فلننظر إلى مصر كشريك عسكري

التقى هذا الأسبوع ممثلو عدة دول في روما لتقديم الدعم للقوات المسلحة اللبنانية. أتي الاجتماع في موعده، بعد أن أرهقت الحرب الأهلية في سوريا، وتهديدات الأمن الداخلي في لبنان، قدرات المؤسسة العسكرية اللبنانية.

يشكّل تركيز المؤسسة العسكرية الجديد على مكافحة الإرهاب، والسيطرة على الحدود، وحفظ الأمن الداخلي، عبئًا ماليًا ولوجستيًا كبيرًا على لبنان. ويظل الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة، رغم ضئالته النسبية، ضروريًا للقوات المسلحة. وقد وفّرت الهِبة التي قدمتها المملكة العربية السعودية، وقدرها ثلاثة مليارات دولار، إمكانات كبيرة للجيش، إلا أنها لن تفعل الكثير لتخفيف العبء اللوجيستي المتعلق بالحفاظ على مستوى كفاءة الجيش في استخدام نظم الأسلحة الحديثة والقادم أغلبها من الولايات المتحدة.

في ضوء محدودية موارد بيروت المالية، ستكون الطريقة الأكثر فعالية (من جهة التكلفة) لتعزيز إمكانات القوات المسلحة، هي إقامة شراكة وثيقة مع دولة صديقة، لدى قواتها المسلحة نفس نظم التدريب والتسليح. مصر هي الدولة الأقرب لذلك. فمزيد من التدقيق يكشف العديد من القواسم المشتركة بين كلٍ من القوات المسلحة اللبنانية والمصرية.

فمصر لا تمتلك فقط معدات أمريكية، مثل الدبابات المقاتلة إم60، والمدرعات حاملة الجنود إم 113، والعربات العسكرية "هامفي"، والمركبات الأخرى المختلفة، بل تمتلك أيضًا العديد من الأسلحة الروسية المختلفة، مثل أسلحة المدفعية الميدانية، وقاذفات الصواريخ 122 ملم. كذلك تنتج الصناعة العسكرية المصرية مجموعة واسعة من أنظمة التسليح، والذخائر، وقطع الغيار التي تقل كلفتها كثيرًا عن نظيراتها الغربية. فعلى السبيل المثال، كانت مصر هي مورد السلاح العربي الرئيس للعراق خلال الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات، إذ قدّمت الدعم التقني والسلاح ذي القوة التدميرية الواسعة االلازمين لصد هجمات المشاة الإيرانيين. 

كما أن بعض ذخائر الجيش اللبناني، مثل الدبابات M48 وM60A3 المعدلة، التي تستخدم بنادق 105 ملم، قد لا تكون متوفرة إلا في مصر. وقد تلقى الجيش اللبناني هذه الذخائر من مصر أثناء القتال في مخيم نهر البارد عام 2007. 

علاوة على ذلك، فإن المصريين قد عدّلوا الدبابة إم 113 لتصبح مركبة مشاة مقاتلة ذات مدفع طلقات 25 ملم، كما طوّروا تحصيناتها. لدى الجيش اللبناني ست عشرة مركبة إم 113 مماثلة، بلجيكية الأصل، لا تزال في الخدمة مع وحدات المشاة المنقولة جوّا. وقد أثبتت تلك المركبات، في الاشتباكات الأخيرة بطرابلس، أفضليتها عن مركبات إم 113 العادية المزودة بمدافع رشاشة من عيار 50. تجدر الإشارة إلى أن العديد من ضحايا الجيش الذين سقطوا في القتال في صيدا العام الماضي، سقطوا من جراء إصابات في الرأس بعد إضرام النار في مدافع إم 113 العادية سيئة التحصين. أما المركبات الفرنسية VBCI، والتي تمتلك نفس قوة إم 113 المعدلة التدميرية، فثمنها أعلى بكثير. 

إذا استدعت الحاجة، فلدى قوات الجوية المصرية أسطول كبير من طائرات النقل هِركوليز سي 130، التي يمكنها نقل الذخيرة، وقطع الغيار، والقوات أيضًا، لمهابط طائرات شبه معدة، ومدارج صغيرة، كتلك التي في حامات بطول الساحل شمالي لبنان.

بالنسبة للإطار القانوني لهكذا تعاون، فإنه موجود بالفعل، من خلال اتفاقية الدفاع المشترك لجامعة الدول العربية. والأهم من ذلك أن كلا الجيشين، المصري واللبناني، يشتركان في نفس المحتوى التدريبي والعقيدة القتالية. كما أن الجيش المصري لديه خبرة جيدة في صيانة وتجميع الأجهزة والمعدات الأمريكية، وهو ما لا يستطيع أي بلد مانح آخر تقديمه.

من بين العوامل الأخرى أيضًا؛ وجود لغة مشتركة، وهو ما يرجح كفة الجانب المصري، إذ تُعَد الإنجليزية" لغةً تقنيةً مشتركة. فخلال التسعينيات، كانت العربية فقط هي المستخدمة في كلية الحرب السورية بحمص، الأمر الذي شكّل عائقًا أمام الضباط اللبنانيين الذي اعتادوا -في المواضيع التقنية- قراءة المواصفات والبيانات بالإنجليزية.

بالرغم من أن دعم الولايات المتحدة لا يقدر بثمن في تطوير إمكانات القوات المسلحة اللبنانية، إلا أن ذلك لا يغني أبدًا عن شريك إقليمي يشترك مع اللبنانيين في اللغة، والتراث، والعقيدة.

في خطابه الأخير بـ"وِست بوينت"، شدد الرئيس باراك أوباما على حاجة الولايات المتحدة للتعاون مع القوى الإقليمية. ولكن، حتى الآن، لم يستطع الدعم الأمريكي العسكري منع لبنان من الانزلاق لدائرة النفوذ الإيراني. وضع مصر، بوصفها دولة عربية رائدة قريبة من لبنان، أفضل من وضع الولايات المتحدة في هذا الصدد، إذ أن مصر يمكنها أن تعادل الطموح الإيراني عبر تعاون أكبر مع القوات اللبنانية. 

السلاح البحري من المجالات التي تتفوق فيها مصر بسهولة على إيران. فالبحرية المصرية، المزودة بالفرقاطات (سفن حربية من نوع خاص) الأمريكية الحديثة نسبيًا، قادرة تمامًا على السيطرة على السواحل الشرقية للبحر المتوسط، بما فيها المنطقة الاقتصادية الخالصة الممتدة بطول الساحل اللبناني، والتي لا تبعد كثيرًا عن الساحل المصري. كما أنه ليس مستبعدًا أن تصبح مصر من المستفيدين من الغاز اللبناني، الذي يتوافر في هذه المنطقة. التعاون مع مصر في هذا الصدد سيرفع عن كاهل لبنان الحاجة لنشر زوارق صغيرة لا تفي بغرض مراقبة المنطقة الاقتصادية الخالصة (EEZ)، الأمر الذي يعطي لبنان فرصةً أفضل لاستغلال موارده الشحيحة.

ربما يعزز الحصول على زوارق الدورية الثلاث (طول الواحد 40 مترًا) -طبقًا للصفقة الفرنسية الممولة من قبل السعودية- من قدرات البحرية اللبنانية، إلا أن هذه الزوارق ستظل ذات قدرات محدودة فيما يخص الجانب التقني والقدرة القتالية، ولذا لن تكون قادرةً على مراقبة المنطقة الاقتصادية الخالصة بشكل كافٍ.

مما يزيد الأمر تعقيدًا أن لبنان لا يملك طائرات لمراقبة الملاحة البحرية، ولا قدرات إنقاذ أو بحث بحرية يمكن الاعتماد عليها. يمكن للتعاون مع مصر أن يقدم هذا الدعم بسرعة كبيرة وبضمانات هائلة. كما أن مثل هذا التعاون سيكون مرحبًا به من قبل السعودية، التي ستجد ذلك مناسبًا من الناحيتين السياسية والمالية، في إطار دعمها للقوات المسلحة اللبنانية.

بالإضافة إلى ذلك، سيجعل موقف مصر المعارض للجماعات الإسلامية المتطرفة أي تعاون لها مع القوات المسلحة اللبنانية مقبولًا سياسيًا من قبل الشيعة والسنة المعتدلين في لبنان على حد سواء. لذا، سياسة الدعم الشاملة للقوات المسلحة يجب أن تتضمن وجود شركاء إقليميين، ومصر يجب أن تكون على رأس قائمة هؤلاء الشركاء.

مصدر الترجمة: 
فريق ترجمة موقع راقب