كيفية تدبير الأمور مع إيران

مقال رأي

ليس من قبيل الصدفة أن لا يكاد يكون هناك أي شخص من المشاركين في المفاوضات النووية الإيرانية الذي أعرب عن تفاؤله حول تلبية الموعد النهائي - المصادف 24 تشرين الثاني/ نوفمبر - للتوصل إلى اتفاق شامل. ويواصل [ممثلو] الحكومتين الإيرانية والأمريكية اجتماعاتهما بانتظام - وكان آخرها الأسبوع الماضي في فيينا - ولكن هناك عدد قليل من العلامات التي تشير إلى حدوث تقدم ملموس. وفي الواقع، إن جوهر الاتفاق الذي كان له دائماً معنى أكثر - وهو التراجع عن البرنامج النووي الإيراني في مقابل التراجع عن العقوبات - يبدو بعيد المنال على نحو متزايد. وبدلاً من ذلك، يصر الايرانيون على التراجع عن العقوبات مقابل اتخاذهم تدابير من الشفافية المحدودة فقط والمتعلقة ببرنامجهم النووي ذو الحجم الصناعي. بيد، أصرَّت واشنطن منذ فترة طويلة على أنه نظراً لانتهاكات إيران السابقة لـ "معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية"، فإن الشفافية المحدودة لن تكون كافية. بالإضافة إلى ذلك، سبق لها أن صرحت بأنها لن تقبل قيام برنامج على نطاق صناعي، على الرغم من أنها مستعدة للموافقة على قدرة محدودة لتخصيب اليورانيوم.

لذا، يبدو من المستبعد جداً التوصل الى اتفاق شامل بحلول 24 تشرين الثاني/نوفمبر. ويقيناً، أن إمكان الإيرانيين تقديم تنازلات في اللحظة الأخيرة تتعلق بأجهزة الطرد المركزي - حول عددها الإجمالي، فضلاً عن إنتاجها - ومدة الاتفاق. وفي المقابل، بإمكان واشنطن تقديم المزيد من التنازلات في الساعة الحادية عشرة. وفي هذه المرحلة، يبدو ذلك أقل احتمالاً - إن لم يكن مستحيلاً - من بين النتائج التي من المرجح أن تظهر خلال الشهر المقبل.

انهيار المحادثات وحدوث أزمة

قال لي أحد المفاوضين من (الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن + ألمانيا) أنه يتوقع بأنه إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق قبل انتهاء المحادثات، فسوف يرفع الإيرانيون الغطاء عن برنامجهم ويضاعفون بسرعة من برنامجهم لتخصيب اليورانيوم. وسوف تستأنف طهران تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المائة، وتزيد من استخدامها لأجهزة الطرد المركزي من الجيل القادم، وتوسّع مخزونها من اليورانيوم المخصب. ومن شأن ذلك أن يقلّص الوقت اللازم لتجاوز العتبة (النووية) - كما يُطلق عليها - الذي تتطلبه إيران لانتاج اليورانيوم المخصب لصنع الأسلحة النووية، وربما إخفاءه. وهذا، بدوره، قد يعني أن الولايات المتحدة لن تستطيع بعد الآن أن تكون واثقة من إمكانيتها منع إيران من امتلاك أسلحة نووية.

كيف سيكون رد الولايات المتحدة؟ يكاد يكون من المؤكد أن الخطوة الأولى ستكون فرض عقوبات أكثر صرامة على طهران وحشد الدعم الدولي لها. (وستكون أهم هذه العقوبات مصممة للحد بشكل كبير من قدرة إيران على تصدير نفطها) . ورغم فرض عقوبات جديدة، من المؤكد زيادة ميل الحكومة الإسرائيلية نحو توجيه ضربة عسكرية ضد البرنامج النووي الإيراني - ليس فقط بسبب زيادة التهديد من برنامج طهران [النووي]، بل أيضاً لأن المجتمع الدولي قد يكون أكثر تسامحاً مع عمل عسكري إسرائيلي في ظروف يبدو فيها أن الإيرانيين يعجّلون بسرعة تطوير برنامجهم النووي.

لذا، فهل يرجح أن يتم قيام هذا التسلسل الخطير للأحداث؟ إن هذا ممكناً، ولكن كل من (الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن + ألمانيا) وكذلك إيران لا ترغب في التصعيد، لذلك من المرجح أن يبحث كلا الجانبين عن وسيلة للخروج من المأزق.

اتفاق جزئي

إن أحد الاحتمالات سيكون الموافقة على تمديد المفاوضات في ظل الشروط الحالية. وبالنسبة للغرب، تكمن الاستفادة من هذا التمديد في استمرار احتواء البرنامج الإيراني، فضلاً عن عدم إقتراب الجمهورية الإسلامية من قدرات تجاوز العتبة النووية. ومن جانبهم، سيحقق الإيرانيون المزيد من الانتعاش الاقتصادي، على الرغم من أن الهيكل الأساسي لنظام العقوبات سيبقى مصوناً. وقد قال مسؤول "مجلس الأمن القومي الأمريكي" السابق، جوفي جوزيف، أن الحفاظ على الوضع الراهن هو أفضل من عدم اليقين والخطر الكامن من عدم التوصل إلى اتفاق حيث يواصل ذلك ترك مجال لإمكانية تحقيق اتفاق شامل ومستدام.

ومن شأن البديل المحتمل لهذا السيناريو أن يكون اتفاقاً جزئياً قد يضفي طابعاً رسمياً على اتفاق يتم التوصل إليه بين كلا الجانبين حول العديد من القضايا - كإعادة تصميم مفاعل آراك الذي يعمل بالماء الثقيل، وإعادة تهيئة مفاعل فوردو إلى منشأة للأبحاث، وتعزيز بروتوكولات التحقق للمفتشين النوويين - ومواصلة الحوار حول المجالات التي لا تزال هناك خلافات كبيرة حولها. وفي كل حالة، ستستمر الدبلوماسية [بهدف التوصل إلى حل] ولن تُفرض عقوبات جديدة. يتعيّن على واشنطن أن تقبل بأنه لا يمكنها إعادة برنامج إيران النووي إلى وضعه السابق بصورة فورية، على الرغم من أنها ما زالت تأمل أن تتمكن من القيام بذلك مع مرور الوقت.

وتوجد أسس موضوعية لهذا النهج، ولكن هناك أيضاً أسباب للشك في تطبيقها العملي. فمن شأنها أن تقر أساساً بالأمر الواقع الجديد لبرنامج إيران النووي، تكون فيه إيران غير بعيدة سوى شهرين أو ثلاثة أشهر (أي قاب قوسين أو أدنى) عن القدرة لامتلاك قدرات تجاوز إنتاج اليورانيوم المستخدم في الأسلحة النووية. وما لم يؤدي الانخفاض الحالي في أسعار النفط إلى قيام ضغوط جديدة هامة على إيران، فإنه من الصعب أن نرى لماذا، في هذه الحالة، سيكون الإيرانيون على استعداد لتقديم تنازلات بشأن نطاق برنامج التخصيب الذي يطورونه والذي رفضوه حتى الآن. وهل يتوجّب على الولايات المتحدة تقبّل ما قد يرقى إلى أمر واقع جديد؟ أولئك الذين يقولون "نعم" يخشون بوضوح من مخاطر [الخيار] البديل ويرون أن المنطقة مضطربة بما فيه الكفاية في وضعها الحالي. ويقيناً، قد يكون ذلك هو ما يعتمد عليه الإيرانيون: معاناة واشنطن والمجتمع الدولي الأوسع من الإجهاد في الشرق الأوسط.

وفي النهاية، قد لا يُثبت مثل هذا النوع من التمديد بأنه ممكن بسبب الضغوط السياسية في الولايات المتحدة. وفي حالة عدم حدوث تراجع كبير في البرنامج النووي الإيراني، من غير المرجح أن يوافق الكونغرس الأمريكي على استمرار ضبط النفس: وفي الواقع، إذا أسفرت انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر على حصول الحزب الجمهوري على أغلبية في مجلس الشيوخ الأمريكي، من المرجح أن يتم فرض عقوبات جديدة على إيران اذا فشلت المفاوضات الحالية. وسوف يحافظ الرئيس الأمريكي باراك اوباما على القدرة على نقض التشريعات التي تدعو إلى فرض عقوبات جديدة، لكن من المرجح أن يواجه ضغوطاً سياسية هائلة للتوقيع عليها لتصبح قانوناً.

تدبير الأمور

هناك نهج آخر يتمثل في الاستجابة لمهلة التفاوض القادمة من خلال التوصل إلى نتيجة إيجابية وتجنب أي اتفاق أو تمديد رسمي. وسيكون هناك تفاهم ضمني بأن إيران ستحد من برنامجها [النووي] ولن تُفرض عليها أي عقوبات إضافية. ربما قد يكون هناك انقطاع رسمي لعدة أشهر في محادثات (الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن + ألمانيا)، لكن قد تستمر الاجتماعات من وقت لآخر بين وزير الخارجية الإيراني ومسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي أو حتى وزير الخارجية الأمريكي جون كيري لمعرفة ما إذا كان بالإمكان استئناف المفاوضات. وأقلّ ما يقال، أن من شأن ذلك أن يظهر استمرار الجهود الدبلوماسية.

وكما هو الحال مع خيار التمديد، فإن نهج التوصل إلى نتيجة إيجابية قد يكون بدافع القلق المشترك بأن انهيار المحادثات قد يؤدي إلى حدوث أزمة وتصعيد الأوضاع، وهي أمور تسعى جميع الأطراف إلى تجنبها. ومن شأن المخاوف المتبادلة حول التهديد الذي يشكله تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش»)، المعروف أيضاً باسم «الدولة الإسلامية»)، أن تضيف إلى الحافز الواضح بأن على كلا الجانبين تجنب المواجهة. وعلاوة على ذلك، إن التوصل إلى نتيجة إيجابية سيكون له فوائد سياسية هامة. وفي ظل هذا الخيار، لا يتوجب على أي من الطرفين الدفاع عن اتفاق التمديد، وهو إمكانية كان الإثنان قد رفضاها، كما تعارضها دوائر سياسية مهمة. وبالفعل، كان العديد من عمليات التفاوض الدولية قد استمرت إلى ما بعد مواعيدها النهائية المعلنة عندما كان التوصل الى اتفاق أمر غير ممكن، ولكن كانت هناك رغبة متبادلة حول عدم رؤية انهيار المحادثات - تجدر الإشارة هنا إلى أن العديد من المراحل التي تعثرت فيها المحادثات الإسرائيلية الفلسطينية تُناسب هذا النموذج.

وبعد بيان ما سبق، ففي هذه الحالة، سيكون التوصل إلى نتيجة إيجابية عملية صعبة وخطرة بشكل خاص، وليس هناك ما يضمن تمكُّن كلا الجانبين من النجاح فيها. ومن غير المرجح أن يُظهر "فيلق الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني وغيره من المحافظين في إيران ضبط النفس في ظل غياب اتفاق. وسوف يكون هذا هو الحال بصورة خاصة إذا تم الترويج لعقوبات جديدة - وهو أمر مرجح للغاية إذا لا يرى أعضاء من الكونغرس الأمريكي التزاماً صريحاً أو غير رسمياً من جانب إيران للحد من برنامجها [النووي]. إن التوصل إلى نتيجة إيجابية عملية لها مزايا، ولكن سيكون من الصعب الاستمرار فيها.

الخطة "باء"

نظراً لمدى قلة استعداد الإيرانيين للتنازل أثناء المحادثات، فمن الممكن جداً أن لديهم خطة "باء" تعتمد على الإلتفاف على المفاوضات. على سبيل المثال، يمكن أن تتمثل استراتيجيتهم بعدم التنازل عن أي شيء آخر في المحادثات - إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق أو تمديد - والاستمرار في الانتباه بشكل عام إلى الخطوط العريضة للاتفاق المؤقت القائم. ومن خلال الحفاظ على غطاء برنامجهم النووي في الوقت الحالي والإعلان بأن ايران ليست لديها مصلحة في امتلاك القنبلة، فباستطاعتهم جذب التعاطف من المجتمع الدولي - وهي مهمة أسهل بكثير مع وجود الرئيس حسن روحاني ووزير الخارجية جواد ظريف على رأس الحكومة الإيرانية - وفي النهاية طلبْ وضع حد لنظام العقوبات. وهذا يعني، أنه من الممكن أن تكون طهران قد أجرت حساباتها وتوصلت إلى نتيجة مفادها أن نظام العقوبات سوف يضعف مع مرور الوقت حتى في غياب أي تنازلات من قبل إيران، بشرط أن يبدو الأمر معقولاً وأن تؤكد طهران أنه ليس لديها مصلحة في الحصول على أسلحة نووية. ومع أخذ ذلك في نظر الإعتبار، فمن المنطقي أنه حتى في الوقت الذي لم تبدي فيه إيران مرونة كبيرة في المفاوضات، كان ظريف نشطاً في الدبلوماسية العامة، الأمر الذي يشير في كل مناسبة إلى أن إيران كانت تتعاون بصورة كبيرة خلال المحادثات - ويشير إلى أن طهران مستعدة لتحديد حجم برنامجها لمستوياته الحالية خلال مدة يتفق عليها الطرفان بصورة متبادلة في أي صفقة شاملة.

وعلى الرغم من أنه قد يكون لإيران خطة "باء" من هذا النوع، إلا أنه ليست هناك أدلة تذكر على أن لـ (الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن + ألمانيا) خطة خاصة بها. وفي الواقع، حتى في الوقت الذي يتحدث فيه الإيرانيون عن مرونتهم في المفاوضات، غَلَبَ على (الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن + ألمانيا) عدم الكشف سوى على عدد قليل جداً من التفاصيل حول نهجها الخاص، كما يحبوها أمل في عدم تعقيد التقدم نحو التوصل إلى اتفاق. وقد أدى ذلك إلى ترك المجموعة في وضع صعب جداً، من خلال ترك المجتمع الدولي - والجمهور الإيراني - تحت الانطباع  بأن طهران كانت في الجانب الأكثر استرضائياً. ولكن هذا غير صحيح بشكل واضح. فقد أظهرت (الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن + ألمانيا) مرونة ملحوظة خلال المحادثات، من خلال موافقتها على السماح لإيران بتجنب تعليق تخصيب اليورانيوم رغم قرارات مجلس الأمن الدولي التي تلزم عليها القيام بذلك؛ والموافقة على أنه يتوجب معاملة ايران كأي دولة أخرى موقعة على "معاهدة حظر الانتشار النووي" في أعقاب التنفيذ الكامل للاتفاق الشامل على الرغم من انتهاكاتها السابقة؛ والرضوخ لإصرار إيران على عدم إقرارها بأنها طوّرت برنامج للأسلحة النووية؛ وعدم شمل البرنامج الإيراني للصواريخ الباليستية في الاتفاق الشامل المقترح؛ وقبول الذريعة الإيرانية ضد تحويل منشأة آراك لمفاعل يعمل بالماء الخفيف وإغلاق مفاعل فوردو؛ وتلبية مصالح إيران التي تصر على عدم تفكيك أجهزة الطرد المركزي (وبدلاً من ذلك، ربما قد يخفضون الانتاج، ويقومون بتفكيك الأنابيب، ويكونون مرنين مع عدد أجهزة الطرد المركزي التي ربما تستمر في العمل في نهاية المطاف).

يجب أن يكون هذا السجل الأساس للخطة "باء" لـ (الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن + ألمانيا). ينبغي على الولايات المتحدة وشركائها أن يوضحوا الآن (أو على الأقل في المستقبل القريب جداً) حزمة [المقترحات] التي قدموها للإيرانيين، وكيف رفض الإيرانيون شروط ذات منفعة كبيرة تكون قد وفرت لهم ما يقولون إنهم يريدون الحصول عليه ألا وهو - الطاقة النووية المدنية. فمن خلال قيام الولايات المتحدة بكشف جميع العروض التي رفضتها إيران، بإمكان واشنطن أن تمنع احتمال [تقديم] طهران خطة "باء"، تعتمد على بناء سمعة معقولة. ومن خلال قيامها بذلك، ستشير (الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن + ألمانيا) أيضاً إلى أن نظام العقوبات سيظل سارياً، بل ربما يتوسع في المستقبل القريب. ومن المفارقة، أن الخطة "باء" للدول الغربية قد تزيد من احتمال التوصل إلى اتفاق من خلال إعلام الإيرانيين بأن هناك الكثير الذي سيخسرونه من عدم إبرام صفقة. ولكن حتى إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، بإمكان واشنطن استخدام [الخطة "باء"] كوسيلة ضغط، على الصعيدين الدولي والمحلي. وبعد أن أظهرت واشنطن أنها على استعداد للتنافس مع الايرانيين أمام الرأي العام وأماكن أخرى، فقد تطلبْ الولايات المتحدة من الكونغرس وبمصداقية أكبر عدم تنفيذ أي عقوبات جديدة يتبناها الكونغرس لمدة ثلاثة أشهر أخرى، وذلك لمعرفة ما إذا كان بالإمكان إقناع إيران، في ظل هذه الظروف الجديدة، على الموافقة على اتفاق شامل.

وفي النهاية، يبدو أن هناك احتمالاً ضئيلاً في التوصل الى اتفاق شامل في الوقت الحاضر. وإذا كان هذا هو الحال، ينبغي على (الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن + ألمانيا) التفكير ملياً في ما سيحدث بعد الموعد النهائي في 24 تشرين الثاني/نوفمبر. إن الأنتظار حتى 25 تشرين الثاني/نوفمبر سيكون خطأً كبيراً قبل النظر في البدائل المحتملة.

مصدر الترجمة: 
Washington Institute for Near East Policy