشر فيرس الإيبولا في غياب هياكلٍ فعّالة للرعاية الصحية في ثلاث دول. هل يمكننا القول بذلك أن الولايات المتحدة ليست لها مصلحة حقيقية في حل إشكالية الدول الفاشلة – سوى عندما ينجم عنها القاعدة والدولة الإسلامية والإيبولا!

إن تبني الرئيس أوباما لهذه الواجبات مزدوج الوجه. فهو، من الناحية الثقافية، يعد الشخصية الدولية التي تتحدث عن مخاطر التهديدات العالمية. ولكنه أتى إلى منصبه بوعود بالانكفاء على الداخل من أجل التركيز على المشكلات الداخلية، وقد استشهد بصناديق الاقتراع (في سوريا على وجه الخصوص) كتأكيد لنزوعه إلى عدم اتخاذ إجراء. كما أن خوضه الحرب ضد الدولة الإسلامية يبدو (حتى الآن) مقيدا وفاتر الحماس.

كما أن بعض المحافظين ليسوا أفضل حالا بكثير – بتخيلهم أن المشكلات العالمية يمكن احتواؤها من خلال عزل الحالة الفوضوية السورية (لتصبح "أشرارا في مواجهة أشرار" بنهاية المطاف)، أو بفرض الحجر الصحي الفعال على ليبريا.

ولكن مائتي ألف قتيل في سوريا، فضلا عن تسعة ملايين من النازحين، قد أثبتوا أن الأمر يشكل كارثة إقليمية عصية على الاحتواء. وقد يزيد عزل الدول المصابة بالإيبولا من سرعة الانهيار الاقتصادي والسياسي، ويزيد من المعاناة والموت، وينجم عن انتشار أوسع للمرض. فمن غير الممكن – علاوة على كونه من غير الأخلاقي – أن نترك هذه الدول تموت خلف الستار.

الولايات المتحدة، إذن، لديها مشكلات لا يمكن عزلها، ولا حل سوى مواجهتها. وكلما تباطأنا في إدراك ذلك، كلما صارت مهامنا أصعب.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب